رأت سيرينا عيني أميليا في لحظة واحدة متخمتين بالخوف والأمل والعزم. ثم نطقت أميليا باسم أسكليبيوس فانقلب الليل نهاراً. التوى حقل الأثير وراح يغتلي مع تجلّي طاقات بمستويات لم تشنف لها أذن ولم ترها قط من قبل.
لم تأتِ هذه القوى لتؤذيها، بل انساقت من حولها بهدوء لتعلن للعالم صارخة: "ها أنا ذا!".
ثم عاد الليل وسُميت أميليا في العدم. ومحلها، أطبقت على السفينة قدمان عملاقتان بمخالب، تكفي الواحدة لالتفاف حول جسد سيرينا برمّته. ابتلعت ريقها ورفعته بصرها لترى جزءاً كبيراً من سماء الليل وقد غطّاه زوج من أجنحة الريش الأسود الهائلة. امتدّ كلّ جناح لأكثر من مائة قدم، وراح الريش الداكن يتألّق بلمحات لونية تذكّر سيرينا بالسماء إبان أمطار الأقمار، حيث تحترق البلورات في الغلاف الجوي بوميض ساطع.
صار معظم جسد أميليا المستطيل مغطى الآن بذات الريش الداكن. غطّى كتفيها وصدرها وذراعيها في أنماط متدرّجة تذكّر سيرينا بدروع الحراشف. اضطرت لأن تُعيد النظر بتمعّن لترى أن لأميليا أربع ذراعين الآن، تنتهي كلّ واحدة بيد ذات أربعة أصابع، وتتباهى بأظافر تبدو حادّة كأيّ سيف مغطى بهالة. أما الأجزاء التي لم تُغطَ فتباهت عوضاً عن ذلك بفرو أبيض نقيّ. فرو أبيض. دفع ذلك ذكرى لتطفو إلى واجهة عقل سيرينا.
وُصف أسكليبيوس بوصفه ملاكاً مجنّحاً عظيماً بفرو أبيض متوهّض وريش ذهبي ساطع. كان مفترضاً لأجنحة أميليا أن تكون ذهبية، لا سوداء. ثم ما شأن مخالبها وأظافرها؟ لم ترد قطّ أي إشارة إلى تجلٍّ لأسكليبيوس يبدو هكذا... هكذا تماماً! ألم تكن أضخم ممّا يُفترض بها أن تكون؟ خمسة عشر متراً هو الرقم الذي تتذكره، لكن أميليا بدت وكأنها تضاهي ضعف ذلك تقريباً. ملاك ذو أربع ذراعين وطول يبلغ ثلاثين متراً بأجنحة وريش سوداء.
حاولت سيرينا إمعان النظر في وجه أميليا، الذي التفت بعيداً عنها ومقْبِلاً على سماء الليل. استطاعت تمييز أنه كان مكسوّاً بكثافة بالريش مع أذنين طويلتين حادتين، شبيهتين بشياطين أقصى الغرب.
"صرير!"
أصدرت أميليا ضوضاء حيوانية، بنبرة بدت غريبة وغير طبيعية. توهّج أثير أميليا، وأدركت سيرينا لمحة مبهمة عن خزان الأثير اللامتناهي الذي تملكه. لقد كان حجماً هائلاً بحقّ، وربما فاق مائة كلمة أولى. اهتزّت السفينة وهي تتباطأ فجأة، ممّا دفع سيرينا لفقدان قبضتها. أُلقيت إلى الخارج ودفعت بهالتها بحركة منعكسة نحو اللون الأصفر. كان المستوى الثالث للهالة يسيراً بشكل مدهش في تجلّيه.
هل ساعدها حضور أميليا بهذا الهيئة؟ مع ذلك، شقت طريقها محطمة مظلة الغابة. لهثت وهي تتخبط للحظات، محطمة الفروع الأصغر ومرتدّضة بلا لياقة عن الأكبر منها. ثم أصبحت طليقة. اقترب منها أرض الغابة وهي تهبط محلقة متجاوزة أشجار الخشب الحديدي الهائلة، التي يبلغ ارتفاع الواحدة منها مائة متر. حطّت سيرينا كحيوان البيكا، جامعة نفسها بسرعة ورافععة بصرها لتستشعر حضور أميليا والسفينة المقتربتين.
