استيقظت سيرينا على سقف المألوف من الخشب والفولاذ. كانت في مكان ما على ظهر الانتقام. الغرفة معتمة، وقد خُفّض ضوء الأثير إلى أدنى درجاته. أكان الليل مرخياً سدوله؟ لا نوافذ للتأكد. كانت ممشاة على سرير، لا أرجوحتها المعتادة. جناح التطبيب. لماذا هي هنا؟ أأصيبت في معركة؟ عجزت عن التذكر. حركت سيرينا ذراعها ثم أطلقت صرخة حين مزّق الحركة جلدها فأدامته. أحدثت صرخة ألمها تصدّعاً في وجهها.
تخلل العذاب الأعمى وميض من الفهم والإدراك. تضرّرت روحها. لا بد أنها فقدت السيطرة على الكلمة. لماذا؟ متى نطقت؟ همّت سيرينا بنداء أناثور، لكن وقبل أن تفعل، غمر الغرفة توهّج ذهبيّ، فرتق جلدها وخدّر الألم. مجرد إجراء مؤقت، وما إن تلاشى الدفء حتى أحست به يتصاعد مجدداً. الروح المتضررة بفعل التلبّس السماويّ لا تُشفى بهذه السهولة.
"نامي الآن، أيتها القائدة. إن أمكن..."
جاء صوت أناثور. ثم غشي ضباب أبيض عينيها، إذ ألقى أحدهم تعويذة نوم عليها، ليعيدها إلى سبات عميق وعالم الأحلام. فتحتي عينيها، لتجد نفسها واقفة في بيت الدرج الرئيسيّ لمركبة الانتقام. كان مظلماً؛ ولم يُشعل ضوء الأثير. الضوء الوحيد أتى من فانوس زيتيّ دهنيّ معلّق على الجدار. طرقت أذنَيه أصوات السفينة، صرير وأنين، وصوت... ماء؟ تبلبل عقلها. ما الذي يحدث؟ أكانتا تبحران وسط العاصفة؟
لا... كانت تلك أصوات... أمواج. أمر محال. لم تكن الانتقام سفينة بحرية، وكانت هذه قط سفينتها؛ فقد عرفت بنية بيت الدرج الذي يخترق طوابق السفينة. لكن... أين العوارض الفولاذية؟ كل شيء خشبيّ. لماذا تبدو... بالية هكذا؟ حاولت نداء أناثور، لكن لم يُخرج فمها صوتاً. أي طوابق كانت فيه؟ بعد خطوات قليلة مترددة، عثرت على باب، ونُقشت عليه كلمات مألوفة. الطابق الرابع. كان موارباً قليلاً. لا...
حذّرها شيء في عقلها. باب الطابق الرابع مغلق للأبد. إنه محظور، حتى على القائدة. بدا الصوت في رأسها غير طبيعيّ. أكانت هذه أفكارها حقاً؟ من يتحدث في عقلها؟ ما يوجد هناك يجب ألا يُسمح له بالخروج أبداً. مدت يدها وجذبت الباب مغلقة. كان مقبضه شديد البرودة، وتردّد صدى الارتطام الثقيل لإغلاقه في المكان. ررفت عينا سيرينا ثم خفضت بصرها لترى أنها تمسك بالمفتاح. لا تستخدمي المفتاح أبداً.
من استخدم المفتاح؟ من فتح باب الطابق الرابع؟ يجب أن يُقفل. نقرت الآلية حين استقر القفل. وحين نزعت المفتاح، سمعت صوتاً يكلمها بلغة عتيقة. لم تعرف اسم اللغة، لكن المعنى والقصد الكامن خلف الكلمات كانا جليين.
"ائتني بالفتاة"، قالت السفينة.
أميليا! صرخ عقل سيرينا حين انتشلت من الحلم إلى عالم اليقظة. استقبلها سقف مألوف من الخشب والفولاذ. حاولت تذكر الحلم، لكن الأمر أشبه بمحاولة الإمساك بالضباب نفسه. انزلق من عقلها، وسرعان ما أقلعت عن ذلك. كم مدة نومها؟ بحركة حذرة لإصبع واحد، ثم أخرى، ثم ذراع، تأكدت من أن روحها التئمت بطريقة ما، وصلحت من الطاقات السماوية التي صدّعتها. كانت الغرفة مضاءة، وضوء الأثير يسطع ساطعاً، مما يعني أنه لبهار النهار.
