في صباح حصّة كاتالين الأخيرة، دخلت أميليا وسيرينا ساحة التدريب معاً. تلاشت قريباً أيّ توقعات بنتها أميليا حيال حصّة نهائية استثنائية تُشرف عليها كاتالين.
قالت كاتالين مبررة: "بالنظر إلى الأحداث الأخيرة، لا أعتقد أن سيّد المعابد سيكون سعيداً للغاية لو نفذتُ الخطاه الختامية التي خططتُ لها أصلاً، أليس كذلك؟"
ابتسمت كاتالين وتابعت: "سنركز على التدريب الفردي لكلتا الحصّتين هذا الصباح. سأجول بينكم وأعدل وضعياتكم بالطبع الأنسب. وفي الأثناء، تذكّرن جميع الدروس السابقة التي تلقّيناها معاً. استخدمن أي أسلوب ترغبن فيه".
انقسم المدربون وبدؤوا مجموعة متنوّعة من أساليب التدريب. ركّز البعض على التأمل وصقل الهالة. ركّز آخرون على روتين خطوات الهالة الاكثر هجومية، ليتصبّبوا عرقاً بسرعة. مارس عدد قليل من المدربين حركات شيموكان، بينما تمرّن آخرون على أسلوب الصقر الشمالي. وأياً ما فعلوا، كانت كاتالين حاضرة لتقديم المشورة البنّاءة.
"ترتفع أكتافكم عند الانتقال، أترون؟"
"ضيّقوا تيار الهواء، ثم زبدوا السرعة ببطء."
"تفلت هالتكم متأخرة جداً. وازنوها مع الضربة."
"أدخلوا البطن للداخل، بعيداً عن أي هجوم مرتد محتمل."
كانت حصّة تدريبية عادية جداً، تشبه ما تقدمه الأكاديمية عادةً. رأت أميليا أن الأمر، بطريقة ما، كان ختاماً ملائماً لسلسلة حصص كاتالين المُنهكة والمتطلبة. كان الجميع في مزاج جيد، ومتهلّفين لمقارنة التقنيات وتقديم الاقتراحات لبعضهم بعضاً. لم تكن لدى أميليا نفسها البصيرة الكافية للانضمام إلى هذه الحوارات، لذا ركّزت على حركاتها مع إبقاء أذن صاغية. بطبيعة الحال، لم يذكر أحد ممن عرفوا حقيقة الحصّة الأخيرة شيئاً.
عرف الآخرون أن أمراً ما قد حدث لكنهم لم يحاولوا السؤال بحسن طالع. لقد كانوا أعقل من ذلك. ورغم هذا، أتيح لأميليا أن تلمح سيرينا بملامح مرتبكة عندما قدّمت كاتالين بعض النصائح المتعلقة بشركتها المستقبلية مع تارونا. كانت سيرينا تومئ بتبرّم فكري، لكن أميليا استطاعت أن تدرك أن سيرينا كانت تفكر في كيف أنها، قبل أيام قليلة فقط،مرّغت وجه كاتالين في الرمال! هزّت أميليا رأسها لتقمع قهقهة، وأنهت تدريب حركاتها لتبدأ صقل هالتها.
في هذه المرحلة، نجحت في خفض حجم هالتها إلى مستوى يشبه طالباً متوسطاً في السنة الثانية. ومع ذلك، كانت هالة أميليا الحمراء غير عادية؛ أكبر وأكثر كثافة بكثير من معظم الهالات. ونتيجة لذلك، أخفت هالتها ذات المظهر العادي قدراً مرعباً من القوة القادرة على الدفاع عما يتجاوز بكثير ما تستطيع الهالة الحمراء الدفاع عنه عادة. وقبل أن تتمكن من دفعها نحو البرتقالي، طلبت منها كاتالين وسيرينا التركيز على جعل هالتها غير مرئية قدر الإمكان.
