"عيد ميلاد سعيد!"
قالت أمي وأبي وكلوما في تناسق مذهل. وما أثار الدهشة أكثر هو دارين الذي لم ينطق بحرف بل خطها عوضاً عن ذلك في الهواء بأحرف مشتعلة ضخمة.
قلت: "شكراً"، وأنا أتأمل الكعكة التي جلبتها كلوما وقد أعدتها كلانا طازجة.
قاطع تأملي جذب كلوما لي من الخلف.
وأعلنت: "أنت شارد. وليس بسبب الكعكة وحدها. لم تفادَ حتى!"
"أنا... أشغل بالي أمور كثيرة. آسف."
"ظننتك قررت أن أمامنا عامين قبل وقوع أي غزو للوحوش. هناك متسع كبير من الاستعداد."
"نعم..."
وافقتُ عاجزاً عن قول إنّ ذلك لم يكن ما يشغلني. لقد تركتُ ستة أشخاص يفقدون صوابهم ببطء لتقليل خطر يتهدد عالمنا. لم أزل الخطر وما كان إلا خطرا منذ البداية. أستطيع تسويغ الأمر بالطبع وإن عجزت عن ذلك لما غادرت دون فعل شيء. وفوق ذلك استبعدت حدوث أي شيء حتى لو رفعت آرائي إلى بلورة سحر الروح العجيبة. كيف لأي شيء أن ينفذ أفكاري بدقة دون وعي خلفه؟ الأرجح أنه كان سييء التأويل ويزيد الأمور سوءاً.
والأرجح أنها وُجدت لتسجيل الأحداث لصالح إرين. سبل كثيرة سوّغت بها فعلي ولم ينفعني أي منها. لقد تركت سناً ورائي لأتمكن من العودة دون معونة كرانا غير أن ذلك زاد الطين بلة. أدركت أن بمقدوري الذهاب إلى هناك في أي لحظة ولمس البلورة لتتلو أفكاري. سينتهي كل شيء في غضون دقائق معدودة. سيتحتم علي في مرحلة ما مواجهة أولئك الستة مجدداً. وكنت أؤجل الأمر قدر استطاعتي.
"هيك! بيتر!"
"هاه؟"
سألت بغباء متحرراً من تأملي الداخلي على وقع نظرات كلوما الحارقة ويداها على خصريها وذيلها المتصلب يبرز خلفه. بينما تدلى ذيلي أنا برخاوة...
"حسناً هذا سخيف. ما بك؟ أنت غائب عن الوعي لدرجة أن لوسي تحاول مناولتك قطعة كعكة منذ ما يقرب من دقيقة ولم تنتبه حتى."
أطرفت والتفتُّ إلى أمي التي كانت تمسك بالفعل بقطعة كعكة.
"شكراً."
"تبّاً لك. أنت أكثر كآبة مني بعد عودتي من العش الزمردي. لقد ساعدتني حينذاك وقد حان دوري لأساعدك."
"أرجوك لا تحولي تلك البزة الغريبة."
"لم أكن أنوي ذلك. إن كنت قادراً على تجاهل الكعكة فأنت قادر على تجاهل تلك أيضاً."
لم أقتنع تماماً بمنطقها مع أنها كعكة كلانا ولربما طوى الأمر على شيء من الصحة.
"ما الذي تنوين فعله إذن؟"
لم تجب بل أمسكت معصمي وجرتني إلى طاولة الطعام ودفعتني إلى مقعد. ثم جلست تقابلني.
"أنا أنوي الإصغاء. ما الذي يشغل بالك؟"
عظيم. لقد ظفرت بمستشارة تعجز حرفياً عن الإصغاء لمشكلاتي. كنت أظن أن أمراً كهذا سيجعلني أقل ميلاً للقانون لكن الحقيقة هي أنه لو خضع الجميع للقانون لما عانيت من هذه المشكلة. أأحتاج إلى إدراج نفسي كجزء من الجميع؟ كانت فكرة مرعبة. لا أستطيع البتة أن أبدو مسروراً إزاء الأمر كالتاؤمين... مما جعلني بدوره أتعاطف مع هاري ويزيدني نفوراً من زيارته مجدداً.
"إذن؟"
طالبت بإلحاح.
