كان الأسبوع الممهّد للمهرجان مزيجاً ضبابياً من الأنشطة، والتجارب الجديدة، وتمارين ما قبل النوم الممتعة التي باتت تتّخذ طابعاً جريئاً تدريجياً. ومع تأقلمهما أكثر مع جسديْهما، شعرت أميليا بأنّ رابطهما يزداد عمقاً. وحين تخلو إحداهما بالأخرى، كانت تجلس أحياناً على فخذ سيلينا لتقاطعها عن عملها. ومع أنّ الشيطانة كانت تطق لسانها وتدير عينيها، إلّا أنها كانت تحضنها وتقبلها قبل أن تتذمّر من تشتيت انتباهها عن أوراقها.
حافظتا على وهم الفوتون لكنهما كانتا تتلاحفان معاً حتى النبوءة بالنعاس. وبدت سيلينا مذنبة بارتياح حين تغوص أميليا برأسها في صدرها، ليصبح ذلك وضعيتهما المعتادة للنوم. كانتا تتبادلان الحديث عن حياتيهما ولا تخفيان شيئاً تقريباً. ولم تستطع سيلينا البوح بكل شيء لكونها ضابطة برتبة رسمية، فبقي بعض الأمور طيّ الكتمان.
"أظنّ أن ثمة أمراً شغل بالي..."
تمتمت سيلينا ذات ليلة بينما كانت أميليا متكئة على صدرها. أعدت أميليا ضبط وضعيتها لتستطيع التفرّس في زوج العيون القرمزية. وتعلّقت بذهنها حقيقة أن تمتمة سيلينا على هذا النحو تعني رغبتها في طرح سؤال يثير قلقها.
"يشغلك ماذا؟"
"كيف كان مظهرك في جسدك الأصلي؟"
آه. أدركت أميليا سبب صعوبة طرح هذا السؤال. وبدا الأمر منطقياً في نظرها. فسيلينا تعلم أنها في جسد جديد، والفضول أمر طبيعي لا محالة. كان جسدها الأصلي هو ذاتها الحقيقية، وما زالت تعتاد على الوجود في جسد بدري. وكان يراودها شعور غريب أحياناً، خصوصاً حين تتأمل نفسها في المرآة، لكن تلك المشاعر كانت تذبل مع مرور الأيام.
"كنت أقصر ببضع بوصات، وشعري بنيّ. لا تقلقي، لم أكن عجوزاً طاعناً في السن أو ما شابه!"
منحت أميليا صديقتها ابتسامة مطمئنة.
"كانت عيناي زرقاوين، لكنهما لم تكونا بزرقة هاتين العينيْن. اممم... صمّمت الوجه على غرار وجهي الأصلي، لكنني جعلت ملامحي أكثر حدّة بعض الشيء. وجعلت أنفي أطرافه الطف شيئاً ما!"
"إذن كنت تبدين متشابهة؟"
"نجل! تخيلتها كأخت صغرى محبوبة حين صنعت هذا الجسد! أظنّني كنت متوسطة المظهر تماماً حيث أتيت، لكن المرض المزمن كان يجعلني أبدو نحيلة في الغالب، لذا..."
هزت أميليا كتفيها.
"آمل ألا تظني أنكِ تتعرضين للخداع أو ما شابه."
"لا، بالطبع لا"، قالت سيلينا، جارة أميليا إليها لتقبلها على جبهتها.
"كنت أتساءل فحسب."
كانت سيلينا تطرح أحياناً أسئلة عن اللعبة التي لعبتها أميليا. ولم تثمر تلك الحوارات عن الكثير، إذ إن نزراً يسيراً من عالم اللعبة يعكس الواقع الذي تقف فيه الآن. وتمثلت إحدى نظرياتهما في أن اللعبة صُمّمَت بواسطة شخص عاش في هذا العالم أو زاره، بيد أن ذلك لم يفسر كيفية حصولها على مهارات شخصيتها. وتمثل الأمر الأصعب في شرح جهاز الربط العصبي الذي لُعِبَت اللعبة من خلاله.