فأولئك الذين يملكون بصيرة حادة سيظلون يلتقطون كثافة هالتها لو دقّقوا النظر. وإذا أرادت أن تمر بوصفها مستخدمة هالة عادية، فسيتعين عليها صقلها أكثر. ركّزت على صقل الهالة حتى نهاية الحصّة. لم يكن هناك جزء ثانٍ هذه المرة؛ وبما أن الحصّة كانت خفيفة جداً، فقد بقي الجميع بعد علامة المنتصف وواصلوا ما كانوا يفعلون. وفي النهاية، اصطف الجميع وانحنوا لكاتالين، معبرين عن امتنانهم لمساعدتها.
"سيكون من الصعب مجاراة كثافة المدربة دريس بأنفسنا!"
"بالنظر إلى الوراء، اكتسبت هنا من الرؤى ما يضاهي ما كسبته في ساحة المعركة!"
"إن ما يقولونه صحيح، المرء لا يتوقف أبداً عن تعلّم السيف..."
"أشعر أنني طالبة من جديد!"
تجاذبوا أطراف الحديث بينما تسرّب الناس فرداً فرداً، مقدّمين لكاتالين تعابير تقديرهم الأخيرة. قريباً، لم يبقَ سوى أميليا وسيرينا.
قالت سيرينا منانية للشمالية ذات العينين الأرجوانيتين: "المدربة دريس، لا، سيدة الإقطاع. لقد كان شرفاً لي أن أتدرّب معك. سأتذكر كل ما علّمتِني إياه. ولن أسمح أبداً لأحد بالتقليل من شأن قوة قرون الشمال".
أجابت كاتالين: "كنتِ طالبة ممتازة. وإن وجدتِ نفسك يوماً في الشمال، فتوقّفي عند قصر عائلة دريس وألحي بالتحية. سأخصّص وقتاً لذلك، أليس كذلك؟"
"شكراً لك."
انحنت سيرينا مجدداً.
بدأت أميليا تقول: "مم..."
وهي تنظر إلى سيرينا ثم إلى كاتالين.
"هناك شيء أردت سؤاله، لكنه، مم..."
رفعت أميليا حاجبها بارتباك، ملقية نظرة اعتذار نحو سيرينا.
"أعتقد أنه شخصي؟"
أمالت سيرينا رأسها، وعقدت جبينها.
قالت مطمئنة: "لا، أقصد، هناك سؤال تدريب شخصي أردت طرحه. سأخبرك بشأنه لاحقاً!"
لم تبدُ سيرينا مستوعبة تماماً لكنها فهمت ما يكفي لتعلم أن أميليا أرادت سؤال كاتالين عن أمر على انفراد.
نطقت سيرينا: "سأكون بالخارج".
بانحناءة أخيرة عند مدخل قاعة التدريب، خرجت، تاركة أميليا وحدها مع كاتالين. مرّت ثوانٍ قليلة دون أن تنطق أي منهما بشيء. يا للارتباك! منذ متى كانت قاعات التدريب صامتة هكذا؟!
سألت كاتالين، ورمشتا عينيها الأرجوانيتين مرتين: "إذن، ما الذي أردت مناقشته؟"
"آه..."
فركت أميليا مؤخرة عنقها.
"من الصعب سؤاله."
فتحت أميليا فمها ثم أغلقتْه مجدداً. ماذا لو كانت مخطئة؟ أخبرها حدسها أنها مصيبة، لكن الأمر لم يكن مسألة عادية تماماً!
تمتمت أميليا: "مم..."
رافعة وزنها على أطراف أصابعها ثم منزلة إياه.
"كنتُ... أتساؤل..."
قالت كاتالين فجأة: "لدي سؤال".
"أه، نعَم!؟"
قفزت أميليا اغتناماً لفرصة التشتيت.
بدأت كاتالين ناظرة إلى أميليا بنظرة حازمة: "أنت والمدربة هالين. أنتما واقعتان في الحب، أليس كذلك؟"
حتى لو رغبت أميليا في إنكار حقيقة سعيدة كهذه، فإن فمها شكّل فوراً ما لا بد أنه كان ابتسامة بلهاء.
أجابت أميليا: "نعم! بصورة مروعة، ورهيبة، وبشكل لا يمكن توقفه! كيف عرفتِ! انتظري!"
اتسعت عيناك أميليا.
