ما إن دخلا الغرفة حتى بادر الكاردينال الثلاثة بالتحية. كان، مثلها، سامينياً عرقياً. وعلى عكس قرنيه، رُسِما بالأبيض، وازدان كل قرن بحلًى ذهبية: ثلاثة أشرطة قرنيّة وغطاء قرن. وراعت أرداب الكنيسة التنسيق نفسه، فتألّفت من قماش أبيض ثخين مطرّز بخيوط ذهبية. وحمل في يديه نسخة من إنجيل الشياطين وتدلى من عنقه صليب مقلوب — صليب بطرس. كان طاعناً في السن، وربما أقدم من جدة سيلينا.
وحفر الزمن على وجهه تجاعيد سنوات طويلة من الخدمة الدينية. وقد يبدو الكاردينال للمواطن العادي شيخاً طيباً، لكن حدس سيلينا أخبرها بقصة أخرى. كان هذا الكاردينال متحدثاً.
تمتم الشيخ، وهو يشق طريقه نحو أميليا: "آه...".
"يبدو شعرُكِ ساطعاً حقاً، أليس كذلك؟".
ابتسم وهو يلتقي بعيني سيلينا.
"أظنني أدرك لسبب تسمية هذه الفتاة بالمعالجة الذهبية، أصحبتُ أعلم؟ هممم...".
دقق النظر في أميليا الواقفة بابتسامة متكلفة.
"يا له من لون عينين نبيل. ليس عادياً لبشري، أليس كذلك؟ أكانت هدية وداع من أسكليبيوس؟ يا للغرابة... ظننتُ التقارير مخططة، فهو معروف بمنح العيون الذهبية. لا عجب في غضب العالم المسيحي هكذا".
قال اللورد العظيم أوشيرو بتهذيب: "اللورد المرشح ثورنهارت".
"لورد هالين، هذا هو الكاردينال هيروشي، ممثل الكنيسة في الشرق. وهو يشرف أيضاً على مطرانية الكبرى التي تضم أساماوا، وأسامينو، وأساموتو بصفتِه رئيس أساقفتها. كاردينال هيروشي، أأسمح لنفسي بتقديم اللورد المرشح ثورنهارت ولورد هالين؟".
انحنت سيلينا بأدب وسارعت أميليا خلفها. ورسم الكاردينال إشارة الصليب على صدره وانفرج وجهه عن ابتسامة متغضنة.
"ما أسعدنا بوقوع إحدى خراف تامرلان الضالة في قطيعنا المتواضع. هل نجلس؟ لقد تركني اللورد العظيم أوشيرو أُطيل الانتظار طوال تلك المراسم الطويلة".
ولم يفت سيلينا تعمّده استخدام اسم البابا البشري.
أجاب اللورد العظيم أوشيرو: "بالطبع".
جلسا على الأرض بالوضع التقليدي لسيزا. وانتظما على شكل دائرة، وجلست أميليا في مواجهة الكاردينال.
وبينما راحت أميليا تتخذ وضعيتها، غرّدت: "يسعدني لقاؤك! تعجبني قروناك! لماذا لونهما أبيض؟".
رد الكاردينال، وبدا خيبة الأمل واضحة في صوته: "ألا تعلمين؟ مع أنك ترتدين الصليب؟".
وأشار بيد نحو القلادة الصغيرة التي منحها اللورد العظيم أوشيرو لسيلينا، والتي مررتها بدورها إلى أميليا. وبعد نقاش طويل، قررت أميليا ارتداءها في المراسم.
تأرجحت أميليا بتكلف قائلة: "أنا، امم"
— "أرتديها احتراماً. أظنني ما زلت أبحث عن دربي الخاص، ولكن —".
وارتفع صوتها.
"توجد ديانات كثيرة جداً، لدرجة أنني لا أعرف أيها أتبع، أو ما إذا كان يجدر بي اتباع واحدة من الأساس! فهناك ديانة كوينتو في كينهورو بعبادتهم للكامي، ثم ديانة سانغو هنا، وتبدو تعاليمها راسخة بحق! ولقد سمعت عن...".