التفتت سيرينا برأسها. كانت الأسرّة الأخرى في الغرفة فارغة. كانت وحدها، بمعزل عن...
"ممم... دجاج مقلي..."
خفّضت بصرها نحو كومة مألوفة من الشعر الأشقر. كانت أميليا ممشاة بجوارها، منكمشة على شكل نصف كرة، تمص إبهامها كرضيعة. استقرت يدها الأخرى على ذراع سيرينا اليسرى. أي جحيم سبعة كان الدجاج المقليّ؟ تّش! أجبرت نفسها على الجلوس، دافعة بيديها وقدميها ليرتفع ظهرها مستنداً إلى الوسائد، وأحدثت الحركة تمتمة من أميليا بشيء آخر. لحسن الحظّ، ورغم شعور خفيف بالإنهاك، شعرت بحال جيدة للغاية!
لم تكن تشعر بألم، ولا بعطش أو جوع. لعبت أميليا دوراً في شفائها دون شك. ومع ذلك... هذه الإنسانة الحمقاء! ماذا كانت تفعل نائمة في السرير نفسه معها؟! كانت سيرينا من النبلاء! وامرأة! إن انتشر خبر مشاركتها الفراش مع إنسانة... فهذا... هذا يكاد يكون... عناقاً تقريباً...
"استيقظي، أيتها الحمقاء"، نهرت، ضاغطّة بلسانها.
وحين لم تجد استجابة، بحثت عما يمكنها طعنها به. للأسف، لم يكن سيفها في أي مكان تراه، لذا كان عليها الاكتفاء بإصبع، غرزته بضع مرات في الشعر الأشقر الأشعث.
"استيقظي. أيتها. الحمقاء."
انفتح زوج من الأعيُن الزرقاء ببطء ثم اتسع كالفنجان.
"أنتِ مستيقظة! سيرينا!"
هتفت المعالجة المذهولة. همّت سيرينا بتوبيخها لاستخدامها اسمها الأول، لكن موجة من الذهب والأزرق تدفقت داخلها أوقفتها، ومع تموّج الدفء والضوء في جسدها، غادرها آخر شعور بالإنهاك.
"كيف تشعرين؟ هل أنتِ... تامة الشفاء؟ روحكِ؟"
"أظن... أنها بخير الآن. شكراً لكِ، أميليا."
"ممم! كنت قلقة للغاية! كلما شفيتكِ، شرعت في التصدّع والنزف مجدداً! لقد أخذكِ ناريان في رحلة حقاً، أليس كذلك؟"
غمزتها أميليا. ناريان... وجهت سيرينا فكرها إلى ملك الشياطين الذي ناجته. لماذا نطقت؟ لماذا فقدت السيطرة؟
"ماذا حدث؟ لماذا نطقتُ؟"
"هاجمكِ كورفوس! تمرد! حاول رجاله إطلاق النار عليّ أيضاً! أو بالأحرى، لقد أطلقوا النار عليّ بالفعل! أيمكنكِ تصديق ذلك؟! وقحون جداً..."
آه، تذكرت الآن. فقط... لقد كانت هي من هاجم كورفوس، لا العكس. ومضت في عقلها صورة لشخصية صفراء الشعر لا تحراك على أرضية الساحة.
"أكنتِ... بخير؟ رأيتكِ تُصابين... لم تكوني تتحركين."
"ممم!"
أومأت أميليا بسرعة.
"كان الأمر مربكاً للغاية! كنت أنحني لأشي شخصاً، ثم شعرت فجأة بشيء يصطدم بحصوني فوقعت! اكتشفنا أنهم استخدموا هذه البنادق"
--جلست أميليا، ناشرة ذراعيها واسعتين– "الضخمة للصيد، بكتل حديدية هائلة! وكل ذلك ضدي! صمدت حصوني بشكل جيد، لكن القوى قلبتني في كل مكان! استغرق الأمر مني وقتاً طويلاً لأتبين ما حدث، ثم نطقتِ أنتِ ونسفتِ الساحة بأكملها! كان عليّ شفاء الجميع من جديد قبل القدوم لمساعدتكِ! عذراً لاستغراقي كل هذا الوقت! ما زلت أعتاد قدراتي! مخيف امتلاك كل هذه القوة، أتعلمين!"