"لم تكوني أنت من وشى بنا، أفتعلتِ!؟"
هزت كاتالين رأسها بخفة: "لا. لقد كان ذلك موظفاً آخر".
"كيف... كيف عرفتِ ذلك؟"
"أعلمني أحدهم."
"أوه..."
مضت ست ثوانٍ قبل أن تسأل كاتالين: "أتريدين معرفة من كان؟"
تمتمت أميليا: "آه".
كرمشت أنفها وفركته. أأرادت أن تعرف؟
كان حدسها الأول هو قول «نعم»، ولكن ماذا لو كان شخصاً تحترمه؟
ماذا لو كان ريوسوكي أو المدرب كافاس؟ ماذا لو كانت لوناريا؟ علاوة على ذلك، كانت مغادرة الشرق خلال أيام معدودة. أكان عليها إنهاء الأمر بنبرة سلبية؟ من بين كل ألغاز هذا العالم المثيرة للاهتمام، لم تكن هوية من وشى بسلوكها أو من لم يفعل شيئاً رأت أنه يجب أن تهتم به. أولئك الحمقى المتجهمون الذين لم يدركوا بعد مدى روعة ولطفها هي وسيرينا معاً يمكنهم البقاء حمقى متجهمين إلى أبد الآبدين!
قالت أميليا مشيرة إلى كاتالين قبل أن تخفض يدها بسرعة مذكرة نفسها بدروس الإتيكيت: "أظنني مهتمة أكثر بكيفية اكتشافك للأمر".
أجابت كاتالين وقد التوى فمها بابتسامة: "حسنأ، المدربة هالين أكثر تحفظاً في ردود أفعالها، لكنك لستِ كذلك. يتسارع نبض قلبك عندما تكونين قريبة منها. وعندما تنظرين إليها، يتّسع بؤبؤ عينيْك".
انحنت كاتالين للأمام.
"الأمر ملحوظ عندما تعرفين ما تبحثين عنه. حتى الآن، وجنتاك محمرّتان".
انقضت يد أميليا إلى وجنتيها لتشعر بدفء مألوف.
قالت أميليا بابتسامة مرتبكة: "آسفة".
أجابت كاتالين: "لا شيء يستدعي الاعتذار. علاوة على ذلك، أنت فخورة بعلاقتك، أليس كذلك؟ لا تعتذري أبداً عن الحب".
ومض وجه الشمالية بتعبير غير عادٍ ثم عاد لطبيعته بسرعة بالغة لدرجة أن أميليا كادت تخطئه.
وختمت كاتالين محكمة قبضتي فكيها: "مهما كلف الأمر".
"لماذا أثرتِ الأمر... أقصد، نحن؟"
"في هذه الأوقات، وجودكما يمثل نسمة هواء عليلة."
تنفست كاتالين الصعداء، متخطية خطوات قليلة للخلف بحيث أصبح ظهرها موجهاً لأميليا.
"هناك الكثير من المعاناة في الإمبراطورية، والكثير من التوتر. من الجميل شهود مثل هذه السعادة... البريئة. لا تستخفّي بتأثيرك على من حولك. عُرفت سيرينا هالين لي بصفتها قائدة جحيم النار ذات القلب البارد الذي تجمّد بعد فقدان شقيقها. ومع ذلك، عندما التقينا أخيراً، كان قلبها دافئاً".
أدارت كاتالين رأسها قليلاً.
"أظن أن ذلك الدفء جاء منك".
"شكراً لك!"
شعرت أميليا بثقتها ترتفع. لقد كانت مؤثراً رائعاً على سيرينا، ألم تكن كذلك؟ بالطبع، كانت سيرينا تشد قرنيها هنا وهناك أحياناً، لكن حقاً، كان ذلك فقط لأنها كانت غارقة في لطافة أميليا، أليس كذلك!؟ وفي تلك المناسبات النادرة التي كانت تشد فيها قرنيها بسبب التوتر، كانت أميليا موجودة لتعالجه!
سألت كاتالين: "إذن، ما هو سؤالك لي؟"
آه صحيح. ذلك الأمر. حسناً، كما كانت تقول دائماً: من لا يغامر لا يربح!
