تساءلت إرين مراراً عن سبب إقدام أجناس العالم على بناء الأسوار حول أبزاتها. لم تكن الأبزار خطرة إلا من الداخل قط. فلم تغادرها الوحوش يوماً، وما غاية الأسوار إذن؟ لكنها لم تزل ترتفع وتزداد سماكة منذ شُيِّد أول سور قبل بضعة قرون. كان ينبغي لذلك أن يكون الإشارة الأولى على وجود خلل ما. وكان عليها أن تبحث في ذكريات أولئك الذين أمروا ببنائها، أو تحصينها، لمعرفة السبب. وكان ينبغي لها أن تلاحظ.
لكنها لم تفعل. لم تقرأ الأفكار يوماً من باب الفضول أو للتفهات، ولم تحسب الأسوار ذات بال. سمعت بمصطلح انهيار الأبزار، لكنها لم تدرك قط أنها ظاهرة تحدث حقاً. بعد الكارثة الأولى، لم يحاول بناة الفلك حتى الحفاظ عليه. أطلقوا العجلات ثم تباعدوا فوراً وتكفل النظام بأموره. لقد فشل، وانتهى العالم مرة أخرى. عزمت إرين على ألا تكرر ذلك الخطأ. ستراقب، وترصد كبيراً وصغيراً من النظام والقانون، وتتعامل مع المواقف حسب الحاجة.
ستترك أبناءها لشؤونهم، ولن تتحدث أبداً إلا عند الضرورة، لكنها ستكون موجودة على الأقل. كانت تدرك المخاطر، وأن إشرافها المستمر يعرضها لارتداد سحر الروح. أخذت احتياطاتها. وستلاحظ إن بدأت الأمور تسير في اتجاه خاطئ. يا له من غرور! تمنت إرين الحالية لو تستطيع التواصل مع إرين التي عاشت قبل بضعة قرون، لتصرخ في وجهها فحسب. فحين انتهى العالم للمرة الأولى، كان ساحر الروح المعني واثقاً من احتياطاته أيضاً، وفقاً ليوميات عضو في مشروع الفلك يدعى شوادرينا.
لماذا ظنت إرين أنها ستكون أوفر حظاً؟ إن كانت صادقة مع نفسها، وجب عليها الاعتراف بأنها لم تكن كذلك. ليس حقاً، أو ليس كلياً. لم تنوِ يوماً أن تعمل حامية للع العالم للأبد. بل احتاجت فقط إلى تسيير الأمور جيداً بما يكفي لتتمكن من الانفصال عن العالم دون خوف على سلامته. ومع ذلك لم تكن راضية قط. ولم ترغب يوماً في التراجع عن موقعها. لم يحن الوقت المناسب أبداً. وما زال الوقت غير مناسب.
ثمة لغز النفوس الغريبة؛ ودون فهم السبب، لم يكن أمامها خيار يذكر سوى التعامل معها بنفسها. وعليها الآن إصلاح الأبزار أيضاً، لإلغاء التخريب الذي أحدثته تلاعبات مشروع الفلك.
قالت تلك الهلامية، حادة الفطنة كعهدها دائماً: "أمي؟ ما الأمر؟"
كذبت إرين: "لاشيء".
ردت الهلامية بدقة: "كاذبة. الأبزار بأسرها تهتز! لم أرك هكذا قط منذ المرة الأولى التي تسللت فيها إلى السطح!"
لم تجب إرين، ضائعة في أفكارها. كانت انهيار الأبزار تحدث طوال مئتي عام مضت ولم تسبب خسائر في الأرواح. نعم، كان مثيراً للقلق أنها تعاني مما بدا أنه إغماءات جزئية، إذ يفقد كل قلب تدريجياً تماسكه مع كليتها، لكن الأمر لم يكن خطيراً بعد. كان لديها وقت. وقتاً لحل المشكلات الأخيرة التي تواجه العالم قبل الانسحاب التام من السطح. كانت الأبزار أولاً. سأل بيتر لمَ لا تمنح المواد مجاناً، لكن إرين لم ترد أن يصبح أبناؤها معتمدين عليها.
ستمنح الفرص، لا العطايا المجانية. المكافآت بحاجة لمن يكد من أجلها. لكن لمَ القتال؟ أعجبتها فكرة وحوش الزعماء، على سبيل المثال، فهي تحدٍّ يجب اجتيازه للانتقال إلى الطابق التالي ومكافآت أكبر، ولكن لمَ يجب أن يكونوا بهذه الخطورة؟ يخوض المغامرون طريقهم عبر الطابق، متعاملين مع مواجهات ذات صعوبة محددة، ثم يُلقون فجأة في معركة أشد صعوبة بكثير دون حتى خيار الفرار. كان الأمر...
