أميليا ثورنهارت: ساحرة الشياطين الفصل 18 — اعتراف متبادل

اقرأ أميليا ثورنهارت: ساحرة الشياطين الفصل 18 — اعتراف متبادل باللغة العربية على مانجا تايم.

طارت سيرينا إلى الوراء لتتحطّم عبر الجدار وتستقرّ في المبنى المجاور. على الرغم من احاطة جسدها بهالة صفراء، تسببت الصدمة في عضّها للسانها. بصقت الدماء رافعة ذراعها لحماية نفسها بينما انهار السقف فوقها. سارعت إلى صياغة الكلمة مطبقة الأثير بعضه فوق بعض لتطويه ضمن البنية المطلوبة من أجل التناغم مع نارين. وجدت الهيئة قد تشكلت بطاعة غريبة على غير العادة. عادة ما يتضمن النطق باسم نارين معركة إرادة قصيرة، إثباتاً على امتلاك الناطق القدرة والعزيمة لطلب قدرات ملك السيف الشيطاني.

هذه المرة، بدا نارين حريصاً على المساعدة تقريباً. أكان هذا بسبب قوتها المتزايدة بعد عبور حاجز الهالة الزرقاء؟ أم لأن حاجز أميليا قدّم المساعدة بشكل ما؟ لم تضيّع ناطقة ساليناس وقتاً في محاولة قتلها. تحول الخشب والحجر حول سيرينا إلى رؤوس حادة سعت لاختراقها. جزّت على أسنانها مؤجّجة هالتها على نحو دفاعي. لن تسمح لمهارات سيد الأرض هذا بتقطيعها بمثل هذه السهولة. وحينها، أصبحت كلمتها جاهزة.

نطقت: "نارين".

أظلمت رؤيتها للحظة وشعرت وكأنها تقلبت رأساً على عقب مع تدفق قوة ملك السيف داخلها. طُرد أثيرها المخزّن بقوة دافعاً الركام والهجمات القادمة بعيداً. استُبدل أثيرها البشري بآخر نقيّ وطاهر من العالم السماوي. انزلقت بيسر — وبسهولة بالغة — إلى المستوى الرابع من الهالة، ليتوهج جسدها بلطف بنسغ أخضر. اشتعلت نيران الجحيم على قرنيها وتشكيل ذيل مألوف من قاعدة عمودها الفقري، كطرف خامس ستستفيد منه إلى أقصى حد.

وثبت إلى المقهى المحطم ملوحة بسيفها المرمرّ الذي لم تتخلي عنه قط، كدليل على تدريبها وغريزتها. شكّل الرجل ذو الوجه الندّي قذائف من الحجر والتراب قذفها نحوها بسرعة تكفي لتفجير أي محارب أدنى شأناً. شقت طريقها عبر واحدة واثنتين ثم صدّت أخرى قبل أن تعترضها الشيطانية التي هزت درعها دافعة سيرينا باتجاه الجدار. لم تحطم سيرينا الجدار. أشعلت أثيرها بوجه حقل الأثير مبطئة حركتها في الوقت المناسب.

ألقت نظرة حذرة على محيطها ملتقطة أكبر قدر ممكن من المعلومات المتاحة لعقلها المتسارع. بقي الرجل في الخلف مستخدماً هراوته طويلة المقبض كعصا، مشكّلاً هجمات أرضية تطفو في نصف دائرة فوق راسه. وقفت المرأة الملثمة بينهما بينما توهج درعها وسيفها القصير باللون الأخضر.

همست: "سيد أرض وفالادن".

أين أميليا؟ اللورد يولان؟ لم تستطيع المخاطرة بالتفات رأسها لتفقد المحيط.

"أي سر يكمن في هايغارد لتنطقا حماية له؟"

لم تجيبا. تمتم الرجل بتعويذة تحت لبده. اشتدت الرياح مع ابتلاع عاصفة رملية للمقهى محجبة الرؤية عنها. لا بأس، لم تحتاج سيرينا للرؤية كي تحارب. أغمضت عينيها معتمدة على إدراكها المعزز لحقل الأثير لتحديد الهجمات القادمة. لم تضيّع المرأة وقتاً في إطلاق العنان لزوبعة من العنف مجبرة سيرينا على تعديل وقفتها لتفادي التراجع للخلف. لُوّحت بكاتانا الخاصة بها رداً على ذلك متصدية وضاربة حيثما أمكن.