اخترقت ساكاموتو مظلة الغابة أولاً، بوزن فاق قدرة حتى فروع الخشب الحديدي العريقة. شقّت طريقها حفرًا، ولكن ليس قبل أن تتباطأ بدرجة أكبر. تبعتها أميليا، وما زالت تقبض على السفينة بقدميها المخلبيّتين. شقّت أجنحتها السوداء مظلة الغابة واستطاعت سيرينا رؤية الريش وهو يخدش لحاء الخشب الحديدي بالسهولة ذاتها التي تحفر بها مخالب الشاوا في اللحم. انخفضت السفينة ببطء، وعادل وزنها احتياطيات أميليا الهائلة من الأثير وهي تدفع اللومينا على بُعد كيلومترات في الأسفل، إلى أن اصطدمت بأرض الغابة.
كان الاصطدام قاسياً بما يكفي لتصدع بدن السفينة ولكن ليس بالقدر الذي يشكل خطراً مفرطاً على من بداخلها. أفلتت أميليا السفينة، التي اتزنت للحظات بتمالُك تامّ قبل أن تميل إلى أحد الجانبين مستندة إلى جذع شجرة خشب حديدي. تمايلت السفينة جانباً وهوت على أرض الغابة، ومع هبوطها، تفجّرت موجات من السحر من هيئة أميليا السماوية. كان الإطلاق المتسارع للتعاويذ الصادرة عن أميليا لا يُصدق في تكرارها وقوتها.
وحسب ما تمكنت سيرينا من تبينه، فقد كانت هذه تعاويذ شفاء، أُلقيت كل واحدة منها على نطاق واسع ومترامي الأطراف. وخلافاً لشفاء أميليا السابق، الذي كان حنوناً ولطيفاً، تجاوزت هذه المشاعر الفائضة. لقد أصابت سيرينا وطالبت ببساطة أن يُصلح الجسد والروح نفسيهما، وكأن أي خدش أو كدمة كان إهانة لنظام العالم. لم يقتصر الأمر على التئام الخداش والقطع التي واجهتها سيرينا في غرفة المحركات، بل اختفت ببساطة.
أيّاً كانت الحالة التي كان عليها المسافرون من قبل، فقد صاروا جميعاً بخير قطعاً الآن. نظرت سيرينا إلى أميليا، التي لا بد أنها استشعرت حضورها لأنها أدارت وجهها، مشبكة نظريهما معاً. ابتلعت سيرينا ريقها. اختفت عينا أميليا الزرقاوان المتلألئتان، ولم تكن هناك أيّ بوادر للنعمة الذهبية لأسكليبيوس أيضاً. وبدلاً من ذلك، حدقت بها عينان حمراوان عملاقتان، تضم كلّ واحدة منهما حدقة سوداء كبيرة يحيط بها اثنتان أصغر.
للحظات، أُصيبت سيرينا بذهول من طابع هاتين العينين الغريب.
سألت سيرينا محاولة طرد التوتر من صوتها: "أميليا؟".
كانت أميليا صامتة، تكتفي بمراقبتها بينما كانت تحلق في الهواء. مال الوجه العملاق في حيرة، أو لعلّه الفضول. انفتح فم أميليا، كاشفاً عن أسنان بيضاء لؤلؤية.
رتّلت بصوت غريب بعث القشعريرة في أوصال سيرينا: "شيطانة...".
وكأن... وكأن أميليا لا تعرفها. أو لا تعرف نفسها. راح عقل سيرينا يتسابق. كانت هذه المرة الأولى التي تنطق فيها أميليا الكلمة الثانية. لم تكن تعرف الكثير عمّا يستتبعه ذلك. لم يكن المتحدثون بمثل هذه القدرة بمثل هذا السخاء فيما يخصّ ما يحدث. ما كانت تعرفه حقاً هو أن المرة الأولى كانت الأكثر وعورة وصعوبة في السيطرة. كم من عقل أميليا كان خاصاً بها، وكم منه كان لأسكليبيوس يد في التأثير عليها؟
"صرير!"
