انطبق الباب خلفهما تاركاً إياهما في صمت يحدقان في السرير الذي جعل وجوده نبضات قلب أميليا تتسارع. التفتت أميليا بطرف عينها لترى ملامح التوتر على وجه سريينا. كانت الشيطانية تعض شفتيها.
قالت أميليا بأبهج نبرة استطاعتها: "حسناً! يبدو مريحاً جداً... ألا ترين؟"
قالت سريينا وهي تستدير نحو الباب: "سأعود إلى الاستقبال. أطلب منهما إحضار سرير آخر".
اعترضت أميليا طريقها باسطة ذراعيها على مصراعيهما لتحجب عنها الممر.
صاحت أميليا: "لا يمكنك ذلك! لقد أثقلنا كاهل السيد وين كثيراً حقاً! لا يمكننا إزعاجه أكثر!"
"نحن زبائن ندفع المال؛ وإزعاجه من صميم عمله".
شبكت سريينا ذراعيها وحاولت أن تبدو صارمة، مع أن وجنتيها المحمرتين أفسدتا التمثيلية بعض الشيء.
"إنها الغرفة الأخيرة ويجب أن السيد وين مشغول جداً بإدارة نزل مكتمل! يمكننا إزعاجه غداً!"
لم تكن أميليا لتسمح لهذه الهدية القادمة من الملأ الأعلى أن تذهب سدى. كان هذا أمراً تستحق المعركة عناءه!
"لا تكوني سخيفة. نحن متحدثتان. يُرجح أنه خطوة غير مقصودة. وسيسرهما إصلاح الأمر..."
تلاشت نبرة سريينا قليلاً في النهاية وخفت اليقين في صوتها، وهو كل ما محتاجته أميليا لتشن هجومها.
"ليست مشكلة أصلاً، لذا لا حاجة لإصلاحها! أليس كذلك!؟"
"م-ما الذي تقترحينه!؟ أن ننام معاً!؟"
صار وجه سريينا قرمزيّ الحمرة، واهتز صوتها. حان وقت الصزم الآن، وتوجيه الضربات القاضية!
"طبعاً! نحن نحب إحداهما الأخرى، أليس كذلك!؟ وعلاوة على ذلك..."
نفخت أميليا وجنتيها وأزاحت قدميها لتزيد مظهرها اللطيف أضعافاً.
"...حين تضمينني، أتشبع دفئاً وأمناً. كأن شيئاً لا يستطيع أذيتي أبداً..."
ضربة قاصمة! تراجعت سريينا نصف خطوة وامتدت يدها اليمنى إلى صدرها.
"أ-أنتِ... أنتِ... آه!"
كان الأمر أثقل من أن تحتمله سريينا فالتفتت بعيداً عن أميليا.
"لا يمكنك قول هذه الأشياء الوقحة بمثل هذه السهولة!"
بدا أن سريينا وجدت صوتها حين كفت عن النظر إليها مباشرة. كانت لينة الجانب حقاً، أليس كذلك؟ اغتنمت أميليا الفرصة واقتربت بخطوات خفيفة من خلفها.
سألت بهدوء: "أيمكنني... إحاطتك بذراعيّ؟"
"لماذا؟"
"أأحتاج إلى سبب لأعانق من أحب؟ ممم؟"
صمتت سريينا ثوانٍ معدودات قبل أن يأتي همسها رداً.
"افعلي... ما تشائين..."
سللت أميليا ذراعيها حول خصر سريينا. للأسف، منعها زي القبطان من الالتصاق بها قدر ما تشاء، لكن هذا القدر من الحميمية ظل مرضياً. كانت سريينا أطول بقليل من أن تريح ذقنها على كتفها، فأمالت رأسها جانباً وأسندت خدها إلى أعلى ظهر سريينا.
همست أميليا وهي تعصر سريينا بخفة: "أنا آسفة إن تسرعت في الأمور... أنا فقط، أحبك حقاً وحقاً. أظنني أحببتك منذ لحظة لقائنا الأول. ليس عاطفياً فحسب... بل جسدياً أيضاً".
يا له من أمر رائع! كان الإدلاء بأشياء محرجة أسهل بكثير في هذه الوضعية! سيتعين عليها جعل هذا عادة.
"فكرة التعانق معك تملؤني سعادة، ولا يمكننا فعل ذلك بدقة في أرجوحة السفينة، أليس كذلك؟ لذا أود استغلال الأمر طالما بوسعنا. هذا كل ما أبتغيه! التعانق فحسب! لست مجبرة على فعل أي شيء آخر"—كانت تثرثر الآن—"ولكن إن تمنكنا من التبادل القبلات قليلاً فسيكون ذلك مثالياً، إن كنتِ، كما تعلمين... تميلين إليّ..."
أطلقت سريينا تنهدة مسموعة.
قالت الشيطانية: "أنت حقاً لا تعرفين متى تتوقفين، أليس كذلك؟"
شعرت أميليا بسريينا تضع يديها على يديها هي.
"لا! ولا أريد التوقف!"
عادت أميليا فعصرت سريينا مرة أخرى.
"الأمر فقط... من المفترض أن تكون هناك فترة مغازلة. لأنني مرشحة للسيادة، وابنة لورد سامٍ. على الأقل، أمم... ثلاثة دورات قمرية، على ما أظن؟ من المفترض أن يستغرق الأمر وقتاً، لكي تتمكن العائلتان من تسوية أي مشكلات..."