لم تستطيع السماح للفالادن باختراق نطاقها إذ كنّ خبيرات في القتال قريب المدى. التقطت حواسها حركة الأثير في الركام القريب منها لتنطلق شفرات من الحجر والخشب باحثة عن ضرب نقاط عميها. صدّت سيرينا تلك الهجمات أو تفادتها لتمنحها حواسها التحذير الكافي تماماً. سخّرت ذيلها من نيران الجحيم لتعمل إما ضاربة في اللحظات المناسبة أو مدافعة ضد هجوم تسلل عبر دفاعاتها.

تذمرت المرأة من بين أسنانها: "عنيدة".

قفز الفالادن إلى الوراء رافعاً سيفه.

صرخت: "حماسة تورانا!"

تبددت بقية الطوابق العليا للمبنى إثر ضرب صاعقة حمراء السيف القصير محيطة إياه بطاقة متقطعة. وعلى الرغم من إغماض سيرينا عينيها إلا أن البرق كان مرئياً عبر أجفانها. وفي حواسها، كان الأثير يتدفق حول السيف كعاصفة لومينا عنيفة. حذرتها غرائزها من الخطر الجديد دافعة أثيرها أبعد محاولة اختراق الحاجز نحو المستوى التالي. لم يكن الأمر سهلاً، وظل الجدار الذي لا يُقهر والذي عبرته مرة واحدة من قبل صامداً.

دون أن يثبطها ذلك، رمت أثيرها ضده محطمة الحد الميتافيزيقي سعياً وراء طاقة جديدة. والمدهش أن نارين لم يظهر أي مقاومة إضافية على غير عادة. هاجم الاثنان مرة أخرى. غيّر الرجل تكتيكه مفضلاً عشرات الرصاصات الأصغر بدلاً من قذائف الأرض الكبيرة. عدد أكبر من أن تتفادى. استطاعت كل واحدة تشويه أو قتل محارب من المستوى الأول لكن ومع ظهور تلميح للأزرق داخل هالة سيرينا لم تسببن سوى الكدمات.

كان سيف المرأة القصير المزود بالطاقة المشكلة الحقيقية محطماً كاتانا سيرينا المرمرية مع كل تلويحة. لحسن الحظ لم تزد السرعة بل القوة وحدها. ومع كل اصطدام انطلق البرق من نقطة التأثير ضارباً المحيط ومبخراً أجزاء صغيرة من الركام.

زمجر الرجل: "أسرعي. سيصل قريباً. اقتليها!"

بصقت المرأة وسط الضربات: "أحاول بحق الجحيم. هالة اللعينة صلبة".

حاولت المرأة صدم سيرينا مجدداً لكن وفور تقدم قدمها لنقل الوزن إلى الهجوم ضربت سيرينا بذيل نيران الجحيم خارجة بالمرأة عن توازنها لحظياً. لوحت بكل ما أوتيت من قوة متجاهلة وابل الرصاصات المرتطمة بها. أخطأت عنق المرأة لكنها استطاعت قطع جلد الكتف مانحة إياها جرحاً خفيفاً. اللعنة على الفالادن! كانت هذه المرة الأولى التي تحارب فيها واحدة على الوجه الأصح لتجد ما قيل لها صحيحاً؛

بوسعهن القتال بمستوى يفوق هالتهن. كان جلدهن صلباً كخشب الحديد. كنّ لقمة صعبة التكسير.

"آه!"

تراجعت المرأة مستعادة وقفتها.

أمرت الرجل الذي شتم ومغطياً جسده بدروه الأرضي بتعويذة منطوقة: "كفي عن العبث بالسحر وتقدمي إلى هنا!"

تدفق الحجر صعوداً فوق هراوتها طويلة المقبض مشكلاً أشواكاً مرعبة في نهايتها. اقترب بحذر بينما شدّت سيرينا قبضتها وغرست قدميها. كم ثانية مضت منذ نطقت؟ عنى الحيّز المعزز للحواس تباطؤ الوقت بالنسبة للناطقين. بوسعهم القتال والتحدث والإدراك بسرعة تفوق المعتاد. أتمرت عشر ثوانٍ؟ أم اثنتا عشرة؟ بدا المهاجمون مترددين فجأة. لم تستغرق سيرينا سوى لحظة لتدرك السبب. كان شيئاً ما قادماً دافعاً طريقه وسط الركام.