"أرى... أين كورفوس الآن؟"
"ذهب"، قالت أميليا بكتفين مرفوعين.
"وصل الأسطول بعد وقت غير طويل، وأخذوه مع جميع القوات البرية! أظن أنكِ في ورطة كبيرة. لم يرغب داغون في إخباري بالكثير!"
أعملت سيرينا عقلها محاولة تذكر القتال. بعد أن نطق كورفوس بكلمته - بايل - فقدت السيطرة، وكل ما بعد ذلك كان ضبابياً. كانت... تخسر.
"هل... انتصرتِ على كورفوس؟"
سألت أميليا.
"تباً نعم!"
أعلنت أميليا بمرح، مؤكدة كلماتها ببهجة برفع إبهامين.
"عذراً... هذا تعبير من عالمي. على أي حال، كانت مؤخرتكِ تتلقى ركلاً! أظن أنكِ لو لم تكوني محمية بهالة زرقاء أصغر من هالة لمتِ قبل أن أصل إليكِ!"
"زرقاء!"
هتفت سيرينا.
"كنتُ أستخدم هالة زرقاء؟"
"أجل!"
كان ذلك أمراً عظيماً! اعتبرت بالفعل موهبة بين الشياطين، لنطقها الكلمة الأولى سريعاً هكذا، لكن الحد الفاصل بين مستويات المحاربين للهالة، كدوائر السحرة، كان هائلاً وقد عانت لتجاوز الأخضر. والآن بعد أن فعلت ذلك مرة، حتى وإن لم تكن مسيطرة، فسيكون بوسعها فعله مجدداً. ومع ذلك... لم يكن ذلك كفاي، أليس كذلك؟ كان كورفوس منتصراً؛ وموهبته الخاصة، وهالته الخاصة، فاقتا هالتها.
أم... أكان أكثر عزماً ببساطة؟ ليرى الأمور حتى نهايتها؟
"هل... نطقْتِ ضد كورفوس؟"
"حسناً..."
أطبقت أميليا فمها تفكيراً، وإصبع تستقر على ذقنها.
"أظنني فعلت... لكن!"
قالت مشيرة إلى سيرينا، محذرة بإصبعها.
"لا تخبري أحداً أنني فعلت! أظن أن الجميع يعلمون أنني ناطقة الآن على أي حال. كان هناك رجل مخيف يُدعى التنين يحاول–"
"التنين كان هنا!؟"
"أوه، التنين، التنين!"
لوحت أميليا بيديها في الهواء.
"الجميع يتحدثون عن التنين! لم يبدو لي بالكثير البتة!"
هذه الإنسانة الحمقاء.
"أما زال هنا؟"
"كلا، رحل. حاول النزول إلى هنا، لكن يبدو أن السفينة لم تفتح الباب له."
مشاكل تتبعها مشاكل. كان التنين سيداً أعلى لكاسكيديا، ورغم أنه كان مغموراً نسبياً قبل الحرب، فإن فطنته السياسية سمحت له بجمع قدر لا يُستهان به من سلطات زمن الحرب التي منحها إياه سيده الأعلى. قيل إن الشيء الوحيد الذي كبح ترقيته إلى رتبة سيد عظيم كان قدراته القتالية الشخصية. ومع ذلك، فإن قيوده في الترقي عبر مراتب سيادة كاسكيديا لم تكبحه عن الترقي في مراتب الأدميرالية الشرقية.
صنفت التنين بوصفه مشكلة أخرى تحتاج إلى حل في المستقبل.
"لنعد قليلاً إلى الوراء. كورفوس. كيف انتصرتِ عليه؟"
لم تكن هناك طريقة يمكن لأسيكو أن تنتصر بها على بايل في القتال.
"حسناً، أتذكرين حين قلت إن لدي بعض الحيل في جعبتي؟"
"أم... أرى."
