أميليا ثورنهارت: ساحرة الشياطين الفصل 156 — صلة بشرية

اقرأ أميليا ثورنهارت: ساحرة الشياطين الفصل 156 — صلة بشرية باللغة العربية على مانجا تايم.

أدركت أميليا أن عدم فزعها يُحسب لها. لم يكن ذلك لمجرد أن الظروف في إسحاق تعني استحالة المخاطرة بأي تعقيدات إضافية، ولا لمجرد أن مواجهة في مكتب كورفُس مع متحدث آخر ستجعل رفيقتها المدمنة على الكافيين تنتزع قرنيها. كلا، ما منعها من استدعاء تعويذة نوم كاناكسية قوية هو النظرة في عيني أسرار. عانت أميليا شتى النظرات طوال الأشهر الستة الماضية. تلقت نظرات تعج بالغضب والحزن والفرح والغيرة.

رأت الناس ينظرون إليها بارتباك وإحباط، وفي بعض الأحيان، باحترام منعدم. ولهذا السبب، عندما التقطت تلك المشاعر في عيني أسرار، ترددت. في عمق عينيه البنّيتين كان بحر من المشاعر لم تتلقَّ مثلها منذ أن كانت في المستشفى. كانت شفقة.

قال أسرار بصوت هادئ لكن حازم: "أيعرف البقية؟"

ثم أردف: "لابد أنهم يعرفون، هكذا أعتقد. قائد السفينة السوداء لا يُخدع بهذه السهولة. لكن..."

تضيق جبينه.

"لماذا الحفاظ على الحجاب في إسحاق، المدينة الذهبية؟"

"أنا، أم..."

ابتلعت أميليا ريقها. لفترة وجيزة، استرجعت دروس العروض ومدى سلاسة سيونمي في تقمص شخصية ما. فكرت في التمادي كلي ليونا، لكن حساً ما يخبرها أن ذلك لم يكن ضرورياً. أسرار، على الرغم من الضرب الذي تعرض له، لم يكن عدائياً.

سألت: "كيف عرفت؟"

التوت زاوية فم أسرار.

"يوجد الكثير من سحرة الكانَاكس في إسحاق، أيها الساحر الشاب. لدى العديد من المجموعات هنا أعمال لهم، وقد حاربْتُ الكثيرين في زماني. حتى وأنا على حالتي هذه..."

أشار بضعف إلى حالته الواهنة.

"أستطيع رؤية أوهامِه عليكِ. قرناكِ كشفتا الأمر."

وجدت أميليا نفسها تقاوم رغبة في رفع يديها ولمس قرنيها الوهميتين. أخبرها حدسها أن العمل السحري كان شابها الكمال، حسب أقصى قدراتها. لقد كان كافياً لخداع كورفُس، على الأقل في البداية. إذن كيف استطاع هو...؟

"كيف..."

"الضوء."

"الضوء؟"

أومأ أسرار ببطء. رفع اصبعاً ووضعه تحت عينه.

"حين أرى قرنيكِ بين هنا..."

أشار متجاوزاً كتف أميليا، "وأنوار الأثير. يكون الأمر واضحاً إن عرف المرء ما يبحث عنه. مهاراتك عظيمة، أيها الساحر الشاب، لكن مهما عظُمت، لا يستطيع الوهم محاكاة تعقيدات كيفية تغطية الضوء للجسد."

"آه."

كان هذا كل ما استطاعت أميليا قوله.

سأل أسرار مجدداً بصوت ناعم: "لماذا؟ أأجل طريقة معاملتهم لكِ؟"

عبست أميليا.

"ماذا تقصد؟"

"أنتِ طفلة تابعة لبُلهايم، أليست كذلك؟"

ولم ينتظر إجابة بل استطرد: "لقد سمعت كيف يعاملون أبناء جنسنا في الشرق. أُجبروا على العيش في مقاطعات كينهورو. قُيِّدت حركتهم. علِّقت امتيازاتهم. كل ذلك من أجل حرب على بعد آلاف الفرساخ. كنت أمل... كنتُ..."

وانقطع صوته في سعال. بدافع الانعكاس، صبت له أميليا المزيد من الماء. تناوله وشربه بتعجل. ألا يعرف؟ فكرت أميليا بتردد. كانت كلمات أسرار التالية هي التأكيد.

قال أسرار: "كنتُ أمل أن القديسة البشرية الجديدة ستُحسن الأمور. يقولون إنها تحب الشياطين، والحب سهل التبادل كالكراهية. لعل... لعلها تحتاج وقتاً أطول. لكن هنا على الأقل، لستِ بحاجة لحتجب، أيها الساحر الشاب. حتى في حالتي هذه، أستطيع ضمان ألا يميز أحد ضدكِ في إسحاق. نحن لسنا بعناد جيراننا الشرقيين."