بصمة أثيرية مألوفة. أميليا. صدّت سيرينا هراوة ملوحة بهدف قطع رأسها بينما قطع سيف المرأة القصير خاصرتها. ركلت سيرينا للخارج ضاربة بذيلها ومفتلة كاتانا لقطع درع الرجل. تجاوز الهجوم المسعور إمكانياتها الحالية لكن ومع تراكم الجوانب شعرت بانكسار الجدار الداخلي واكتسبت هالتها مزيداً من الأزرق.

بصقت المرأة: "اللعينة تصبح زرقاء".

أشعلت هالتها مطلقة العنان لسلسلة ضربات عجزت سيرينا عن الدفاع عنها بالكامل. جرحها السيف بعمق. أشعلت المرأة هالتها مجدداً ليتشنج حقل الأثير مع تسبب صاعقة برق بتوتر جسد سيرينا. وقبل تمكنها من التعافي اصطدمت الهراوة بخاصرتها رامية إياها عبر الغرفة. بصقت الدماء مستشعرة بصمة أثيرية مألوفة تقف فوقها.

سألت أميليا مائلة رأسها: "أمسكت بك الآن. لا تقلقي. أيتصرف نارين؟"

تفجرت الدفء في جسدها بينما عالجتها أميليا. ثم توهج جسدها بظلال الفضة والذهب مع التفاف نوع من الحواجز حولها. فتحت سيرينا عينيها لتجد العاصفة الرملية قد خمدت. بدا المقهى كصحراء وكانت أميليا تنظر إليها بتعبير قلق. لم تبد البشرية مختلفة عما قبل دقيقة.

"أميليا! انطقي! إنهما فالادن وسيد أرض! احصلي علـ..."

ظهر سيد أرض خلف أميليا ملوحاً بهراوته الضخمة بكلتا يديه نحو رأسها. ضربت المرأة عنق أميليا مع تقطير البرق الأحمر بالقوة. وثبت سيرينا شاعرة بانفجار أثيرها عبر الحاجز حين خطت إلى عالم الأزرق. لوحت نحو المرأة بيأس لكن الهراوة الضخمة اصطدمت برأس أميليا وفي الوقت ذاته بلغ سيف المرأة القصير العنق الرقيق و— لاشيء.

قالت أميليا بهدوء مع تحطم السلاح الثقيل ضد رأسها مبعثراً شعرها الذهبي: "أه؟ ما هذا؟"

تمتمت ممسكة بالسيف القصير وبرقه الأحمر يفرقع عبثاً.

"حماسة تورانا، أليس كذلك؟ كم هو مستعصٍ..."

حاولت المرأة سحب السيف تحرراً لكن يد أميليا لم تتحرك بوصة واحدة. ثم وبسرعة تكاد تعجز سيرينا عن رؤيتها قبضت البشرية على رسغي كلا العدوين.

هتفت سيرينا: "أميليا! كيف...؟"

ردت ببساطة: "لقد نطقت بالفعل. استغرقت بضع ثوانٍ لرغبتي في فعل ذلك بهدوء. لا فائدة من تفجير نصف الشارع".

أدارت رأسها نحو سيرينا متجاهلة القبضة المدرعة الصادمة لرأسها مراراً وتكراراً.

"اللورد يولان بخير بالمناسبة. تأكدت من إبقائه بأمان. أما هذان الاثنان..."

أظلمت عينا أميليا لتلمح سيرينا خلف هاتين العينيْن المتوهجتين بالذهب لمحة من القرمزي العميق. كان الأمر جميلاً بشكل مرعب.

سألت أميليا بغياب البهجة المعتادة لصوتها: "إذن ساليناس وتورانا؟"

صرخ الشيتاي بألم مع صدور صوت طقطق واضحة من رسغيهما. كسرتها أميليا.

"ألم تسمعوا تحذيري أيها الحمقى؟"

لهاثت محاولة التحرر: "جاه! أيتها اللعينة! أنا حتى لا أعرفك!"