وبعد أن نجحت في إيصال الفكرة أخيراً، سألتهما سيلينا عما إذا كان بالإمكان إعادة إبداع هذه التكنولوجيا في كاسكاديا. وبعد تفكير مطول، قدرت أميليا أن الأمر سيتطلب قروناً عديدة من الاستثمار الهائل للاقتراب من ذلك ولو قليلاً، حتى مع معرفة المنتج النهائي. إضافة إلى ذلك، فإن التداخل الصوتي للأثير الجوي واللومينا سيُعقّد تطوير الرقاقات الحاسوبية إلى حدّ هائل. ويبدو أنه على الرغم من تجسُّد المادة الأثيرية كسحر حرفي، فإن علماء الرياضيات كانوا يصممون نمذجة لمعظم سلوكياتها وتفاعلاتها.
وكانت أميليا تتطلع بشوق للقاء نينا أخت سيلينا العبقرية وسؤالها عن ذلك. بدأ توميس يتردد عليهما لبضع ساعات كل صباح، ليتولى تدريسها النص الإمبراطوري. وفي المرة الأولى التي لقيهما فيها بالنزل، كان يحمل حزمة من الكتب بين يديه. وألقى نظرة خاطفة وسريعة على الفوتون قبل أن يضع مجموعة الكتب على المكتب.
"سبعة جحيمات، هذه تبعث الذكريات"، قالت سيلينا وهي تلتقط أحد الكتب وتتصفح صفحاته زاهية الألوان.
"أهذه... كتب أطفال؟"
سألته أميليا وهي تقلب الكتب التي تغلب فيها الصور على الكلمات.
"هذا صحيح. لقد غشيت سوق كتب واقتنيتها. نصف ديناري للدفعة بأسرها!"
قال توميس وبدا الفخر جلياً عليه.
"إنها إمبراطورية برمّتها، رغم أن تركيزها ينصب فيما يبدو على خرافات وقصص مانويس. والكثير منها يدور حول الكامي."
وغاص داخل الكتب ليخرج كتاباً أحمر اللون تتصدر غلافه أرقام.
"انظري هنا، رياضيات أساسية للشياطين في عمر أممم..."
وقطّب حاجبيه ناظراً إلى مؤخرة الكتاب، "الخامسة إلى السادسة!"
أدارت أميليا عينيها ضجراً.
"يا توميس، أنا أعرف كيف أحسب مدارات الكواكب. ما أنا بحاجة إليه سوى معرفة الرموز الخاصة بالأمور المختلفة."
وراحت تتصفح أحد كتب الرياضيات، لتدرك قدرتها على إنجاز كل ذلك بسرعة بفضل معرفتها المحدودة بالأرقام الإمبراطورية.
"ألا يمكنك إحضار شيء أكثر تحدياً؟"
"حسناً إذن..."
تمتم توميس بتذمر.
"سأرى ما يمكنني العثور عليه للغد."
وعقب ذلك، جلسا معاً وأخذها توميس عبر الحروف الثمانية والعشرين للأبجدية الإمبراطورية. وكانت واثقة من أنها بحاجة فقط لنطق الحروف بضع مرات والتدرب على كلمات بسيطة قبل أن يستقر كل شيء في نصابه. ومع نهاية الساعة، استطاعت بالفعل صياغة محاولات لا بأس بها لنطق الكلمات الثلاثية والرباعية التي كتبها توميس. وعقب دروس توميس، كانت أميليا وسيلينا تتناولان غداء مبكراً وتتوجهان نحو الأكاديمية، حيث تتدربان تحت إرشادات السيد الأعظم غو.
جرى تقديم أميليا إلى المجموعة الكاملة لما يُعتبر ’ضربات أساسية‘ فضلاً عن عدد من الكاتا الجديدة للتدرب عليها. قُسِّم الوقت مناصفة بين تعليم أميليا وتدريبها الفردي، إذ تُرِكَت وحدها في النصف الثاني لتصب تركيزها على تدريبها الشخصي بينما يتولى السيد الأعظم غو توجيه سيلينا. وخلافاً لتدريبها هي، والذي تخلله الكثير من الحركة والمنازلات، بدَت سيلينا وكأنها تقضي وقتاً طويلاً في التأمل بسيفها تحت إشراف السيد الأعظم.