تحدثت أميليا مطولاً، مسردة غالباً بعض ديانات الإمبراطورية الكثيرة التي تعلمتها من سيلينا والمجلدات. واستمع الكاردينال إلى كل شيء دون مقاطعة.
وحين انتهت، رد قائلاً: "ما زلتِ لم تعثري على قطيعك. حسناً...".
تنحنح الكاردينال.
"إجابةً عن سؤالك الأول، يصبغ رجال الدين قرونهم بالبيضاء رمزاً لنقاء وطهارة المسيح وخليفته الروحي، إمبراطورتنا المقدسة. مع أن...".
مال للأمام وخفض صوتها.
"بدأ الأمر في الأصل بوصفه وسيلة سهلة للتعرف على بعضنا في الزحام!".
أومأت أميليا: "ممم! فهمت! وماذا عن أشرطة القرون؟".
مد الكاردينال يده المجعدة وراح ينقر الأشرطة الذهبية.
"واحد لكاهن، واثنان لسقف، وثلاثة لرئيس أساقفة، و...".
نقر أعلى قرنه.
"هذا الغطاء للكرادلة. لا أنزعها أبداً؛ حتى إن الإمبراطورية ثبتتها بنفسها! دعيني أرى... مضى نحو ثلاثين عاماً ربما؟ ولكن إن أذنْتِ لي بسؤال، ليدي ثورنهارت".
اتسع فمه بابتسامة بدت رقيقة على السطح، لكن سيلينا استطاعت لمس ابتسامة كائن مفترس من ورائها.
"كيف ترين إمبراطوريتنا؟ فبالقدوم من بلد صغير مثل كاريغارد، لابد أنها تبدو ضخمة".
تساءلت سيلينا عما يعرفه الكاردينال حقاً. كان اللوردات الكبار يعلمون أن أميليا مسافرة عوالم. وربما دروا أنها تعيش في جسد جديد أيضاً — إذ تضمنت بلورة أكسيوم المسجلة التي سلمتها اعتراف أميليا بذلك. أكان الكاردينال هيروشي يعلم أصل أميليا؟ وسواء أكان يعلم أم لا، فقد ظهر جلياً من سؤاله أنه ينوي إخفاءه.
همهمت أميليا: "ممم! إنها مذهلة، ولم أرد سوى جزء صغير جداً منها! أكاد أجن لشروع في السفر!".
ضحك الكاردينال خفيفة.
"وأثناء سفرك، أتنوين تكرار كرة التعافي الخاصة بك؟".
ضاق عيناه وهو يترك السؤال معلقاً. وحل صمت بارد.
فلتت أميليا قائلة: "إن اضطررتُ لذلك! ما كان لأحد أن يظر إلى حال تلك الأحياء الفقيرة ولا يفعل ما فعلتُه! على الأقل، ليس شخصاً لائقاً!".
وعند كلماتها، رصدت سيلينا أول وميض ضجر في عيني الكاردينال.
قال الكاردينال هيروشي ملتوياً برأسه نحو اللورد العظيم أوشيرو: "كنتِ على حق. روحها نقية وبريئة...".
أومأ اللورد العظيم أوشيرو خفية.
واستطرد الكاردينال: "لكنها ساذجة".
وأعاد نظره إلى أميليا.
"أرحّب بالطبع بالتعويذة المعجزة التي أنتجتها موهبتك العجيبة، ويسرني رؤية مدى دأبك على المساعدة في جهود البناء إثر تلك المأساة المؤسفة. بيد أن...".
نقر بخفة على إنجيل الشياطين برتم منتظم.
"لا تقع الأفعال بمعزل عن غيرها. لقد بلغ صدى معجزتك الدول البشرية، وزادت الأنشطة السرية ضد مصالحنا".
عبست أميليا: "لماذا؟".
