سارت رحلتهم باعتدال خلال الساعات الأولى. وانزلقوا على الرمال متجهين نحو عمق حوض سالابان. واستبدلت بالصوان الصلب الذي بُنيت عليه حكيم ومحيطها رمالٌ ناعمة وكثبانٌ تسفيها الرياح. ولم تجد السابحات صعوبة تذكر في متابعة الانحدارات والمرتفعات بسلاسة. وحافظن على تشكيل تقريبي بقيادة سيرينا وناجي. ولم يكن مثالياً إذ كانت كل سابحة تخط طريقها بنفسها. ورسم برق مساراً مثالياً عبر التيارات الأثيرية التي تسفيها الرمال، وقادته غريزته كسابحة هو وأميليا أفضل مما كان بمستطاعها وحدها.
وكان القيظ قاسياً لكن احتمالَه ممكن. وتأقلمت أميليا بشكل أفضل، حتى إن قطرات العرق تبددت على جبينها. ونجحت حجبها المطبقة لكن حرارة الجو بقيت طاغية لدرجة جعلتها تشعر بدفء مفرط. وكأن الهواء نفسه غدا كثيفاً بالقيظ، مثل شراب جحيمي يتنفسونه. وبدت سيرينا بهالتها البرتقالية وحجبها المستمدة من أميليا متأقلمةً بشكل كافٍ. وعانى بقية أفراد المجموعة. ولولا حصص المياه التي كانت أميليا تبردها حتى تقترب من درجة التجمد لوقعوا في مشكلة حقيقية.
وتوقفوا وحاولوا معرفة ما إذا كان بإمكان أميليا حجبهم عن القيظ المتصاعد. وكانت النتيجة فعالة لكنها مشكلِة. وخلافاً للحجب التي أبقتها على سيرينا والتي بُلغت حد الكمال ونُقلت تدفقاتها الأثيرية إلى وميض، لم تستطيع تكرار هذا المستوى من التخفي بحجب جديدة تُلقى بهذه السرعة. وكانت النتيجة تدفق ثلاثة مسارات أثيرية جديدة منها. وحتى مع التخفي السطحي، فإن التداخل الذي أحدثته في حقل الأثير المضطرب تسبب في إزعاج السابحات لدرجة أثرت في تحديد مساراتهن وحركتهن، مما جعلهن يعانين للبقاء ضمن التشكيل.
لذا واصلوا المسير بدونها. واعتمدت ميل وفيـنيلا على هالتهما البرتقالية لضبط حرارتهما بينما بذلت هيناكو قصارى جهدها بسحر الدائرة الثانية. وكانت هناك نعمة واحدة، فالإشباع الكثيف لحقل أثير الرمال الحمراء يعني أن بإمكان الجميع الحفاظ على قدرة أثيرية عالية. ومع كل كثب تسلقوه وكل منحدر انزلقوا عليه أصبح الأمر أسهل. ومع ذلك، وكلما أصبح الأمر أسهل بدا الهواء الكثيف أشد حراً.
ورغم تفاقم الظروف، كانت فرصة جيدة لميل، إذ وفرت الرمال الحمراء للشيطانة فرصة نادرة لتعويد جسدها على البرتقالي. سارت الأمور على ما يرام طوال الساعات الأولى. إلى أن ارتفعت الشمس وصار الهواء كثيفاً وجافاً لدرجة أن نفساً واحداً يسلب كل قطرة رطوبة. وطلبت فينيلا استراحة فوافقت سيرينا بسعادة.
قالت سيرينا: "لنتوقف قليلاً، يبدو هذا المكان ملائماً".
وانحرفوا نحو بقعة أرض منخفضة. وكانت الأرض متشققة من طين صلب يغطيه رقيق من الرمال. ولم يسبق لأميليا أن رأت مكاناً يبدو متعطشاً إلى هذا الحد. ومنحهم نتوء صخري وميضاً من الظل. وأوقفوا سابحاتهم بلهفة وأخذوا وقتاً للتعافي.
قالت فينيلا وهي تلهث: "سبعة جحيمات وست سماوات وأسرار السماء السفلى، لم أبلغ هذه الحرارة قط".
وجرعت الشمالية بعض الماء لتتابع: "مع كل نفس أنفذه يزداد الأمر سوءاً. لكنت ميتة لولا البرتقالي. ميتة أقول لكم! كيف يكون الهواء بهذا القيظ؟ الآنسة ليونا لو كان بإمكانك..."
ورمت إليها بقارورة الماء فأطلقت أميليا سحرها ووبردت الماء حتى كاد يتجمد ثم رمته إليها مجدداً. وشربت الشيطانة ومكثت ثم شربت المزيد ودون سابق إنذار صبت الباقي فوق رأسها.
تنهدت وقالت: "آه... أخيراً بعض الانتعاش".
وحركت شفاهها بكلمات الشكر لأميليا قبل أن تنظر إلى سيرينا: "لا أصدق كيف تحسنان التصرف هكذا. هل كون المرء متحدثاً يسهل الأمر إلى هذا الحد؟ أم أن حجب الآنسة ليونا بهذه الجودة؟"
بدأت سيرينا بالنزول عن ناجي وقالت: "المعاونة برايت، يكون الأمر أسهل إن لم تفكري بالتذمر. هل أقترح أن تفكري بأمور أخرى؟"
قالت فينيلا: "صدقيني يا قائدة لقد حاولت ذلك. كم أتوق إلى حقول الثلج في هذه اللحظة".
وأغمضت الشيطانة عينيها ولفّت ذراعيها حول جسدها وقالت: "نظرة القمر البنفسجي المبردة. أقسم بقروني أن البرودة هناك لا تبلغ هذه الحرارة هنا. هناك خطب ما بالقمر الأحمر أقول لكِ".