سألت أميليا: "لقد جئتِ نحوي بسؤال جاد هكذا فجأة، فلن تلوميني على فعل المثل معك، أفتعلين؟"
"أه؟"
ارتفع حاجب كاتالين.
"أنا مهتمة. لنسمعْه، المساعدة المدربة ثورنهارت".
لمعت عيناها الشيطانيتان بكثافة مفاجئة.
ابتلعت أميليا لعابها، وقبل أن يعيق عقلها فمها، سألت بسرعة: "كنتُ أتساؤل فقط عما إذا كانت كاتالين من عائلة دريس شخصاً حقيقياً أم شخصية اختلستِها ليتسنى لك تدريب المواهب الواعدة والمتحدثين؟"
ثانية واحدة. ست ثوان. بدأت أميليا تعض شفتها. عشر ثوان. ماذا لو كانت مخطئة؟ ثم، بعد اثنتي عشرة ثانية، استجابت كاتالين.
قالت كاتالين ببطء، بصوت متزن ومحسوب: "يا له من... سؤال ثاقب. لم أكن أظن أنك ستطرحينه بهذه السرعة".
استدارت الشيطانة لتواجه أميليا بنظرة بدت وكأنها تخترق كل عباءاتها ودفاعاتها.
"ما الذي أثار مثل هذه الشكوك حول هويتي؟"
"آه، مم..."
رفعت أميليا إصبعاً.
"جمال شهير غامض وبارعة سيوف تتوارى، ولا تظهر إلا لتدريب متحدثي الشمال".
رفعت إصبعاً آخر.
"شاءت الصدف أن تظهر تلك الشخصية الغامضة ذاتها في الأكاديمية التي ندرّب فيها أنا وسيرينا تماماً قبيل واجباتنا المهمة".
إصبع آخر.
"مفترض بعينيك أن تكونا أخضرين، لكنهما أرجوانيتان وتحولتا إلى الأزرق - لونهما الحقيقي عندما تحدثتِ - والأهم من ذلك كله..."
رُفع إصبع أخير.
"روحك."
"روحي؟"
أمالت كاتالين رأسها قليلاً.
"التمويه ممتاز، لكن عندما أضرم أثيري وأنظر إليه عبر وميض البريق، أستطيع رؤية ظل شيء أكبر، و-"
تحدثت أميليا بسرعة، وقد استحوذ عليها حماسها، "وعندما نظرت إليها تحت تأثير أيسيكو، التمحت لمحات من طبيعتها الحقيقية! لا أفهم كيف أخفيتِ الأمر بهذا الاتقان، لكن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة لي! ظننت أنك كنتِ تحدّين من قدراتك أثناء القتال!"
غرزت إبهاماً احتفالياً نحو نفسها.
"إذن، هل أنا على حق!؟"
"..."
تأملت كاتالين.
"هناك كل أنواع الأرواح الغريبة في العالم المعروف، روحك متضمنة. حسناً..."
تنهدت كاتالين برفق، ناظرة بعيداً بتأمل قبل أن تستعيد بصرها لتلتقي بعيني أميليا.
"إن كنتُ أنا من ترينها، فماذا ستفعلين بهذه المعلومة؟"
"أردت أن أقول شكراً!"
"على ماذا؟"
"لتدريبك لي ولِسيرينا! أتفق على أن تارونا مناسبة لكلمتها الأولى الثانية! لذا..."
انحنت أميليا بعمق.
"شكراً لمساعدتك إياها في هذا المسار ومساعدتي في الوصول للهالة الحمراء! و..."
نهضت أميليا، مسلطة أفضل ابتساماتها نحو الشيطانة أمامها.
"شكراً لعلاجك ميل! كانت لتموت لو لم تكوني هنا!"
صمتت كاتالين للحظات قليلة.
تمتمت أخيراً: "أنت ثاقبة للغاية".
"آسفة"، قالت أميليا، ميلة رأسها اعتذاراً.
"لقد بدا الأمر منطقياً وحسب. ما هو الأرجح؟ أن معالجة بشرية قوية أخرى قد ظهرت وتهربت بطريقة ما من كل الاكتشافات بينما أنقذت ميل وعالجتها... أم..."