تأملت أميليا للحظات.
"أفترض أنكِ لست مستعدة للمشاركة بأكثر من هذا؟"
"يعتمد على الأمر. كم ستدفعين لي أكثر؟"
"ها!"
لم تستطع سيرينا منع نفسها من الضحك. لم يسبق أن حدثها أحد بهذا القدر من الصراحة؛ حتى عندما كانت في الاكاديمية العسكرية، كان زملاؤها يراقبون تصرفاتهم احتراماً لمن كان والدها. حلّ، كان هناك ذلك الأحمق السكير، فكرت. كان ودوداً دائماً. لم تستطِع الإنكار. كان موقف أميليا منعشاً إلى حد ما. بدا... لطيفاً.
"إنسانة غبية"، قالت.
"شيطانية غبية"، جاء الرد.
"نعم، أنا كذلك"، قالت متنهدة.
"استخففت بموقف كورفوس وأولئك الموالين له. ظننت أنهم سيلينون مع الوقت، لكن الوقت لم يكن ما نملكه. كورفوس عاجز عن الوثوق بالبشر أو العيش معهم. لم أفهم هذا، أو بالأحرى، اخترت ألا أصدقه. لا بد أنني بدوت مجنونة في عينيه، لرؤيتي أجلب ما اعتبره عدواً قوياً وسطنا بعد معرفتكِ لساعات فقط. ظن أنني سحرتُ... ربما كنت كذلك."
"حسناً، أنا لطيفة بشكل فظيع، ألسْتُ كذلك؟ آخ!"
وضع طعنة إصبع أخرى حدّاً لذلك. فجأة، انفتح باب الغرفة وظهرت مجموعة مألوفة من القرون الملتوية.
"أيتها القائدة!"
هتف داغون.
"أنتِ مستيقظة!"
"ما زلت حية"، تذمرت.
"سمعت أن التنين ظهر."
أومأ داغون برأسه ثم رمى نظرة متسائلة نحو أميليا ثم إلى سيرينا.
"أميليا، انتظري في غرفتي."
تثاءبت الإنسانة بطريقة غير لائقة بتاتاً بصحبة النبلاء. واقفة، أخذت قطعة مطاط وشرعت في ربط شعرها للخلف.
"حسناً، لكن أعلمي أناثور إن بدأتِ تشعرين بألم وسأعود فوراً، أو يمكنني شفائكِ عن بُعد، أظن... على أي حال أعلميه وسيخبرني!"
"...شكراً لكِ."
"وداعاً!"
لوحت أميليا وخرجت بخطوات خفيفة، وذيل حصانها يرتد. راقبها داغون وسيرينا حتى غادرت، ولم يكملا حديثهما حتى خفت صوت خطواتها.
"لم تغادر جانب طوال الأسبوع"، قال داغون بهدوء.
"طوال الأسبوع؟! منذ متى وأنا هنا؟"
"ستة أيام، أيتها القائدة. طوال الأيام الثلاثة الأولى، لم تغادر هذه الغرفة قط. لم تأكل، أو تشرب، أو تنم. أبقت نفسها نشطة بشفاء نفسها. قالت إنها لا تستطيع مفارقتكِ ولو لحظة. بكت قليلاً... كثيراً."
هزّ داغون كتفيه.
"فكرنا أن الأمر خصلة بشرية. فهم أكثر عاطفية منا، بعد كل شيء."
"...أرى."
بكت أميليا من أجلها؟ تحرك شيء في قلبها لذلك. مزعج.
"خلال اليوم الأول، بمجرد توقفها عن شفائكِ، كان جلدكِ يبدأ بالتصدّع وتنزفين في كل مكان. سحرها يجدد الدم أو ما شابه لأني متأكد تماماً من أن ما خرج منكِ كان أكثر مما يمكن أن يحويه جسدكِ أبداً. لم يهدأ الأمر إلا في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث، تمكن هيلبراند أخيراً من إقناعها بمغادرة جانبكِ. لقد استقرت في غرفتكِ."
"أبهذا السوء، ها؟"
"أجل، بهذا السوء"، قال داغون وهو يحك ذقنه.