وشرعت أميليا في تبريد مياه البقية رامية إليهم القارورة الباردة بالترتيب.
وسألت فينيلا: "ألا يغدو الأمر بارداً لدرجة خطيرة؟ أخبرتني الكتب أنه خلال مطر قمر البنفسج يشتد البرد لدرجة تجعل الرياح الباردة تجمد الناس حتى الموت في ثوانٍ".
وترجلت عن برق وشرعت في تمشيطه تماماً كما أراها نور.
أجابت فينيلا وهي تضغط القارورة على وجهها وتفركها بطريقة ربما منعتها سيرينا منها لو لم تكن في بيئة قاسية كهذه: "في بعض الأماكن ربما. فقط إن كنتِ حمقاء بما يكفي لعبور بقعة باردة".
سألت أميليا: "بقعة باردة؟"
رفعت فينيلا يدها إلى الأعلى وقالت: "أتعرفين كيف ترتفع الحرارة؟ حسناً، يتجمع البرد في الأماكن المنخفضة حيث تنخفض التضاريس طبيعياً".
وأشارت إلى محيطهم قائلة: "مثل مكاننا الآن. قد تكون البقع الباردة أبرد بعشر أو عشرين ثولاً بمجرد النزول بضعة أمتار. إن عسكرتِ في المكان الخاطئ فقد تتجمدين. لا يحدث ذلك كثيراً. لكن... حتى هذا ليس كهذا. التدفئة عند البرد أسهل من التبريد عند الحر. وخاصة بالهالة. المزيد من الماء أرجو يا آنسة ليونا. آه، شكراً..."
وشربوا بصمت مستمتعين بالهدوء القصير المتاح لهم. وأطلقت أميليا أثيرها مستدعمة نسيم تبريد من فرع مارزانّا. وساعد ذلك لكن ليس بالقدر المأمول. فالصحراء قادرة على محو البرودة وامتصاصها بنظرة القمر الأحمر. وشعرت برغبة في فعل المزيد لكنها لم ترد المخاطرة بإرباك السابحات. وبعد بضعة دقائق قطعت هيناكو الصمت.
سألت الشيطانة: "لم يكن الأمر هكذا دائماً أليس كذلك؟ تواصل آخر أسياد الجنوب مع سويجين. درسنا هذا في الأكاديمية. وُجدت صحراء في الجنوب دوماً لكنها كانت أصغر بكثير. كل هذا"—ونقرت بقدمها على الأرض المتشققة—"كان استوائياً كبيئة إسحاق. أعتقد أننا في مجرى نهر قديم".
أكدت أميليا: "ممم".
ونظرت حولها متبعة المنخفض الذي امتد بخط تقريبي مخترقاً الأفق: "يبدو كذلك".
وفرشت تحت سرج برق فكسبت منها مواء ممتناً من السابحة. ولم يواجهن أي عواصف رملية بعد ورغم ذلك كان مفاجئاً حجم الرمال التي وصلت... إلى كل مكان. ورؤية لمدى تقدير برق لعمل يديها، شرع باقي الفريق في تمشيط سابحاتهم. وبدا إزالة كل ذرة من المادة الخشنة مرضياً بشكل غريب. وعملوا بسرعة وأنهت ميل أخيرًا غالباً لأنها بدت مرتبكة من السير أمام فم جاسور لئلا يندفع لسانه مجدداً. وانشغلت سيرينا بحزمة مستندات من أمتعتها.
وكانت مجموعة الخرائط والمعلومات الأخيرة التي سلمها إيدن إليهم قبل مغادرتهم. هدية وداع من سارافينا والاستخبارات.
قالت سيرينا وهي تتبع خطاً على الورق: "لقد قطعنا بالكاد ثلاثين كيلومتراً. ينبغي أن نبلغ الميزا قريباً وهناك سنجد ظلاً أكثر ونأخذ استراحة لائقة".
ونظرت الشيطانة إليهم فرداً فرداً: "إن وجدنا مكاناً صالحاً لتأمين السابحات، فيمكننا الابتعاد وجعل الآنسة ليونا تبردنا جيداً".
قالت فينيلا وهي تمدد جسدها: "أتطلع إلى ذلك. ثلاثون كيلومتراً؟ إنه تقدم جيد يا قائدة. لم يكن ذلك الحاكي كاذباً. سابحاته ليست سيئة".
وربتت على ثالي: "إلى أي عمق سنصل يا قائدة؟"
أجابت سيرينا وهي تطوي الورق: "إلى العمق اللازم. الرحلة قبل الوجهة يا معاونة برايت. الرحلة قبل الوجهة".
وصعدت على ظهر ناجي وأشارت للبقية بفعل المثل.
تمتمت فينيلا: "يبدو مبدأ السانغويست عميقاً حين تعيش طويلاً لتصل إلى وجهتك".
ومدت الشمالية ذراعها من الظل إلى الشمس الحارقة.
هزت رأسها وتمتمت: "لا يُصدق. ها قد عدنا إلى جحيم النار..."
وصعدت على ثالي وأمسكت باللجام: "أسرعي يا قائدة قبل أن يراودني أي أفكار مجنونة بالعصيان".
قالت سيرينا وهي تنقر بلسانها: "ما قصة العصيان لديكم أيتها الشماليات؟"
ضحكت أميليا. وغادروا النتوء الصخري وواصلوا رحلتهم. واستغرق الأمر بضع دقائق فقط حتى عادوا لاحتساء الماء. وحتى أميليا وجدت نفسها تشرب. ورغم يقينها بقدرتها على الاغتسال بالحمم الفعلية إن لزم الأمر، إلا أن حرارة الصحراء أثارت شعوراً بالاختناق جعلها غير مرتاحة بما يكفي للشرب. وستكون بخير بلا ماء ولا تحتاج للعرق، لكن الأمر بدا كأن جسدها لم يدرك ذلك بعد. ومضت ساعة في صمت نسبي.