لعبت أميليا بإبهاميها.
"كنت أنتِ".
قالت كاتالين: "ها أنت تشكرينني على أمور صغيرة كهذه".
بينما تحدثت، فقد صوتها شيئاً فشيئاً لكنتهم الشمالية وأنماط حديثها.
"بينما أنا من أردت أن أقدم لك امتناني. لإحضارك سويجين وإخماد ذلك الحريق الرهيب".
"مم! لا مشكلة!"
أومأت أميليا بسعادة.
"فقط... لماذا لم تفعلي ذلك بنفسك؟"
أجابت كاتالين: "هناك... قيود. حدود يصعب عليّ تجاوزها. حدود قانونية".
"كنت لأظن أن القانون سيكون أقل ما يقلقكِ؟"
هزت كاتالين رأسها.
"نحن مقيّدون بما يتجاوز القوانين الفانية البحتة. هناك اتفاقات لا تجرؤ حتى الملوك على مخالفتها. أما أنتِ..."
ابتسامت كاتالين ناظرة أميليا صعوداً وهبوطاً.
"فمحظوظة. لقد اكتسبتِ قوة هائلة دون القيود المعتادة. هذه نعمة ونقمة في آن واحد. أرجو أن تفهمي لماذا".
أجابت أميليا بصدق: "أفعل! إنه أمر مخيف أحياناً. لكنه يصبح أسهل كل يوم للسيطرة عليه. والكثير من ذلك بفضل تدريبك! لقد ساعد حقاً!"
مم...
عضت أميليا شفتها بإيجاز قبل أن تتابع: "أردت أن أسأل عن، حسنأ، عن قُوانا. أرواحنا. لماذا..."
"تبدو مألوفة إلى هذا الحد؟"
"نعم!"
انطلقت أميليا بكلماتها. وتحت تأثير الكلمة الأولى، أظهر ظل قوة كاتالين السرية الجبارة نفسه. وفي حين كان ذلك صادماً، إلا أن ما كان أكثر إدهاشاً هو مدى تشابه روح كاتالين مع روح أميليا ذاتها. كان هناك شعور غريب بالألفة بينهما. ولهذا السبب كانت أميليا تثق تماماً عندما طلبت منها كاتالين إسقاط حواجزها والقتال بينما كانت معرضة للخطر تماماً. كانت هناك صلة غريبة بينهما. تختلف عن الصلة بينها وبين سيرينا.
كانت أشبه بصلة... عائلة.
أجابت كاتالين بثبات: "هذا لأن طاقاتنا تنبع من المصدر ذاته. رغم أن ربطك يبدو أنه قد حدث بعد قرون عديدة من..."
رمشت الشيطانة مرتين.
"أو ربما حدث بالتزامن، واستغرق الأمر طوال ذلك الوقت لتعودي. فالوقت يسري بشكل مختلف في الضباب، بعد كل شيء".
عبست أميليا: "ربط؟ لا أذكر أنني رُبطت بشيء قط!"
"ربما لا، لكن ألا تذكرين اعتلالك؟ استمعت إلى تسجيل وقت وصولك. ماذا أسميتِيه؟ متلازمة الانهيار البطاني المزمن؟ أخبرتِ القائدة هالين أن عالمك لم يكن يعلم من أين أتى".
أمالت كاتالين رأسها بتعاطف.
"هذا مفهوم. عالمك لا يملك حقل أثير مجسداً. ما كان لجسدك أن يحتمل كمية الأثير المجبرة عليه".
همست أميليا، وشعرت باستنتاج مشؤوم يتبلور: "...أثير؟"
"تدهور الخلايا البطانية المبطنة للأوعية الدموية"، قالت كاتالين مستذكرة أعراض مرض أميليا.
"هذا ما وصفته للقائدة هالين، وهدف مصادفة أنه نفس الأعراض التي تتبع عندما يفرط مستخدم الأثير في الإشعال أو عندما يفقد المتحدث السيطرة على كلمة ما. إنها لمعجزة أن طبّ عالمك أبقاك حية طوال هذه المدة".
شعرت أميليا بأنها تبلع لعابها، وقد تشكلت كتلة من المشاعر في حلقها.