طمأنت أميليا نفسها بأنه لا يععرف من تكون. إنه يظنها مجرد ساحرة بشرية. ماذا عساه يقول لو أخبرته أن القديسة البشرية التي ذكرها كانت تقف أمامه وقد قامت لتوها بشفائه؟

أردفت أميليا ببطء: "الأمر... يجعل الأمور أسهل. ويمكنني الاستفادة من الممارسة،"

وأضافت بسرعة. وبحسب النظرة في عيني أسرار، لم يكن المتحدث البشري مقتنعاً.

فأجاب أسرار: "ينبغي أن تفخري بمن تكونين. أن تفخري بكونك بشرية."

قالت أميليا باندفاع: "أنا كذلك!"

ألقت نظرة محرجة حولها. كان هيلبراند وفريقه لا يزالان يعتنيان بكورفُس، لكن بدا أن الضابط الطبي كان يتصنت. لا أن أميليا مانعت، فستشارك هذه المحادثة مع سيرينا لاحقاً بغض النظر.

ثم أردفت بهدوء: "أعني، أنا كذلك. أنا فخورة."

"ليس هذا النوع من الفخر. دعيني أروي لكِ قصة."

عدّل أسرار وضعيته.

وحالما بدا راضياً تابع: "قبل ثمانمئة سنة، أهل سوريا،"

نقر أسرار على صدره، "أجدادي. يدي... رمحي. قبل ثمانمئة سنة، ضحينا بكل شيء ضد أملام وقواته التي نادى بها. في المعركة الأبدية، لم نتلجلج قط. حتى ونحن نموت، لم نستسلم. في تلك الليلة الأخيرة، كانت يدي الرامحة"

—رفع إحدى يديه مقبوضة بإحكام— "ويدي المغزلية"

—رفع قبضته الأخرى— "هما من أخرتا أملام حتى تمكن طفل مورا من المجيء."

رددت أميليا: "طفل مورا. الإمبراطورة؟"

أصدر أسرار صوتاً ربما كان ضحكة لو لم يبد مؤلماً إلى هذا الحد.

"أرى شكوككِ. الأجانب لا يعرفون. لا يصدقون. يعظنون عبادتنا للأطفال العظام تحت بيرين مجرد خيال. كيف يكون هراءً؟ راكنام، سيّد السماء، حقيقي مثلي أو مثلكِ، أما مورا فليست حقيقية؟ ها.. ها..."

أخذ رشفة بطيئة أخرى.

"أنا أيضاً شككت حين كنت صغيراً. كانت لدي أسئلة كثيرة وإجابات غير كافية، لذا غادرت إسحاق ذات يوم وذهبت إلى المكان الذي توجد فيه كل الإجابات."

توقف والتقى نظرات أميليا بعينين متجددتي النشاط.

وأكمل: "الرمال الحمراء."

فكرت أميليا: إنه يذكرني بتومز. راوٍ للقصص بفطرته.

سألت وشعرت بحواسها العاشقة للألغاز تدغدغها: "ماذا حدث؟"

"رأيت أشياء لن تصدقيها، أيها الساحر الشاب. مشيت لأيام، يدفئني نظرة بيرين، وتغذيني الصحراء. في البداية كان الأمر سهلاً، لكن كلما توغلت، بدأت أمور غريبة تحدث. لم تعد الليالي تمر بسهولة. بدأت أسمع أشياء. لقد كان الجن."

أومأ أسرار وعيناه زائغتان.

"أنا أتذكر أصواتهم حتى الآن. أحياناً بشرية. وأحياناً... لا."

سألت أميليا: "الجن؟"

قال أسرار: "ينادونكِ. كرجال يصرخون طلباً للمساعدة، وأحياناً كنساء. عرفت من أبي ألا أجيب، ألا أذهب لأبحث. هكذا يضيع الرجال في الصحراء. صمدت بقوة. وأخيراً أدرك الجن أن نداءاتهم لم تكن تجدي نفعاً، فبدأوا يظهرون لي مباشرة. نعم، هذا صحيح."

أومأ أسرار.

"أتوا بشتى الهيئات. مسافر يقدم ماء. تاجر يقدم طعاماً. امرأة تقدم..."

سعل أسرار.

"حسنًا، المغزى هو أنني عرفت أن نواياهم شريرة. ثم في ليلة ما، ظهر آخر، وعرفت أن هذا كان جيداً."