"مشاركة همومك ستساعدك بحق. لا تحتفظ بها حبيسة صدرك."
قالت أمي: "كلوما محقة يا بني. أنت لست في وعيك اليوم وإن أخبرتنا بما يعيقك فلعلنا نساعدك."
حسناً... كم كان بوسعي الشرح دون أن تمحى ذاكرتهم؟
"أهل الأرض لا يرغبون في التأثر بالنظام. لقد فعلت ما بوسعي لكن المواليد الجدد لا يزالون يتأثرون. إنهم يريدون مني تخليص الأرض منه تماماً غير أن محاولة فرض طريقي إلى الفلك تعرض النظام في هذا العالم للخطر."
سألت أمي: "لم لا يريدونه؟ أليس مريحاً؟ وليس الأمر كأنهم مضطرون لشراء المهارات. بوسعهم تجاهله ببساطة."
حقاً. في عالم خاضع للقانون كانت تلك إجابة منطقية تماماً. فلن يساء استخدام مهارات النظام ولن يكون هناك ما يدعو للقلق.
"لديهم أسباب وجيهة للغاية لعدم رغبتهم فيه وأنا أوافقهم الرأي. فهو لم يُبنَ لأجل الأرض وإدخاله سيكون كارثياً."
"أي أسباب؟"
"آسف لكن لا يمكنني شرحها."
"ماذا؟ ولم لا؟"
احتدمت كلوما.
"أستخسر أن تفهمينني أيضاً كما يكرر أولئك القوم من الأرض؟ لست غبية!"
قالت أمي: "اهدئي يا بنيتي. أنا واثقة أن هناك سبباً لذلك."
"هناك سبب. مثل... أتذكرين صفة [الساحر الطبيعي] لدى دارين؟ أليست ترفع قيود النظام عن السحر؟ ألا يعني ذلك منطقياً احتمال وجود قيود أخرى للنظام؟"
تذمرت كلوما: "نعم؟ لكني لا أرى سبباً يمنعك من الشرح!"
"إذن هناك قيد ما سيضر بالأ الأرض لكنك لا تستطيع إخبارنا بماهيته؟ ينبغي ألا يستحيل شرحه؛ لقد حدث وأن أخبررتنا الكثير عن الأرض."
ولهذا السبب لم أكن أرغب بالحديث عن الأمر! ها قد بدأت كلوما تشعر بالإحباط وحتى أمي وافقت الرأي وإن بدا ذلك بلطف أكبر. كان بإمكاني إخبارهن بشأن القانون وأنا آمن بمعرفة أنه سيمحى بأسره مجدداً لكنني لم أكن أرغب في استغلال الأمر هكذا!
"أحد القيود يمنعكم من معرفة القيود."
أشارت أمي: "في هذه الحالة لن تعرفه أنت أيضاً."
"مثلي مثل دارين أملك صفة من المرتبة الخامسة. وصفات المرتبة الخامسة تميل إلى رفع قيود النظام."
"حسناً إذن إن لم تكن أنت فما بالك بعلماء الأرض؟ لقد أعدت وصلهم!"
"نعم ولهذا السبب هم تعساء للغاية. إنه يؤثر عليهم وهو ذو أثر متأخر زمنياً."
اتسعت عيناه كلوما.
"ماذا؟ حقاً؟"
"نعم حقاً. من جهة هم بحاجة للنظام كي ينجوا هنا. ومن جهة أخرى فإنه يسلبهم شيئاً ما وهو ما يرعبهم."
"أولست متأثراً بسبب صفة من المرتبة الخامسة؟ ماذا كنت ستشعر لو لم تكن كذلك؟"
هاه؟ كنت أتوقع أن الخوض في هذا القدر من التفاصيل سيحفز محو الذاكرة. ولربما ساعد كوني أصف الأمر كجزء من النظام عوضاً عن كونه تحكماً خفياً بالقول؟ استطعت إجراء بعض التجارب ومعرفة أين يكمن الحد الفاصل بدقة بين ما هو مقبول وما هو مرفوض لكن فكرة تحفيز عمليات محو الذاكرة عمداً ظلت مقلقة للغاية كالعادة.
"كنت سأوافقهم الرأي."
"إذن عليك مساعدتهم!"