زمجر اللورد العظيم أوشيرو: "الخوف. إنهم يعلمون اتحادنا. فأكثر من مئة مليون شيطان يعملون معاً من أجل رخاء كاسكيديا. مئة مليون شيطان أطول وأقوى وأكثر مناعة ضد الأمراض من البشري العادي. لكننا لسنا منيعين. فشيطان ساحة المعركة يموت بسهولة البشري تماماً. يتحسن طبنا عاماً بعد عام، لكنه يظل عاجزاً أمام قدرة البشر على استدعاء تعاويذ العلاج الخاصة بهم. والآن!".
نقر اللورد العظيم أوشيرو بقبضته على ساقه.
"معك! بمعالجتك! لم يعد لديهم تلك المفضلية بعد الآن! ماذا لو أُرسِلتِ إلى ساحة المعركة؟ ماذا لو شجع وجودُكِ المعالجين المجندين الآخرين على الفرار؟ إنهم يخافون من هذا. يخافون منه عميقاً".
وأضاف الكاردينال: "وأيضاً، امتلكت الدول البشرية دوماً هذه المفضلية على جنس الشياطين. إنهم يرون العلاج سحراً بشرياً. ويظنون أنهم أحق به. وهو في نظرهم، مكافأة سماوية لإيمانهم الوثني. ومستخدم ضد أعدائهم، وهم نحن في هذه الحالة".
أطلق تنهيدة بطيئة.
"إن لم تكوني متحدثة لكان الأمر شيئاً يمكنهم غضه، لكن حين علموا باستدعائك أيسيكو لعلاج هذا العدد الهائل من الشياطين... فإنهم يرون ذلك إهانة لإيمانهم. ولقد اتهمونا بالفعل باختطافك وإجبارِكِ على استخدام قواكِ".
أجفلت أميليا متلعثمة وشارعة ذراعيها: "هـ — هذا هراء! هراء!".
أومأ الكاردينال.
"بالطبع. وهم يعلمون ذلك في قرارة أنفسهم. بيد أن الإطار الذي يحللون به العالم يجعل تقبله أمراً مستحيلاً. إنه يصيبهم بالجنون، ونخشى أن يدفعهم الجنون والخوف إلى التحرك".
أوضح اللورد العظيم أوشيرو: "الحرب توشك على الانتهاء. وأغلب الطرفين يشعرون بالارتياح، حتى وإن لم تكن النتيجة مثالية لبعضهم. غير أن...".
غيم تعبيره.
"هنا من يرغبون في رؤية الحرب تشتعل مجدداً لتصبح شيئاً أعظم. وهم تلك العناصر في الجانب البشري التي لا نود لأفعال علاجك أن تستفزها. ليس الآن على أي حال".
فكرت سيلينا: ليس الآن على أي حال؟ ما حتمية حرب مستقبلية يتحدث اللورد العظيم أوشيرو بمثل هذه العبارات؟
أطبقت أميليا قبضتيها: "أنا أفهم، أفهم! لكن، لا يمكنكما توقع تركي للأطفال الجياع يموتون هكذا! لقد قرأت نذور سيادة كاسكيدية! وأنا أعلم ما تقوله؛ فعلينا واجب التحلي بالقوة ومساعدة عاجزي القوة! ما فائدة امتلاكي لهذه القوة إن عجزتُ حتى عن استخدامها؟ أولئك الأطفال المساكين...".
لمعت عيناها وبدأت الدموع تتجمع، وبدت مفاصل أصابعها بيضاء.
أوضح الكاردينال: "يجب أن نوازن بين ذلك الواجب وواجبنا تجاه الإمبراطورة، ورخاء جنس الشياطين ككل".
مسحت أميليا عينيها: "إذن... إن كان الواجب يقف حائلاً دون مساعدتي للمحتاجين، فربما كان الواجب هو ما يجب أن يزول!".
سأل اللورد العظيم أوشيرو مقطّباً جبينه: "...ماذا تقولين، ليدي مرشحة؟".
هزت أميليا كتفيها: "أليست السيادة الكاسكيدية عملية تطوعية؟ إن تنازلتُ عن الترشح، فهذا عائق أقل في طريقي، أليس كذلك!؟".