وكان إيدن حاضراً هناك، رغم أنه لم يكن يتدرب مفضلاً المراقبة والدردشة.
"متى غادرت كارليغارد للترحال؟"
سأل في إحدى المرات، بينما جلسا لتناول الكعكات الباهتة.
"حين كنت في السادسة عشرة"، قالت أميليا وهي تنفخ على كعكتها الساخنة.
"بعد أن أدركت قدرتي على الحفاظ على حالتي الصحية بفضل الشفاء... انطلقت مسافرة على قدمي، أترين؟ وأحياناً لم أكن أتناول طعاماً لأسابيع، لكن سحري كان يبقيني صامدة."
"هل كنت تبيعين خدماتك؟"
"لا."
هزت رأسها نافية، ومكررة القصة التي راجعتها عشرات المرات مع سيلينا.
"تجنبت المدن ولم أشفَ سوى من أي إصابات أصادفها في طريقي. ولم أمكث طويلاً أبداً. كنت أدرك رغبة الكنيسة في القبض عليّ، ولم أرغب في عناء ذلك، لذا..."
هزت كتفيها.
"واصلت الترحال وحسب."
"حتى التقيتِ القائد هالين؟"
"حتى التقيت القائد هالين"، رددت صدى كلماته.
"وكيف-"
"هذا يكفي، يا إيدن"، قاطعته سيلينا، وبدت غير مبالية وهي تقضم طعامها.
"أنت هنا لإعداد ملف تعريفي، لا أكثر. وأنا راضية عن ماضيها، وهذا هو الأهم. أسرارها ملك لها تحتفظ بها وتشاركها كما تشاء."
"الضابط إيدن"، تدخل السيد الأعظم، "مع أنني لا أتردد كثيراً على فعالياتهم، إلّا أنني ما زلت لورد كاسكاديا."
أخرج الشيطان العجوز رسالة وناولها لإيدن.
"توصية مني لتضمّنها في تقريرك. أستطيع الشهادة بحسن خُلق المتحدثة ثورنهارت."
وأومأ برأسه نحو أميليا وتألق وميض في عينيه. تناول إيدن الرسالة، مقلبًا نظرات الحيرة في وجه السيد الأعظم.
وقال: "أنت لا تعرفها سوى منذ بضعة أيام".
"هذا صحيح، لكني من خلال مبارزتنا بالسيف، رأيت ما يكفي من روح المتحدثة ثورنهارت لأكوّن حكمي."
ومنحها السيد الأعظم ابتسامة جدّ حانية.
"لقد قدمت لي الكثير بالفعل، لذا فإنما أنا أردّ الجميل فحسب."
يا له من جدّ لطيف! اضطرت أميليا لفرك عينيها قبل أن تتشكل الدموع.
"شكرا لك يا جدي! أنت مذهل!"
ووجهت إليه ابتسامة مشرقة، مما دفع الرجل لفرك لحيته بحرج وتمتمة كلمات مبهمة عن حفيدة. وعقب تدريبهما اليومي، كانت أميليا تلقي تعويذة تنظيف عليهما جميعاً ثم ينطلقان لاستكشاف جزء من المدينة. وكان إيدن ينضم إليهما أحياناً، ويتخلف أحياناً أخرى. وفي بعض الأحيان، كان يستوقفها حارس عابر لمح شعرها الأشقر. وكلمة سريعة من سيلينا كانت تكفي لتسوية الأمر وتمضيان في طريقهما. وبعد بضعة أيام، كفّوا عن الاقتراب منها تماماً.
وبدا أن شخصاً رفيع المستوى قد وزع وصف مظهرها مع توجيهات بتركها وشأنها. أخذتها سيلينا إلى أحد معابد الباغودا، حيث شُجّعتا معاً على إشعال أعواد البخور المغروسة في أفواه تماثيل الكامي. وأخبرتها سيلينا أنهما كامي الحظ. وبدتا في نظر أميليا أشبه بعفاريت مضحكة.
"كم عدد أنواع الكامي الموجودة؟"
سألت.
"لا نهائية، على ما أظن"، أجابت سيلينا.
"يعلّم كوينتو أن لكل شيء كامي بداخله، بل وحتى الحجر."