"لكنني لا أجد سبيلاً لمساعدتهم لا يعرض هذا العالم للخطر. ولا أكاد أهتدي إلى سبيل أنا متأكد من أنه سيفيدهم."
قال أبي بحزم: "أنت تبالغ في التفكير. لا يمكنك سوى فعل القدر المحدود. إن استطعت المساعدة فساعد. وإن عجزت فلا تشعر بالذنب إزاء ذلك."
إجابة بسيطة وجميلة من أبي كما توقعت. ليت العالم الحقيقي كان بهذا الوضوح.
"همم... أنت تريد المساعدة لذا تستبد بك الهواجس الآن حول ما إن كنت ستجازف أو ما إن كان هناك خيار أفضل أو ما إن كان عليك الاستسلام ببساطة؟"
"نعم هذا هو جل الأمر تقريباً."
"إلى متى؟ لقد قلت إن له أثراً متأخراً فكم من الوقت لديهم؟"
"عامان؟ يستحيل الجزم بذلك."
"إذن الأمر جلي أليس كذلك؟ تذكر فكرتك ولكن واصل البحث عن حل أفضل في الوقت الراهن. فإن بدأ الوقت ينفد منك ففكر في سبل تجعل حلك الحالي أفضل. لن أسمح لك بالإجهاد حياله لعامين."
أي أفكار أخرى يمكن أن تتوفر؟ لم نكن لنفعل شيئاً بأنفسنا. كنا بحاجة لما خلفته إرين. ... أم إرين نفسها. لقد أخبرني جايسون أنها تتعافى. ما سرعة تعافيها؟ أستكون جاهزة في غضون عامين؟ متسابقة رابعة تنضم إلى سباقنا الثلاثي الحالي. أيكون من الإنصاف تجريدها من الحياة البشرية التي صنعتها لنفسها ومحاولة إعادتها كأم للأرض؟ أيمكننا إعادتها؟ لم تخبرني كرانا قط بالغاية من ذلك اللب لكني استطعت وضع تخمينات صائبة تماماً.
من الواضح أنها كانت تعد خططاً للمستقبل. لكن مطالبتها بالتعامل مع سحر الروح فور انتهائها من مداواة جراحها الناجمة عن استخدام سحر الروح سيكون أمراً مجحفاً بكل ما للكلمة من معنى...
أشارت كلوما: "أنت تتنهد مجدداً."
"آسف. أنت على حق. ليس بوسعي فعل أي شيء البتة الآن وأنا أدرك ذلك منطقياً ولكن... يصعب التحلي بالمنطق."
"إذن كُلِ الكعكة. ما من مشكلة في العالم تعجز كعكة أمي عن المساعدة في حلها. وبعدها يمكننا العودة للبيت وسأمنحك تدليكاً على غير العادة."
تفحصتها بـ [التحليل] لكنها لم تكن قد اشترت [الإتيكيب الأساسي]. مع ذلك استلت تعليقاتها ابتسامة مني فغرزت شوكتي في الكعكة وأخذت قمة أخيرة. وكما هو متوقع كانت سماوية. ربما بالغت كلوما في تقدير قوة الكعكة رغم أنها لم تكن تميل إلى الحلويات أبداً إلا أنها ساعدت حقاً في إبعاد ذهني عن الأمور وأفلحت في الدخول في دردشة أكثر استرخاء. على الأقل حتى أثيرت سيرة دارين وكرانا وهو توتر من نوع آخر.
ولسان الحظ لم يكن شيئاً تقع مسؤوليته على عاتقي بأي شكل ولا تزال فكرة شعور كرانا بالخجل لإذابتها للمشهد الطبيعي طريفة. وهكذا وبعد التهام الكعكة عدنا إلى داونهولد.
سألت: "أفنستأنف التنقيب إذن؟"
بات يحوي [مخزني] كمية خطيرة من قنابل التحلل وحظيت بترقيات جيدة لمهاراتي من [الساحر الزمني] حتى وإن فقدت تعاويذي زمنية التأثير من المرتبة الأولى. كنت أتطلع بشوق لتجربة ترسانتي الجديدة.
"نعم. غداً. أما الآن فالملابس خارجاً."
أمعنت النظر في كلوما.
"التدليك أتذكر؟"
واصلت التفرس.
"حسناً. يمكنك إبقاء ملابسك الداخلية. تبّاً."