سألت أميليا: "كيف؟"

أجاب أسرار: "لأنه كان الأول الذي يتخذ هيئة ليست من عقلي. كنت قد رأيت المسافر مرة من قبل. لقد مر بإ إسحاق حين كنت صبياً. ورأيت التاجر أيضاً. لقد خدع أبي. عرفت أنه لم يكن هو حقاً، فقد راقبت ذلك التاجر نفسه يُشنق بسبب احتياله. لكن هذا الذي ظهر أمامي... هذا اتخذ هيئة تخصه هو. العديد من الكائنات في هذا العالم سيئة، لكن هذا كان جيداً، أيها الساحر الشاب. لقد أرشدني ووضعني على الدرب الذي أمشي عليه اليوم. لقد كان مختلفاً عن بقية الجن."

عادت عيناه للتركيز.

وبالنظر إلى أميليا، قال: "الإمبراطورية لا تفهمهم، لذا تطلق عليهم أسماء وفق فهمها الخاص. قد تعرفينهم باسم عديمي الهيئة."

كادت أميليا تصرخ قائلة: "لقد التقيتَ بعديم هيئة!؟"

وكان الحماس أكبر من أن تتحمله. كان هناك عديم هيئة في الصحراء؟ ألا يزالون هناك؟ أكان صديقاً لأناثور؟

"ما اسمهم؟ ماذا قالوا؟ ماذا—"

لوح أسرار بيده كما لو كان يرمي فضول أميليا في العدم، وقال: "ليس لي أن أشاركه. وحتى لو فعلتِ، فلن تصدقيني على أي حال. لقد أخبرني حقائق هزت صميم كياني. ما حدث في تلك الليلة دفعني للمواصلة، وواصلتُ بالفعل. مشيت ومشيت و..."

أخذ المتحدث رشفة طويلة أخرى.

"رأيت جمال الصحراء، أيها الساحر الشاب. رأيت أشياء مستحيلة. مبنى أبيض، يلفه العواصف. رأيت ظل مخلوقات عظيمة من القدم، تتسول عبر الأرض. رأيت واحة من ذهب سائل. وفي ليلة ما، في عمق الصحراء، وجدت إجابة لشكوكي."

"أحقاً؟"

عبست أميليا وكتفت ذراعيها.

"ألن ترفض المشاركة، أليس كذلك؟ قد يكون ممتعاً لك أن تصبح غامضاً، لكنه أمر محبط بشكل لا يصدق لمستمعيك!"

كان بإمكانها تحمل كون أناثور متمنعاً حين يناسبه الأمر، لكنها لن تتردد في إزعاج هذا المتحدث البشري إن كتم شيئاً عنها. ضحك أسرار بخفة.

"شباب اليوم مفعمون بالحيوية حقاً. نعم، سأخبركِ."

تنحنح واستغرق وقتاً طويلاً في تعديل وسائده لدرجة جعلت أميليا تشعر بإغراء شبه تام لكسر تنكرها وشفاؤه هناك في الحال.

وما إن استقر نهائياً حتى قال: "حاصرتني عاصفة، ولم تكن أي عاصفة. كانت... شيئاً مستحيلاً. لم أره أو أسمع بمثله قط من قبل أو من بعد. تُمزق المأوى الذي بنيته. ولم تكن جاذبية الأرض كافية لتثبيت قدمي. طُرت في الهواء. ولولا الأثير لكنتُ متُّ، أنا متأكد من ذلك."

هز أسرار رأسه وتابع: "قُذفت كورقة في إعصار لا يرحم. لا أعرف كم بقيت في الهواء. ساعات؟ أيام؟ استحيل معرفتها. انفتحت جهاة الجحيم السبع في تلك الليلة. مزق البرق الأحمر السماء، منيراً ما حولها. كان هناك... أشياء في العاصفة. وليست أوهاماً"

—رمش بعينيه نحو جبهة أميليا— "أشياء حقيقية."

ابلاعت أميليا ريقها. وشعرت بشعر قفاها يقشعر.

تأمل أسرار قائلاً: "لا بد أنني أغمي عليَّ. من الإرهاق أو الاصطدام، لا أعرف. استيقظت مدفوناً حياً. الرمل يضغط عليّ من كل جانب. كافحت، متسلقاً طريقي إلى الخارج. ومع كل حركة كنت أغرق أكثر فأكثر، وحينها..."

أخذ البشري رشفة بطيئة أخرى.

"انفتحت الأرض تحتي، ووقعت. وهناك وجدت الهيكل."

"الهيكل؟"

"نعم، أيها الساحر الشاب. الهيكل. ظننته أراكيان في البداية، لكن بينما كنت أجوب قاعاته القديمة، أدركت أنه أشهندي. عرفت ذلك بسبب النقوش واللوحات التي وجدتها، وهناك وجدت إجابة لشكوكي."

التوت شفتا أسرار لأعلى.

"روت قصة، نُحتت قبل ثمانمئة سنة. روت عن المعركة الأبدية، وعما تسمونه الخلاف الطويل. تحدثت عن مقاومة سوريا واللحظة التي وصلت فيها."