"لكن، ليس لدي عائلة! في هذا العالم، أو ذاك الآخر! أنا وحدي!"
صاحت أميليا، محاولة ألا تدع الأجواء تهبط كثيراً.
"لا أظن أن أحداً مارس المغازلة في موطني. كنا نخرج في مواعيد ونعرف بعضنا فحسب!"
"مواعيد؟"
"مثل الخروج وفعل شيء معاً — تناول وجبة، مشاهدة مسرحية — ما شابه ذلك".
أزاحت سريينا ذراعي أميليا واستدارت لتواجهها. كانت الشيطانية تبتسم، ومقترنة بالوجنتين المحمرتين والعينين القرمزيّتين، وجدت أميليا نفسها مجدداً مذهولة بمدى إعجابها بسريينا.
قالت سريينا وهي تشبك أصابعها بأصابع أميليا: "يمكننا فعل ذلك...".
"أريدك فقط أن تدركي أن... العلاقات المثلية غير مستحبة. الكتاب المقدس الشرماني المقدس، الذي جمعته الإمبراطورة بنفسها من النصوص القديمة، يثبط العزائم عنها بشدة".
"لماذا؟"
"حسناً"—بدت سريينا خجولة فجأة—"يركز النص بشدة على... تكثير النسل الشرماني، وأظن أن كوننا امرأتين سيجعل ذلك... صعباً".
أغمضت سريينا عينيها ثوانٍ معدودات قبل فتحهما.
"حسناً، لكن هذا لن يمنعنا من المحاولة، أليس كذلك؟"
ضربة قاصمة أخرى! حررت سريينا أيديهما وجذبت أميليا في عناق محكم. لقد كانت الشيطانية تجيد العناق حقاً!
قالت سريينا وهي تبعثر شعرها الذهبي: "أيتها الغبية الحمقاء. لا أستطيع النظر إليك حين تقولين مثل هذه الأمور الجريئة جداً، حمقاء!"
كانت وجنتا أميليا ملتصقتين برقبة سريينا، مما يعني أنه إن أدارت رأسها قليلاً فقط، فستكون في الموضع المثالي أيضاً...
قالت أميليا وهي تطبع قبلة صغيرة على عنق سريينا: "أنا آسفة".
"لا بد أن فيّ عيباً، لأنني مدمنة حقاً على إرباكاك".
قبلة أخرى على الجلد.
"لا بد أنني منحرفة أو شيء من هذا القبيل لأني أحب رؤية انهيار قناع تلك القبطانة الصارمة. هذا يثيرني حقاً..."
قبلة أخرى.
تمتمت سريينا وهي تجذب أميليا مبتعدة وتنظر في عينيها: "سيكون هذا عناءً كبيراً...".
وضعت الشيطانية إحدى يديها على خصر أميليا والأخرى خلف رأسها، ومثل ذي قبل، جمعت بين شفتيهما.
"ممم"
"آه"
"ممم"
"آخ!"
صاحت أميليا وهي تبتعد: "آسفة! لم أكن أتوقع لسانك!"
ضحكت على الشيطانية ذات المظهر الممتعض.
قالت أميليا: "انظري، من الأسهل بكثير أن ننظر إحداهما للأخرى إن واصلنا فعل أمور كهذه، أليس كذلك!؟"
"تشه! هذا المنطق..."
توقف سريينا وهي تدور بعينيها.
"أظنه منطقياً بعض الشيء".
وضعت سريينا يداً على كل من كتفي أميليا.
"انظري، علاقتنا ليست غير قانونية. لكن هناك كثيرين سيعارضونها. أمي من بينهم. إنها—"
انقطع كلام سريينا حين جذبتها أميليا في عناق.
هتفت أميليا قبل أن تنظر في هاتين العينين القرمزيّتين: "لقد قلتِ علاقتنا!".
"إذن نحن نتواعد بالتأكيد أو نتغازل أو أياً يكن؟ أنت حبيبتي؟ أيمكنني مناداتك هكذا؟"
"أعتقد... ذلك".
قالت أميليا بابتسامة عريضة: "سريينا هالين، حبيبتي!".
أمالت رأسها وطبعت قبلة على خد سريينا.
"إذن ما قصة علاقتنا هذه؟ لن يرشقنا الناس بالحجارة أو ما شابه أليس كذلك؟"
"أه، لا".
ضاقت عيناها سريينا.
"وإن فعلوا، فسأجمع تلك الأيدي وأزين السفينة بها".
لم تبد تلك العينان القرمزيّتان مازحتين.
"المهم، لن أنكر أننا... معاً إن سُئلت مباشرة. ولن أهينك أو أهين نفسي بالتظاهر بغير ذلك. كل ما في الأمر أنه يجب أن نتجنب إظهار المودة علناً. هذه الأمور لا تليق بالنبلاء، وبشكل مضاعف نظراً لكوني متحدثة، ومضاعف ثلاث مرات نظراً لكوني ضابطة عاملة".
"حسناً، هذا معقول. لن أصرخ بالأمر من فوق السطوح إذاً، مع أنني أود ذلك!"
بدت سريينا مرتاحة وقالت: "شكراً لك".