ظننت أنني أؤدي بشكل جيد نوعاً ما. ففي غضون فصل بالكاد انتقلت من رفض استخدام عبارات مثل موسم التزاوج أو الشبق في جملة إلى تقاسم الفراش حيث ننخرط في أنشطة فاضحة كتصاحب الأيدي والتمنّي. وبهذا المعدل الذي أسير به سأكون جاهزاً لأي شيء بحلول موسم التزاوج القادم. على ألا إنني لم أكن جاهزاً لفكرة كلوما عن التدليك.
صحت: "آه!"
وهي تعجن ظهري بقوة معززة بالنظام.
"آسف! أمم... لقد فات الأوان للسؤال لكن ما المفترض أن أفعله؟"
انتزع مني ذلك أوسع ابتسامة في اليوم.
"إما أن تشتري [الإتيكيب الأساسي] أو تجدي لي شخصاً آخر لأطبق عليه."
كادت أقترح عليها تلقي دروس من شبيهة-بلوبي لكن عجزها عن إنتاج مئات الجواميس اللزجة يعني أن تقنيات شبيهة-بلوبي غير قابلة للتطبيق.
هتفت: "أه! بالطبع!"
مما جعلني أتساءل أيهما اعتبرته خياراً بديهياً.
"سأعود حالاً!"
هرعت خارجة من الغرفة مسببة لي هلعاً عابراً. لم تكن بحاجة للحركة لشراء [الإتيكيب الأساسي] لذا لابد أنه الخيار الثاني وما زلت بملابسي الداخلية! بيد أن [رؤية المانا] أظهرت أنها لم تذهب سوى إلى غرفتها وعادت في غضون ثوان قابضة على فرشاة شعر بيدها.
هتفت: "بعد الضربات الأولى يتحول هذا إلى أكثر شيء يبعث على الاسترخاء!"
أدخلت ذيلي سريعاً تحت ساقي.
"حقاً. لقد رأيتني للمرة الأولى. كل شيء حساس وغامر في البداية ثم يغدو مريحاً للغاية."
لطالما بدا أمر ذيل ذوات الدلافين غريباً بالنسبة لي لكنني تذكرت بعد ذلك كيف يكون البشر عرضة للزغزغة. كان الأمر سيّان في جوهره. فالاستجابة للزغزغة لا تخضع لأي منطق إطلاقاً. وأي ميزة تطورية تلك التي تسمح لأحدهم بإضعافك بتلك الطريقة؟ ولقد تحولت كلوما في المرة الأولى إلى بركة من الخرخرة... كانت تستمتع حقاً بلا شك.
وافقت بتوجس: "حسناً"، مفرجاً عن ساقي قليلاً ومامداً ذيلي فوق الفراش.
مررت كلوما الفرشاة عبره وكما هو متوقع شعرت وكأن صدمات كهربائية تسري صعوداً في ظهري. لم أفلح سوى في الارتعاش لكن ما إن خبت الصدمات حتى سددت كلوما ضربة ثانية أطلقت دفعة ثانية من الشرار تصنع حفلة في عمودي الفقري. لكنها كانت على حق؛ فبدلاً من أن تصبح الصدمات عصية على الاحتمال اندمجت ببعضها لتشكل وخزاً ممتعاً سرى في جسدي بأكمله. بدا كل شيء ثقيلاً بل وأثقل بكثير مما كان عليه الحال حين كنت أستعمل النسخ المعدنية من أطرافم وامتد ذلك ليشمل جذعي ورأسي وذيلي أيضاً.
أدركت بفزع أنني مشلول. لم أستطيع الحركة أبداً. ولم أقدر حتى على الكلام. ولكن لسبب ما لم يكن الأمر مخيفاً قط. بدا وضع كلوما حين فعلت بها هذا أكثر منطقية فجأة. كنت أغرق وسادتي باللعاب على الأرجح دون أن أكترث حتى. توقف تمشيط الذيل فجأة.
تذمرت آلياً وقد عاد إليَّ قدر من التحكم بعضلاتي: "لا..."
تمتمت كلوما بتلعثم: "أنت... لقد..."
أنّات وما زلت نصف واع: "هاه؟"
هتفت: "لقد خرخرت للتو!"
تمتمت بينما أغط في النوم: "هذا رائع..."