وحدقت في اللورد العظيم أوشيرو الذي اتسعت عيناه جراء الإعلان المفاجئ. ويا للعجب، أشاح بوجهه محولاً انتباهه نحو سيلينا. تواصلت سيلينا بعينيها: هذا نبأ جديد بالنسبة لي! مقرونة بهزة كتفين سريعة.
بدأ اللورد العظيم أوشيرو ببطء: "لا حاجة لمثل هذا الإجراء".
كان ينقر بإببه على ساقه. أكان ذلك... لازمة عصبية؟
أومأ الكاردينال: "نعم... لم نقصد إلقاء عبء مماثل على كتفيكِ، أيتها الفتية".
وتبادل الرجلان نظرة. أكانت مجرد خدعة بصرية، أم أن وجه اللورد العظيم أوشيرو قد شحب قليلاً؟
سارع اللورد العظيم أوشيرو بالقول: "إن قراراً متسرعاً كهذا لن يؤدي إلا إلى تشجيع المساعي البشرية لإيذاء الإمبراطورية. فإن تخليتِ عن نبلكِ، فسيرون الأمر نصراً، معتقدين قدرتهم على تحويلك ضد الإمبراطورية...".
وتوقف اللورد العظيم أوشيرو برهة.
"...ولورد هالين".
ابتلعت أميليا ريقها: "أنا لن...".
وصمتت، وظلت أفكارها سرّاً.
استطرد الكاردينال على عجل: "أرجو ألا تفهمينا خطأ. لا نود تقييد علاجك بأي شكل. بل على العكس، نود العمل معك. نعلم أنه من الظلم الشعور بالتقيد بردود أفعال الآخرين، لكننا لم نشرح لك هذه المشاكل دون جلب حل! فخلال الأسابيع الستة الماضية، كان المجلس الأعلى لكنيسة الشياطين يسعى لإجماع على تصعيدك قديسة!".
تنهدت أميليا وقد استعادت ثقتها: "أعلم".
"أتعلمين؟".
قال اللورد العظيم أوشيرو رامقاً سيلينا بنظرة: "إنها تعلم".
سأل الكاردينال: "و... ما رأيك في الأمر؟ عدم إيمانك بكنيسة الشياطين ليس مثالياً، لكن...".
وألقى نظرة نحو اللورد العظيم أوشيرو.
"بالنظر إلى البدائل، يمكن استثناء الأمر. فاحترامك لمبادئ الخير وتمسكك بها سيكفيان لإخماد أي معارضة".
"كـ — كيف سيحل المشكلة؟".
"آه".
اعتدل الكاردينال في جلسته، وعاد وجهه لابتسامة سهلة خالية من القلق والهم السابقين.
"الكنيسة مؤسسة غير عسكرية صراحة. ومع وجود قساوسة عاملين لدينا، فهم ممنوعون من خوض أي قتال. وتدرك الدول البشرية ذلك، ورغم معتقداتهم الهرطقية عن المسيح، فهم يحترمون الأمر. وإن صعدناك، فسيمكننا إطلاق إعلان دولي قاطع بعدم نشرك على خطوط الجبهة. هذا ما يخشونه في النهاية. وبهذه الطريقة، يمكننا تقليل غضبهم مع تمكينك من مواصلة عملك العلاجي. وفوق ذلك، تستطيع الكنيسة تقديم الخبرة التنظيمية والتمويل للمساعدة في تنسيق هذه الأحداث، بحيث—".
قاطعت أميليا: "لا أريد أن أُعْبَد".
"عفواً؟".
كررت أميليا: "لا أريد أن أُعْبَد. لا أريد أن يقدسني الناس، أو يركعوا أمامي، أو يغمروني بالهدايا والعرفان. أريد أن أكون نفسي فحسب. أميليا. هذا كل ما أكونه. لا أكثر ولا أقل! لا أريد الوقوف أمام حشد من المؤمنين وإلقاء خطب كبرى. لا أريد عيش حياة تخنقها الالتزامات والواجبات. عذراً! أنا أنانية جداً لأجل ذلك!".
ضحكت أميليا.
"أليس هذا مضحكاً؟ قديسة أنانية!".