"حتى حين يصبح الأمر معروفاً، سواء أكان سرا مكشوفاً أم معلنا رسمياً، فسنظل بمنأى عن معظم الانتقادات العلنية لكوننا، بعد كل شيء، متحدثتين قويتين. لكنك ستسمعين أقاويل تقال من وراء ظهورنا. معظم الناس لا يدركون تماماً مدى جودة سمع المتحدثة. بعض الأكثر... حماسة سيستخدمون كلمات... قاسية جداً حين يظنون أنك لا سمعينهم".
"وماذا عليّ أن أفعل؟ أن أتركهم وشأنهم؟"
قطبت أميليا جبينها. لم تكن تريد خوض معارك وافتعال مشاكل طوال الوقت، لكن بدا خاطئاً أن... تدع الأمر يمر هكذا.
تننهدت سريينا وقالت: "إن قيلت أقاويل من وراء ظهرك، فالأفضل إبلاغي بها، ويمكننا البدء بتحديد حلفائنا وأعدائنا. وإن قيلت في وجهك...".
"أعرف أنك لا تحبين القتال، لكن إن كسرت بعض الأنوء حين يحدث ذلك، فسيتوقف الأمر عن الاستمرار. طالما لم كسري أنف متحدثة أخرى، فمن المستبعد أن يسبب ذلك مشكلات حقيقية. فأنت متحدثة بعد كل شيء، وما إن يُمنحي المواطنة، فستحظين بامتياز المتحدثة. وسيُسمح لك بأخذ القانون بيديك، إلى حد ما".
"إهانة متحدثة مخالفة للقانون؟"
"إلى حد بسيط. للمتحدثات الحق في طلب القصاص لإساءة وُجهت إليهن. إنه قانون قديم، لكنه لا يزال مستخدماً حتى اليوم. فكري في الأمر، المتحدثات أهل للتواصل السماوي مع الملوك. يعاملنا المجتمع بوصفنا في مرتبة أعلى من الآخرين، فالملوك نفسها هي من باركتنا واختارتنا. سيكون لك حق تغريم الناس حتى عشرة دنانير إن تسببوا لك بمشكلات، مع أنني أنصحك بعدم استخدام ذلك ضد أي نبيل".
حسناً، كلما أكثرت سريينا من إخبارها عن المتحدثات، كلما ازدادت أميليا حماسة!
سألت: "متى أصبح مواطنة؟"
"هناك صديق قديم لي من أكاديمية أسامايوا هنا في كينهورو. اسمه أيدان أداشي، وقد أرسلته استخبارات سنتراليس ليجري تقييماً لشخصيتك. ومن المفترض أن تقابليه خلال المهرجان. مع أن..."
بدت سريينا مفكرة.
"يمكننا لقاؤه مبكراً، نظراً للدراما التي وقعت للتو".
"تقييم شخصية؟"
"نعم. سيجري معك نقاشاً ويعد تقريراً عن مزاجك وسمات شخصيتك. والهدف الأساسي التأكد من أنك لست مجنونة، وأنت مجنونة بلا شك—"
"مهلاً!"
"حسناً، مجنونة بطرق سيئة. من الواضح أنك مجنونة بي، أليس كذلك؟"
منحتها سريينا ابتسامة قاربت الغطرسة. من أين اكتسبت هذه الشيطانية هذه الثقة؟ حسناً، لم تستطع أميليا دحض ذلك. فسريينا محقة بعد كل شيء؛ وأميليا مجنونة بها.
"حسناً، حسناً. إذن إن اجتزت هذا الاختبار، فسيمنحونني المواطنة؟"
"سيُقدم عرض. بصراحة، لا أرى سبباً لعدم فعلهم ذلك. ربما يفعلون ذلك قبل أن نغادر كينهورو أو بعد فترة قصيرة من لقائنا بأبي في شيماشينا".
"أبوك... إنه لورد سامٍ، أليس كذلك؟"
سألت أميليا، متذكرة تعليق اللورد رو آنفاً.
"هذا صحيح. لقبه سيكون اللورد السامي هالين".
"إذن، هل تحكمين على"—باعدت أميليا ذراعيها على مصراعيهما—"مساحات هائلة من الأراضي أو شيئاً من هذا القبيل؟"
هزت سريينا رأسها نفيّاً.
"ليس تماماً؛ أتذكرين حين أخبرتك أن اللوردات السامين قد يولون إدارة مناطق مهمة، مثل ميناء أو صناعات هامية؟ لدينا بعض العقارات المتناثرة هنا وهناك، لكن الصناعة هي ما جعل أبي لورد سامياً".
"الصناعة... ماذا تصنعون؟"
"نحن، أمم..."
نظرت سريينا إلى أميليا، وفي عينيها لمحة قلق.
"نصنع القذائف".
"القذائف؟"
"الذخائر. سبطانات المدافع. المتفجرات".
أطبقت سريينا على أسنانها.
"أسلحة حرب. هذا الصراع هو ما دفع بثروة آل هالين نحو العلاء. وهو ما جعل أبي لورد سامياً، وسيكون قريباً على الأرجح ما يمنحني سيادة كاسكاديا الكاملة".
ابتلعت سريينا ريقها بتوتر.
"أهذا... يزعجك؟ إنه يزعج الكثيرين..."
قالت أميليا بصدق: "أنا... لا أدري".
أكان يزعجها؟
"ربما. أظن ذلك؟ لكن..."
أضافت حين سقط وجه سريينا.
"لا تظني لحظة أن هذا يغير شعوري تجاهك!"
انقضت أميليا لتطبع قبلة أخرى على خدها.
