اول ما لاحظته أميليا عند استيقاظها هو غياب الألم. لقد اعتادت كثيراً إما وجع مرضها المتعفن أو ألم الإبر الحاد لدرجة أنها نسيت شعور الخلو من أيّ شكل من أشكال العذاب. شعر جسدها بالخفة والدفء وبدا عقها، المثقل عادة بالإرهاق والصداع، صافياً ومستريحاً. وشعرت بابتسامة تتشكل على شقيها، فراحت أميليا تحاول حفظ هذه المشاعر التي نسيتها منذ زمن بعيد. بعد لحظات قليلة، قررت المجامرة بتحريك بعض أصابع قدميها وسرّها أن تجد ذلك لا يسبب آلام الوخز المعتادة.
فحركت ساقاً، ثم ذراعاً، وبعد أن قررت خوض المخاطرة برمتها، فعلت شيئاً لم تستطع فعله منذ سنين.
"مممم!"
تمددت كقطّة، وشعرت بالرضا يتردد صدى في أنحاء جسدها. ألا تكون قد ماتت وأنّ هذا هو الفردوس؟! مع أنها كانت تستلقي بالتأكيد على أرضية خشبية صلبة وذلك لم يبدُ شبيهاً بالفردوس البتة! لا أنها كانت تتذمر؛ فمقارنة بسنواتها في المستشفى كانت أرضية كهذه تغييراً مرحباً به للوتيرة. حتى مع ذلك، فكرت، ينبغي لي على الأرجح فتح عينيّ ومعرفة مكاني. أتاها الرد من سقف خشبيّ مخطّط بعوارض داكنة.
اعتدلت أميليا في جلستها لتجد نفسها في نوع من المكاتب أو غرف الدراسة. كانت الجدران مغطاة برفوف الكتب والخزائن والطاولات. وحيث لم يُغطَ الجدار بالأثاث، كان مزيناً باللوحات. بل إنّ أحد الجانبين ضمّ حتى رأس موس محنّط! وفي وسط الغرفة، أمامها مباشرة، كان مكتب مزخرف وكرسي جلدي يكتنفهما نافذتان كبيرتان. وخلفها زوج من الأبواب المزدوجة. مستخدمة المكتب مسنداً، وقفت أميليا ببطء.
ومما يثير الدهشة أنها لم تكن تشعر بالألم بعد! لم تبدِ ركبتي أنها ستتداعيان تحت وطأة وزنها الخاص! بل بدا وكأنهما... قويتان!
"أنا أقف!"
هتفت لنفسها وللعالم. خطت بضع خطوط ذهاباً وإياباً ثم بضع خطوات أخرى. كان شعور عدم الضعف مسكراً. حتى إنها قامت ببعض القفزات، بينما كان شعرها الأشقر يرتفع ويهبط في تموجات. انتظري، شعرها الأشقر؟ ألقت أميليا القبض على شعرها وفحصته. كان أشقر قطعاً، يكاد يكون ذهبياً! كيف حدث هذا؟! كانت متأكدة من أنه ليس مصبوغاً، فكيف إذاً تغير لون شعرها! كان مفترضاً بشعر أميليا أن يكون بنياً كالفأر، لا هذا الذهب اللامع المتألق!
تفقدت بقية جسدها، وشعرت بأنها تعبس. كانت ترتدي قميصاً رمادياً بسيطاً وشورت فضفاضاً، ممّا ترك بطنها وساقيها مكشوفتين نوعاً ما. لم تكن هذه الملابس بالتأكيد ملابس المستشفى المعتادة التي اعتادت عليها كثيراً! من المسؤول عن إزالة ألمها فحسب بل وتغيير شعرها وملابسها أيضاً؟! نظرت أميليا حولها، ووقعت عيناها على لوحة مرسومة لامرأة شابّة. بدت المرأة المرسومة نبيلة؛ فقد ارتدت زيّاً أبيض وذهبياً وكان لها الشعر الذهبي نفسُه الذي لآميليا.