وبصرف النظر عن بضع أوامر من سيرينا لتغيير الاتجاه قليلاً، مرت الدقائق بهدوء. وحاولت أميليا مرة أو مرتين محادثة ميل لكنها أدركت سريعاً أن الشيطانة ليست في مزاج للكلام. وبدت فينيلا وهيناكو مهتمتين بشرب المزيد والمزيد من الماء أكثر من أي شيء آخر. وبدل الحديث، قضت أميليا الوقت ناظرة للأعلى متفحصة القمر الأحمر في الوميض. ومذ تجربتها الأولى للمشي الضبابي، لم تلحظ تنين القمر الأحمر مرة ثانية.
أو بالأحرى، لم تر تشكيل التعويذة المعقد الذي يمثل القمر الأحمر والتفافه حول المخلوق الهائل لمرة ثانية. ودون دخول الوميض، استقبلها إدراكها بكرة مثالية من ضوء القمر الأحمر الدافئ. ورغم ذلك، وإن طال تأملها، ظهر وميض عرضي للظلال يلمح إلى وجود شيء آخر. بافتراض أن سائر الأقمار مماثلة ولكل منها تنينه، فما معنى ذلك؟ كيف يندمج هذا في بنية العالم؟ أي دور تؤديه؟ تولد الأقمار بلورات القمر التي تشكل أساس اقتصاد العالم المعروف.
أكانت البلورة غاية التعاويذ أم مجرد أثر جانبي؟ كيف كان العالم حين غابت الأقمار؟ كانت القارات تطفو مقيدة باللومينا عبر التفاعل الأثري لآلاف السنين من تشبع الأرض ببلورات القمر. لا بد أن وقتاً مضى لم يكن فيه الأمر كذلك، حين استقرت القارات دون اللومينا. أيعني هذا إذن...
صاح صوت فجأة قاطعاً أفكار أميليا: "أراه!"
كانت فينيلا.
صاحت الشيطانة وهي تشير بجنون نحو الغرب: "هناك! أترينه؟"
تبعت أميليا البقية ناظرة إلى الغرب. وهناك لم تر سوى رمال حمراء بلا نهاية وأفق يتلألأ في حرارة الصحراء.
سألت سيرينا: "ترى ماذا يا معاونة برايت؟"
صاحت فينيلا: "جيمار! إنه قريب جداً!"
قالت سيرينا: "هراء. نحن أبعد بكثير من أن نرى جيمار من هنا. تبعد أكثر من مئتي..."
صاحت فينيلا وبصوتها يأس غريب: "كلا، إنه هناك! سأبرهن لك!"
وشذت باللجام مبتعدة بثالي عن المجموعة باتجاه الأفق المتلألئ.
صاحت سيرينا: "المعاونة برايت! ابقي في التشكيل!"
تمتمت هيناكو بصوت يكاد يكون همساً: "أعتقد... أعتقد أنني أراه أيضاً".
"يا للجحيم يا معاونة برايت..."
نقرت سيرينا بلسانها وأمرت باللحاق بها. فانحرفوا غرباً لتتبع سابحاتهم فينيلا وثالي.
تنهدت ميل مشيرة إلى الأفق: "هاه... ليس جيمار يا معاونة برايت!"
قالت سيرينا: "شكراً لكِ المعاونة موري. والآن لن..."
صاحت ميل: "إنه واحة! بحيرة ماء!"
وقبل أن ينطق أحد، دفعت ميل سابحتها للعدو للحاق بفينيلا: "يمكننا أن نبرد!"
صاحت هيناكو: "أراه أنا أيضاً! حقاً هناك ماء هناك!"
تساءلت سيرينا ناظرة إلى أميليا: "ما الجحيم؟ أترين شيئاً أنتِ الأخرى؟"
أجابت أميليا: "كلا. أعتقد أنهما تهذيان".
نقرت سيرينا بلسانها: "أقمار! حمقاوات. هيا يا ناجي!"
وأصدر ناجي عند حثها صوتاً بين المواء والهدير. واندفعت السابحة متألقة زعانفها بقوة وشوق. وحثت أميليا برق لتمضي قدماً، وسرعان ما لحقت هي وسيرينا بالمعاونتين المتهورتين. وبحركة تبين وكأن سيرينا امتطت السابحات طوال حياتها، ناورت بناجي أمام فينيلا وثالي. وبحركة سلسة استدار ناجي نافخاً زعنفته الكبرى ومطلقاً سلسلة من النقرات المهددة. وكان الأثر فورياً. فأطلق ثالي فينيلا وجاسور ميل مواء مفاجئاً غارزين ذيليهما التوأمين بالأرض انعكاسياً.
وقذف التغير المفاجئ بالحركة راكبيهما في الهواء ليتهاويا في كومة رملية. تبادلت سيرينا نظرة قلق مع أميليا قبل أن ترجل. واقتربت من الضابطتين الساقطتين. ولم تبدُ أي منهما تعيسة أبداً. بل كانتا تضحكان.
قالت فينيلا: "وه، يا قائدة. حتى بالنسبة لكِ كان هذا شيئاً آخر".
تمرغت ميل على ظهرها ومدت يدها نحو الهواء كأنها تحاول الإمساك بشيء وقالت: "إنه واحة، أخبرتكِ. ليس جيمار. أنتِ مهووسة بالقهوة يا معاونة برايت".
صاحت فينيلا: "أنا أعشق القهوة!"
ضحكت ميل بجنون: "لكنتِ تزوجتِ منها لو استطعتِ".
"لا يمكنني ذلك يا معاونة موري. ليس قبلك".
"قبلي؟"
"أنتِ وجاسور. لقد رأينا جميعاً ذلك اللسان منه. هاه!"
وانفجرت ميل ضاحكة.