قالت أميليا بحنقة: "لسنتك. سأسأل مجدداً... ألم تسمعوا تحذيري؟"

بلعت سيرينا ريقها لا إرادياً. استخدمت أميليا نوعاً من التعويذة عند طرح ذلك السؤال. تموج شيء ما في حقل الأثير لتدرك لأول مرة وجود شيء آخر طبقة أخرى من الواقع كانت مخفية عادة عن حواسها. أياً كان ذلك الشيء فقد تفاعل بشدة مع كلمات أميليا. تقيأت المرأة الدماء من فمها فجأة. صرخت بألم مع تشقق جلدها وتدفق الدماء والأثير.

صرخت: "تورانا! لمااذا!"

تحولت هالة المرأة بعنف من الأخضر إلى الأصفر ثم خبت إلى البرتقالي ثم الأحمر أخيراً لتتلاشى تماماً. كانت المرأة فاقدة للوعي وعارية من الدفاع تماماً. أي جحيم من السبعة حدث لتوه؟! تسابق عقل سيرينا أمام هذا المشهد. أتريد أميليا أن... تطرد كلمة من أحدهم؟ بلعت ريقها بتوتر. ذكرت أميليا نطقها للكلمة لكن لفعل هذا... أي كلمة نطقت بها؟ أيمكن أن تكون كلمة ثانية؟

بدأت: "أميليا..."

ليقاطعها صرخ الرجل المفاجئة.

زأر الرجل ذو الندبة: "ساليناس! أمنحك روحي! امنحني وسائل الهرب!"

للحظة لم يحدث شيء.

تمتمت أميليا بينما تنفجرت القوة والأثير من الرجل الذي مزق ذراعه مخلفاً وراءه يداً ملطخة بالدماء: "أي ملك شيطاني طموح أنت..."

انحنت الأرض والتوت تحت أقدامهما ثم انفتحت. انهارت المباني المحيطة بالأعلى فوقهما متسارعة بفعل تعويذة جاذبية ما. اصطدمت بالمجموعة ليقذفوا إلى الظلام. دارت سيرينا هنا وهناك قبل أن يمتد شيء ما جابذاً إياها بقرب.

صرخت أميليا جابذة إياها إلى عناق: "تمسكي!"

تدفق الأثير حولهما مع إلقاء تعويذة دفاعية ما ليصطدما بالأرض. ومع سقوط المبنى فوقهما قوبلت أذناها بمجموعة صاخبة من الضوضاء والأصوات لكن سحر أميليا شكّل جيباً منيعاً. وحالما حدث ذلك توقف كل شيء بالسرعة ذاتها. الصمت. استطاعت سيرينا سماع نبضات قلبها السريعة في أذنيها. بدا تنفسها السريع أعلى بكثير وسط الهدوء المفاجئ. استلقت أميليا في عناقها دافنة وجهها في صدر سيرينا. صدرت أنفاس بطيئة ورقيقة عن البشرية.

لبرهة قصيرة، كل ما سمعته سيرينا كان أصوات أنفاسهما. ببطء، تنامى شعور بالحرج عليها بينما هدد القرب المستمر بدفعها نحو الخجل.

"ا-ابتعدي عني أيها الغبية!"

تمتمت أميليا دالّة رأسها قليلاً قبل الابتعاد بابتسامة ضعيفة ولحسن الحظ: "ممم... مريحة جداً... هل أنت بخير؟"

سألت بحذر.

"أظن ذلك..."

نظرت سيرينا إلى أميليا الجالسة هناك بتعبير متوتر. منحها توهج جسدها الضوء الكافي لتمييز محيطهما الضيق.

سألت: "إذن... هل يمكنك إخفاء إطلاق الأثير؟ لم أشعر بنطقك للكلمة".

"حسناً".

نظرت أميليا إلى إبهاميها عابثة بهما.

"تذكرت حديثاً كيفية فعل الأمر... يختلف الأمر عن فعله في... أمم... أليس أمراً كبيراً أليس كذلك؟"

قالت سيرينا: "إنه نادر لكن ليس مستحيلاً. في الأكاديمية التي درست فيها استطاع السيد الأكبر وبعض المدربين فعل ذلك. أظن أن أغلب اللوردات العظام ينطقون بصمت".