وتفاخر التصوير المصقول بعينين زرقاوين متألقتين، وعلى جبهة المرأة، استقر قرنان صغيران أنيقان. غريبان، لكنهما يبدوان رائعين، فكرت أميليا. انتظري! هل أملك...؟ اندفعت يداها إلى جبهتها. آه، يا للعار! وفي حين لم يكن لها قرنان، لم تنتهِ الغرابة عند هذا الحد. ومع استمرارها في تفقد نفسها، وجدت أن قدميها الشاحبتين، بكل أصابع قدميها العشيرة اللطيفة، لم تكونا تخصانها قط. لقد قضت أميليا ساعات لا تحصى في تأمل أصابع قدميها عند طرف سرير المستشفى ولم تكن هذه أصابع قدميها.
وعندما نظرت إلى يديها، وصلت إلى النتيجة نفسها. لم تكن هذه أصابعها. لم يكن هذا جسدها! فوجئت بمرآة معلقة بجوار رأس الموس المحنط. سارعت إليها وسمّرت ناظريها في انعكاسها، غير مصدقة تماماً ما كانت تنظر إليه. شعر ذهبي. عيناه زرقاوان. بلا قرون. ووجه لا ينكره إلا أحمق بأنه رائع ولطيف بشكل لا يصدق! لا شك في الأمر! لقد كان هذا جسد أميليا ثورنهارت، الشخصية التي قضت سنوات في رفع مستواها في المستشفى!
لكن... لماذا كانت في هيئة بشرية لشخصية لعبتها؟! كان مفترضاً بشخصيتها أن تكون ساحرة قتال شيطانية ذات قرون وأجنحة سوداء! هكذا لعبت بها أميليا لسنوات! آه. تذكري أميليا آخر مرة سجلت فيها دخولها. فقد شاركت في فعالية اجتماعية للنقابة أخذوا فيها جميعاً جرعات تحول لتغيير هيئتهم. ولجعل الأمور أكثر إمتاعاً، فقد اضطلعوا بأدوار قتالية تختلف تماماً عن أدوارهم المعتادة لفعالية القتال ضد البيئة لتلك الليلة.
وعليه، فإن أميليا ثورنهارت، ساحرة الشياطين للدمار والرعب، لُعبت بدلاً من ذلك بصفتها معالجة بشرية شقراء رائعة! لكن لماذا كانت في جسد شخصية لعبتها؟ أأزالت مسجلة دخولها في عالم اللعبة؟ لا، فكرت أميليا. لست كذلك. بصورة ما، كانت تعلم على مستوى غريزي أن هذا لم يكن عالم لعبة، أو عالم أحلام، أو أي نوع من الواقع المحاكي المعزز بالوصلات العصبية. لقد كان هذا العالم الحقيقي، بكل ما فيه من مادية وإثارة كما ينبغي له أن يكون.
أعنى ذلك أن قوة سماوية قد أعادت خلق عالم اللعبة في جيب ما من الكون، أم أن هذا العالم وُجد دائماً، وصُنعت اللعبة لتقليده لأغراض ترفيهية؟ والأهم من ذلك، إن كان جسدها قد تغير إلى جسد شخصية لعبتها المتحولة، فهل يعني ذلك...؟
"الحالة"، تمتمت أميليا، مع بصيص أمل يرتفع في عقلها.
لا شيء. لم تكن هناك شاشة لعبة عائمة. جربت أميليا عدداً من العبارات الأخرى بنتيجة مخيبة للآمال نفسها. بل وحاولت إرادة شاشة شخصيتها كي توجد دون جدوى. لقد افترضت أن ذلك منطقي. إن كان هذا هو العالم الحقيقي، وكانت متأكدة من أنه كذلك، فلن يتسنى لها الوصول إلى شاشة حالتها. يا للعار! لقد كانت تأمل في الوصول إلى مخزون الفضاء الفرعي داخل اللعبة. لسوء الحظ، بدا أن الكيان الذي منحها جسداً جديداً لم يكرر دروع وأسلحة نهاية اللعبة المفرطة القوة التي قضت مئات الساعات في طحنها!