صرخت أميليا في سماء الليل، قبل أن تتسلق شجرة، حافرة أظافرها الشبيهة بالسيوف ومخالبها الشبيهة بالمناجل في لحاء الخشب الحديدي بسهولة وهي تشق طريقها مبتعدة عن موقع التحطم. إلى أين كانت أميليا ذاهبة؟ لم تكن سيرينا تدري، لكنها أدركت أنه يتوجب عليها اللحاق بها. ركضت وراءها. متجاوزة السفينة الساقطة، استطاعت سماع صرخات دهشة وخوف من داخل المركبة، لكن من دون أصوات ألم. شيء ما فعلته أميليا أخمد النيران أيضاً، إذ لم ينجُ من البدن سوى خيوط دخان واهنة للغاية.
تركت سيرينا السفينة خلفها وتوغلت أكثر في الغابة في إثر أميليا. وهي تشق طريقها بين أشجار الخشب الحديدي الهائلة، شعرت سيرينا بالصغر. بصغر شديد. كانت هذه الأشجار أسلاف البراري التي سيطرت على القارة قبل ألف عام، وما زالت هنا، شامخة وعالية وفخورة. تضم كلّ شجرة من هذه الأشجار عشرات الآلاف من الأمتار المكعبة من الخشب. ويمكن استخدام كلّ منها لبناء ألف منزل أو بضع عشرات من السفن الصغيرة.
هذا، إن بذلت جهداً استثنائياً لاختراق اللحاء الشبيه بالمعدن والدفاع عن نفسك ضد سكان البرية. بالحديث عنهم، أين كانوا؟ كانت حواس سيرينا مُرهفة بشكل مذهل بفعل الهالة الصفراء التي غلفت نفسها بها، ومع ذلك لم تستطع استشعار أي وحوش على الإطلاق. هل استطاعوا استشعار أميليا؟ هل كانوا يتجنبونها؟ جزّت على أسنانها وركضت عبر الغابة المظلمة. أميليا كانت أولويتها. متوقفة فوق مرتفع في التضاريس، تفرست سيرينا عبر الظلام.
كانت أميليا قد اختفت، ولم تستطع سيرينا رؤيتها أو سماعها، لكنها استطاعت استشعارها. بدا الأمر وكأنهما مربوطتان بحبل. عرفت سيرينا مكانها وحسب. لم يكن الأمر مسألة التتقاط أثيرها للتقلبات الناجمة عن احتياطيات أميليا الهائلة. بل كان شيئاً أعظم، شيئاً أعمق. وكأن ثمة خطا يربطهما معاً. خطّ لا تستطيع رؤيته ولكنها تستطيع استشعاره في أطراف حواسها المعززة. ركضت لبضع دقائق أخرى، قاطعة عدة كيلومترات بينما جعل جسدها المعزز بالهالة أفضل الرياضيين يخجلون من أنفسهم.
متجاوزة شجرة خشب حديدي ضخمة، تعثرت داخل مساحة فسيحة خالية من الشجر. في المنتصف كانت أميليا ترقد، وقد التوى جسدها الريشي الضخم على شكل كرة، وانطوت أجنحتها السوداء بإحكام. توهّج فروها الأبيض تحت أشعة ضوء القمر الأزرق المتسللة عبر مظلة الغابة. استطاعت سيرينا رؤية الجسد الهائل وهو يعلو ويهبط مع تنفس الكائن الملائكي. لم تستطع سيرينا منع نفسها من التفكير في أن أميليا تبدو وكأنها تنتمي إلى البرية الشاسعة.