"حتى البشر؟"
"بالتأكيد. وحسب معتقدهم، فإن الروح الشيطانية عبارة عن كامي."
وقطّبت سيلينا حاجبيها، وبدت ملامح التأمل على وجهها.
"أو الروح البشرية أيضاً. أظن أن ذلك يجعلنا جميعاً كامي متنكرين في أشكال مختلفة سراً."
"حسنًا، أنا لا أشعر أنني كامي!"
أعلنت أميليا.
"بماذا تشعرين إذن؟"
"خادمتك!"
" اخرسي."
وفي مرة أخرى، سرّت أميليا بالعثور على متجر حيوانات أليفة واكتشفت داخله مجموعة كاملة من المخلوقات الخيالية التي بدت جميعها مكسوة بالفرو ومحببة. رغم إدراكها أن هذه تُعدّ ببساطة حيوانات عادية في كاسكاديا.
"يا للهول! أنظري إليك! سيلينا! انظري كم يبدو لطيفاً!"
جرت سيلينا نحو سياج حيث حيوان سنوري صغير بعينين واسعوتين وذيلين مكسوين بالفرو يموء نحوها عبر محبسه.
"ما هذا؟! إنه يريد مني أن أربت عليه، أليس كذلك!؟"
"إنه بيكا. إنها سنوريات مستأنسة"، قالت سيلينا بملامح يغمرها الاستمتاع.
ولا شك أن رؤية أميليا بهذه الحالة من الافتتان بكل حيوان كانت ممتعة لها.
"إنها ودودة للغاية، وجيدة جداً في... اللعق."
"يجب أن أحمله، وإلا سأموت!"
أعلنت أميليا بإصرار. وتعقبت عاملة شيطانية قريبة وضغطت على الفتاة المسكينة لتفتح القفص. وحملت المخلوق الشبيه بالقطة، وما إن استقر بين ذراعيها حتى شرع يخرخر بذبذبة عميقة ومُرضية بينما يمرغ رقبته في جسدها ويحاول لعقها حتى الموت.
"أيمكننا-"
"لا"، قالت سيلينا.
"لا حيوانات مسموح بها على ظهر السفينة."
"ولكن-"
"لدينا حيوانات البيكا في ضيعتنا. أختي الصغرى تحبها. يمكنك إشباع رغبتك حين نزورنا."
"حسناً..."
عانقت أميليا الحيوان بأكبر قدر من الحب استطاعت حشده. وهمّت بإعادة الحيوان مكانه، لكن سيلينا أوقفتها وداععبته قليلاً. إن صديقتها الشيطانة كانت طيبة القلب حقاً، أليست كذلك؟ وفي اليوم الثالث، ظهر اللورد يولان في النزل. وتجاذبا أطراف الحديث على القهوة والبسكويت. ويبدو أنه نال الضوء الأخضر لإعادة فتح الهايقارد للعمل، لكن ذلك لن يحدث فوراً لاضطراره لتوظيف حشد من العاملين الجدد.
"وليس هذا فحسب"، قال اللورد يولان بصوت خفيض، "فإن الحاصدين القرمزين كانوا يداهمون سفن المهربين بحثاً عن الأسلحة والغبار ويستخدمون الفندق لتوزيع الغنائم على زبائنهم. ولكن استمعي إلى هذا: يبدو أنهم صادفوا شيئاً ما ما كان ينبغي لهم الاقتراب منه. شيئاً قيّماً حقاً."
"مثل ماذا؟"
سألت أميليا، بينما أثار الغموض فضولها.
"من يدري؟ شيء قيّم بدرجة تسمح لمتحدثين اثنين بالدفاع عنه."
هز اللورد يولان كتفيها.
"أخبرتني صلاتي في الحرس أن قروناً كباراً يعملون مباشرة تحت إمرة اللورد الأعظم قد حضروا وانتزعوا صندوقاً بعينه من الغنائم التي كانت بحوزة حرس المدينة. وللأمر صلة بالبلورات، لكنه ليس غباراً. ويبدو أنه شُحن عائداً إلى سنتراليس برفقة حراسة مسلحين."