لا أنها كانت تتذمر! أياً يكن صانعها الغامض، فقد منحوها بالفعل أثمن شيء على الإطلاق! جسداً سليماً! ربتت أميليا على ذلك الجسد السليم بالذات، وقهقهت لنفسها وهي تختبر شد عضلاتها وتستمتع بإحساس القوة. وبينما كانت تستكشف قدرات جسدها الجديد، أصبح جزء من عقلها واعيًا بشيء آخر بدا وكأنه يتوافق مع اللعبة التي لعبتها. استطاعت استشعار مادة أثيرية تطفو داخلها بكميات هائلة. على غرار معرفتها الغريزية بأن هذا العالم حقيقي، عرفت بطريقة ما أيضاً بدقة ماهية تلك المادة الغامضة.
الأثير. في اللعبة، كان المورد الأساسي لمعظم تخصصات السحر. وبصفتها ساحرة قتال، قضت أميليا وقتاً هائلاً في إكمال المهام وصيد الألقاب لتعظيم سعة الأثير وتجديده لديها. فبعد كل شيء، احتاجت إلى كل ذلك الأثير لإلقاء تعويذاتها القتالية العارمة! لقد اكتسبها هوسها بالأثير لقب 'مدمنة الأثير' بين رفاقها في النقابة. إذن كان لديها أثير، ولكن أيمكنها إلقاء السحر؟ من الناحية الكانونية، كان السحر يُلقى في اللعبة بنطق التعويذة.
ومع ذلك، اعتادت أميليا إلقاء السحر بالتفكير في اسم التعويذة. وكانت ممتنة لمطوري اللعبة لوضعهم تلك الميزة، إذ غالباً ما كانت متعبة للغاية بسبب مرضها بحيث لا تستطيع التكلم. أيمكنها فعل الشيء نفسه هنا؟ حسناً، كما كانت تقول دائماً، لا مغامرة، لا مكسب! الدائرة الأولى، درع القوة، قالت في عقلها، مريدة أن يتجسد السحر. ويا للمفاجأة، شعرت بأثيرها يرتجف. لقد استجاب لتفكراتها بالتأكيد!
ووطنت عقلها، فحاولت أميليا مجدداً. الدائرة الأولى، درع القوة. فجأة، شعرت باندفاع مبهج بينما التوى أثيرها وانعطف داخلها، منتقلاً إلى البنية المطلوبة ثم مفعلاً نفسه. وحين تجسدت تعويذة الدرع، شعرت أميليا بقوة أكبر وامتلاء بالنشاط. شعرت بالقوة. شعرت وكأنها تستطيع إيقاف نصل بيدين عاريتين! واكتسب جلدها توهجاً ذهبياً، مطابقاً لما تذكرته من اللعبة. أغدق ذلك التوهج الذهبي الغرفة بضوء أصفر.
لن يفلح ذلك! بالكاد تستطيع أميليا استكشاف هذا العالم الجديد بينما تتوهج كمنارة! كان عليها فعل حيال ذلك! لحسن الحظ، عرفت التعويذة الدقيقة التي تحتاجها. الدائرة الثالثة، عباءة السرية. تفعّلت تعويذة التخفي، مخفية التوهج الذهبي المميز لدرع القوة. أطلقت زفرة ارتياح. لحسن الحظّ على ذلك! الآن وقد حظيت ببعض الدفاع، شعرت أميليا بثقة كافية للاستكشاف. واقتربة من النافذتين، ملاحظة أنهما كانتا سميكتين.
ربما ست بوصات أو أكثر! تطلعت الخارج فلم يواجهها سوى سماء زرقاء بعيدة في الأعلى وغيوم في الأسفل. أكان هذا المبنى على قمة جبل؟ حول انتباهها إلى المكتب. وعليه استقرت خريطة كبيرة بدت لأرخبيل. جرى تصنيف مواقع عديدة وقام مالك هذا المكتب بتثبيت ملاحظات على مواقع مختلفة. تطلعت أميليا عن كثب لقراءة بعض منها. أجل، لم تستطع قراءة هذا! لم تكن إنجليزية بالتأكيد، ولم تبدُ كأي من الخطوط الموجودة في اللعبة!