ضحكت أميليا خفيفة وحل صمت طويل.
تمتم الكاردينال أخيراً: "إنه... مسلٍّ. إن أتى أحدهم وقال لي ما قلتِه، بعد قضاء شهر مكرساً وقته وطاقته لإعادة بناء بيوت الناس... إن أتوا وقالوا إنهم أنانيون...".
هز الكاردينال رأسه.
"لأخبرتهم أنهم ليسوا أنانيين، بل شياطين فقط. لكني أظن أن الصياغة المناسبة لك هي أنك بشرية فقط. ها... يبدو قول ذلك مضحكاً".
قالت أميليا بابتسامة: "بشرية فقط، أليس كذلك؟".
قبض الكاردينال على إنجيل الشياطين، مغمضاً عينيه لثوانٍ معدودات ثم فاتحاً إياهما.
"لقد تواضعتُ، ليدي ثورنهارت. أشعر أنني قضيت وقتاً طويلاً في سياسات الكنيسة، ووقتاً أطول في إلقاء المواعظ على المئات، إن لم يكن الآلاف، من الأتباع، ونسيت كم نحن أفراد. وكما عبرتِ، ما فائدة امتلاك القدرة على العلاج إن عجزت عن استخدامها؟ أو استخدامها إن جلبت الذنب؟".
تنهد الكاردينال. ولم تكن تنهيدة ضجر، بل تعاطف.
"اسمحي لنا بتصعيدك، من أجل مصلحتك ومصلحة كاسكيديا. سنفعل ذلك بهدوء ونعلنه رسمياً فور مغادرتك الشرق. ولن تُفرَض عليك أي التزامات. ولن تضطري لمخاطبة الجماهير، ولن تُأمَري باستخدام سحرك. وكل ما أطلبه هو تحذير مسؤولي الكنيسة القريبين في المرة القادمة التي تقررين فيها إطلاق أي شيء بحجم حدث الشهر الماضي".
و...".
نقر على إنجيل الشياطين، قبل أن يمد يده به.
"أرجوكِ، اقرئي هذا على الأقل، حتى إن لم تعتنقي الدين رسمياً. إنه لأمر لا يطاق أن تجهل التعاليمَ نفسٌ مثل نفسكِ. فعلى عكس الكنيسة البشرية، يحتوي إنجيلينا على العهدين البشري والشيطاني. توجد قصص رائعة هناك، صدقيني".
أمدّت أميليا يدها لتأخذ إنجيل الكاردينال وبدت متهللة مجدداً: "حـ — حسناً! سأقرأ هذا... و... أنا آسفة!".
انحنت أميليا رسمياً ملامسة جبينها بالأرض.
"أرجح أنني سأسبب مزيداً من المشاكل مستقبلاً، لكنني لا أنوي ذلك حقاً!".
واستوت في جلستها.
"المشاكل تواصل الظهور حولي وعليّ حلها!".
فكرت سيلينا: حسناً، تلك طريقة أخرى للتعبير.
قال اللورد العظيم أوشيرو: "ستكون مغادرة أساماوا مفيدة لك. قد تشعرين بأنك معروفة أينما ذهبتِ، لكن الأمر ليس كذلك. الإمبراطورية مترامية الأطراف، وتضم تخومها كائنات قوية شتى، ولا ينتمي الكثير منها للشياطين أو البشر. امنحي الأمر بضعة أشهر وستختفين من الصفحات الأولى. انتظري حتى يستفز أحدهم ملوك الحيوانات ولن تعودي سوى حاشية هامشية. حسناً...".
عبس اللورد العظيم أوشيرو.
"هذا، إن لم تكوني أنت من استَفزَّهم".
فكرت سيلينا: أنت تغازل القدر! موبخة سيدها الأعلى عقلياً بطريقة لم تكن لتجرؤ عليها أبداً باللفظ. لحسن الحظ، لم يُيقظ استدعاء أميليا المتسرع لأسكليبيوس ملك الحيتان النائم، راكنام. وليبارك الأقمار، كان استدعاؤها لسويجين مضبوطاً بما يكفي لعدم إثارة ذعر الأسطول الشرقي. ومع ذلك، وُجِدت ملوك حيوانات أخرى في العالم، وكانت مسألة وقت فقط قبل أن تلتقي أميليا بأحدها و... ستحاول مصادقته، أليس كذلك؟
أيتها الحمقاء!