"لا بد أنه مهم للغاية لدرجة إرسال حراسة مخصصة"، قالت سيلينا وهي تحتسي رشفة من قهوتها.
"مهم لدرجة أن اللورد الأعظم رافقه شخصياً بنفسه."
"أفعل حقاً؟ لقد غادر كينهورو؟"
اتسعت عيناها سيلينا دهشة.
"هذا ما تقوله جهات اتصالي. لقد كانت هناك الكثير من الاتصالات المشفرة المتبادلة ذهاباً وإياباً بين سنتراليس وهنا، وبدأت منذ اللحظة التي صُودر فيها الصندوق. أياً ما يكن محتواه، فهناك شخص بالغ الأهمية يريده."
"يبدو أن ابن أخيك قد تورّط فيما هو أكبر من طاقته. ماذا سيحل به؟"
"سيوضع على حبل المشنقة"، قال اللورد يولان، وبدا وجهه واجماً فجأة.
"لو كانت جريمته الوحيدة هي تسميمي، لربما أتيحت لي الفرصة لالتماس تخفيف حكمه..."
تنهد الشيطان العجوز، وغمرت الحزن عينيه.
"لكن تجارة التهريب هذه... من مخدرات وأسلحة في خضم الحرب؟ سيشنقونه لا محالة. إنه في طريقه إلى سنتراليس، رفقة مرتزقة أُلقي القبض عليهم. أتخيل أنهم يريدون أقوالهم شخصياً."
"يؤسفني أن يؤول الأمر إلى هذا الحد أيها العجوز"، قالت سيلينا وهي تعصر كفّه.
"لا بأس، حقاً"، تمتم اللورد يولان، وهو يخرج منديلاً ويمسح عينيه.
"ولنغير الموضوع، ثمة خبر سار! ها هو، لقد تمكنت من إحضار حقيبة هديتك يا أميليا!"
أخرج اللورد يولان الهدية المغلفة بأناقة والتي تركتها أميليا خلفها في الجناح الفاخر.
"شكراً لك! شكراً لك!"
عانقت أميليا حقيبة الهدية بحرارة.
"هذا هو قناعي للمهرجان!"
"هممم... كنت أتساءل عما يكون. أستذهبان كليكما؟"
سأل اللورد يولان وهو يتفرس فيهما.
"فكرنا في امتصاص أجواء الحفل ونحن هنا"، قالت سيلينا وهي تلقي نظرة على أميليا.
"نأمل ألا تعني نقص تموينات الحرب أن يكون عرض الألعاب النارية أصغر من المعتاد. إنه الجزء الأفضل."
"لا أستطيع الانتظار!"
هتفت أميليا بفرح، مشيرة إلى أنها تجنبت ذكر الكمية المفرطة من الشراب التي خطط لها إيدن لثلاثتهم.
"أن يعود المرء شاباً مجدداً..."
تمتم اللورد يولان.
"حسناً، أتمنى لو أستطيع أن أقدم لكما مكاناً للمبيت في الهايقارد، لكن سيستغرق الأمر شهراً على الأقل قبل أن نصبح جاهزين لإعادة الفتح، وحينها ستكونان قد رحلتما!"
"أخشى ذلك. سيتعين علينا اختبار ضيافتكم في المرة القادمة التي نحل فيها هنا أيها العجوز"، قالت سيلينا.
"قبل أن أغادر، هناك أمر واحد..."
استل رسالة مختومة بالشمع وناولها لسيلينا.
"إنها بضع كلمات مني أشهد فيها بحسن خُلق أميليا. لقد ذكرتِ أن مخابرات سنتراليس تحوم حول المكان. وظننت أن هذا قد يساعد ربما في تفادي شجار..."
رسالة توصية أخرى! كان ذلك رائعاً! أو بالأحرى، كانت هي رائعة؟
"شكرا لك يا جدي!"
هتفت أميليا بابتسامة ورفعت إبهاميهما.
"ج-جدي!؟"
تلعثم اللورد يولان.
"كفي عن مناداة كل عجوز بـ"يا جدي" ايتها البلهاء"، قالت سيلينا وهي تشد وجنتيه.
"ستعرضينهم لنوبات قلبية."