ووسط ضحكاتها تمكنت منتمتمة: "أعرف شخصاً آخر يحب لساناً بين ساقيه!"
صاحت فينيلا: "لا أصدق! وأنا أيضاً! أترى أننا نفكر بالشخص نفسه؟"
"لنقل اسمه معاً!"
"حسناً!"
"حسناً إذن!"
تحدثت سيرينا وبدا وجهها مظلماً: "الآنسة ليونا. لو أمكنني طلب بعض سحر الشفاء".
ونقرت مقبض سيفها اليشمي: "عاجلاً".
"بـ-بالتأكيد!"
قفزت أميليا عن برق لتهبط ببراعة بين الشيطانتيْن.
قالت فينيلا: "أهلاً بمن هنا. يا له من صدفة، كنت للتو..."
وأوقف شريط من النور الذهبي تتخلله نقاط من الأزرق الملكي ثرثرة فينيلا وضحكات ميل. وتجمدا فوراً ثم التوت وجوهاهما بتعبيرات حيرة مطبقة. ونظرت أميليا لسيرينا بنظرة تسأل عما إذا كان عليها فعل المزيد.
قالت سيرينا: "المعاونة أيكاوا أيضاً أرجو".
أومأت أميليا واستدارت مانحة هيناكو دفعة مقاسة من سحر الشفاء.
واتسعت عيناها ثم نظرت حولها بحيرة وتحدثت بهدوء: "أه..."
قالت فينيلا: "اللعنة الملعونة. ما الذي كنت..."
بلعت الشيطانة ريقها ناظرة إلى سيرينا. فجلست ثم نهضت وأدت تحية متسرعة. وتابعتها ميل سريعاً.
قالت فينيلا بسرعة: "أعتذر يا قائدة! لا أعلم ما حل بي، أنا..."
قالت سيرينا لاوية يدها بسلاسة لتلغي الاعتذار: "لا بأس. لم أتووقع أن يؤثر جنون الصحراء فيكِ هكذا يا معاونة برايت. كان عليكِ تحذيرنا بأنكِ لستِ على ما يرام".
تبادلت فينيلا نظرة مع ميل وقالت: "أنا، أم... لم أكن أعلم يا قائدة. أو لم أدرك. شعرت بدوار، لكنني كنت أشرب الكثير من الماء فظننته شيئاً عادياً. لقد... حلّ فجأة".
هزت فينيلا رأسها ثم تفحصت الأفق: "أقسمتُ أنه جيمار. كلا... لم يكن ممكناً. إنه أبعد من..."
كررت سيرينا: "إنه أبعد من ذلك، وحار جداً!"
وأشارت للجميع بالتجمع.
وما إن فعلوا حتى تابعت: "المتابعة نهاراً بالغة الخطورة. انظروا شمالاً يا جموع".
واجهت أميليا ومعها الجميع الشمال. وهناك، في منتصف الطريق نحو الأفق، تغيرت التضاريس. وتناثرت مرتفعات شبيهة بالمنحدرات ذات قمم مسطحة. وبدت بعض التشكيلات نحيلة تمتد عالياً نحو السماء العليا. وأخرى عريضة وقصيرة تتخللها خطوط من الصوان البرتقالي والأحمر. كانت بيئة الميزا التي يبحثون عنها.
أصدرت سيرينا تعليماتها: "صبوا بعض الماء البارد على أنفسكم. سنبلغها خلال خمس دقائق. دفعة أخيرة. إن شعرتم بأي دوار أو أعراض أخرى فتحدثوا. فور عودتنا لأرض صلبة سنبني مأوى. أتقدرين على ذلك يا معاونة أيكاوا؟"
قالت هيناكو بسرعة: "نعم يا قائدة! فالأرض مشبعة بالبلورات والصوان سهل التحريك".
قالت سيرينا: "إذن لا ننتظر أكثر. هيا الآن!"
ولم يحتاجوا لتكرار الأمر. فصعدوا على السابحات وحثوها للأمام. وكانت الشمس في كبد السماء تبذل وسعها لخنقهم بتحالفها الناري مع القمر الأحمر. وسكبت فينيلا وميل وهيناكو الماء على أنفسهم في المنتصف دون أي هوس آخر. وبلغوا الميزا، حيث أفسحت الرمال الناعمة والكثبان المتدحرجة المجال لصوان أحمر وبرتقالي. وقادتهم سيرينا لأقرب منحدر، ولم تضيع هيناكو وقتاً في العمل فناست سحرها وحفرت في الصخر.
وكانت الشيطانة مصيبة، فالصوان كان أسهل بكثير في التشكيل حتى من التربة العادية. وبينما انشغال هيناكو، أخذت أميليا على عاتقها بناء حظائر للسابحات. وتعين عليها العودة للرمال إذ لن تتمكن برق وأخوتها من الاستقرار بالصوان الصلب. ورغم تأكيد نور أنهم سيكونون بخير بلا مأوى، بذلت أميليا جهداً في صنع سقف بسيط لكل حظيرة ساشبة وضاغطة الرمال لتصبح صلبة. وأدى الأثر الأثري اللازم لذلك لجعل السابحات تنقر وتُموئي وتضرب الأرض بأذنابها تذمراً واضحاً.
قالت لهن: "عذراً".
وسرعان ما انتهت مكملة الحظائر برسم بركة مياه جوفية باردة. ووحدها لايين، سابحة هيناكو، شربت بعض الماء. وشاهدت أميليا لسان السابحة الطويل يندفع للخارج لاحساً الماء بطريقة تشبه الفحص.
قالت سيرينا متفحصة الحظائر: "مذهل. سنحرس لئلا تحاول إحداهن الهرب. الآن، قبل أن نتجمع في منزلنا الجديد"—وأشارت لمدخل كهف هيناكو—"لنصعد لأعلى".