غير عادل. لقد تكيّف المغامرون؛ فدائماً ما يُطهّر الأبزار الجديد فريق قوي يسجل كل عدو، مما يسمح للفرق اللاحقة بالدخول بمعرفة كاملة بما سيتعاملون معه. لم تكن الأنماط تتغير أبداً. لكن حتى ذلك لم يكن مثالياً. فقد بنت العديد من أبزارها بطريقة تجعل الشخص بمجرد أن تطأ قدمه طابقاً، عاجزاً عن الفرار دون هزيمة الزعماء. ماذا لو حالفهم الحوء السيء في الطريق وأصيبوا، فأرادوا الفرار ولم يستطيعوا؟
ربما كانت الهلامية على حق في طريقة إدارتها لطابقها الخاص؛ فلم تكن التحديات بحاجة إلى العنف. أخذت إرين بعض أفكارها ووسعتهن، مستبدلة بالزعماء ألغازاً في المنطق أو الذاكرة أو المهارة، مركزة على الأبزار التي فُرضت فيها معارك الزعماء سابقاً. كان الفشل يسفر عن الطرد من الأبزار، لا الموت. يمكن للوحوش العادية أن تبقى. لم تكن غير عادلة إلى هذا الحد، وعلاوة على ذلك، فقد وفرت الجزء الأكبر من المواد المستخرجة من الأبزار.
مات مغامر. ليس على يد زعيم، بل بوحوش عادية. لم يكن هناك غرور أو سوء ححظ استثنائي؛ بل كان مجرد هفوة عابرة في التركيز، أسفرت عن العجز عن تفادي سهم في الرأس. حدث شائع ربما، لكن إرين التفتت هذه المرة. ليس إلى الموت وحده، بل إلى العواقب. غضب رفاقه، وغضبهم من أنفسهم في الغالب. القائد الذي لام نفسه لتجاوزه الحدود. وأعضاء الفريق الآخرون لكونهم ضعفاء للغاية. حزن زوجته. والأطفال، ممن أصغر من أن يفهموا، يسألون أمهم الباكية متى سيعود أبوهم إلى البيت.
كان ذنبها. وُضع الاسم على القائمة الذهبية المنقوشة، سجل كل البشر الذين قتلتهم إرين. وما إن استقر الاسم هناك حتى دمرت ما تبقى من اللوحة. كان تصريحاً بسيطاً، لنفسها أكثر من أي شخص آخر. لم تعد بحاجة لمزيد من المساحة، فلن تكون هناك أسماء أخرى تضاف. أقامت سحراً جديداً، لالتقاط أرواح الموتى من أبزارها، ولغزل أجساد جديدة لهم من المانا الخام. لن يموت أحد في الأبزار بعد الآن.
ربطت السحر الجديد بالنظام؛ فبقيل الأمور بحاجة للعدل. يجب أن يرافق الفشل عقاب. ولن يُمنح أي فرد سوى فرصة واحدة. سحر البعث. إن وُجد جانب من سحر الروح يناقض النظام الطبيعي للأشياء، فهو ذاك. لم تكن إرين جاهلة تماماً؛ فتأدية سحر البعث بنفسها ستخلف عواقب غير مقبولة. وبدل ذلك، جعلته خاصية للأبزار، يُدار تلقائياً وبصارمة من قِبل القلوب. ثم سحبت نفسها منها. لن تدير إرين الأبزار مباشرة بعد الآن.
ولن يديرها أي كيان واعي. فالقيام بذلك سيكون بالغ الخطورة. قررت التخفيف قليلاً من استخدام سحر الروح على الأقل، فأزالت مرشحة الإدراك عن غرف قلوب الأبزار وأوصدتها بطريقة تقليدية أكثر بدلاً من ذلك. نقلت قلبها إلى الفلك، محافظة على رابط بأبزارها، تحسباً لأي طارئ يتطلب تدخلها وأيضاً للتحدث مع الوحوش الواعية القاطنة في الأبزار العظيم، لكنها تخلت عن أي تحكم مباشر في الأبزار.
لقد أصبحت مساحات آمنة الآن. لم تعد بحاجة إلى تلك المراقبة اللصيقة.
قالت الهلامية بحدة: "أمي! ماذا تفعلين؟ وإياك أن تتخلصي مني كما فعلت طوال الفصل الماضي. يبدو كأنك موجودة هنا بنصفك فقط! أخبريني ما الذي يعتريك!"