"لكنهما يبدوت لطيفين معي للغاية..."
أنينت أميليا بينما تُشَد وجنتاها بلطف في دوائر. وبدا الأمر شبيهاً بالتدليك. أَيُجدر بها الإفصاح عن شعورها بالاستحسان لسيلينا؟ كلا، لا ينبغي. فلو فعلت، لربما توقفت سيلينا عن اتخاذه وسيلة للعقاب.
"بلهاء"، قالت سيلينا مجدداً، مطلقة سراح وجنتيها.
وودعتا اللورد يولان، ووعد بالعودة قبل مغادرتهما كينهورو. وفي اليوم الرابع، زارتا السوق المركزي مجدداً. وكان الحشد غفيراً واضطرتا لشق طريقهما عنوة لبلوغ أي مكان. ولاحظت أميليا أن المزيد والمزيد من قرون الشياطين تزدان بشرائط بلورية وأقراط. رغم أن أميليا خمنت أنها لا تُدعى أقراطاً.
"إنها عصائب القرون وحلقات القرون"، أوضحت سيلينا حين سألتها أميليا.
"وهناك أيضاً أغطية القرون وهي واضحة بذاتها. وفي يوم المهرجان، سترين الكثير من الشياطين يصبغن قرونهن بكل الألوان الممكنة. وغالباً ما تُقدّم جوائز لأكثر مجموعة قرون مزينة بإبهار. وبالنسبة لبعض العائلات النبيلة، فإن هذا القدر من الهيبة يعني الكثير."
ومع اقتراب المهرجان، لم تقتصر التغيرات على القرون فحسب. فقد ظهرت الأعلام والرايات وغيرها من الزينة على طول جدران الأبنية وأسقفها. وكانت تُكسى تماثيل الكامي بالحلل، وأصبح المزيد من الناس يرتدون الأزياء التنكرية.
"سيبدأ الاحتفال في المقاطعات الخارجية، وستتحرك مجموعات عدة في مسار دائري حول المدينة. وستلتقي جميعها في النهاية بالمركز للفعاليات الختامية. أتخيل أن إيدن لن يجعلنا نتابعها طويلاً. فمؤسسات الشرب ستكون ممتعة عن آخرها."
تنهدت سيلينا وهي تمنح أميليا ابتسامة.
"حاولا ألا تشربي كثيراً، اتفقنا؟"
"لكن في المرة الأخيرة التي شربت فيها بغزارة، حدثت أمور رائعة حقاً!"
" اخرسي..."
جاءت الاستجابة متمتمة، يرافقها احمرار خفيف في الوجه. ومعاً، عثرتا على صاحب المتجر الذي باع القوانع. وتعرف عليهما فوراً وأراها أميليا القناع الأحمر. وبدا شبيهاً بقناعها الأزرق الخاص، غير أن توهجه الأحمر منحه إغواءً ناضجاً يلائم سيلينا تماماً. وما إن أشارت إلى رضاها عنه حتى غلّفه صاحب المتجر بأناقة، وغادرت الاثنتان السوق بينما تغمر السعادة أميليا. وتمثلت وجهتهما التالية في تفقد الخياطة، التي هبت من مقعدها ما إن دخلتا.
"لقد وصلت أخيرًا! لم أكن أعرف كيف أتواصل معكِ!"
"مرحباً!"
قالت أميليا بمرح.
"كيف يسير، أممم... التفصيل؟"
"لدي مجموعة عمل واحدة ومجموعتان كاجوال. أترغبين في تجربتها؟"
وشرعت الخياطة فوراً في التحليق حولها، معدّلة أجزاء مختلفة من ملابس أميليا وهي تتحدث.
"ممم! بالتأكيد! أيمكنك إخباري بكيفية ربط كل شيء بالطريقة الصحيحة مجدداً؟"
جربت أميليا الأزياء كلها. وبدت مجموعة العمل مذهلة خصوصاً لاحتوائها على الكثير من الجيوب والأكياس المخفية. كما صُممت بطريقة تسمح بارتدائها مقلوبة إن اتسخت. واحتفظت أميليا بصمتها حيال سحر التنظيف الخاص بها، إذ بدت الخياطة فخورة بهذه الميزة. وعقب ملابس العمل والكاجوال، زُجّ بها في نموذج أولي للفستان الأحمر الذي كانت الخياطة تعمل عليه. وبدا في عيني أميليا فستاناً مثالياً يوازن بين الاحتشام وإغواء جسدها ومفاتنها.