"ما الذي حدث، أيتها القائدة؟ أأحاول كورفوس قتلكِ بسبب الفتاة؟"
"ليس تماماً. لست متأكدة حتى إن كان سيهاجمني. رأيته يعطي الأمر، لرجاله لاغتيالها و..."
هزت كتفيها بخفة.
"بالغت في رد الفعل."
"نعم، لقد فعلتِ حقاً. أتريدين الأخبار السارة، قبل السيئة؟"
"امضِ قدماً."
"الخبر السار هو أنه خلال الأسبوع الماضي، تقبل الطاقم الإنسانة إلى حد ما، بل وأحبوها. حقيقة أنها عالجت جميع عظامهم المكسورة بعد أن نطقتِ، ثم أنقذت حياتكِ حرفياً، حولت آراء معظمهم إلى إيجابية. هذا كل ما في الأمر. لا مزيد من الأخبار السارة. الباقي سيء."
"التنين؟"
"أجل. أراد هو والأدميرال زجكِ أنتِ وهي في الزنزانات. أرسل فرقة من الجنود لجلبكما. أوقفهم السفينة. ظهر التنين. أوقفْه السفينة. لويت قروني أمام كل ضابط على ظهر السفينة. أخذوا كورفوس وحلوا قواتنا البرية. لا مزيد من جنود الصدمة، لا مزيد من القناصة. لقد فقدنا معظم سحرتنا."
"ماذا حدث للآخرين المتورطين في مؤامرة كورفوس؟"
"شنقناهم. سُلمت الجثث للسماء السفلى."
"كيف تقبل الطاقم ذلك؟"
"همه، هذا وذاك"، قال داغون، محاكياً ميزاناً بكفيه.
"أعطيناهم وساقطين آخرين مراسيم الجنازة السانغويستية والخوينتية اللائقة. صوّرت الأمر برمته كتمرد - وهو ما أظنه كان كذلك، نوعاً ما - دبره كورفوس ودعمه خونة. بدا أنهم تقبلوا ذلك. تعلمين كيف كان هناك احتكاك بين البحارة والجنود... مع ذلك، كان الشنق أمراً مهيباً، وبدا من الأفضل الانتهاء منه في أسرع وقت ممكن، بدلاً من انتظار استيقاظكِ."
"كيف تفاعلت أميليا؟ كنت أظن أن تلك الحمقاء ستحاول التدخل."
"ظننت ذلك أيضاً، لكنها بدت راضية بالسماح بحدوثه. لكنها لم ترغب في المشاهدة. أظن أن السلسلة الكاملة من الأحداث أثرت عليها أكثر مما أبدت. كما قلت، بكت كثيراً."
"حسناً، مما نعلم، لم تر حرباً قط أو تشارك فيها. لا بد أن أشياء كثيرة مفاجئة"، قالت سيرينا، فأومأ داغون موافقاً.
"أي شيء آخر؟"
"يعتقد التنين أنها ناطقة مزدوجة على الأقل. على الأقل."
"لماذا؟"
ضيّقت عينيها. كانت قد شكّت في الأمر ذاته، خاصة بعد أن اعتترفت أميليا بأنها نطقت بشيء لقتال كورفوس.
"رصدت منظار أثير الأسطول كلمتكِ وحدها، ثم كلمة كورفوس. لم ترصد أي شيء نطقت به الفتاة."
"هذا مستحيل"، قالت سيرينا وهي تهز رأسها.
"لا بد أن منظار أثيرهم قد فاته نطقها. لقد اعتنت بكورفوس! كان محارباً من المستوى الخامس، يكاد يصل للرابع! حتى مع الأخذ في الاعتبار الزيادة العامة في القدرات الناتجة عن مناجاة أكثر من ملك واحد، لكانت لا تزال بحاجة للنطق لمجاراته."
"حقاً، هذا ما قلته لتومز بعد الاجتماع. هذه الفتاة... إنها تدفع حدود الممكن بالفعل. لا نعرف ما هو طبيعي في العالم الذي جاءت منه."
عبث داغون بإبهاميه، عاقداً حاجبيه.