"لا أهتم بما يقوله الناس عنك لأنني"—أشارت أميليا إلى نفسها بإبهامها—"أعرف أي شيطانية جميلة وحنونة وسريعة الإرباك أنتِ حقاً! أنا معك حتى النهاية!"
"...شكراً لك. كان هذا أمراً يقلقني. يعنى لي الكثير... أن تقولي ذلك".
بعثرت سريينا شعرها الذهبي قليلاً، وعاد وجه الشيطانية إلى تلك الابتسامة الماكرة المألوفة.
"وأنا لست سريعة الإرباك، أيتها الغبية!"
"هيهي".
ابتسمت أميليا.
"إذن... ماذا علينا أن نفعل الآن؟ لا أطيق حبيسة طوال اليوم! أهناك حمام هنا؟"
تفحصت أميليا الغرفة فوجدت باباً منزلقاً يكشف عن غرفة متواضعة تشبه الحمام. كان هناك حوض من الخيزران ومصفوفة من أنابيب الخيزران بارزة من الجدران. للوهلة الأولى، بدا الأمر مربكاً للغاية.
"هذا تصميم مانويزي تقليدي. يُستخدم الخيزران لنقل المياه من جدول أو بحيرة إلى منازل المواطنين. وفي هذه الحالة، أتخيل أن هناك خزان مياه في مكان ما يُضخ بالكامل بواسطة محرك بخاري".
دارت سريينا جزءاً من إحدى قطع الخيزران، وتدفق الماء البارد ممطراً من أنبوب الخيزران فوق الحوض. وقد نُحت طرفه ليعمل كرأس دش، راشاً الماء إلى أسفل.
"هذا للماء البارد، وهذا للماء الساخن. يمكنك تعديلها حسب الحاجة. انظري، لديهم صابون هنا، بالإضافة إلى مقشرات الجلد".
بدأت سريينا في فتح بعض الخزائن والصناديق.
"وهذه المناشف".
آه! كان كل شيء عتيقاً هكذا لكنه عملي ورائع أيضاً! رمشت أميليا لابتسامة نحو سريينا.
هتفت قائلة: "أنا سعيدة جداً!"
نظرت إليها سريينا حاجبه حاجبها.
"بسبب بعض المناشف؟"
"لا، بسبب هذا كله!"
أشارت أميليا إلى الغرفة.
"إنه... مثقف للغاية! كل ما أتذكره هو حمامات سيراميك باهتة ومعدن كروم. يشبه هذا وجودي في عطلة! أنا سعيدة جداً لأنني أختبر هذا! ومعك أنتِ!"
قالت سريينا بابتسامة: "لا تبتلعي الطعم كاملاً. لن أستحم معك، ليس بعد".
"كنت أعني اختبار كل شيء، العالم بأسره، معك أنتِ!"
"أعرف ما تعنينه، أيتها الغبية".
استدارت سريينا لتري أميليا شيئاً على الباب.
"هذا المزلاج، يعمل هكذا، أترين؟ مع أنني لن أقتحم عليك، فلا تقلقي".
"تمنيت لو تفعلين"، قالت أميليا، عاجزة عن مقاومة إخراج لسانها.
"حمقاء. على أي حال، سأذهب إلى الاستقبال. أحتاج إلى إرسال رسالة إلى توميس لأطلعه على مستجدات الأمور. أظن أن هذا النزل يستطيع توفير ملابس بديلة لي. أحتاج إلى خلع زي القبطان هذا. إن دخل أحد، فارمي الصابون عليه أو شيئاً من هذا القبيل، أتخيل أن بإمكانك الرمي بقوة كافية لثقب أحدهم".
تسلت ابتسامة مسلية على وجه سريينا.
"حينها يمكننا الذهاب لتناول شيء ما، مع أنني لا أستشعر جوعاً كبيرا..."
"هذا شفاء أسيكو. يساعد في كبح الجوع. لكني أظن أنه من الجيد الأكل متى استطعتِ!"
"حسناً".
أومأت سريينا برأسها.
"سأعرفك على بعض الأطباق المحلية. سأحضر لنا قائمتين وأتأكد أن مطبخهم ما زال مفتوحاً".
"حسناً، شكراً!"
بدأت أميليا في فك أزرار قميصها، وحين شرعت في خلع قطع الملابس، رأت سريينا لا تزال واقفة لا تبرح مكانها وتراقبها صامتة.
قالت أميليا: "أتريدين البقاء بعد كل شيء؟"، ودارت دورة خفيفة أمام سريينا.
تمتمت سريينا قبل أن تلقي نظرة أخيرة وتغادر الحمام مغلقة الباب خلفها: "أيتها الإمبراطورة، أنقذيني من هذه الإنسانة المعتوهة...".
سمعتها تمتم لنفسها بضرورة التركيز قبل أن تسمعها تفتح الباب الرئيسي وتتوجه نحو الاستقبال.
حدثت أميليا نفسها وهي تفرغ من خلع ملابسها: "سريينا هالين، حبيبتي!".
في كل مرة تنطق فيها بهذه الكلمات كان قلبها يثب فرحاً.
"حبيبتي. حبيبتي. آآآه!"