"ما هذه اللغة...؟"
تفكرت أميليا.
"تلك ستكون الإمبراطورية العالية، أيتها الصّغيرة"، ردد صوت رجولي أجش، مما جعل أميليا تفزع وتصطدم رأسها بالسقف!
وبينما هوت إلى الخلف، أدركت أميليا أن جسدها لم يعتد القوة الإضافية التي منحتها إياها تعويذة درع القوة المخفاة الآن.
"من هناك؟! أظهر نفسك أيها الدخيل!"
صرخت أميليا.
"أملك يدين، ولست خائفة من استخدامهما!"
مدت يديها كملاكمة بينما كانت تفحص الغرفة بفرار بحثاً عن المتحدث الخفي.
"آه... هاهاتها!"
ضحك الرجل الخفي.
"أنا الدخيل؟ يا لك من بشرية غريبة تتهمينني بالجريمة التي أنت مذنبّة بها! نعم، نعم... هنا. لا، لا... إلى يمينك، بجوار المرآة، أيتها الصغيرة."
اتبعت أميليا الصوت حتى استقرت عيناها على المصدر.
"موس متحدث!"
تفوهت ببساطة، ناظرة إلى رأس الموس المحنط.
"أنا لست موساً متحدثاً!"
هتف الموس المتحدث.
"أنا... أناثور! حارس هذه السفينة ومستشار قبطانها. أنا—"
"نحن على متن سفينة!؟"
قاطعت أميليا. سارعت إلى النافذة، متطلعاً عبر الزجاج السميك.
"إذن لماذا لا أستطيع رؤية البحر؟! أين الماء!؟"
"هرمف"، تذمر أناثور.
"قلت إننا على متن سفينة، أيتها الصغيرة... الانتقام! سفينة عسكرية جبارة يخشاها الناس لفرسخ بعيدة! هذه ليست مجرد سفينة مائية لحصاد الملح! أي فائدة ستكون من وضع سفينة حربية على الماء عندما تكون لدينا السماوات؟"
"نحن نطير؟ أنا على متن سفينة طائرة!؟"
ارتدت أميليا عائدة إلى أناثور.
"نطير؟ السمك يطير. نحن نبحر."
توقف أناثور مؤقتاً قبل أن يضيف بسرعة، "نحن ننسى أنفسنا! موضوع هذه المحادثة هو أنت! من أنت أيتها البشرية الصغيرة، وماذا تفعلين في غرفة القبطان؟"
اكتست عينا أناثور الزجاجيتان بمسحة حمراء افترضت أميليا أن الغرض منها كان التهديف. والمدهش أنها وجدت نفسها هادئة تماماً. لقد كان شعوراً غريباً، بالنظر إلى الموقف. افترضت أنه يجب أن تكون خائفة أو مرهوبة بشكل أو باخر، لكن بطريقة ما، وجدت نفسها تفتقر إلى أي مشاعر قلق. بدلاً من ذلك، شعرت بالحماس! وسواء أكان ذلك طيش جسدها الخالي من الألم أم إثارة استخدام السحر، فإن شيئاً في أميليا أخبرها أنه إن استمرت في التحلي بالإيجابية، فكل شيء سيسير على ما يرام!
وعلاوة على ذلك، كان لدى أميليا شعور معين بأن أناثور لن يؤذيها، وحتى لو حاول، كانت واثقة من أنها لن تأذى، نظراً لدرع القوة خاصتها. لقد كان إحساساً غريباً أن تكون قادرة على تحديد القوة النسبية لأناثور ودفاعها السحري بشكل غريزي. أكانت قد ورثت جسد شخصية لعبتها فحسب بل وإحصائياتها أيضاً؟ في اللعبة، كلما ارتفعت إحصائية إدراك الشخصية، زادت قدرتها على تحديد ما يمكن أن يؤذيها وما لا يمكنه ذلك والطبيعة العامة لمخلوق آخر.