"إذن كل ما حدث لي... كان بسبب سحري! أكنت دوماً... ساحرة!؟ أتوسمين أنني كان بإمكاني علاج نفسي طوال الوقت!؟"
استنشقت أميليا، شاعرة بعينيها تفيضان بالدموع.
هزت كاتالين كتفيها: "ربما، وربما لا. عالمك معادٍ للأثير. كان سيكون الأمر شديد الصعوبة على مواطن لاستخدام السحر من أي نوع. قوانين عالمك كانت ستحاربك. أظن أنه لم يمر إلا عندما مات جسدك القديم وسافرت روحك إلى الضباب حتى تمكنت من الاندماج مع شظيتها بالشكل الصحيح".
سألت أميليا بهدوء وهي تمسح الدموع التي كانت على وشك الانحدار على وجنتيها: "أهذا كل ما في الأمر إذن؟ مصدر قوتي؟ أنا حاملة شظايا؟"
لم تنسَ الاسم الذي استخدمه تشيسترفيلد لوصف أولئك الذين اندمجوا مع شظايا الروح المتصدعة التي تحميها «فينغانس».
أجابت كاتالين: "نعم. وكذا أنا. وهناك أخريات غيرنا. ليس جميعهن من الشياطين أو البشر".
تنهدت أميليا. اجتاحها شعور غريب بالارتياح. لم يكن الكشف الأكثر مفاجأة. لقد كانت تشك في الاحتمال منذ فترة، ورغم أن لا هي ولا سيرينا قد نطقتا به قط، إلا أنها كانت متأكدة من أن حبيبتها قد جمعت قطع اللغز معاً أيضاً. إذا كانت بعض الشظايا من هذه الروح المحطمة قد منحت أميليا كل قدراتها، فهل يعني ذلك إذن...؟
سألت أميليا فجأة: "قال تشيسترفيلد إن الشظايا تستطيع إيجاد شظايا أخرى. ألهذا السبب ظهرت على متن «فينغانس»؟"
"تريد الشظايا أن تكون كاملة، لذا ستنجذب لبعضها البعض طبيعياً. سيجمعكما القدر معاً في النهاية. وسيحدث ذلك أسرع بكثير إن كنت تبحثين بنشاط".
ابتسمت كاتالين رافعة راحة يد مسطحة.
"ومن هنا جاءت واجبات القائدة هالين وواجباتك الجديدة. لتفعلي ما لا أستطيع فعله".
سألت أميليا مفاجأة: "م-من تكون روحه؟"
قالت كاتالين بهزّة كتف خفيفة: "لا يمكنني منحك كل الإجابات. بعضها سيتعين عليك إيجاده بنفسك".
لم تستطع أميليا إلا أن تفتح فمها دهشة وغضباً في آن واحد.
احتجت قائلة: "أأنت جادة!؟ أستحتفظين بأوراقك قريبة من صدرك الآن!؟ كنت أتلقى بعض الإجابات للتو! أنت تفعلين ذلك عمداً، أليس كذلك!"
كانت تعلم أن الأمر وقح لكنها مع ذلك وجهت إصبعاً متهماً نحو الشيطانة التنكرة.
"توقفي عن كونك غامضة هكذا! هذا مزعج!"
رفعت كاتالين يداً إلى فمها، ضاحكة برفق.
"بقدر ما أستمتع بامتلاك هالة غامضة، فإن دوافعي أبسط بكثير".
رفعت إصبعاً نحو أميليا.
"إن أخبرتك بأهم أسرار الإمبراطورية، فستركضين مباشرة نحو القائدة هالين وتخبرينها، أليس كذلك؟"
عقدت أميليا ذراعيها ونفخت وجنتيها.
"بالتأكيد سأفعل! لكن سيرينا جديرة بالثقة تماماً مثلي تماماً! يمكننا حفظ الأسرار!"
أجابت كاتالين بابتسامة ساخرة: "أمر طريف بشأن الأسرار. بمجرد أن يعرفها أكثر من شخص واحد، تفقد بسرعة صفتها كأسرار. و..."
فركت الشيطانة ذقنها ببطء، ناظرة إلى الأعلى.