قالت إرين كاذبة: "عدلت طريقة عمل الأبزار. لقد جعلتها آمنة، لكن الثمن هو أنني لم أعد أستطيع إدارتها مباشرة. لا تقلقي، لا شيء خاطئ".
تمتمت الهلامية: "ألهذه الحد تنعدم ثقتك بنا يا أمي؟"
مجدداً، لم تجب إرين. ما زالت بحاجة لمراقبة العالم. إن دخلت أي نفوس غريبة أخرى، وجب أن تكون قادرة على التصرف. وحالما ينتهي ذلك، ويُحل هذا اللغز الأخير، تستطيع حينئذ التراجع وتوكيل المستقبل لأبنائها. شرعت في أبحاثها، مراقبة تدفق الأرواح حول العالم، محاولة فهمه. حين يرتفع عدد سكان العالم، من أين تأتي الأرواح الإضافية؟ لمَ تُنزع الذكريات عند الموت؟ حين خلقت السكان الأوائل للع العالم، تجسدت الأرواح من العدم هكذا...
ليت أنها كانت أكثر انتباهاً في ذلك الحين. لم يبدو الأمر مهمّاً في وقته. استقرت إرين على روتين من البحث، مستسلمة في النهاية لإلحاح الهلامية المستمر، فشاركتها بعض آليات ومخاطر التلاعب بالروح. استمر العالم في الدوران بدونها، كعادته دائماً. لم تكن هناك نفوس غريبة جديدة. ولم تبرز أي مشكلات مع الأبزار، سواء أكانت وفيات أم انهيارات أبزار. لكن إسقاط مراقبتها لم يكن آمناً بعد.
ليس حتى تثبت عدم وجود نفوس غريبة جديدة تغزو المكان. ماذا لو انتهى الأمر بالشخوان إلى هنا نتيجة نوع من التجربة على الأرض، وسيخطو قريباً شخص يحمل أسلحة نووية بين العوالم، ناوياً الاستيلاء على هذا العالم؟ إن حقيقة كونها شخصين وثيلي الصلة يوحي بنوع من الحدث المحلي في الجانب الآخر.
جاء صداع يكاد يتجاوز أطراف إر بحوثها: "إرين! ما الذي تفعلينه بحق الجحيم؟! توقفي!"
حدثت إرين نفسها: أنا لا أفعل شيئاً. لمَ كان أحدهم يصرخ في وجهها وهي بهذا التعب؟ أرادت النوم فقط. لكن كان مفترضاً بها أن تكون حامية العالم، لذا لن يضر الاستماع إلى هذا الشخص المزعج حتى النهاية.
"لماذا...؟ ما الخطأ...؟"
جاء الصوت العالي مجدداً: "استيقظي! وحوشك تهاجم أبناءك!"
تفكرت إرين. بالطبع كانت وحوشها تهاجم أبناءها؛ فتلك هي وظيفتها. تجلس في الأبزار، مهاجمة أي شخص يدخل. كانت أتعاب من هذا... متجاهلة الشخص المزعج، بدأت تدع وعيها ينجرف بعيداً مرة أخرى. انتظري، كيف كانت متعبة؟ لا يمكنها الشعور بالتعب؛ إرين لا تنام أبداً! كافحت لتصحو، محاولة الاستيقاظ بما يكفي لفهم ما يدور. لا يمكن للشخص الذي يصرخ في وجهها أن يكون في الأبزار؛ فلم تعد إرين قادرة على الرؤية داخل الأبزار، إذ قطعتها منذ سنوات.
أكانت هناك وحوش على السطح؟ أكان هذا انهيار أبزار؟ لم يحدث شيء كهذا لسنوات، منذ أن جعلت الأبزار آلية، قاطعة نفسها عن الفساد الذي كانت تولده.
تلعثمت غير قادرة حتى على صياغة جمل متماسكة وسط الضباب الذي غشى عقلها: "أنا... أنا... لماذا أنا...؟"
ما الذي يحدث؟ لمَ كان التفكير شاقاً هكذا؟ وللمرة الأولى منذ أكثر من نصف ألفية، شعرت إرين بالخوف. بذلت قصارى جهدها للنظر إلى الشخص الذي يصرخ في وجهها، متعرفة عليه بوصفه بيتر، أحد المواضيع الأساسية لبحوثها الأخيرة. لكنه كان في الأبزار العظيم قبل بضع ساعات فقط. أين كان الآن؟ تحت الأرض في مكان ما، لكن ليس في الأبزار؟ الكهوف الزمردية؟ لمَ كان هناك؟ أكان قد مر أكثر من بضع ساعات؟
كم لها من الوقت منذ أن فقدت وعيها؟
تمكنت من قول: "أنا... ساعدوني... ساعدوني..."، رغم جهلها التام بما يعتريها أو بما يمكنه فعله للمساعدة.