سأل اللورد العظيم أوشيرو قاطعاً حبل أفكار سيلينا: "أثمة ما يسلّي، لورد هالين؟".
اللعنة. لقد ابتسم فمها قبل أن تعي. سبعة جحيم... منذ متى صارت تبتسم عند التفكير في تورط أميليا في مزيد من المتاعب؟!
قالت سيلينا بأدب: "لا شيء يسلّي، لورد عظيم. كنت أبتسم فقط للحل الذي توصلنا إليه. أشكرك بإخلاص على مراعاة طبيعة أميليا في هذه المسألة".
وانحنت لسيدها الأعلى.
قال الكاردينال هيروشي حائكاً ذقنه: "حسناً، حسناً. لقد سمعت شتى الأمور بخصوص كابتن نيران الجحيم الشهيرة. ودخلت هنا خائفاً من أن تقضمي قروني! من المنعش رؤية تلك القصص تحمل... القليل... من الحقيقة...".
وصمت بينما كانت سيلينا تحلق ببصرها نحوه.
سألت: "نعم؟"، متسائلة عن سبب توقفه عن الكلام.
ضحك الكاردينال خفيفة.
"يا له من نظرة مرعبة في عينيكِ، لورد هالين".
عجزت سيلينا عن منع نفسها من السؤال: "أي نظرة!؟".
كانت تنظر إليه بطبيعتها وحسب!
قال الكاردينال مسعلاً في يده: "...لا شيء، لورد هالين. لابد أنه خيالي".
غّردت أميليا: "ماذا يحدث الآن؟"، سائلة الكاردينال.
أجاب: "سأرفع تقريراً بذلك إلى المجلس الأعلى. فرغبتك في عدم الظهور بصفتك شخصية عامة ستصب في مصلحتك في الواقع. ومع إجماعنا التام على وجوب إتاحة التعاليم الواردة في العهد الشيطاني للجميع، بما فيهم البشر، فهناك عدة كرادلة متوجسون بخصوص تصديق بشري. ومن راودتهم هكذا تحفظات فستهدئهم إصرارُك على فعل الأمور بهدوء".
وشبك الكاردينال يديه ببعضهما، مسترْسلاً: "فور الموافقة بالإجماع على تصعيدك، سيُرْفَع الطلب إلى الذات المقدسة. عادة، تجري مراسم كبرى في سنتراليس، حيث تجعلك قديسة بنفسك، لكني أظن أنها في هذه الحالة ستفوض تلك السلطة لأحد الكرادلة. وبالنظر إلى ضيق جدولك الزمني لمغادرة أساماوا، فمن المرجح أن يكون ذلك الشخص أنا".
أومأت أميليا بحماس: "ممم! ماذا يلزم مني فعله في المراسم؟".
عبس الكاردينال: "سيتعين عليك ارتداء الأبيض بالكامل، لكننا سنوفر لك ذلك الثياب. عادة ما نلصق قرنيك باللون الأبيض، لكن نظراً لخلو رأسك منها فأظننا سنتجاوز تلك الخطوة، و... هممم...".
تمتم لنفسه لحظة بخصوص إجراءات المراسم قبل أن يختتم بـ: "سيُسمَح لك باصطحاب شاهد تختاره. ويتمثل دوره في التوقيع باسمه في السجل المقدس للشهود، متعهداً بأنك خضعت للتصعيد بكامل رضاك".
وما كاد يفرغ من كلامه حتى التفت رأس أميليا كالسهم نحو سيلينا. قاومت سيلينا تنهيدة.
"بصفتي ممثلة لآل هالين، أنا مستعدة لأكون شاهدتك، أميليا".
رفعت أميليا إبهامها: "رائع! وماذا عن إيدن؟".