مالت أميليا برأسها: "أعلى؟"
"أعلى".
وأشارت سيرينا: "لنستكشف موقعنا".
وتسلقوا تشكيل الصوان. وبقدراتهم كان صنع مقبضات الأيدي أمراً تافهاً في الحجر الرخو. وتبعتهما أميليا مستخدمة المقابض التي صنعتها حبيبتها.
هتفت: "يذكرني بكينهورو. حين خرجنا من تلك الحفرة".
ضحكت سيرينا: "يا لها من ذكرى".
همهمت أميليا: "ممم. كنتِ متوترة جداً أمام السيد الأعظم".
ونظرت إلى طيف حبيبتها المتسلق لسطح المنحدر بسلاسة وثوبها الأبيض يرفرف في رياح الصحراء: "أنتِ أكثر ثقة الآن. أراهن أن بإمكانك الوقوف بوجه سيد أعظم إن لزم الأمر".
ترددت سيرينا متوقفة عن الحركة لأعلى: "حسناً... حين تقابلين... كما تعلمين... يبدو البقية أقل إثارة للإعجاب. باستثناء شخص واحد".
سألت أميليا: "شخص واحد؟ من؟"
نظرت سيرينا للأسفل والتقت عيناها وغمزت لها. أه، فكرت أميليا. أتغازلين في ظل هذه الظروف يا هذا؟ وابتسامة على وجهيهما صعدا تشكيل الصوان. وشمالاً، امتدت بيئة الميزا على مد البصر. وجنوباً، كانت ثلاثين كيلومتراً من كثبان الرمال الحمراء. ومن هذا الارتفاع استطاعت أميليا رؤية حكيم، بقعة متلألئة خافتة بالأفق تدعمها جبال سالابان. ورؤيتها من هنا جعلتها تشعر كأنهم لم يحرزوا أي تقدم يُذكر.
قالت سيرينا مخرجة خريطة: "أحرزنا تقداً جيداً. لكنني سأختصره اليوم. الآن نحن هنا..."
ونقرت على الورق. وتابعت أميليا إصبعها نحو مربع الشبكة الذي يحدد بداية الميزا.
"اقترحت الاستخبارات أن نبحث هنا".
ونقرة أخرى على مربع آخر، يبعد مئات الكيلومترات شمال الشرقي.
سألت أميليا: "ماذا هناك؟"
لم يكن مدوناً شيء على الخريطة سوى امتداد خالٍ.
قالت سيرينا باكتفا كتفيها: "عواصف رملية، حرارة مروعة، ودودان".
"دودان؟"
"أحد... أماكن تزاوجها بحسب الاستخبارات. على الأقل، أحد آخر أماكن تزاوجها المعروفة. ليست معلومات الخريطة موثوقة تماماً".
ونقرت سيرينا مربع الخريطة الخالي مجدداً: "أتذكرين أن أناثور قال إن الشظايا قد تؤثر في النبات والحيوان والبيئة المحيطة؟ حددت الاستخبارات عدداً غير معتاد من العواصف الرملية في هذه المنطقة. عواصف غير معتاد ودودان غير معتادة".
وعبست سيرينا: "يُفترض أنها عدوانية بشكل خاص هناك، و... ضخمة للغاية".
قالت أميليا: "لا تبدين متحمسة جداً".
قالت سيرينا: "أحاول التفكير في كيفية طمأنة البقية بأنني لم أصاب بالجنون. هناك قدر محدود من الثقة والولاء أستطيع جنيه منهم. وإن ساءت الظروف بما يكفي ستنهار العقول بالنهاية. رأيت ذلك في ساحة المعركة، وما هذا سوى ساحة معركة أخرى؟ أنا..."
وتوقفت سيرينا مأخذة نفساً عميقاً لتنهي كلامها: "سأخبرهم".
والتقت عيناها بأميليا: "عما نبحث ولماذا".
سألت أميليا: "وأنا؟"
التوت شفتا سيرينا بابتسامة ماكرة: "حسناً، لن أخبرهم أن حبيبتي ملكة مصغرة تضاهي الإمبراطورة نفسها أليس كذلك؟"
ضحكت الشيطانة: "سيظنون أنني مصابة بجنون الصحراء. كلا، سأخبرهم بما يكفي، أما أسراركِ فلك وحدكِ بثها. ومناسبة حديثنا عن شظيتكِ..."
وأشارت سيرينا للامتداد المحيط: "أتشعرين بشيء؟ بأي نوع من الاتصال؟ إحساس ما؟"
ركزت أميليا مدورة في مكانها: "ليس تماماً. بسطحكِ فقط".
"حسناً، شكراً لكِ".
"أنتِ أهم من أي شظية".
وخطت أميليا محيطة خصر سيرينا بذراعيها. وردت الشيطانة المثل واحتضنتا بعضهما للحظة.
وقالت أميليا: "آه، سأشتعل ذاتياً أليس كذلك؟"
"عما تتحدثين؟"
"أنا في أحر جزء من الإمبراطورية مع أحر شيطانة على قيد الحياة".
وابتعدت مبتسمة. ولم تكن متأكدة من إحمرار وجه سيرينا. فصعب التميز في هذه البيئة.
ورفعت أميليا إصبعاً تلوحه قائلة: "لتعلمي فقط، إن أصبت بجنون الصحراء فلا علاج سوى واحد".
رفعت سيرينا حاجباً: "وما هو؟"
قرّبت أميليا شفتيهما معاً.
وغمزت حبيبته الشيطانة قائلة: "أليس الأمر بسيطاً؟"
جاء الرد: "حمقاء".
قالت أميليا: "أمر أخير".
وابتعدت عن سيرينا. وبدورة درامية أنهت تمويه كاناكسي مستعادة شعرها الذهبي اللامع وعينيها القرمزيتين النبيلتين.