باذلة قصارى جهدها لجر نفسها نحو شيء يشبه التماسك، نظرت إرين حولها، واستوعبت الوحوش المتدفقة من الأبزار. لم يكن انهيار أبزار فحسب، بل هجرة جماعية من الأبزار. لم تستطيع رؤية ما يجري بالداخل، لكنها رأت بالخارج وحوشاً تتدفق ليس فقط عبر مدخل الأبزار بل ومحفورات متصلة مباشرة بطوابق الأبزار العميقة. لماذا توجد محفورات؟ لم تستطع الوحوش في هذا الأبزار الحفر، ليس بمثل تلك الكفاءة على الأقل.
كان ذلك من صنع الأبزار. أيكون القلب قد تحطم بطريقة ما وبناها بنفسه؟ لكنه لم يمتلك تلك القدرة. أو هكذا كان يجب. كان لابد من تدميره، لكن في حالتها الراهنة، لم تمتلك إرين أي وسيلة لتفعل ذلك بنفسها. استغلت النظام وأنشأت مهمة، مصدرة إياها لكل من يتواجد في نطاق عدة كيلومترات. لم تملك القدرة على فعل الأمور بالشكل الصحيح، لكن العنوان كان كل ما يلزم. اندفع المغامرون للعمل، وتسلل فريق من ثلاثة أشخاص إلى الأبزار المحطم.
ورافقهم تننين من المرتبة الخامسة. احتفظت إرين برابطها مع بيتر، مراقبة من خلال عينيه، ومحسّة عبر حواسه، بضعفها مقارنة بحواسها هي. احتاجت إلى رؤية داخل الأبزار بنفسها، لتفهم ما حدث. أكان البقية في خطر؟ أكانت هذه الكارثة تتكرر في مكان آخر؟ أثار ما رأته فزعها، حتى عبر حالتها العقلية المشوشة. بقايا روح فاسدة، لا تختلف عما احتجت إلى تنظيفه قبل قرون، التلوث الناجم عن القنابل السحرية.
لمَ كانت هنا؟ لقد طهرتها جميعاً منذ زمن بعيد! أكان شيء ما يصنع المزيد؟ قاتلا الزعيم الأخير، فحطم التنين قسماً كبيراً من الجيش، لكنه أخطأ بضع وحوش نارية كانت مناعة ضد أنفاسه. ثم، لصدمة إرين ورعبها، دمر بيتر الوحوش المتبقية بنفسه، مستخدماً مانا ألفة الروح كسيف! استمعت إلى صراخه عبر أذنيه بينما كان الارتداد يمزق روحه الخاصة وأرواح رفاقه. منذ متى كان بيتر يستخدم ألفة الروح هكذا؟
كان عليه التوقف!
تمكنت من التحذير، باذلة جهدها لتنبيهه، راجية أن يكون ذلك كافياً: "خطر... فساد... لا تفعل..."
بدأ الفريق يتطلع باحثاً عن غرفة القلب، لكنه أخفق في إيجادها. بالطبع؛ فمع وعيها المتصدع، نسيت إرين؛ لقد أزالت المدخل! بذلت قصارى جهدها لإرشاد بيتر، مسرورة لفهمه. رأت القلب عبر عينيه، فاسداً ومتعفناً، يقطر ظلاماً وموتاً. أذابه التنين، وتهتهت إرين بينما أعادت أجزاء عقلها المحطم تجميع نفسها حين تحطم اتصالها المتبقي الواهي بالأبزار الفاسد. كانت المنطقة بأسرها فاسدة وبحاجة للتطهير.
وكان ذلك شيئاً تعرف كيف تفعله. وجهت تحكمها الهائل بالمانا نحو الجبل بأسره وحولت كل المانا المحيطة إلى ألفة الضوء والحياة. لأكثر من دقيقة، تحول الليل إلىنهار في القسم الشرقي من القارة بينما توهجت المانا. شابه ذلك الاستيقاظ من حلم. وجدت إرين نفسها تنظر عبر حواس بيتر، دون أي تذكر لما حدث للتو. ظهرت تلميحات من الذكريات في كل مكان، لكن كلما ركزت على إحداها، تلاشت بعيداً.