جلست مفحصة البشرية ملاحظة عودة العينين الذهبيتين السابقتين بلمحة قرمزيّة إلى زرقائهما الساطعتين المعتادتين. كان ذلك مثيراً للاهتمام. خضع جميع الناطقين لتغيير جسدي ما عند نطق الكلمة الأولى تبعاً للشكل الذي تناغموا معه. احتضنت سيرينا هيئة نيران جحيم نارين عند النطق لكنها عرفت ناطقاً آخر يغطيه صقيع مبرد بدلاً من ذلك. أما بالنسبة لأميليا، فقد بدا هذان العلوان الذهبيان القرمزيان قليلاً كعيون الشياطين.

بدا أن ميل البشرية تجاه الشياطين يترك أثراً جانبياً على مظهرها المنطوق. مما يزيد الأسباب للحصول على مواطنتها بأسرع ما يمكن وحمايتها تحت مراقبة كاسكاديا. إن اكتشفت الأمم البشرية فساد ذهب أسيكو بالسمات الجسدية للشياطين فستسير الجيوش وتبحر الأساطير.

بلعت أميليا ريقها بصوت مسموع: "لم أقصد كسر رسغيهما. لا، هذا ليس صحيحاً. أظنني فعلت... كنت غاضبة لرؤيتك تنزفين. لا أعرف ما حل بي. كان من الصعب جداً السيطرة على نفسي! أنا... أنا قلقة..."

سألتها: "يمكنني سؤالك شيئاً آخر؟"

تمتمت أميليا: "أظن ذلك... لكن لا يمكنني الوعد بالإجابة".

"ماذا فعلت بناطقة تورانا تلك؟"

أعادت المشهد في رأسها. لم تر شيئاً مماثلاً قط. لم يكن أمراً يمكنها تجاوزه بسهولة أيضاً. كانت الإجابات مطلوبة.

"أنا..."

فتحت أميليا فمها ثم أغلقته. حاولت مجدداً دون جدوى. بعد ثوانٍ قليلة استطاعت سيرينا رؤية فمها يبدأ بالارتعاش ثم...

سألت سيرينا غير متأكدة عما تفعله: "أأنت... تبكين؟"

صرخت أميليا متوسلة بالكلمات وسط سيل مفاجئ من الدموع: "لا يمكنني الاستمرار في التظاهر! لم أطلب قط أن أكون هكذا! لم أطلب أبداً أن أكون ناطقة! لم أكن..."

استنشقت أميليا ممسحة عينيها بأفضل ما يمكن.

"لم أظن الأمر حقيقياً!"

شجت في يديها. لم تفهم سيرينا ما تقوله أميليا لكن رؤية صديقتها تبكي بعنف أثار طعنة من التعاطف. لم تكن متأكدة تماماً مما يزعج أميليا لذا تحركت مقتربة واضعة ذراعها حولها. استجابت أميليا مائلة جسدها ورأسها ليستند إلى صدرها بينما تبكي.

سألت: "ماذا تقصدين؟ ماذا لم تظنيه حقيقياً؟"

هدأت أميليا قبل مجيء الإجابة شبه المهموسة: "النطق..."

"النطق؟"

"كان مجرد لعبة حيث أتيت! لم يكن السحر حقيقياً! لم يكن الأثير حقيقياً! نحن... نحن..."

أشارت يدا أميليا بلا هدف.

"كنا نتظاهر فقط. للتسلية!"

عبست سيرينا حيال ذلك. لعبة؟ تسلية؟ عما كانت تتحدث؟

"لا أفهم؛ كيف يمكنك النطق بلا أثير؟"

"لم نكن ننطق! كانت فكرة النطق مجرد مفهوم مجرد!"

استنشقت أميليا هادئة قليلاً.

"تخيلي... أمم... هل هناك ألعاب عسكرية تعلمينها للمتدربين تحضيراً لـ... المعركة؟"

قالت سيرينا مفكرة بلعبة الأكاديمية الشهيرة: "هناك... شطرنج القبطان. تُستخدم لتعليم أساسيات قيادة الأسطول".

كانت تنويعاتها سائدة في الحياة المدنية بل وهناك مسابقات كبرى تستضاف كل عام.