وضعت كلتا يديها على وجنتيها، وتمايلت في مكانها في نشوة تكاد تفلت من عقالها. استغرقها الأمر وقتاً لتجد المزيج المثالي من الماء الساخن والبارد ليبدو مثالياً تماماً. كانت مناعتها قوية لدرجة أنها قد تقوى على السباحة في الصهارة، أو التجمد في الجليد، لكن ذلك لم يمنع الوجود الدقيق لنسبة الماء البارد والساخن المثالية للاستحمام. بعدما اطمأنت إلى الماء، صعدت وخلت للماء أن ينهمر على رأسها.
أول حمام لها منذ قدومها إلى هذا العالم! لم يكن الحمام في مقصورة القبطان سوى حوض مع منشفة للمسح الجسم. لكن هذا كان حماماً حقيقياً! أنَت أميليا بلذة مرضية لهذه التجربة. تفحصت الصابونات واحدة تلو الأخرى. كانت جميع روائحها جديدة تماماً عليها، مع أن بعضها كانت رائحتها تشبه الخزامى بشكل مريب. لقد شاهدت وثائقياً مرة عن الروائح الاصطناعية، والذي أوضح أن كل مزيج روائح يمكن للأنف البشري تمييزه قد اكتُشف ووُلد اصطناعياً.
وتبين أن كل شركات العطور كانت تفعله هو تدوير الروائح الموجودة، وتعديلها قليلاً ومنحها أسماء جديدة! وقد فسر ذلك سبب مألوفية الكثير من هذه العطور. أكان الخزامى موجوداً في هذا العالم؟ رأت أميليا شيئاً في السوق يشبه التفاح تماماً، وهناك أيضاً فواكه تبدو شبيهة بالأناناس. سبق أن علق لها أناثور مرة عن المستعمرين البشر الذين وصلوا إلى هذا العالم قبل آلاف السنين. كانت واثقة من أن عالمها هو أصل البشرية، لكن هل وجد أسلافها طريقة للانتقال إلى عوالم أخرى بطرق منسية؟
مستغرقة في أفكارها، غسلت أميليا جسدها وقرطت قريباً بخطوات سريينا المألوفة وهي عائدة. أوقف تدفق الماء وجففت نفسها بمنشفة. ارتدت ملابسها وقضت وقتاً محرجاً في محاولة شدها تماماً كما فعل الخياط. واطمأنت أخيراً، فوجدت مشطاً وبدأت تمشط شعرها وهي تخطو عائدة إلى غرفة النوم. كانت سريينا جالسة على كرسي ومعها حزمة ملابس وزوج من القوائم.
وقفت وقالت: "نسيت أنك لا تستطيعين قراءة الإمبراطورية بعد، لذا أحضرت اثنتين".
"سأغتسل وأتغير، ثم ننزل. يبدو السيد وين مصرّاً على توفير أفضل بقعة في النزل لنأكل فيها".
"حسناً!"
جلست أميليا، ومشطت شعرها بحماسة أكبر.
"أتمنى لو لدي تعويذة لفك تشابك الشعر، لكني لا أظن أن هناك واحدة!"
ابتسمت سريينا بمكر وقالت: "آه، عقد الشعر، وأخيراً شيء أقوى من أن تهزميه".
جمعت ملابسها وخطت بخطى واسعة إلى الحمام.
"سبعة جحيم، الرائحة لطيفة هنا. كمية الصابون التي استخدمتها؟"
"كلها! كانت رائحتها زكية جداً!"
"آمل ألا يحاسبونا على حرق مخزونهم..."
أغلقت سريينا الباب، وبعد لحظة، تردد ضجيج ماء الاستحمام المنهمر. شغلت أميليا نفسها بشعرها باذلة أقصى جهدها لتتخيل المشهد خلف الباب. ماذا سيفعل سريينا إن اقتحمت عليها؟ الأفضل عدم المجازفة، ليس الآن على الأقل. فقد حصدت الكثير من الانتصارات مؤخراً. ولا ينبغي لها استغلال حظها إلى حد بعيد. بعد بضعة دقائق، حين تمكنت أميليا أخيراً من فك آخر عقدة في شعرها ولفته في ذيل حصان، خرجت سريينا مرتدية سروالاً وقميصاً أنيقين.
بدت كسيدة أعمال تمضي في يومها من اجتماع إلى آخر. لم تكن أميليا متأكدة أكانت تفضل هذا أم الزي العسكري. أم أن سريينا بدت رائعة حقاً بغض النظر عما ترتديه؟
سألت سريينا وهي تنعل حذائها: "جاهزة؟"
"يب!"
غادرتا الغرفة. قادتهما سريينا طابقاً أسفل إلى منطقة مفتوحة واسعة حيث كان العديد من النزلاء يتناولون طعامهم. استقبلهما السيد وين بابتسامة وقادهما إلى قسم مرتفع تتدلى منه ستارة خفيفة تسمح لهما برؤية الخارج بسهولة وتمنحهما الخصوصية في الداخل. كانت على الطاولة زجاجة شفافة بداخلها سائل أزرق فاتح، إلى جانب دلو ثلج وزوج من كؤوس الشرب الطويلة.
انحنى السيد وين وقال: "من فضلكم، الضيافة على حساب المكان".
"اقرعا الجرس حين تكونان جاهزتين لطلب طعامكم. المتحدثة هالين، المتحدثة ثورنهارت. مجدداً، يسعدنا إقامتكم بيننا".
تراجع المالك إلى الوراء، تاركاً إياهما بمفردهما. تفحصت أميليا زجاجة السائل الأزرق.