بدا الأمر طبيعياً تقريباً لرؤية هذا الكيان غير الطبيعي في بيئة غير طبيعية. لا، لم يكن ذلك صحيحاً. أميليا تخصها. أميليا تخصها وهي تخص أميليا. اقتربت سيرينا بحذر من العملاقة الراقدة. بعد خطوات معدودات فقط، رفعت أميليا رأسها، مواجهة إياها بتلك العيون الغريبة الحمراء التي بدت وكأنها لا تراها وحدها بل تخترقها أيضاً.
سألت سيرينا بابتسامة واهنة: "متعبة؟".
لم تكن تدري حقاً ما يجب أن تقوله، إلا أنها شعرت بحاجة غامرة لتكون هنا، مع أميليا. رفيقتها، التي نطقت بالكلمة الثانية، تمر بشيء ما، وكان على سيرينا أن تواكبه لأجلها. لم تردّ أميليا. وبدلًا من ذلك، أعادت وضع نفسها بحيث أصبحت تقف كحيوان، بأذرعها وأرجلها الأربعة التي تدعم وزنها. بصراحة، كانت تتصرف أشبه بالبيكا منها إلى البشر. ظلت أجنحتها السوداء العملاقة تتمدد إلى نصفها ثم تنكمش وكأنها لا تدري ما تفعله بها.
بحركة محرجة، اقترب أميليا من سيرينا. بدا اقترابها حذراً تقريباً، وهو أمر غريب بحد ذاته بالنظر إلى مدى قوة أميليا. انحنت أميليا ودفعست وجهها نحو سيرينا، التي تذكرت مرة أخرى مدى ضخامة أميليا. كان رأسها بحجم جسد سيرينا تقريباً. بدا الوجه شبه البشري وسط كلّ ذلك الريش غريباً، وتلك العيون الحمراء لم تفارق سيرينا أبداً.
بدأت أميليا تقول وهي تدفع سيرينا بوجهها، مما أجبر سيرينا على التعثر قبل استعادة توازنها: "أنا...".
لم تكن دفعة عدوانية، بل دفعة فضول، كحيوان يجد لعبة غريبة.
تمتمت أميليا قبل أن تشم سيرينا: "مَن... أنا؟".
قالت سيرينا: "أنتِ... أنتِ أميليا. أميليا ثورنهارت. أتتذكرين؟".
عبس وجه أميليا عند ذلك، وبدت وكأنها تصارع أمراً ما. وكأنها تحاول تذكر شيء ما لكنها عجزت.
طافت أميليا حول سيرينا مستخدمة أطرافها الستة كافة للتجوال حولها، وقالت: "أميليا... مَن... ما هي... أميليا؟".
"أنتِ أميليا. أنتِ بشرية".
ضغطت سيرينا بقوة أكبر على كلماتها.
"أنتِ... رفيقتي".
قاومت سيرينا تنهيدة.
"خادمتي، أمتذكرين؟".
ابتلعت ريقها.
"ومعشوقتي".
و الشخص الذي أحبه، قالت لنفسها بصمت.
"آه..."
أومأت أميليا. ظهرت ابتسامة عريضة، كبيرة لدرجة بدا معها وكأنها أكبر من وجهها، قبل أن تستبدل بها تعبير حيرة.
"إذن أنا... أميليا..."
"نعم، أتعرفينني؟"
مدّت سيرينا يدها فشمّتها أميليا. تقدمت ببطء إلى الأمام قبل أن تضع كفّها على خد أميليا الهائل. بدا ناعماً ودافئاً. حركت سيرينا يدها نحو الجانب، حيث تبدأ أرياش أميليا الداكنة. عندما لامستها، بدت صلبة كالمعدن، لكن شيئاً ما تغير، فأصبحت مرنة وحريرية. عجزاً عن فعل أي شيء آخر، شرعت سيرينا تداعبها بحرج، محركة يديها خلف أذني أميليا الطويلتين الحادتين. استجابت أميليا، ميّلة رأسها وعنقها إلى الأسفل.
"أميليا... ثورنهارت... أنا... أتذكر..."