"صحيح! لا أعرف كيف تُلعب لكني تخيلي أن كل لاعب يختار شخصية لتكون قبطانه، أليس كذلك؟ أيعطي البعض مكافآت لحركة الأسطول بينما يمنح البعض الآخر ضرراً أكبر من قذائف المدافع؟"

قالت سيرينا: "صحيح..."

لم يكن ما وصفته أميليا مختلفاً كثيراً عن الواقع.

"حسناً، فتخيلي أنك تربحين المباني الرابحة وتحصلين على نقاط تنفقينها لترقية أسطولك وقبطانك نهائياً لتنتقل إلى جميع الألعاب التي لعبتِها؟"

"سيكون ذلك مجحفاً للغاية، إنه—"

"فقط تخيلي!"

هتفت أميليا رافعة رأسها ناظرة إلى سيرينا بعينين زرقاويين لامعتين والتراب والدموع يغطيان وجنتيها.

"أنا... أفهم المفهوم".

"حسناً، هناك هذه اللعبة لكنك لست قبطاناً حقيقياً ولا تملكين أسطولاً حقيقياً؛ تمثل اللعبة وقواعدها ذلك فحسب، أليس كذلك؟"

"صحيح".

"والآن تخيلي أن آخر ما تتذكرينه هو لعبك بلعبة مع أسطولك وقبطانك الذي قضيت آلاف الألعاب في إنفاق النقاط لجعله قوياً حقاً. تخيلي فعل ذلك وما إن تدركينه حتى تلقين فجأة في عالم مختلف، عالم مختلف تصبحين فيه فجأة ذلك القبطان وتمتلكين كافة قدرات وقوة شخصية قبطانك المطورة!"

فتحت سيرينا فمها ثم أغلقته. نظرت إلى أميليا بنظرة متسائلة.

سألت بهدوء: "أهذا... ما حدث لك؟"

أومأت أميليا برأسها لتدفع الحركة دمعة أخرى للنزول على وجنتيتها.

"نعم... فقط لم تكن لعبتي تدور حول القناصل والسفن. بل عن النطق! إنفاق النقاط لتظهر شخصيتي التي صممتها"

— أشارت أميليا إلى جسدها — "ليبدو هكذا، لتعلم جميع أنواع الكلمات. لا أعرف كيف حدث ذلك لكنني بطريقة ما في جسد شخصيتي وأنا متأكدة تماماً من امتلاكي لكافة القدرات التي منحتها إياها!"

استنشقت أميليا.

"وأنا مرعوبة جداً! أمتلك كل هذه القوة وأنا خائفة من استخدامها! قد أؤذي الكثير من الناس دون قصد!"

بدأت أميليا بالبكاء مجدداً لذا جذبتها سيرينا إلى عناق يائس. لم يكن الأمر منطقياً تماماً لكن جزءاً كبيراً من اللغز سقط في مكانه فجأة. بشرية مستحيلة بقدرات شفاء مستحيلة. ما كان يجب أن يكون ممكناً لكنه كان كذلك. لعبة درّبت أميليا عبر التسلية بدلاً من أعوام وعقود من العزم والمعاناة التي تطلبتها الآخرين.

قالت سيرينا بهدوء ممررة يدها في شعر أميليا الذهبي: "هذه... ليست لعبة. أنا لست شخصية لعبتِ بها... أليس كذلك؟"

"لا".

هزت أميليا رأسها باحراج والمضغوطة في صدرها.

"فقط أمر النطق وأسماء الملوك مألوفة. كل شيء آخر... السفن الطائرة، الإمبراطورية، الجزر العائمة وبلورات القمر جديدة كلياً..."

"أرى..."

جلسا بصمت لبرهة بينما مرت سيرينا على الحادثة التي أجرياها للتو في رأسها عدة مرات. لم ترغب في قصف أميليا بالأسئلة لكن...

سألت بهدوء: "كم كلمة تعلمت شخصيتك؟"

"لا أعرف... أغلبها أظن".

أغلبها! شعرت سيرينا باتساع عينيها وأخذت نفساً عميقاً.

"تعرفين... أغلب الكلمات البشرية؟"

"لا..."