"لا داعي لكوني ليا ليونا هنا أليس كذلك؟ حتى لو صادفنا أخرين فيمكنني لف نفسي".
لقد كان ممتعاً الحفاظ على التنكر خلال إقامتهم في إسحاق، لكن أميليا شعرت أن ما حدث كافٍ. ولم تُبتكر ليا ليونا إلا لتحظى ببعض السلام والهدوء حتى لا يسيطر صدمة ترشيحها للوردية كاسكاد ومكانتها كقديسة حية على الصحف. وكان هناك خطر إضافي في السفر للجنوب لكنه أتى أكله بالنهاية أليس كذلك؟
قالت سيرينا: "كلا، لا داعي لكونكِ ليا ليونا".
وتقدمت الشيطانة طابعة قبلة على جبينها: "لكنكِ ستكونين ليا بالنسبة لي دوماً".
شاكستها أميليا: "شكراً لكِ يا رين الصغيرة"، فكسبت منها لفة عين.
"علينا الحديث عما حدث أيضاً".
"ماذا حدث؟"
"قبل قليل".
وألقت سيرينا نظرة جانبية وبدت محرجة للحظة: "لقد سمعتِ ما قالته فينيلا وميل".
"ممم؟ أه. أه".
صحيح ذلك. ويمكن غفران فينيلا إذ كانت تعلم بأمر علاقتهما مسبقاً. فقد استخدمت الشيطانة الشمالية تقنيات استجواب متقدمة لانتزاعها من أميليا. لكن... ميل؟
قالت أميليا: "لا بد أن ميل أكثر فطنة مما ظننت. ربما تلتقط الأمر الآن بعد أن أصبحت قادرة على البرتقالي؟ و"—ورفعت ذراعيها—"كنا شديدي الدقة! أكتشفت الأمر حقاً؟"
قالت سيرينا: "كنت دقيقة. أما أنتِ فكنتِ... شيئاً آخر".
قالت أميليا: "سيعرفن عاجلاً أو آجلاً. يبدو أنها لا تمانع. مهلا، فيمن كانت تفكر برأيكِ؟"
ورؤية سيرينا رافعة حاجبها تابعت: "تعلمون، حين كنَّ على وشك قول اسم شخص يحب لساناً بين ساقيه".
ولم تستطع أميليا منع ابتسامتها: "أكانت ستقول اسمك أم اسمي؟"
قالت سيرينا ناقرة مقبض سيفها: "أتمنى أن يكون اسمك. لو نطقت إحداهن باسمي... حسناً، سواء كان جنون صحراء أم لا، فإن سلوكاً غير لائق بضابطة إمبراطورية سيضعهن في ورطة ساخنة".
همهمت أميليا: "إنهن حارات بما يكفي".
"...أظن ذلك".
تنهدت سيرينا قائلة: "لنرجع للأسفل ونبرد مع البقية".
وتسلقوا تشكيل الصوان متفحصين السابحات مرة أخرى، وانضموا إلى ميل وفينيلا وهيناكو في المأوى المشيَّد حديثاً. وأدت هيناكو عملاً ممتازاً، حافرة غرفة مركزية يحيط بها غرف نوم خاصة. وحافظت على الأسقف مقببة والجدران سميكة. وكان متوقعاً، فحين يوجه ساحر سحر سالاساس يشعر غالباً بغريزة طبيعية تجاه السلامة الإيكولوجية لكل ما يعملون عليه. ومع ذلك، أكان عليها بناء خمس غرف؟ كيف ستجد أميليا عذراً للتسلل لغرفة سيرينا الآن؟
قالت فينيلا بحركة استعراضية: "أهلاً بكِ في كهف أيكاوا. أقترح—وه".
وتوقفت الشيطانة متوسعة عيناها ناظرة إلى أميليا: "نسيت"، قالت الشمالية، "أنكِ بشرية".
رفعت أميليا حاجباً: "حقاً؟"
أوضحت فينيلا: "ليس حرفياً، بل... على وجه المجاز. لم أركِ سوى مرة أو مرتين قبل إبحارنا. تبدين مختلفة جداً بلا قرون".
وتفرست الشيطانة عن قرب: "أظن أنكِ تبدين غريبة".
قالت سيرينا بهدوء: "المعاونة برايت".
أضافت فينيلا بسرعة: "أقصد بطريقة جيدة. أنتِ... ذهبية جداً".
قالت أميليا مقدمة انحناءة مثالية: "أوه، شكراً لكِ".
وقالت متمحورة دافعة شعرها للأعلى: "يبدو الأمر غريباً بصراحه. بعد تشغيل تعاويذ كاناكسي لوقت طويل، يبدو غريباً التخلي عنها".
قالت هيناكو: "يبدو شعركِ أكثر ذهبية من ذي قبل. أم أن هذا خيالي؟"
قالت ميل: "لا أظن ذلك. ليس الشعر وحده، بل العينان أيضاً. تبدوان أكثر نبلاً بطريقة ما. القرمزية تليق بكِ أكثر من الزرقاء بلا شك".
عبست هيناكو: "أكانتا زرقاوين؟"
تجمدت ميل لحظة ناظرة إلى أميليا بتعبير قلق.
أوضحت أميليا: "أثر جانبي للتحدث. لا أشتكي طبعاً".
أومأت هيناكو ولم تسأل المزيد. فتفاصيل تواصل المتحدث تعد أمراً خاصاً للغاية بالنهاية. وعلاوة على ذلك، كانت أميليا واثقة أن هيناكو ستظن عينيها القرمزيتين نتيجة إما أسيكو أو تارانيس. وبقدر ما تعلم أميليا لم تتحدث الشيطانة يقط عن استدعاء أسكليبيوس. وقد جرى التستر على الأمر بشكل واسع رغم بعض التسريبات هنا وهناك.