سألت: "ما هذا، نبيذ؟"
تناولت سريينا الزجاجة وتخلصت من الفلين وهي تقول: "شيء أفضل بكثير".
"هذا لوكوا. أفضل شراب في عالم البشر والشرمان معاً. يُستخرج من توت اللوكوا ويمكن شربه عصيراً أو مشروباً كحولياً. والأخير هو الأكثر شعبية بالطبع".
وضعت سريينا بضعة مكعبات ثج في كلا الكأسين وصبّت اللوكوا فيهما.
"يأتي بثلاثة أنواع رئيسية. الأزرق، والأحمر، والأخضر. ويأتي اللون من نوع بلور القمر المستخدم في إنتاجها. وتلك الطريقة، بالطبع، سر محروس بعناية".
قربت سريينا كأسها من أنفها. ارتسمت ابتسامة رضا على وجهها.
"هناك لوكوا أصفر، يُصنع من بلورات القمر الصفراء التابعة للقمر الذي يظل معلقاً فوق سنتراليس وحدها، لكنه شراب ملكي وحتى اللوردات لا يمكنهم شرب إلا خلال المناسبات الرسمية".
احتست رشفة، مما أطلق أنيناً خفيفاً بالرضا من الشيطانية.
"يُعتبر الأزرق أفضل حين يُشرب بارداً، لكن البعض يفضله بدرجة حرارة الغرفة. والأحمر أفضل ساخناً، والأخضر مستساغ في الحالين".
احتست أميليا رشفة خاصة بها، فانفجر غنى النكهة في فمها. كان اللوكوا حلواً، لكن ليس بدرجة مزعجة. وحين ابتلعته، ظل الطعم عالقاً وتحول إلى مذاق لاحق مرضي شجعها على أخذ رشفة أخرى.
سألت: "أهو باهظ الثمن؟"
"نعم، بالنسبة للعامل العادي. هذه الزجاجة..."
ألقت سريينا نظرة على القائمة.
"عشرة دنانير. أكثر من راتب شهر لجندي".
"يا له من مبلغ كبير!"
"بالطبع، فهو يُصنع في البر الرئيسي الغربي ويُشحن طوال هذه المسافة. إنه التصدير الرئيسي للغرب البعيد؛ فتوت اللوكوا لا ينمو إلا تحت ضوء القمر الأخضر".
"أهي الأقمار دائماً في المكان نفسه؟ ألا تدور حول الكوكب؟"
هزت سريينا رأسها نفيّاً: "هي لا تدور".
"الأقمار سحرية. تتبع نمطاً دورياً، مقتربة من الأرض حيث تمطر بلورات قمرية قبل أن تتراجع عالياً في السماء. تنحرف قليلاً، لكن الحركات قابلة للتنبؤ رياضياً. وهناك قمر غير سحرية يدور حول العالم على مسافة أكبر؛ سأشيره لك حين نراه".
"والمهرجان القادم، ألم تقل إنه متعلق بالأقمار؟"
قالت سريينا وهي تفرغ كأسها وتعيد ملأها: "صحيح".
"في هذا الوقت من الدورة، يكون القمر في أوج مداره. أبعد ما يكون عن الكوكب. المهرجان فعل احتفال وعبادة، لضمان تذكره للعودة مرة أخرى".
"أخطر هو سقوط بلورات القمر؟"
"نعم، لكن ليس بدرجة كبيرة. تتفاعل البلورات مع اللومينا وهي تسقط، لذا فهي تطفو إلى أسفل نوعاً ما. بعض البلورات محملة بصخور أكثر لذا فهي لا تبطئ بالقدر نفسه. عادة، يبقى الجميع في الداخل طوال فترة المطر القمري حين يحل. بالطبع، سيأخذ بعض المجانين السفن ويحاولون التقاطها. يسمح قانون كاسكاديا للقباطنة بالاحتفاظ بكل ما يسقط على سفنهم".
أنهت أميليا كأس اللوكوا وصبت أخرى. كانت الزجاجة قد قاربت النصف فارغة بالفعل! وستطلب المزيد بالتأكيد! بعد كل شيء، كان بوسعها تحمل التكلفة، أليس كذلك؟
"إذن القمر الأزرق هنا، والأحمر في الجنوب، والأصفر في سنتراليس والأخضر في الغرب. ماذا في الشمال؟ ماذا عن الأراضي البشرية؟"
"يغطي ضوء القمر الأرجواني البارد الشمال. معظم كاسكاديا دافئة أو استوائية، لكن الشمال متجمد وبارد. شيء ما في البرد يجعل اللوكوا الأرجواني مستحيل التصنيع، وهذا سبب عدم وجود ذلك اللون من الشراب. أما عن الأراضي البشرية، فللاتحاد قمر برتقالي. وللمملكة المقدسة قمر أبيض، يسقط مطره القمري أيضاً على كارليجارد شمالها والجمهورية جنوبها. وهناك قمر آخر... لا أذكره".
"أهناك قمر أسود؟"
سألت أميليا. إن كان هناك قمر أبيض، فلا بد من وجود قمر أسود.
قالت سريينا وهي تهز رأسها: "لا".
"لا يوجد قمر أسود".
رمقتها تلك العينان القرمزيّتان لفترة.
سألت أميليا: "ماذا؟"
"المطر القمري التالي في الشرق سيحدث على الأرجح حين نكون في شيماشينا، إن بقينا هناك طويلاً كفاية. في صباح اليوم التالي للمطر القمري، حين يكون القمر الأزرق في أقرب نقطة..."