أياً كان ما يحدث، فقد بدت أميليا وكأنها تعود لوعيها، لذا واصلت سيرينا مداعبة الريش. ثم بدأ تنفس أميليا بالتغير، وارتفع دوي منخفض خفيض مع تنفسها. تصاعد الضجيج بسرعة. بدا وكأنها ضربات إيقاعية لمحرك مصعد. كانت أميليا تُخرخر. محاولة تجاهل سخافة الموقف، شرعت سيرينا تستعيد الأحداث أمام أميليا. تجنبت مواضيع المعارك والحروب، مستعرضة أوقاتاً أخرى بدلاً من ذلك. حين اصطادا الساردِس، واضطرّت أميليا لغسل الأطباق لساعات تحت نظرات رئيس الطهاة الصارمة.
حين اكتشفت أميليا تفاح التوفي وغيرها من الأشياء الحلوة. حين تناولا اللوكوا للمرة الأولى. حين رقصا. ثرثرت سيرينا، جاهلة كم من الوقت مضى. ساعة؟ ساعتان؟ نفدت كلمات سيرينا في النهاية، وظلت أميليا هادئة لفترة، لم يملأ الفسحة الخالية سوى صوت خرخرتها.
همست سيرينا: "أهلاً. أهناكِ؟".
التفت أميليا برأسها ولاحظت سيرينا أنه أصبح يبدو أكثر... بشرية.
"ممم... شكراً لكِ، رين الصغيرة".
ابتسمت أميليا، وظهر بروز أحمر بين شفتيها. أربك منظرها سيرينا للحظات، وما إن أدركت أنه لسان أميليا، حتى انطلق اللسان نفسه خاطفاً للعقها من ركبتيها حتى جبهتها. هذه... هذه... هذه البليدة الناطقة بالكلمة الثانية! مسحت سيرينا اللعاب عن وجهها. قهقهت أميليا. بدا الصوت عميقاً وغنياً، في مكان ما بين الإنسان و... شيء آخر.
ابتسمت أميليا باتساع وظهر وميض مألوف من الوقاحة في تلك العيون الحمراء: "تخيلي ذلك بين فخذيكِ! ها ها!".
حسناً، لقد كانت أميليا حقاً بلا شك.
"هل... عدتِ إذن؟ أتعرفين نفسك؟"
"نعم... لقد ضعت للحظات. لم يكن أسكليبيوس أرنباً سعيداً!".
هزت أميليا رأسها، متسببة بحركة جعلت ريشها يتموج، كالأمواج على شاطئ بحيرة. كادت سيرينا تسأل عن ماهية الأرنب بحق الجحيم السبعة لكنها كبحت نفسها. لم يكن الوقت مناسباً.
سألت: "كيف تشعرين؟"
"بقوة! و..."
وقفت أميليا، مستديرة وهي تمدد أجنحتها وتبسطها. لم تكن الفسحة الخالية واسعة بما يكفي، فاصطدمت أجنحتها بجذوع أشجار الخشب الحديدي القريبة. تشقق اللحاء وسقط عدد كبير من الفروع والأوراق حولهما.
أردفت أميليا قبل أن تنظر حولها إلى لا شيء على ما يبدو: "... وغرابة. أرى الكثير غيره. عوالم أخرى. متراتبة فوق هذا العالم."
"أترين الجحيم السبعة؟ القاعات السماوية؟"
"ربما. قد يكون شيئاً آخر. أستطيع رؤية أشياء تتحرك من حولها. أظنها تستطيع رؤيتي أيضاً."
توقفت أميليا عن التحديق في الفراغ وركزت على سيرينا.
"كيف أبدو؟ أأنا رائعة؟ انظري! لدي أربع أذرع!"
"تبدين... تخطفين الأنفاس".
تراجعت سيرينا بضع خطوات لتتمكن من احتواء جسد أميليا الضخم في مجال رؤيتها.
"مع ذلك... أظنني أفضلكِ أصغر حجماً. كيف لي أن أحضنكِ الآن بعد الآن!؟"
ضحكت أميليا.
"يمكنكِ امتطاء ظهري! إلى المعركة!".