أعلنت سيرينا مغيرتا الموضوع: "لنأكل".
وطبخا يخنة مضافة إليها لحوم مجففة وتوابل. وجلبن مجموعة من الأطعمة لرحلتهما الصحراوية: بسكويت، مقرمشات الشوفان، فواكه مجففة، مكسرات، وحتى بعض الجبن القاسي. وكخيار أخير قبل الاضطرار للحفر مع السابحات، جلبن طعام استكشاف جنوبي يسمى بيميكان. ومكوناته ثلاثة فقط: لحم مجفف مسحوق، دهن مُذاب، وفواكه مجففة. ويبقى صالحاً لأشهر حتى في مناخ الصحراء القاسي. وجد كخيار أخير؛ فلديهن مؤن ألذ تكفي لشهر تقريبا قبل الاضطرار للجوء لتلك التدابير.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل جلب كل فرد أغراضاً شخصية بحسب ذوقه. واشترت ميل زنجبيلاً مسكراً، بينما أظهرت هيناكو ولعاً مفاجئاً بالخضار المخللة. واشترت سيرينا شمام ميرزا طازجاً، ولا شك في نيتها أكله عاجلاً لا آجلاً. وأما فينيلا...
سألت سيرينا في استنكار مصطنع: "أكان هناك شك؟ ألن تأخذيه بارداً؟"
أعلنت فينيلا وبصوت يشوبه جنون حرمان الكافيين: "لست مجنونة. جيماري ممتاز بارداً أيضاً. والآن إن أعددته، فهل ستفعل ساحرة الجليد المقيمة لدينا..."
وتفرستها صعوداً ونزولاً.
"في الواقع، نظراً لمظهركِ المشع، أأقول، هل ستكون قديستنا المقيمة كريمة بما يكفي لتبريده لأجلي؟"
منحت أميليا الشيطانة غمزة قديسة: "ليست مشكلة".
ومع وعاء يخنة وكأس جيماري بارد لكل منهما، لم يُتناول إلا بعد أن أهلكت سيرينا فينيلا بنظرة متوسطة المستوى، أكل الفريق وشرب. وما إن انتهوا حتى وضعت سيرينا كأسها.
قالت الشيطانة: "حان الوقت لأخبركم بما جئنا من أجله حقاً".
ولاحظت أميليا كلمات سيرينا ترسل الجميع نحو حالة تأهب قصوى. فاستقامت القامات واتسعت العيون وتوجهت كل الأنظار إلى قائدة جحيم النار.
"كما تعلمون الآن، الفينجانس سفينة مميزة. وليست أناثور وحدها من تجوب هيكلها. بل تضم السفينة نفسها روحاً".
وتفحصت سيرينا ضباطها واحداً تلو الآخر.
"وتلك الروح منكسرة. وواجب أناثور أكبر من مجرد تقديم المشورة للقائد. فهو يحمي بقايا تلك الروح. نحن هنا، في هذا الجحيم الأحمر، لأن الاستخبارات تؤكد بقاء شظية معلقة مكان ما في الصحراء. وواجباتنا إيجادها وإعادتها للطابق الرابع حيث تنتظر روح الفينجانس. هذه الشظايا، أو الفتات"—ورلفت عينا سيرينا نحو أميليا لكسر من ثانية—"قوية، وأكثر خطورة من أي بلورة سوداء رأيتموها. علينا إيجادها هنا قبل أن يفعل العدو".
ورفعت سيرينا كأسها واحتست رشفة رقيقة خاتمة كلامها بـ: "هذا كل ما في الأمر".
ولم ينطق أحد ببنت شفة لست ثوانٍ.
ثم اتسعت عينا فينيلا أكثر وهتفت بلا وعي: "كنت أعلم!"
تأملتها سيرينا: "أكذلك؟"
قالت فينيلا: "أقل أو أكثر. كان أناثور متحفظاً دوماً حين تسألونه! 'هيا يا أناثور، إن كانت السفينة تستطيع الإبحار في اللومينا، أفيمكنها الإبحار لأبعد نحو السماء السفلى؟'"
وانقلب تعبير فينيلا لعبوس غاضب وعمق صوتها مقلدة طريقة كلام أناثور: "همم... هي ليست جاهزة يا معاونة برايت".
وخرجت فينيلا من عبوسها عائدة لطريقتها العادية في الكلام: "'هيا يا أناثور، ماذا يوجد في الطابق الرابع؟'"
وعاد العبوس والصوت العميق.
"'همم... ليس لكِ أن تعلمي يا معاونة برايت. همم... أنا أناثور، وكل ما أفعله هو التذمر وقول (همم)...'"
وانفجر الجميع ضاحكين. وحتى سيرينا اضطرت لتغطية فمها لإخفاء مرحها.
وتابعت فينيلا: "كنت أعلم أن الأمر سيكون هكذا. فنحن الشماليون مألوفون بحمل الكائنات الجماد لروح. تجوب آلاف تماثيل الجليد حقول الثلج. وإن استطاعت قطع جليد حمل روح، فكذا السفينة!"
وربعت فينيلا ذراعيها تبدو فخورة بنفسها.
وحين التقت عيناها بأميليا، ضاق تعبيرها وقالت: "لكنكِ كنتِ تعلمين حقاً أليس كذلك؟"
أشارت أميليا لنفسها ببراءة: "أنا؟"
"لا تبدين متفاجئة البتة".
وابتسمت أميليا ناظرة إلى سيرينا.
فتنهدت حبيبته وقالت: "الآنسة ليونا"—وتوقفت عابسة للحظة—"أقصد، أميليا، ساحرة موهوبة. وباعتبارها متحدثة بكل من كلمة البشر أسيكو وكلمة الشياطين تارانيس، فلديها... قدرات فريدة بحق. وتؤكد الاستخبارات أن لديها فرصة جيدة لتعقب... شظاية الروح هذه. فحقل أثير الرمال الحمراء مضطرب، لذا فإن موهبتها مطلوبة".