بسطت سريينا ذراعيها محاكية مناظر طبيعية شاسعة.
"إنه لجمال خلاب. تتشح الغابة بغطاء من الضوء الأزرق، وتتألق! من آلاف البلورات الساقطة حديثاً. ليس لديك سوى ساعات قليلة أو نحو ذلك لتستمتعي بها قبل أن تضع الحصّادون أيديهم الملطخة بالوحل عليها جميعاً. ومع ذلك..."
نظرت سريينا جانباً بإحراج.
"وددت لو أرى التالي معك، إن أردتِ".
"أود ذلك بشدة!"
ابتسمت أميليا. وها هو موعد آخر قد خُطط له! لا يمكن للأمور أن تسير بشكل أفضل من هذا!
قالت سريينا قبل أن تقرع الجرس على الطاولة: "جيد... جيد. سيكون مشهداً لا يُنسى".
"لنطلب الطعام، فأنا أعرف الطبق المثالي لنحصل عليه".
بعد لحظة، ظهر موظف، فأعطته سريينا الطلب، بما في ذلك طلب زجاجة من كل من اللوكوا الأزرق والأخضر.
سألت أميليا بعد أن انسحب الموظف: "لماذا ليس الأحمر؟"
قالت سريينا بكتفيها: "البلور الأحمر شحيح التوفر في الوقت الحالي، بسبب الحرب".
"وما علاقة الحرب بالأمر؟"
"إنه مكون أساسي في تصنيع المتفجرات".
أضافت سريينا وهي ترفع كتفيها: "إنه باهظ الثمن هذه الأيام بسبب الطلب وضوابط التصدير. ولهذا كان باهظاً جداً حين طلبت القناع".
اتسعت عيناها أميليا قائلة: "القناع!"
متذكرة الحقيبة التي تركتها في الحارس السامي. لقد نسيت تماماً!
"لقد تركت حقيبة الهدايا في غرفة اللورد يولان!"
قالت سريينا بلا مبالاة: "لا تقلقي، سأرسل رسالة إلى اللورد يولان في الصباح. أنا متأكدة من أننا سنسترده".
"وإن لم يكن، فسأشتري لك آخر".
رفعت أميليا يداً إلى خدها. يا له من أمر رائع! يا لها من حبيبة يعتمد عليها وعملية تلك التي عثرت عليها!
قالت أميليا بحماسة: "حسناً!".
فتح الستار القماشي وأحضر الموظف زجاجتي لوكوا، واحدة زرقاء والأخرى خضراء، إلى الطاولة. وبعد التأكد من عدم وجود شيء آخر يمكنه فعله لهما، انسحب بانحناءة.
قالت سريينا وهي تصب كأسين: "اللوكوا الأخضر، أحلى من الأزرق. كما أنه أعلى محتوى كحولياً، فاحذري. مع أن كوني متحدثة، فمن الصعب جداً السكر".
احتست أميليا رشفة، ملاحظة حلاوة السائل الأخضر. ومثل الأزرق، كان لذيذاً وترك مجموعة من النكهات في فمها تغيرت بمرور الوقت. لم تكن سريينا مخطئة؛ فقد كان أقوى بكثير من اللوكوا الأزرق. وشعرت بأبخرة الكحول تتصاعد إلى رأسها. لن تكون خفيفة الوزن، أليس كذلك؟ ليس في هذا الجسد؟ قضتا بضع دقائق في الشرب بهدوء، تدردشان في مواضيع عشوائية. علمت أميليا بأمر شقيقات سريينا الأصغر سناً.
إحداهن تُدعى ناينا وكانت مهندسة عبقرية تعمل في سنتراليس. والأخرى هي الصغرى، وتُدعى لاني، التي لا تزال في المدرسة. وعلى حد تعبير سريينا، رغم أنها مراهقة مشاكسة، إلا أنها لا تزال تحبها كثيراً كأخت كبرى لها. وبدا أن والد سريينا لديه نقطة ضعف تجاه لاني، ويدللها بلا هوادة. ثم وصل الطعام وُوُضعت دزينة من الأطباق الصغيرة أمامهما. وتلقت كل منهما طبقاً فارغاً أكبر حجماً، إلى جانب عدة أزواج من العيدان.
بعد أن غادر الموظفون، رفعت أميليا حاجبها نحو سريينا.
سألت: "كيف بحق الجحيم آكل هذا؟"
ضحكت سريينا، وقد احمر وجهها من الكحول.
"هنا، ضعي الطبق الكبير أمامك. الآن، اجلسي مستقيمة وحافظي على وضعية جيدة. لا تدعي ظهرك يلامس الجدار أو المقعد خلفك. حسناً، الآن خذ العيدان، هكذا... لا هكذا..."
استطاعت أميليا أخيراً محاكاة طريقة سريينا في إمساك العيدان.
قالت سريينا وهي تشير إلى الأطباق الكثيرة المتناثرة حول الطاولة: "إذن، هذا تصميم مانويزي تقليدي. أترين كيف أن كل اللحوم والخضروات بحجم متقارب؟".
"الهدف هو أن تأخذي قطعة أرز دائرية هكذا".
رفعت سريينا قطعة الأرز الدائرية الرقيقة قبل وضعها بدقة في منتصف الطبق الكبير.