سألت سيلينا: "إيدن؟".
لماذا تطرح أميليا سيرته الآن؟
"إنه في أساماوا، أليس كذلك؟ لم أره بعد، فلمَ لا نخرج لتناول مشروب احتفالاً بتصعيدي؟".
"آخ! آحم! آخ!".
اختنق الكاردينال بالهواء لثوانٍ معدودات قبل أن تضع دفقة من سحر علاج أميليا حداً لمعاناته.
"شـ — شكراً لك، ليدي مرشحة. يا له من شعور معجزة. أشعر أنني أصغر بعشر سنوات—".
هز رأسه.
"لا، لحظة واحدة! ألا تعنين بالتأكيد الاحتفال بالتحول إلى قديسة بالخروج و... و...".
ابتلع ريقها بصوت عالٍ قبل أن يلفظ آخر الجملة كأنها أبشع كلمة شتم في الإمبراطورية.
"الشرب!؟".
ابتسمت أميليا بابتسامة خبيثة: "هه".
"بالطبع لا! كنت أمزح وحسب!".
فكرت سيلينا: إنها لم تكن تمزح قط على الإطلاق.
تمتم الكاردينال وهو يربت على ركبتيه: "فليبارك السبعة جحيم ذلك. أظن أن علينا جميعا مقتربة هذه المسألة بشيء من الدعابة، أليس كذلك؟".
وحتى وهو يتحدث، شعرت سيلينا كأن الكاردينال كان يقنع نفسه بقدر ما كان يقنع أي شخص آخر.
ضحكت أميليا: "أظن ذلك! لسْتَ بعبوس كما وصفك اللورد العظيم أوشيرو!".
تلعثم الكاردينال مستنكراً: "عفواً!"، محولاً انتباهه إلى اللورد العظيم، الذي حافظ بإعجاب على حياد تعبيره.
عقب اللورد العظيم أوشيرو بطلاقة: "تبالغ الليدي مرشحة، أؤكد لك يا كاردينال. إنها تشير فحسب إلى حديث قصير دار بيننا في الخارج، حيث شرحتُ إحباطي لعلمي بطول انتظارك. وأعتقد أنني أكدت على عدم رغبتي في جعلك غير مرتاح. أليست هذه الحقيقة، لورد هالين؟".
واخترقت عيناه سيلينا من عبر الدائرة. قاومت سيلينا رغبة في ابتلاع ريقها. ما الذي كان يدور اللعنة؟! كيف تحولت هذه المحادثة القاتمة عن السياسة الدولية إلى دعوات لتشرب مشروبات، واتهامات، والآن هذا الموقف الذي يُطلَب منها فيه الكذب لحماية شرف سيدها الأعلى؟! أه صحيح. أميليا. اللعنة! ربما رتبت جلسة مساج لأميليا، لكن فور انتهاء ذلك ستنزل ببعض العقاب الشديد على حبيبتها. فتاة العرض الثخينة والوقحة هذه ستكون نهاية أمرها!
قالت سيلينا بميل خفيف في رأسها: "نعم، لورد عظيم. أنت تنطق بالحق".
وبدا أن الأمر نجح وناقش الأربعة أموراً تافهة للدقائق القليلة التالية. وما أن بلغ الحديث هدأة طبيعية، حتى استأذن الكاردينال بالانصراف. وبدا أن اللورد العظيم أوشيرو ينتظر حتى يبتعد الكاردينال تماماً عن نطاق السمع قبل أن يلتفت إلى أميليا ويرسل إليها نظرة مميتة. ويبدو أن أميليا لم تكن مبالية ولا مهتمة بالأمر.
تأففت عابسة: "همف!".
شارعة ذراعيها ومحدثة بوجهها بعيداً.
"لا تنظر إليّ هكذا! كان ذلك انتقاماً شريفاً وحسب! يستحق ما جرى لك!".
زمجر اللورد العظيم العظيم: "انتقام؟ أنا تاكاهيرو أوشيرو، سيدك الأعلى. ماذا اقترفتُ بحق السبعة جحيم ليستوجب انتقامك؟".