"تحدثنا، أنا وتومز، وكنا ن فکر أن... أتعلمن... ما نفكر فيه بشأن قدراتها وما إلى ذلك... ربما لا ي الأمر مجرد قدرتها على نطق الكلمة الأولى لفرع أو فرعين، أو حتى ثلاثة. ربما هو أمر أكبر من ذلك. ربما تستطيع نطق الـ..."
"توقف. لا تسلك هذا الطريق يا داغون"، حذرت.
"وأبلغ تومز بما قلته. لقد حاول إثارة الموضوع نفسه من قبل. لحسن الحظ، كان لديه من العقل ما يمنعه من المتابعة، عقل آمل أن تملكه أنت أيضاً."
"أنا... آسف، أيتها القائدة."
"من المرجح أن لديها طريقة للحد من إطلاق الأثير أو ربما إخفائه حتى؛ فكبير معلمي أكاديمية أسامايوا يستطيع فعل ذلك. سمعت أن جميع السادة الحراس يملكون القدرة أيضاً. يمكننا الخوض في الأمر لاحقاً، لكن الآن، افترض أنها نطقت سراً بكلمة من فرع قتالي بشري. ألدينا سجل بكلمات بشرية معروفة ملقاة هنا وهناك؟"
"أجل، لدى تومز واحد في مكان ما."
"في المرة القادمة التي تراه فيها، أبلغه بإرساله إلى غرفتي. سأسأل أميليا عنه. لا أظن أنها ستكذب؛ فهي لا تبدو محبة لذلك، ولهذا السبب من الخطير والمهم ألا تخوض أبداً في خط التساؤل السابق معها. إن كان - وهو افتراض كبير - إن كان ما تفكر فيه صحيحاً، فستزعزع أميليا المشهد السياسي في القارتين معاً. عليّ تحضير حسها السليم لذلك."
"...حاضر، أيتها القائدة."
"الآن... عودة إلى ما هو أقل إثارة للقلق. أي شيء آخر من التنين؟"
"علينا الإبحار إلى كينهورو، وإتمام الإصلاحات هناك، وتثبيت برج جديد. قد تكون فرصة لالتقاط بعض تلك المراوح الجديدة الرائعة التي كان تومز يتحدث عنها."
"نعم."
أومأت سيرينا. لقد ذكر تومز أنه عثر على بعض المراوح التي تساعد في منع التكهف. سيكون ترقية مفيدة عندما يسبحون في اللومينا.
"ومن ثم، انتظار الأوامر؟"
"أخشى لا. علينا الإبحار إلى شيماشينا بعدها."
"تباً."
"نعم. أبوكِ يريد رؤيتكِ."
تنهد داغون.
"و... الفتاة."
"الجحيم السبعة!"
قاومت سيرينا إغراء الإمساك بقرونها.
"هذا..."
توقفت، مترددة. سيكون من الجميل رؤية عائلتها مجددًا. فبعد فقدان أخيها، بردت قرون أبيها. وصحّ أقل حماسة بكثير، وباتت إقامة علاقة معه أسهل.
"لا بد أننا نقترب من كينهورو، إن كنت قد غبت ستة أيام."
"أجل، أيتها القائدة. على بعد يومين. نحن في عمق المجال الجوي الإمبراطوري. السفينة في حالة تأهب منخفض. نقوم ببعض الغسيل. بدا من الأفضل التسهيل على الطاقم، بعد الشنق وكل ذلك. الروح المعنوية منخفضة قليلاً، بصراحة. أتوسمين في نفسكِ قدرة؟"
"أنا بخير الآن، بفضل أميليا"، قالت.
ألقت سيرينا بساقيها فوق حافة السرير ووقفت. بعد تلك الجولة الأخيرة من الشفاء، لم تشعر بأي ضعف على الإطلاق. خفضت بصرها نحو قدميها و...
"أين الجحيم زيّي العسكري؟"
كانت ترتدي قميصاً أبيض وسراويل، مختلفة تماماً عن ملابس قائدتها السوداء والذهبية المعتادة.
"أُحرقت ومُزقت أثناء القتال. توجد مجموعة احتياطية هنا في مكان ما..."
نقّب داغون في بعض الأدراج قبل أن يسحب طقماً مألوفاً من الملابس.
"ها هو، أيتها القائدة."