"لا؟"

قالت أميليا مبتعدة ومخرجة شعرها الأشقر: "لم تبدو شخصيتي هكذا دائماً. من قبل اعتدت اللعب بشخصية ساحرة شيطانية. خلال الأعوام التي قضيتها في المستشفى لا بد أنني وضعت آلاف الآلاف من الساعات لتدريبها! عرفت... أساساً كافة الكلمات الشيطانية..."

عبثت أميليا بشعرها: "كمزحة جعلت شخصيتي تبدو هكذا ثم صرت إياها لكني... أشعر بأني ما زلت قادرة على نطق جميع الكلمات الشيطانية... إن أردت".

استوعبت سيرينا هذه المعلومات بهدوء. فكرت في محادثة بينها وبين أناثور. لم تستطع بركة من الملوك جعل أحدهم ناطقاً لكن ماذا لو تلقت أميليا بركة من كيان أعظم من الملوك؟ كانت هناك أساطير متحدث عنها بنصف جدية تتحدث عن أشياء تعيش في الضباب. مخلوقات ذات قوة لا تُتصور تحكم عوالم كاملة. أبقت أميليا عينيها منخفضتين مبدية خوفاً ظاهراً من ملاقاة عيني سيرينا.

همست: "أنت... لا تكرهينني، أصحبتِ كذلك؟"

"لماذا أكرهك؟"

"لأنني أخفيت هذا عنك... أبقيته مخفياً. النطق أمر كبير هنا وانظري لردة فعل الجميع عند اكتشاف قدرتهم على نطق كلمة واحدة فحسب! أنا آسفة..."

تلاشت أميليا.

"لم أرد إخافتك! يعجبني حقاً التواجد معك ولا أريد تغير ذلك..."

تنهدت سيرينا جابذة أميليا بقرب أكبر.

"لا أكرهك أيها الغبية".

استندت سيرينا برأسها فوق رأس أميليا.

"أنا مسرورة لامتلاكنا تفسيراً ما. لا يجيب عن كل شيء لكنني لا أظن أنك تكذبين. علاوة على ذلك يعجبني تواجدك بجانبي أيضاً..."

جاء صوت خافت: "حقاً؟"

"أنت غبية مزعجة لكنك غبيتي المزعجة".

بعثرت سيرينا الشعر الذهبي.

"أعترف بمللي من لعب دور الابنة المطيعة أو القبطانة الصارمة طوال الوقت. لا أعرف متى تمكنت آخر مرة من التحدث بهذه الراحة مع أحدهم لكنني قادرة على فعل ذلك معك بطريقة ما".

"إذن، هل يمكنني البقاء معك؟ ألا يزال العقد سارياً؟"

"بالتأكيد، أقسم باسمي".

"إذن... هل يمكنني... الحصول على زيادة في الأجر؟"

"فت!-"

ضحكا الاثنان على ذلك مخلفين متنفساً تشتدت الحاجة إليه.

أوضحت سيرينا: "بمجرد التحدث إلى أبي سنتمكن من تسوية أمر ما. إذن أيمكنك شرح ما فعلته لتلك اللعينة تورانا؟ شعرت وكأنك استخدمت قوة ما عند طرح سؤال عليها لتفقد كافة قدراتها".

"أنا مم... في المرة السابقة عندما حاربتِ كورفوس وتولى نارين السيطرة هددت الجميع نوعاً ما..."

"من هددت؟"

"ملوك الشياطين... أخبرتهم بأن يتصرفوا باعتدال حولك".

قالت سيرينا: "أرجوك أخبريني أنك تمزحين. فهذا جنون".

جاء الرد: "إذن فأنا مجنونة. مع ذلك صرخت قليلاً على الملوك الصغرى فحسب. ليسوا أقوياء حقاً بل أطفال متغطرسون يتخبطون محاولين لفت انتباه الملوك العليا".

مرت ثوانٍ بينما استوعبت سيرينا تلك المعلومات.

"عند حديثك عن التحذير سابقاً شعرت بشيء يتموج لكنه كان غريباً. بدا وكأن شيئاً ما يدعم حقل الأثير تفاعل. طبقة أخرى من الواقع".