وغيم تعبيره، جاعلاً حتى سيلينا تبتلع ريقها بتوتر.
تلعثمت أميليا: "تـ — تواصل تذكير بذلك الشيء!".
زمجر اللورد العظيم: "أي شيء؟".
أشارت أميليا بيدها ملوحة بحركة منشار: "أنت تعلم!".
ابتلعت ريقها قبل أن تهمس بضعف: "...النقش".
طرف اللورد العظيم أوشيرو ثلاث مرات. ومع كل طرفة، لان تعبيره وارتفع التوتر المخيم على الجو. ثم انخرط اللورد العظيم، بلا إنذار، في ضحك هستيري.
ضحك بملء فيه: "ها ها ها!".
وضحك بحرارة، مهدئاً من روعه.
"أهكذا إذن؟!".
ضحك خفيفة واستقر.
"فهمت... فهمت... حسناً إذن، ليدي مرشحة ثورنهارت، ما رايك في هذا؟".
ومسد بيده للأمام.
"هدنة؟"
مقترحاً.
"نتصافح عليها، كما يفعلون في سنتراليس".
سألت أميليا بتردد: "هدنة؟".
"هدنة".
"حـ — حسناً إذن!".
صافحته أميليا ومؤمئة بسعادة: "هدنة!"
ردتها مرة أخرى. عجزت سيلينا عن تصديق ما تشهده. كيف لحزمة الفوضى من الطاقة الشقراء التي تمثلها حبيبتها، التي لا تفعل سوى التخبط من موقف لا يصدق إلى آخر، التفاوض بنجاح مع لورد عظيم؟! ليس أي لورد عظيم، بل تاكاهيرو أوشيرو؟! الرجل المهيب لدرجة إرعابه لأقرانه؟! مذهلة! كانت حبيبتها مذهلة! يا له من استعداد لا يُصدَق امتلكته! يمكنها غدو سياسية! ولن تقف البرلمانات في وجهها!
قال اللورد العظيم أوشيرو بصوت دافئ ومبهج: "حسناً إذن، لقد أُنجِز اجتماع إشكالي. أأنتِ مستعدة لآخر؟".
تلعثمت أميليا: "آخ — آخر!؟".
عدل اللورد العظيم أوشيرو ملابسه، مسوياً طياتها: "ألم أخبرك أن لدي شخصين أرادا لقاءك؟ هناك شخص آخر، رغم أن...".
ألقى نظرة نحو سيلينا.
"سيكون أكثر خصوصية. يمكنك الانتظار خارج الغرفة، بالطبع. وسأفعل المثل".
عبست أميليا متسائلة: "من يكون؟".
"شخص هام. مغادر للشرق الليلة. وشخص راغب في رؤيتك. اتبعاني"، أمر اللورد العظيم أوشيرو.
وبدأ يقودهما في أعماق المبنى.
"لا تذكري شيئاً عن تصعيدك المقبل. التزمي بالمواضيع الخفيفة. بل وفضلت أن تبقي هذا الاجتماع سراً بالمطلق. إنه لصالحك وحدك، بعد كل شيء".
بدت على أميليا حيرة: "لمصلحتي؟".
قال اللورد العظيم أوشيرو متوقفاً أمام باب منزلق: "هذا صحيح. ها قد وصلنا".
وعند كلماته، شعرت سيلينا بفرد وحيد داخل الغرفة يغير من وقفته.
"ربما نسيتِ، لكننا لم ننسَ. لقد طلبت هذا الاجتماع حين التقيتِ بسترستفيلد في شيماشينا. اجعليه قصيراً. سنكون بالخارج".
وبذلك، فتح اللورد العظيم أوشيرو الباب، كاشفاً عن الشخص المنتظر بالداخل.
تلعثمت أميليا: "پـ — بولينا!؟".
أجابت جاسوسة الاتحاد بتوتر وعيناها تتنقلان بين الثلاثة: "مرحباً، أميليا".
قالت بولينا باضطراب: "من الجيد رؤيتك مجدداً".