ماذا كانت تفعل للتو؟ أكان هناك نوع من الطوارئ؟ نوع من الفساد؟ هل دمروا القلب؟ لماذا؟ والأدهى، لماذا فقدت وعيها؟ انفصلت عن الصبي وتطلعت فوق الكهوف الزمردية، مترقبة ما حدث. نُسيت حالتها الخاصة بسرعة وهي تستوعب المئات تلو المئات من القتلى، ومعظمهم من المدنيين الأقزام. أُصيب الآلاف غيرهم. تلصصت على ذكريات بضعة ناجين، مشاهدة منظر زملائهم وعائلاتهم وأصدقائهم ممزقين إرباً على يد وحوش الأبزار المحلي.
لا عجب أنهم دمروه... كيف تخلخل قلب أبزار إلى هذا الحد السيء؟ عاد الفريق الذي دمر القلب إلى السطح، حيث تجرأ كراناكيليسيوم على إعلان تحقيقهم النصر. وأنهم فازوا بطريقة ما. كيف يمكن وصف شيء أسفر عن موت هذا العدد الكبير بالنجاح؟ مع ذلك، لم يمضِ على موتهم وقت طويل. فلم تزل أرواحهم تغادر. سيكون إحياؤهم غاية في السهولة... كل ما تطلبه الأمر من إرين هو أن تريده، فيُمحى موتهم.
امتلكت تلك القوة، وما الغاية إن لم تستخدمها؟ كيف تدعو نفسها حاميتهم إن تركتهم يموتون؟ قبضت على أرواح الموتى. ثم توقفت. تحرك جزء من الذاكرة. شيء صرخت به بيأس. لم تتذكر لمن، لكنها تذكريت السبب.
"خطر... فساد... لا تفعل..."
ما زال هناك خطب ما. شعرت بأنها مستيقظة، لكن بدا جلياً أنها لا تفكر بوضوح. كانت على وشك إحياء المئات. لكان الارتداد حطمها. في أفضل الأحوال، لكانت ماتت. وفي أسوأها... لا، الأسوأ قد حدث بالفعل. نظرت عبر ذكريات الثلاثة الذين دمروا الأبزار ورأت بقايا الروح الفاسدة على حقيقتها؛ أجزاء محطمة من روحها الخاصة. نظرت إلى نفسها ورأت الندوب. لقد ساعد تطهير الأجزاء، لكن روحها ما زالت خاماً ومجروحة، بلا شفاء بعد.
لا عجب أنها كانت فاقدة الوعي. قامت بأتمتة الأبزار وهجرها، معتقدة أن ذلك سيكون درعاً واقياً كافياً يحميها من السحر الذي بثته فيها. لم يكن كذلك. لقد حافظت على ذلك الرابط الصغير. القدرة على التدخل مجدداً إن دعت الحاجة. وكان هذا الرابط كافياً. حاولت تفادي دفع الثمن، لكن الثمن انتُزع على أي حال. ولم يكن منها وحدها. كان ذلك... غير عادل. فسحت مشاعر القوة والغرور المجال لشيء آخر.
فرغم كل قوتها، كانت لا تزال ضعيفة للغاية. ورغم كل رغبتها في حماية العالم، كانت عاجزة. كيف يُفترض بها حمايتهم من نفسها؟ لم تحلل لغز النفوس الغريبة بعد. كان عليها ترك الموتى لمصيرهم الطبيعي. وإزالة سحر البعث غير الموفق الذي نصبته في الأبزار والتفكير في طريقة أخرى لجعلها أكثر أماناً. والتركيز على حماية العالم. وتجنب سحر الروح تماماً حتى تلتئم روحها. ألم تكن صحتها، والحماية التي تقدمها للع العالم، أهم من مصير عدد قليل نسبياً؟
إن كان هناك شيء خطير قادم، فمن سيقف ضده إن لم تفعل هي؟ نظرت إلى أقزام الكهوف الزمردية، والكثير منهم يذرفون الدموع لفقدان الأحبة. وتذكريت أطفال المغامر الميت، يسألين متى سيأبي أبوهم إلى البيت. ما زالت لا تدعي فهم البشر، لكنها رأت كيف تصرف بيتر حين أسفرت أفعاله، التي توقع نفعها للكثيرين، عن الأذى لعائلة قطية واحدة. أدركت أخيراً سبب إيلام الأمر له إلى هذا الحد. جاء دورها الآن.
قالت لهلاميتها المفضلة، مسحبة نفسها من الأبزار كلياً قبل أن تتاح للهلامية فرصة الرد: "أنا آسفة".
مع ذلك، سيحمل هذا جانباً مضيئاً واحداً. فستكون الفرصة المثالية لتعلم فهم البشر أخيراً.