"شكراً لكِ."
أخذت الملابس.
"أناثور! اجمع الضباط على الجسر."
"حسناً جداً..."
جاء الرد الأجش. التفتت سيرينا وألقت نظرة دقيقة على داغون، الذي حدق بها بدوره. تنهدت. رجال.
"داغون."
"نعم، أيتها القائدة؟"
"أنت مردود."
أشارت بالملابس التي في يديها.
"اخرج."
"آه! آسف، أيتها القائدة! سأكون بالخارج!"
أسرع بجعل نفسه بعيداً وأغلق الباب. متنهدة، عثرت على حوض ماء، وبللت منشفة، وشرعت في تنظيف جسدها. لم يبدو أن هناك الكثير من العرق أو الدم الجاف؛ أكانت أميليا وهيلبراند قد غسلاها، أم أن لدى أميليا نوعاً من تعويذة التنظيف؟ لن يفاجئها ذلك، ليس بعد الآن.
"أناثور"، قالت، "هل سمعت يوماً بالدجاج؟"
لن تتغير سيرينا أمام داغون، لكنها قبلت منذ زمن أن بإمكان أناثور رؤية كل شيء وسيراه في مرحلة ما. لقد أكد لها سابقاً أنه لا يهتم بتلك الأمور، ولم تكن كمن يستطيع مغادرة السفينة كلما أرادت اغتسال نفسها.
"همم..."
جاء الرد.
"طائر عائم بلا أجنحة. منقرض في هذا العالم. من عصور ما قبل كاسكيديا، من الممالك البشرية القديمة التي تشكلت من الموجة الأولية للاستعمار قبل أكثر من ألفي عام."
"منذ ذلك الوقت الطويل؟"
سألت، متوقفة عن تبديل ملابسها. كان أناثور عتيقاً، وقد لمح إلى ذلك مرات عدة، لكن قبل كاسكيديا، قبل أن تتشكل إمبراطورية الشياطين؟ أكان ذلك ممكناً؟
"كيف عرفت؟"
سألت، "هل... رأيتهم؟"
"همم... لا أعلم. هناك ذاكرة، لكني لا أعلم أهي لي أم أنها... لا تمانع..."
توقفت لحظة.
"مع ذلك، أعتقد أن الشوكو المنتشرة في شمال تيرا فيرما وسينتراليس هي نوع متحدر."
"أه، الدجاج سلف الشوكو؟ هذا مثير للاهتمام. سأجعلها تجرب واحدة، لترى إن كانت تجد طعمها مشابهاً."
ثم، خطر ببالها خاطر.
"أناثور، أيمكن أن تكون أميليا من عالم البشر الأصلي؟ الذي جاءت منه تلك القوافل؟"
"مستبعد. جُعِل ذلك العالم مختوماً أمام السفر بين العوالم بعد وصولهم بوقت قصير، بقوى أعظم بما لا يقيّد بعقول من تقرؤون أسماء الملوك باسمهم."
فجأة، خطر ببالها شيء قاله أناثور لها عندما اكتشفت أميليا في غرفتها لأول مرة قبل أسبوع.
"قوية بما يكفي... لتخدع عينيك، وعين السفينة؟"
"همم... لا يمكن خداع السفينة."
السفينة... الطابق الرابع... كان هناك شيء عن الطابق الرابع نسيته. تشّ! لا بد أنه لم يكن مهمّاً إن عجزت عن تذكره. أتمت سيرينا تبديل ملابسها.
"كيف أبدو؟"
"همم... سعيدة."
"سعيدة؟ لم أكن أتوقع ذلك."
"تادّين تبدين سعيدة بعد الحديث مع الإنسانة."
"احفظ تلك الأفكار لنفسك."
"حاضر، أيتها القائدة."
خرجت من جناح التطبيب، والتقت بداغون في الممر. معاً، توجها إلى الجسر حيث قدم لها داغون عرضاً موجزاً للأمور الأصغر التي حدثت على متن السفينة طوال المدة التي كانت تعالج فيها. ومع ذلك، دخل معظمها من أذن وخرج من الأخرى. كان عقلها منشغلاً بما قاله أناثور. أميليا تجعلها... سعيدة؟