"ثم تبنين لقمتك. عادة، تردين خضاراً واحداً ولحماً واحداً".
أظهرت سريينا ببراعة.
"ثم، إن لم تضعي كثيراً، يمكنك إغلاقها بسهولة بالعيدان هكذا".
وبحركة بارعة من معصمها، لفت سريينا اللحم والخضروات في غطاء الأرز قبل أن تلتقط الشيء برمته وتضعه في فمها. جعلت الأمر يبدو سهلاً للغاية.
قالت سريينا بعد أن ابتلعت طعامها: "هناك مفهوم في الشرق، في كل من كوينتو وسانغويزيم، حول معرفة المرء لنفسه. وجزء من ذلك هو معرفة كم يمكنك حشوه في فمك. إنه يتعلق بالتحكم في الشراهة، والإكيتيك".
ضحكت وهي تتابع محاولات أميليا طي الأرز حول اللحم الذي ظل يتساقط.
"اعتبري هذا اختبارك الأول، حسناً؟"
تمتمت أميليا وهي تطعن اللحم بعيدانها وتعضه مثل الكباب: "أنت تستمتعين بهذا، أليس كذلك؟".
وحين غمر الطعم فمها، اتسعت عيناها! ابتلعت طعامها على عجالة.
صاحت بسعادة: "هذا دجاج!"
"لا، إنه تشوكو. قال أناثور إن التشوكو نوع سليل للدجاج، الذي انقرض منذ زمن طويل. وهو شائع غالباً في سنتراليس والشمال خصيصاً. اضطررت لطلب صنعه خصيصاً لنا".
"طعمه مطابق تماماً! حسناً..."
أخذت أميليا قضمة أخرى من التشوكو.
"أعتقد ذلك على الأقل!"
كان اللحم طرياً ومطهياً بإتقان. ورغم عدم جوعها، لم تستطع مقاومة قضمة أخرى.
قالت سريينا وهي تقود أميليا عبر عملية بناء لففتها الصغيرة: "توقفي عن طعن الطعام، حاولي مرة أخرى. فطيرة الأرز أولاً. اتبعيني".
في هذه المرة، تمكنت من بناء شيء صمد خلال الرحلة إلى فمها.
قالت أميليا بعد أن ابتلعت: "إنه لذيذ! لقد بدأت أعتاد على العيدان!".
أخذت رشفة أخرى من اللوكوا الأخضر، وتماشى المذاق جيداً مع لحم التشوكو.
"يسعدني أنك تستمتعين به. إنه ليس بجودة الساردس، لكن لدينا أسماك أخرى هنا لتجربتها".
قادت سريينا أميليا عبر توصية أخرى، ومع مرور الدقائق، انشغل اثنتان منهما بتجربة مجموعات مختلفة والشرب عبر زجاجتي اللوكوا. ولما رأتا أنهما نفدتا من الطعام والشراب، أخذت أميليا المبادرة وقرعت جرس الطاولة. وحين ظهر الموظف، طلبت زجاجتين أُخريين من اللوكوا؛ واحدة زرقاء والأخرى خضراء. وبمجرد أن أزال الموظفون الزجاجات والأطباق الفارغة وغادروا، ألقت سريينا ابتسامة ماكرة نحوها.
"أتحاولين إسكاري، أمتي؟"
أجابت أميليا بسرعة: "طبعاً. لكني مهتمة أيضاً بمدى قدرتي على الشرب. اعتدت أن أكون خفيفة الوزن للغاية، لكني أشعر الآن أن بمقدوري تحمل الكثير!"
شبكت يديها معاً، مشعرة بمزيد من السكر أكثر مما كانت تظن. حسب تقديراتها، كان اللوكوا الأزرق شبيهاً بنبيذ قوي، والأخضر يعادل مشروباً روحياً قوياً. وإن كان الأمر كذلك، ففي عالمها القديم، لكانت قد فقدت وعيها منذ زمن بعيد. أما الآن؟ فالآن تشعر بحال جيدة. وصلت الزجاجتان ولم تضيّع الاثنتان وقتاً في فتحهما. شاركت سريينا قصصاً من الأكاديمية جعلت أميليا تضحك، وفي أكثر من مناسبة، تبصق اللوكوا على الطاولة.
قضت أميليا وقتاً طويلاً محاولة شرح كيف سافروا، دون مساعدة السحر، في عالمها إلى قمرهم وبنوا قاعدة مزدهرة عليه. قريباً، أفرغت هاتان الزجاجتان، ولم تعد أميليا قادرة على إنكار أنها تقترب من السكر. كانت واثقة من قدرتها على شفاء هذا الشعور، لكنها لم ترغب في ذلك. حين شربت هذا القدر، صار من السهل التحديق بحب في عيني سريينا، التي ردت النظرة بلا تردد. وفي مرحلة ما، بدأتا حتى بمسك الأيدي، ولم تتذكرا الانفصال إلا حين جاء الموظف لأخذ الزجاجات الفارغة.
نظرتا إلى الزجاجتين الفارغتين بحنين قبل أن تلتفتا للنظر إحداهما إلى الأخرى.
سألت أميليا وهي تحاول ألا تتمايل: "زجاجة أخرى، قبل النوم؟"
أكدت سريينا مشيرة إلى الموظف: "زجاجة أخرى. أخضر، من فضلك".
بعد كل شيء، زجاجة أخرى لن تضر، أليس كذلك؟