ابتسمت سيرينا. فكرة سخافة. أي معركة تقحم أميليا نفسها فيها بتلك الهيئة ستكون معركة سيكون لسيرينا فيها تأثير ضئيل. ما كانت عليه أميليا، وما أضحت عليه، كان على مستوى آخر تماماً. لم تكن سيرينا تدري ما تخبئه الشهور والسنوات القادمة، لكن الكلمات المنطوقة الليلة سترسل تموجات عبر المشهد السياسي للعالم.
فجأة، انفجر قلق في واجهة عقلها، وبينما كانت تحاول إبعاد أي نبرات هلع عن صوتها، سألت سيرينا: "أميليا، أيمكن لأسكليبيوس أن يران ويسمعنا؟"
"ممم... نعم. الرابطة قوية. يرى ما أرى. ويسمع ما أسمع. مع ذلك... أفكاري ملكي وحدي."
"أهو... يكلمكِ؟"
"كان يفعل. إنه يتذمر الآن. ها ها! يا له من طفل!"
أرغمت سيرينا نفسها على الابتسامة. إن استطاع أسكليبيوس رؤية ما أضحت عليه أميليا – مدفوعة بقوته – فإن هذه المعرفة ستتم مشاركتها مع الكنيسة البشرية. في الواقع، قد يكون يشاركه في هذه اللحظة بالذات. عضت سيرينا على وجنتيها بينما تسابقت أفكارها. إن تلقت الكنيسة البشرية، بل عندما تتلقى الكنيسة البشرية أنباء هذا الحدث، بأن هيئة أسكليبيوس قد تمّ تحريفها – على حد تعبيرهم – بسمات شيطانية، وعيون حمراء وأجنحة سوداء، عندئذ...
عندئذ... سيكون الأمر حرباً.
"ما الأمر؟"
"أفكر في الأحداث... والسفينة".
تفوهت سيرينا بنصف حقيقة.
"يجب أن تصل سفينة إنقاذ خلال الاثنتي عشرة ساعة القادمة. سنحتاج لحماية السفينة من وحوش البرية المحلية."
"آه... أستطيع استشعارهم. يختبئون بعيداً جداً. يختبئون مني..."
"لكن لا يمكننا ترككِ تبقين بهذه الهيئة! أيمكنكِ... العودة لطبيعتكِ؟"
سألت سيرينا. إن بقيت أميليا كما هي، فكيف لها أن تفسر ذلك للمسافرين على متن السفينة؟ أو لمن كان في طريقه لإنقاذهم؟ بحجم الكلمة الثانية، لكان كل متحدث يستحق قرنيه في الشرق قد استشعارها. ولن تفاجأ سيرينا إن كان السيد الأكبر نفسه يتحرك للقائهما.
"لست متأكدة كيف... أظن-"
صمتت أميليا، وشيء ما قاطع أفكارها.
"آه... شكراً لك، أسكليبيوس. يا لك من مفيد حقاً".
حسناً، بدا أن الملك كان أكثر من سعيد لمساعدة أميليا في قطع رابطهما. لم تستطع سيرينا إلا أن تشعر بلمسة تعاطف مع الملك البشري المسكين الذي اقتحمت أميليا حياته للتو.
"قبل ذلك... هل شفيتِ الجميع على متن السفينة؟"
كانت سيرينا متأكدة من أن أميليا فعلت، لكنها أرادت التيقن. كانت طبيعة أي تعاويذ ألقتها أميليا، والتي يجب أن تكون في مكان ما في الطبقة السابعة أو الثامنة أو حتى التاسعة، تفوق قدرتها على الإدراك.
"نعم... حتى رفيقتي..."
"رفيقتكِ؟ آخ".
نظرت سيرينا بعيداً وهي تشعر بالذنب.
"إذن فهي حية؟"
"كان جسدها محطماً، لكن الروح لم تفارق بعد. لقد أعدت صنعها".
شمت أميليا، واهتزت عيناها الهائلتان قليلاً.
"لمَ لم تخبريني، إن كنتِ تعلمين؟"
راوحت سيرينا في مكانها بحرج.