وشعرت بأنه يلائم قوامها تماماً، غير أن الخياطة ظلت تمتم بشأن أخطاء وتعديلاتها يلزم إجراؤها.
"ما رأيك؟"
قالت، غير قادرة على مقاومة الابتسامة الماكرة التي شعرت بأنها تتسلل إلى وجهها حين خرجت من غرفة القيادة وأدت دورة استعراضية لسيلينا. ولعلّه كان خطأً إذ سقط فك الشيطانة لبرهة قبل أن تدرك سيلينا الأمر فتغلقه. غير أن أميليا لم تفوّت نظرة عينيها. وكانت ذات النظرة التي لا تراها عادة سوى في غرفة النوم.
"إنه... أممم، جيد. يلائم موظفة في بيت هالين. عملك جدير بالثناء."
ابتلعت سيلينا ريقها بشكل ملحوظ فمنحتها أميليا غمزة مشاكسة. واستدارت بحيث أصبحت مؤخرتها في مواجهة صديقتها.
"إذن، هل هو سهل الارتداء والخلع، أم سأحتاج إلى مساعدة؟"
سألت ببراءة بينما كانت تمسك مؤخرتها بيديها الاثنتين، بعيداً عن أنظار الخياطة التي تقابلها ولكن في مرمى بصر صديقتها مباشرة. ولم تستمع جيداً لرد الخياطة لتركيزها على إحساس نظرات سيلينا وهي تحفر ثقباً عبر فستانها. لم تستطع سيلينا التقاء نظراتها حين استدارت، لذا لا بد أن الأمر أتى بالثمر المنشود. وأعطت سيلينا الخياطة موقع النزل لإرسال الملابس ثم اختلقت الأعذار ليغادر الاثنان.
وبدأ المطر يهطل، فارتديتا معطفي المطر البنيّين والقبعات وقفزتا في ترام مزدحم عائدتين إلى النزل. لم تنطق سيلينا بحرف طوال الرحلة، وهمّت أميليا بسؤالها عما إذا كانت قد أغضبتها لكن كلامها انقطع ما إن شعرت بيد صديقتها تنزلق داخل معطف المطر لتتحسسها. أطلقت أميليا صرخة خفيفة قبل أن تغطي فمها بيدها. وانحنت نحو سيلينا، سامحة لنفسها بالتعرض للملامسة قبل أن تمرر يدها بدورها عبر طبقات الجلد لترد لسيلينا الصاع صاعين.
وحين عادتا إلى النزل، بالكاد اجتازتا الباب حتى ألقت بها سيلينا حرفياً على السرير واعتلتها وعيناها تفيضان بالرغبة.
"عليكِ أن تتلقي درساً"، قالت سيلينا وهي تثبت يدي أميليا على السرير بوزن جسدها.
"أه لا. أنا محاصرة وعاجزة!"
وأهدتها أميليا أفضل نظرات الإغواء وجعلت تئن بنعومة.
"يا ترى ما عقوبتي بحق الجحيم؟ أنا-"
وانقطع كلامها إذ سُرِقت شفتاها بينما كانت سيلينا تتخبط لخلع ملابسها، كادت تمزق الثياب في خضم ذلك. ولعل الأحداث التي تلت كانت الأكثر إمتاعاً التي اختبرتها أميليا في حياتها قط. فقد جُرّدت من ملابسها تماماً، وامتدت أصابع سيلينا ولسانها إلى أماكن واجتازت حدوداً لم تطأها من قبل. وبعد ذلك، وبينما تستعيدان أنفاسهما، عبرت خاطر أميليا فكرة واحدة. إذن هكذا يبدو طعم الإمعان في الإشباع.
التفتت وعانقت سيلينا، وحين أيقنت تماماً أن الشيطانة قد استغرقت في النوم، انحنت وهمست في أذن صديقتها بأخفت صوت استطاعت حشده.
"أحبك."