وأضافت أميليا غامزة: "إضافة إلى ذلك، بدا الأمر عذراً جيداً للذهاب في رحلة".
قالت سيرينا ناقرة الأرض: "هذا الواجب بالغ الأهمية للإمبراطورية. ومواهب أميليا أساسية لإيجاد هذه الشظاية، واختيرتم جميعاً تحديداً لأنني أؤمن بقدرتكم على الإسهام في هذا المسعى. لذا، في الأسابيع القادمة، آمركم بتحمل القيظ والضغط، فأنتم تؤدون واجباً سيقود الإمبراطورية لعصر جديد. افتخروا بذلك".
ولم تحتاج سيرينا لتكرار الأمر. وبدا أن كل من ميل وهيناكو تنتفخان فخراً. وحتى فينيلا بدت متأثرة وإن لم يدم ذلك طويلاً إذ سرعان ما أمطرت سيرينا بوابل من الأسئلة. وأُسكتت سريعاً، وتعلمت أن أي معلومات إضافية ستُمنح بحسب الحاجة للمعرفة. ثم فصلت سيرينا خططهم المستقبلية. وكان الجو حاراً للغاية لدرجة يستحيل فيها السفر نهاراً لذا سيتناوبون على الحراسة بينما ينام الآخرون. وما إن يحل الليل حتى يستأنفوا السفر.
وتحت حرارة النهار، استحال أي أمل بحراسة خارجية، لذا سيمكث الحارس بمدخل كهف أيكاوا حيث يمكنه مراقبة حظائر السابحات. وحتى مع خططهم لنوم النهار، اتضح جلياً وبسرعة أن الكهف، رغم تحصينه، سيسخن سريعاً ويغدو مزعجاً. وبقدر قوة شفاء أميليا، اتفق الجميع على رغبتهم في النوم طوال القيظ. وبعد بعض الاختبارات، وُجد الحل. فرسمت هيناكو كمية كبيرة من المياه الجوفية، ليست مرتفعة بحيث تخرق السطح، بل بالقدر الكافي لتبقي بوصة أسفله.
وما إن وثقت هيناكو من نشر المياه الجوفية عبر غرف النوم حتى جمدتها أميليا صلباً. وكانت النتيجة كتلة ضخمة من الجليد تحت الأرض حافظت على برودة كهف أيكاوا للقدر الكافي للنوم. وسيستغرق الذوبان طوال النهار،وحتى حين يذوب فلن يبتلوا. ومع حل سحري ذكي كهذا لمشكلتهم، سحبوا القش لتقرير حراستهم. وحظيت أميليا بالحراسة الأخيرة، فاستمتعت بنوم عميق قبل أن توقظها سيرينا برفق.
قالت سيرينا بهدوء: "وقت الحراسة. سأونسكِ. لا فائدة من عودتي للنوم الآن".
أجابت أميليا فاركة غبار النوم من عينيها: "يا لكِ من لطيفة".
واستطاعت سماع البقية في نوم عميق. فبعد ركض الطريق الذهبي طوال الليل ثم القفز مباشرة على السابحات وتحدي الرمال الحمراء، استغرق الجميع في النوم فور ملامسة رؤوسهم لأغطيتهم. ونهضت وجلست عند المدخل مع سيرينا. وكل حظيرة سابحة تضمنت سناماً مميزاً من الرمال يشير لمكان رقدت سابحة ممددة. وبدا أن السابحات وافقنهم الفكرة؛ النوم طوال القيظ. ومع سيرينا، راقبت السماء لتظلم ببطء ويكتسب العالم مسحة حمراء مع افساح ضوء الشمس المتبقي المجال لضوء قمر النقي.
واقترب مطر القمر. وتشوهت دائرة الحجارة الأثيرية حول القمر؛ دلالة على تحررها من جاذبية القمر وبدء اقترابها من الغلاف الجوي العلوي للكوكب.
قالت سيرينا: "ست وثلاثون، ربما أربعون ساعة. حينها سيضرب".
"أتساءل إن بدا رائعاً كمطر القمر الأزرق".
"ممم".
وجلسا بصمت للحظة، قبل أن تداعب رائحة غريبة أنف أميليا.
قالت: "أشم رائحة دخان. و... طعام".
استنشقت سيرينا.
عبست ثم استنشقت مجدداً: "وأنا أيضاً. حسكِ الشمي ممتاز".
ورفعت الشيطانة رأسها متتبعة بعينيها مقبض اليديْن اللتين استخدماهما سابقاً.
"لنلقِ نظرة".
وللمرة الثانية تسلقا تشكيل الصوان. لكن هذه المرة، وحين بلغا الذروة واستكشفا محيطهما بحواسهما المعززة، لفت انتباههما شيء جديد. شيء غير متوقع في الشمال. على بعد كيلومترين ربما ثلاثة، وبدت بالكاد مرئية في وادٍ صواني عميق، كان هناك مدخل كهف آخر. ربما كان طبيعياً، أو ربما صُنع قبل ساعات. ولم تكن أميليا واثقة، لكنها تيقنت مما يعنيه الضوء المتلألئ في المدخل.
قالت: "نار. لا بد أنهم يطبخون. إنها مجموعة أخرى".
وتفرست عن قرب، لكن حتى برؤيتها استحال تمييز التفاصيل. وارتفع هواء الليل حاملاً المزيد من الرمال الحاجبة لرؤيتها. وظنت أنها رأت سابحة تتحرك للكهف لكنها لم تكن متأكدة.
قالت سيرينا: "على أي حال، أتدرين ما يعني هذا؟"
أجابت أميليا: "نعم".
كان لديهم صحبة.