"لقد جاء فحص خلفيتها نظيفاً حقاً! ولم أتعمق في البحث إلا بعد لقائكم الأخير؛ فاكتشفنا أنها جاسوسة اتحادية".
تنهدت سيرينا.
"أما تذكرين ما أخبرتكِ به؟ بأن الناس سيقتربون منكِ، متظاهرين بعدم معرفتكِ؟ مع ذلك... بدوتِ سعيدة بامتلاككِ رفيقة بشرية... لذا غضضت الطرف".
قبضت سيرينا على يدها.
"لكنني لم أعد قادرة على ذلك. بطريقة ما، هي، أو أشخاص تعمل معهم، وضعوا قنبلة على السفينة. لقد حاولت قتلنا."
أجابت أميليا بأعذب ما تستطيع هيئتها العظيمة تدبره: "لم تكن قنبلة".
"ماذا؟"
"لديها مباركة. مباركتان. أستطيع رؤيتهما على روحها. أستطيع رؤيتها الآن تماماً."
حدقت أميليا في الأفق، وعيناها مركزتان على نقطة تتجاوز أشجار الخشب الحديدي.
"ماذا!؟"
بغض النظر عن حقيقة أن أميليا تستطيع رؤية المباركات، فإن معرفة أن شخصاً ما يمتلك اثنتين كانت أمرا سترفض تصديقه لولا صدوره من فم أميليا. لم يسبق لها قط، في أي محادثة أو نص أو درس، أن أدركت أن أمراً كهذا ممكن.
غمر صوت أميليا مسحة من الحزن: "لقد جعلتها تغط في النوم. ما اسمها الحقيقي؟"
قالت سيرينا: "...بولينا. بولينا فولكوفا. كانت جزءاً من خلية تابعة للاتحاد تعمل في كينهورو. اكتشفناهما صباح يوم رحيلنا. لهذا السبب كان كلّ شيء متسرعاً هكذا."
تمتمت أميليا: "بولينا... بولينا. ليست تاتيانا. بولينا..."
شمتت.
"اسم جميل."
قالت سيرينا بحزم: "إنها ليست رفيقتكِ. تذكري، لقد فجّرت السفينة. حكمت على مئة شيطان بالموت في سبيل فرصة لقتلنا."
"ربما. ومع ذلك... لقد فجّرت نفسها، أليس كذلك؟ تاتيانا- أعني، لم تَبْدُ بولينا كشخص قد يجعل من نفسها شهيدة".
هزت أميليا أجنحتها.
"ربما كان هناك سبب. أريد التحدث إليها."
"بـ... تلك الهيئة؟"
"نعم. حتى أعلم طبيعة مباركاتها."
"أأحضرها... إلى هنا؟"
"لا. سأجعل الجميع يغفون في النوم. أحضريها إلى خارج السفينة، إن استطعتِ... أمم، من فضلكِ."
تنهدت سيرينا. لولا شفاء أميليا، لكانت تعاني من صداع الآن. ومع ذلك، كانت الرغبة في الإمساك بقرنيها إحباطاً مغرية للغاية. لمَ تظل الأمور تزداد تعقيداً فأكثر؟! لم تشعر قط بمثل هذا العدم اليقين تجاه المستقبل. ماذا سيحدث عندما تتحدث أميليا إلى تلك الجاسوسة؟ ماذا سيحدث عندما تقابل أباها؟ ماذا ينتظرهما في شيماشينا؟ أسئلة تتلوها أسئلة. آه، أياً يكن. ستساير التيار. لقد ألقت نردها، واستقر بوضوح على أميليا.
ما سيحدث سيحدث. حرب أم لا حرب. ما دامت هنا للمساعدة في إدارة كارثة المشي التي كانت رفيقتها، فستؤول الأمور إلى خير في النهاية، أليس كذلك؟
قالت سيرينا وهي تقود أميليا عائدة عبر الأشجار: "هيا بنا إذن".
لقد حان وقت محادثة محرجة.