وبصفتها ساحرة قتال ذات مستوى أقصى، كانت لدى أميليا ثورنهارت إحصائيات أساسية هائلة، معززة بأشهر من طحن الإنجازات. وبدا أن هذا الإدراك المعزز أصبح الآن جزءاً من جسد أميليا الجديد. كانت تعلم فقط أن أناثور شخص ذو أخلاق حميدة وليس خطيراً! على الأقل، ليس خطيراً عليها. جامعة أفكارها، أجابت عن سؤال أناثور.
"أنا أميليا! سررت بلقائك يا سيد أناثور!"
غردت، ملقية انحناءة مهذبة ومومضة للموس أحمر العينين بما أملت أن يكون ابتسامة جذابة. كان عقلها يتسابق، محاولة التفكير في كيفية مقاربة سؤال أناثور الثاني. ماذا كانت تفعل في غرفة القبطان؟ لم يكن الأمر كما لو كان باستطاعتها توضيح أنها كانت تجسيداً افتراضياً أنشأته قوة عظيمة بطريقة ما في العالم الواقعي ونقلت روحها إليه! لم يعني ذلك أن على أميليا الكذب. كرهت أميليا الكذب.
لكن كان بإمكانها أيضاً إعادة صياغة الحقيقة.
"أما عن سبب تواجدي هنا..."
بدأت أميليا.
"بعد معركة طويلة مع مرض مؤلم، شُفيت منه أخيراً! ولكن بطريقة ما نقلني العلاج سحرياً إلى هذا المكان المجهول! لم أكن أعني القدوم إلى هنا حقاً! لقد كان حادثاً، أعدك!"
تبلعت أميليا لعابها قبل أن تتابع، "لأكون صادقة، لا أعرف ما تخبئه لي الأيام القادمة، لكن بعد أن مكثت طريحة الفراش لفترة طويلة، أريد السفر واستكشاف العالم!"
وبينما كانت تتكلم، لمعت فكرة مفاجئة في عقلها. فبعد كل شيء، كانت هذه شخصية لعبتها، وكانت تعلم أنها تستطيع إلقاء درع القوة. كانت تلك التعويذة من فرع الشفاء السماوي لأيسيكو، وبينما كانت مواهبها السحرية الحقيقية تكمن في سحر قتالي مفرط الشحن بشكل سخيف، لم يكن الأمر كما لو كانت تريد التجوال لتدمير كل شيء! فقد قال أناثور حقاً إن هذه سفينة عسكرية، بعد كل شيء. ألن يكون سحر الشفاء الخاص بها قيّماً لقبطانها؟
ألم تكن قادرة على استكشاف هذا العالم لمجرد البقاء هنا؟ كان بوسعها على الأقل التعرف على العالم قبل تقرير ما إذا كانت ستهرب! أومأت أميليا لنفسها بطمأنينة.
فتحت فمها وقالت، "لدي بعض الموهبة في الشفاء السحري. وإذا كانت هذه سفينة عسكرية، فربما يسمح لي قبطانك بتقديم خدماتي؟"
صمت أناثور دقيقة كاملة.
"ممم...."
"السيد أناثور؟"
"يا لك من بشرية غريبة. شخصيتك... تذكرني بـ..."
تذمر أناثور بشيء غير مفهوم قبل أن يعلن، "مع ذلك، قد توضحين نفسك للقبطان!"
"القبطان؟"
تساءلت أميليا.
"أه، متأكدة! أين هو؟"
"إنها هنا الآن. كوني على حذر... يمكن أن تكون غاضبة... قليلاً."
وبينما كانت أميليا تستوعب تلك الجملة الأخيرة، انفتحت الأبواب المزدوجة بانفجار وفجأة ظهر سيف قاطع أمام وجهها! سيف قاطع فولاذي حقيقي! وكان ملتصقاً بهذا النصل اللامع يد حازمة وثابتة، وموصولة بتلك اليد شخصية شاهقة في زي عسكري أسود أنيق ومزين بالذهب. وعلى رأس هذه الشخصية، كان وجه شيطاني جميل يكشر في وجهها، بعينين قانيتين عميقتين، وشعر أسود أملس، ومجموعة من القرون الرائعة!