"أظنها قد تكون الضباب؟ أو شيئاً في طريق الوصول إليها. لست متأكدة كيف فعلت ذلك لكنني فرضت إرادتي على أثيري -نيتي التحدث إلى تورانا مباشرة. عرف أثيري بطريقة ما ما ينبغي فعله وشعرت به يخترق نوعاً من الطبقات. لا أمتلك ذلك الفهم لكيفية عمل كل ذلك، أتعرفين؟ عندما يحرك أحدهم أسطوله للهجوم في لعبة شطرنج القبطان ألا يمنحه ذلك فهماً كبيراً لشعور قيادة أسطول فعلياً، أليس كذلك؟"

"صحيح..."

أدركت سيرينا مداعبتها لشعر أميليا بكسل. ناعم جداً.

"هل تحدثت حقاً إلى تورانا مباشرة؟ ملك؟"

"نعم، هل رأيت كيف هرب من وعائه وذيله مخفي بين ساقيه؟"

نطقت أميليا بضحكة غير مهذبة.

"فعلت... انتظري! أين هما؟!"

نسيت سيرينا خصومها تماماً!

"هربا. فكرت في إيقافهما لكن..."

تلاشت أميليا.

"لكن؟"

"لكني كنت مرتاحة جداً... لكوني محتضنة منك".

شعرت سيرينا بارتفاع الحرارة في وجنتيها. حسناً إن كانت أميليا تفشي بكل شيء فقد حان الوقت لمعالجة حوت القوس في الغرفة.

"أميليا... كيف تشعرين... تجاهي؟"

سألت بحذر شاعرة بتسارع نبض قلبها وتوتر أميليا الانعكاسي. صمتت البشرية لثوانٍ معدودة قبل الإجابة أخيراً.

همست: "...أليست واضحة؟"

"أميليا، أنا شيطانية وأنت بشرية... أظن".

"أخبرتك عند لقائنا الأول أليس كذلك؟ يعجبني الشياطين".

وفعلت. وجدت سيرينا نفسها تبتسم فجأة. لمَ صارت سعيدة فجأة؟ اللعنة، لقد عرفت السبب. عرفت السبب تماماً. فتحت فمها لقول شيء ما. ماذا كان عليها القول؟ ما هو الشيء الصحيح لفعله؟ أتعطي الأولوية لبيت هالين أم لنفسها؟

بدأت: "أنا—"

"لا يهم ما تقولين فمشاعري لن تزول. وعلاوة على ذلك..."

رفعت أميليا رأسها ملاقية عينيها. كانت وجنتا البشرية حمراء وحارة جداً لدرجة استطاعة سيرينا قُلي بيضة عليهما.

"علاوة على ذلك رأيتك تتفقدين مؤخرتي عند أداء الكاتا الخاصة بي. لذا لا تتظاهري بعدم تبادل الأمر... ما لم يكن غير ذلك حقاً، أليس كذلك؟"

لقد أُمسكت!

"أنا..."

عانت لملاقاة عيني أميليا. من أين حصلت البشرية على هذه الثقة؟!

بدأت: "أظن..."

مع تراقص عينيها إلى شفاه أميليا الوردية.

"أظن... المتبادل"، همست لتنطلق أميليا بأكثر تعبير سعيد رأته سيرينا على الإطلاق في أي شخص.

"هذا أفضل شيء يمكنك قوله! إذن..."

تراقصت عينا أميليا باحراج للأسفل نحو شفاه سيرينا.

"أمم... أيمكننا..."

بدت أميليا خجولة فجأة عانية لملاقاة عيني سيرينا.

تمتمت ناظرة للجانب: "تعرفين..."

بلعت سيرينا ريقها بتوتر مع خفقان قلبها بصوت عالٍ في أذنيها لدرجة عجزها عن سماع ما تقوله أميليا بصعوبة. رغم ذلك لم يكن ذلك مهماً. لم تحتاج لسماعها. استطاعت رؤية نية أميليا. أخبرت سيرينا نفسها بضرورة معالجة مشاعرها وجاذبيتها لهذه البشرية. وهذا بالتحديد ما كانت تفعله. مدت سيرينا يدها محيطة بكفها مؤخرة رأس أميليا.

همست جابذة إياها بقرب: "تعالي إلى هنا، أيتها الغبية".

حتى التقت شفتاهما.