"اعلمي أن بعض الأمور مزعجة بالنسبة لي للحديث عنها. يحمل الماضي الكثير من الألم، ونبش الكثير منه بسرعة مفرطة قد يسبب مشاكل".
أومأت أميليا ببطء: "حسناً... لكن سيتعين علي إخبارها عن..."
لوحت بيد نحو الشيطانة أمامها.
"أنت! لا أطيق الانتظار لرؤية وجهها حين أخبرها بمن كان يدربها طوال هذا الوقت!"
قالت كاتالين: "أود رؤية ذلك. فقط تأكدي من أنك وحدك عندما تخبرينها، وانتظري حتى تغادري الشرق. أيمكنك فعل ذلك يا سيّدتي المرتقبة؟"
أومأت أميليا: "مم! أستطيع الانتظار طوال تلك المدة! أه، ويمكنك مناداتي بأميليا فحسب!"
ضحكت كاتالين.
"سيدة مرتقبة تسمح لي بالتصرف بعفوية. يا لها من جرأة... أستطيع تخيل وجه تيريزا بالفعل".
"من تيريزا؟"
أجابت كاتالين: "صديقة قديمة. أظنني أجبت عن أسئلة كافية".
ألقت الشيطانة نظرة نحو الباب.
"لقد جعلنا القائدة هالين تنتظر طوال الوقت المطلوب".
صرخت أميليا: "ان-انتظري! لا يزال لدي الكثير مما أردت سؤالك عنه! عن الإمبراطورية، وعن ملوك الحيوانات، واللومينا، وبريق البريق! أردت أن أسألك عن إبر ناي، وخطوط ديكتوس! أه! والجمجمة العملاقة التي عثروا عليها تحت سنتراليس،وسيوفك الألف، و..."
أخذت أميليا نفساً قبل أن تتابع بهستيريا، واصفة كل الألغاز الرتيبة والأسئلة التاريخية التي كانت متأكدة من أن الشيطانة تستطيع الإجابة عليها.
أجابت كاتالين: "سنلتقي مجدداً. في سنتراليس. يمكنك سؤالي حينها، رغم أنني متأكدة من أنك، بالنظر إلى وجهتك التالية، ستجدين إجابات لبعض تلك الأسئلة بنفسك. عليك الاسترخاء والاستمتاع بالرحلة".
تحول تعبير كاتالين فجأة إلى الجدية.
"لدينا هدنة قصيرة بينما ينتهي هذا الصراع، لكنه دائماً ما يكون هادئاً قبل العاصفة. صدقيني، العاصفة قادمة".
ابتلعت أميليا لعابها: "سنكون بخير، أليس كذلك؟ الإمبراطورية و... الجميع فيها؟"
قالت كاتالين: "هناك خطط. خطط وضعت قيد التنفيذ منذ وقت طويل جداً. نحن نتحضر للمستقبل، وسواء أردت أخذ دور نشط في ذلك فهو خيار سيتعين عليك اتخاذه. أما الآن..."
خف تعبير الشيطانة.
"استمتعي بمغامراتك، واصنعي الكثير من الذكريات اللطيفة. هذا هو أمري إليك، سيدتي المرتقبة أميليا ثورنهارت".
أدت أميليا التحية بشغف. لم تكن الاستجابة الملائمة تماماً، لكنها بدت صحيحة في تلك اللحظة.
"مم! لن أخيب ظنك!"
انحنت بسرعة.
"شكراً لكل شيء مجدداً!"
نهضت أميليا.
"لن-"
كانت كاتالين قد اختفت. قلبت أميليا إدراكها فوراً إلى البريق، لكن لم يكن هناك شيء. بعد ثلاثين ثانية من محاولة إيجاد أثر لكاتالين، استسلمت أميليا وخرجت من قاعة التدريب. رأت في الممر سيرينا مستندة إلى الجدار، وتبدو رائعة كالمعتاد.
سألت حبيبتها: "إذن، عن ماذا كان ذلك؟"
قالت أميليا بقهقهة: "ههه، احتجت فقط لتوضيح بعض الأمور؛ سأخبرك بها قريباً، أعدك بذلك!"