"شيطانة! قبطانة شيطانية!"
هتفت، معجبة بالشخصية التي بدت وكأنها تنتمي إلى كتاب قصص أكثر من الواقع. ووجدت نفسها تضيع في عيني القبطان القانيتين. نعم... كان بإمكانها العمل لدى قبطانة جميلة كهذه! لا سيما واحدة تجعل نبضات قلبها تتسارع! أه، شعرت بوجنتيها تدفئان. لن تخجل، أليس كذلك؟
ماذا لو— "ميناء أم ميمنة؟ اختاري واحداً!"
هجمت عليها القبطانة فجأة مكشرة.
"آه..."
عبست أميليا.
"لماذا؟"
"سأجعلك تختارين أي جانب من السفينة نعلقك منه بعد أن تفشي بكل ما تعرفين، أيتها الجاسوسة البشرية."
تخللت الكلمتان الأخيرتان طعنات صغيرة بالسيف القاطع، الذي أصبح الآن على بعد مليمترات من أنف أميليا. حسناً، كانت مقابلة العمل هذه تسير سيئاً للغاية! كان عليها إصلاح هذا بسرعة.
"أنا أحب قرونك!"
قالت أميليا بابتسامة وميل في رأسها. فتحت القبطانة فمها ثم أغلقتها، ومضة من الارتباك عبرت وجهها. كان هذا ممتازاً، إذ تعنى أن لطافة أميليا قد بدأت تصل إلى الشيطانة الغاضبة! لقد حان الوقت لدفع الهجوم!
"أعني، إنها مرهبة للغاية، بالطبع! إذا كان هذا ما تسعين إليه... لكنها جميلة حقاً أيضاً، أتعلمون؟ أيمكنني لمسها؟ أرجوكِ!؟"
حرصت أميليا على إشراق أفضل ابتسامة لنكن-أصدقاء خاصتها. ذهلت القبطانة وحراسها. لبضع لحظات، كانت غرفة القبطان صامتة باستثناء قهقهة خافتة صادرة من أناثور. ربما كان الثناء في غير توقيته، ولكن بعد الشعور بهذا القدر من الجانب بعد سنوات عديدة من الشعور بالسوء، شعرت أميليا بأنها تريد أن تكون لطيفة مع الجميع!
"أنتِ..."
بدأت القبطانة ببطء.
"لابد أن الجمهورية أصبحت يائسة لترسل بشرية مجنونة للتجسس عليّ. نفذ منهم القتلة العقلاء، أليس كذلك؟"
أكدت القبطانة على نقطتها بتشديد قبضتها.
"لست جاسوسة! أو قاتلة!"
اعترضت أميليا.
"أنا معالجة! أترغبين في توظيفي... ربما؟"
رداً على ذلك، غزز السيف القاطع أنفها قليلاً. لن يخترق جلدها بسهولة مع الدرع النشط، لكن أميليا استطاعت استشعار أن هذه القبطانة تمتلك قدرة حقيقية. والآن بعد أن نظرت، رأت الشيطانة تتوهج بهالة حمراء خفيفة. بالطبع، إن وصل الأمر إلى ذلك، كانت أميليا متأكدة من أنها تستطيع قول الكلمة الأولى، لكن ذلك سيدمر غرفة القبطان، إن لم يكن السفينة نفسها! وإذا كانت حقاً تطير، لا، تبحر عبر السماوات، فلتفضل ألا تحكم على الطاقم بالموت!
مع ذلك... ينبغي أن تمتلك المهارات لحمايتهم.
"أيتها القبطانة"، تدخل أناثور، مقاطعاً قطار أفكار أميليا.
"ربما لا ينبغي أن نكون متسرعين جداً في حكمنا. ربما يجب أن نحبس هذه البشرية بالأسفل ونجري مناقشة حول كيفية المتابعة."
"أناثور"، نطقت القبطانة بجفاء، دون تحريك عينيها عن أميليا.
"البشرية جاسوسة أو قاتلة. ليس هناك سبب لإبقائها على قيد الحياة."
"هممم... لقد اقترح الانتقام غير ذلك."
اتسعت عيناك القبطانة، منتقلتان باختلاف إلى الموس قبل أن تستقرا مجدداً على أميليا.
"السفينة... تحدثت إليك؟"
"نعم."
لم تستطع أميليا تصديق أذنيها! ليس مجرد سفينة طائرة، بل ومتحدثة أيضاً؟! يا له من مكان غريب وجدت أميليا نفسها فيه! لم تكن هناك سفن طائرة أو متحدثة في اللعبة! واصلت القبطانة التحديق بها لبضع ثوانٍ أخرى. ابتسمت أميليا بالمثل. بطريقة ما، كانت تعلم فقط أن هذه الشيطانة لن تؤذي شعرة ذهبية واحدة على رأسها اللطيف.
"خذوها إلى الأسفل!"
أمرت القبطانة.
"اقتلوها إن قاومت!"
وبناء على أمرها، ظهر المزيد من الجنود الشياطين. كانوا ذكوراً، ورغم كبر قرونهم، رأت أميليا أنهم أقل إثارة بكثير من الزوج الجميل الذي تتباهى به القبطانة. وسمحت لهم بوضعها في السلاسل وكيس على رأسها. وسرعان ما وجدت نفسها مرفوعة عن الأرض ويتم حملها بعيداً. بدا أنهم لم يثقوا بها حتى لتتمكن من المشي.
فحِصت سيرينا المكتب ومنضدتها بحثاً عن أي فخاخ أو وثائق مفقودة. لم تكن أدراج المنضدة تبدو مفتوحة ولم ترَ العلامات الدالة على أي أدوات لفتح الأقفال. أخبرها أناثور بهذا القدر تماماً. كان يخبرها بأنشطة الجاسوسة لحظة اكتشافه إياها. مع ذلك لم تكن سيرينا تثق تماماً بذاكرته عن الأحداث، لا سيما أنه لم يستطع إخبرها كيف تجاوزت البشرية الكثير من الأبواب المقفلة والحراس لتصل إلى غرفها.
"لا أستطيع الفهم. كيف لك أنت حارس هذه السفينة ألا تعرف كيف دخلت إلى هنا؟ أنت ترَى كل شيء".
تمتم الرأس المحشو: "لم تكن البشرية هنا ثم كانت".
"أرأيتها تصل؟"
شخرت سيرينا: "في اللحظة التي حدث فيها ذلك؟"
للحظة ظنت أنها التقطت رائحة شيء يحترق لكنها تلاشت قبل أن تتمكن من تحديدها.
"لا... ولم يكن هناك أي تغير في حقل الأثير. لا أفهم هذا بنفسي. انتقال العوالم يبدو الأكثر منطقية... لكن القليل جداً من الكائنات قادرة على إخفاء ذلك عن عينيّ أيتها القائدة".
صمت أناثور لبرهة قبل أن يتابع: "و... حتى لو خدعتُ فلن يستطيع أي قوة خداع السفينة. لو كانت هذه البشرية تهديداً حقيقياً لنا لكانت قد طردتها".
رفعت سيرينا حاجبها.
"تهديد لنا أم للسفينة؟ لقد سمحت للقتلة بالصعود من قبل".
بدا أناثور بلا رد على ذلك. كان اتصاله بالسفينة موثوقاً بدرجة تزيد قليلاً فقط عن اتصالها هي. لوحت سيرينا بيدها زاجرة.
"حسبنا من أمر السفينة. أخبرني مجدداً كيف تصرفت حين رأيتها لأول مرة".