قالت سيرينا: "حسناً، لقد أصبحت مهتمة الآن".
مشيا في الممر بينما حاولت سيرينا جاهدة جعل أميليا تبوح بالسر. بطبيعة الحال، لن تستسلم بهذه السهولة. ستخبر سيرينا قريباً... لكنها ستتأكد من اختيار اللحظة الأنسب! فبعد محاولات أميليا للتشاكس معها بلا خجل، أصبحت سيرينا أكثر مقاومة تدريجياً! كانت بحاجة لتعظيم تأثير شد القرون! وهي تتقهقه لحديث المستقبل، قفزت أميليا بسعادة في الممر، مفكرة في كل المغامرات والذكريات اللطيفة القادمة بعد!
وإن كان المستقبل مظلماً، فستصبح منارة نور. فهذا العالم كان بيتها، بعد كل شيء.
انتظرت إيلانا، إمبراطورة الشياطين، ريثما يهم مرشح السيادة بالانحناء لتتحرك. وجدت ظلها الدنيوي الآخر وولجت فيه، منتقلة إلى وميض البعد. مكنتها قرون من المراس من إتمام النقلة بلا شائبة. لم يكن هناك صوت أو أثر ريح يكشف أفعالها. لكن هذا لم يكفِ. استطاعت أميليا ثورنهارت سبر وميض البعد. إذن، خطت إيلانا خطوة ثانية، عابرة من وميض البعد إلى العمق الأحق للواقع من ورائه. اللسترات.
هنا، أبرزت نفس أميليا الجبارة بهاءها كاملاً. أسرت ألوانها المتألقة انتباه إيلانا، مسمرة عينيها على تلك النفس التي امتلت بفتات إزميرالدا. أمضت ساعات طوالاً تدرس نفس أميليا في سرها، مطمئنة نفسها إلى طهارة روح أميليا ونقائها. راقبت إيلانا حتى تحركت نفس أميليا نحو الباب، حيث توقفت هنيئة قرب نفس سيرينا هارين. بعد لحظة، شق النوران، أحدهما ضخم وساطع مقارنة بالآخر، طريقهما في الممر.
لم يفتها الرابط المتوهج بينهما، المنسوج من حبهما. ربما لو واصل نموه، لما كانت تارونا كلمة سيرينا هارين التالية على أي حال. تنهدت إيلانا، مستديرة لتمشي عبر الجدار باتجاه تيريزا. بخلاف وميض البعد، لم تشكل أشياء العالم الحقيقي أي عقبة. وحدها اللستروم، الغابة الأخرى التي تجلت في وميض البعد على هيئة وحوش طيفية، حملت أي وزنة مادية.
قالت إيلانا لخادمتها: "انتهينا هنا".
"لنعد إلى سنتراليس. لدي اجتماع مع الوفد الغربي خلال ساعة".
بدأت إيلانا المشي، لتتوقف حين أدركت أن تيريزا لا تتبعها. في الواقع، كانت الخادمة تحدق بها بغضب.
تساءلت إيلانا: "تيريزا؟"
أجابت خادمتها وهي تصك أسنانها: "أيتها العظيمة..."
تقدمت تيريزا بخطى حاسمة نحتটির، والعينان تطفحان غضباً.
"من تظنين نفسك بحق الجحيم السبعة والسماوات الست لتنعنني بالعجوز!؟"
احتجت إيلانا رافعة يديها في حركة مسالمة: "لقد نعتك بصديقة قديمة!"
حدقت بها قائلة: "ما زلت نعتني بالعجوز! ليس هناك إلا سبيل واحد لتصحيح هذا!"
تنهدت إمبراطورة الشياطين. لقد زادت راتب تيريزا بالفعل بعد حادثة ذلك الطالب! ها هي الآن ستطلب زيادة أخرى!
أطلقت إيلانا تنهيدة أخرى: "حسناً إذن..."
أيُّهما أشد خطراً على الإمبراطورية؟ العدو الذي يحاك مخططات لتدمير هذا العالم؟ أم خادمتها التي تنهب خزينة الإمبراطورية وحدها في كل سانحة؟