"تحركت... كأنها غير معتادة على جسدها. في البداية كانت مترددة في كل حركة، مثل جنودك الجرحى ذوي الإصابات البالغة. بدت البشرية مبتهجة لاكتشاف قدرتها على الحركة. لم تتصرف كجاسوسة أو قاتلة".
جلست سيرينا في مقعدها وأمالت رأسها جانباً وبدأت تنقر أحد قرنيها حركة إيقاعية.
"وبعد؟"
سألت.
"بدت مندهشة من شعرها وجسدها. سارعت لفحصهما بالتفصيل في المرآة. كانت متحمسة. مرتاحة. كأنها المرة الأولى لها في جسد جديد".
"أه؟ محتملة انتقال عوالم والآن نصل مظلم؟ هيا يا أناثور. نحن نبلغ مستويات خيالية من النظرية بشأن مجرد بشرية. حدثني عن التعاويذ التي ألقتها".
"تعويذة دفاعية منخفضة المستوى ألقيت بصمت، لذا ينبغي أن تكون في الحد الأدنى ساحرة من الدائرة الثانية. مع ذلك ألغتها بعد وقت قصير. همم... لا، من المستبعد..."
"ماذا؟ انطق بما يدور في ذهنك يا أناثور".
"عندما أُلغيت التعويذة... كان الأثير غير معتاد. لم يكن هناك تبدد في حقل الأثير من الأثير المتبقي. قد تكون مجرد موهوبة من الدائرة الثانية قادرة على تدوير الأثير المتبقي أو..."
توقف أناثور عن الكلام.
"أو أنها لم تلغها. بل حجبتها"، أكملت سيرينا خط فكر أناثور.
"همم... إن كان بإمكانها حجب حتى تعويذة منخفضة المستوى إلى تلك الدرجة فمن المحتمل أنها من الدائرة الثالثة. وإن كانت من الدائرة الثالثة إذن..."
ومضت عينا أناثور.
"هناك احتمال أنها تعرف الكلمة الأولى أيتها القائدة".
أرادت سيرينا استبعاد الاحتمال لكن عقلها العسكري المطيع تقبل الاحتمال. كان نادراً أن يكون الشيطاني متحدثاً بالكلمات ونادراً أكثر بالنسبة لبشرية. كان مستبعداً أن تتمكن بشرية صغيرة كهذه من التحدث لكن... لم يكن الأمر بلا سابقة. وإن كانت تستطيع التحدث فعلى سيرينا إذن أن تصارع حقيقة أن السفينة سمحت لها بالصعود. مما يعني أن البشرية لم تكن تهديداً للسفينة. فجأة برزت في ذهنها ذكرى لقائها.
"يا أناثور، ماذا تفعل الان؟"
"إنها في الزنزانة، آه... تمدد عضلاتها".
"تمدد عضلاتها؟"
"نعم أيتها القائدة والآن... تقوم بتمارين الضغط. تومز وداغون يراقبانها".
هزت سيرينا رأسها. أكانت بشريتها الأسيرة مجرد حمقاء إذن؟
"أعلي أنفها جرح؟"
سألت.
"أي دم؟"
"همم... لا أيتها القائدة".
شعرت سيرينا بطرف عينها يختلج. كانت ماهية بالبارز وكانت قد غرزت قطعا تلك البشرية ذات المظهر المغرور بسيفها قطعاً. إن لم تكن تنزف فاحتمال أن البشرية كانت تفعل تعويذة دفاعية محجوبة أصبح فجأة مرتفعاً بشكل مزعج. نقرت بلسانها ونقلت سيرينا أفكارها إلى أناثور.
"همم... حان وقت إجراء محادثة أخرى لكما. لم يبقَ سوى القليل من الجُرُس حتى نصل إلى محطات القتال".
"نعم".
وجدت سيرينا نفسها تومئ.
"قليل من الاستجواب للإجابة عن بعض الأسئلة".
"حاولي تقليل الاستجواب وزيادة المحادثة إن أمكن أيتها القائدة... الأفضل ألا تُنطق أي كلمات على السفينة سواء من تلك البشرية الغامضة أو منك".