أغمض أسرار عينيه.

"أتمنى لو امتلكنا تصويراً محمولاً حين كنت أصغر سناً، فلما أعتمد سوى على ذاكرتي. لكنه كان هناك، التأكيد."

"التأكيد؟"

"أظهرت النقوش لحظة وصولها. لقد سجلت مظهرها."

لمعت عينا أسرار.

"طفلة مورا. عنكبوت عظيم. كانت تعلو تلاً. مخلوقاً أطول من أي مبنى. حاربت أملام، مهزومة أعظم أعداء أجدادنا. ثم... ثم أراها متخذة هيئة شيطان، الهيئة ذاتها التي ترتديها الآن."

فكرت أميليا: يبدو كالتجسد. أكان ذلك شكلاً خاصاً من شظيتها، أم كان تجسيداً عادياً للكلمة الثانية معززاً به؟ لم تكن متأكدة من الخيار الأول، لكنها عرفت أن الخيار الثاني كان ممكناً. كان تجسيد أسقليبيوس الخاص بها غير معتاد، وكان تجسيد سويجين الخاص بها أكبر بكثير مما وصفته السجلات.

قال أسرار وهو يقبض قبضته: "حينها عرفت. أن القصص لم تكن صحيحة فحسب، بل إن فخرنا، فخرنا البشري، كان شيئاً لا يمكن انتزاعه أبداً. أراضي سوريا القديمة، ما يشكل الآن نطاق راكنام، جبال سالابان، والرمال الحمراء—إنها مروية بدماء أجدادنا. دماء بشرية، أيها الساحر الشاب. اختلطت الدماء البشرية ودماء الشياطين في تلك الليلة، واختلط الاثنان بدماء هي التي تحمل في جوفها دماء السيادة. حاربنا معها من أجل حقنا في الوجود في هذا العالم، ضد الرعب."

لذا..."

رمش أسرار ببطء.

"افتخري بكونك بشرية، أيها الساحر الشاب. فخراً حقيقياً."

قالت أميليا متفاجئة بيقين صوتها الخاص: "سأفعل."

ثم عادت فقالت: "سأفعل."

ابتسم أسرار لذلك. استند بعمق أكبر في فراشه وتنهد.

"رغم ذلك، كان الأمر غريباً..."

"ماذا كان؟"

"أحدهم... أحدهم أتلف اللوحة. لقد كان نقشاً طويلاً، أطول من هذه الغرفة ثلاث مرات. لكن النصف الأول قد دُمر. لعل معركة وقعت في الغرفة؟ لا أستطيع تخيل سبب قيام شخص بتعمد فعل ذلك."

هز أسرار رأسه.

"إنها لخسارة عظيمة، أيها الساحر الشاب. كنت سأود بشدة معرفة ما عرفه الأجداد عن بداية الليلة الأبدية."

سألت أميليا بسرعة: "أتدكر أين كان؟"

قال أسرار: "لقد بحثت. لسنوات بعد ذلك، بحثت، لكنني لم أستطع العثور عليه مجدداً. توقفت في النهاية، لأنني في قرارة نفسي، لا أعتقد أنني أردت العودة."

"لمَ لا؟"

عبس أسرار.

"بطريقة ما عرفت أنه لو قُدر لي إيجاده مجددًا... لكنتُ متُّ."

رمشت أميليا.

"كنت ستوت؟"

"لعل السبب في ذلك هو تقدمي في السن، لكن كلما تذكرت وقتي في ذلك الهيكل أزداد اقتناعاً..."

وتمتم بشيء ما.

"مقتنع بماذا؟"

التقت نظرات أسرار بنظراتها.

"بأنني لم أكن وحدي هناك بالأسفل."

أخذت أميليا نفساً حاداً.

ألقى صوت بارد نبرته: "المتحدث أسرار."

أطلقت أميليا صرخة خافتة، وقفزت حين ظهرت سيرينا بجانبها. وأسبغت عليها حركتها نظرة غريبة.

قالت أميليا: "آسفة. لقد اندمجت في قصة أسرار —أعني، المتحدث أسرار."

ألقت سيرينا نظرة حذرة نحو البشري طريح الفراش وقالت: "أه؟ قصة؟"

أدار أسرار رأسه ليواجه السقف. لعل الإرهاق نال منه بسبب قصته، أو لعلها كانت إهانة خفية تجاه سيرينا. وأياً ما كانت، لم تتفاعل سيرينا.

"كنت أخبر الساحر الشاب عن تراثها."

تساءلت سيرينا: "تراثها؟"

قال أسرار: "إلى هذا العالم. إلى هذه الإمبراطورية. لقد حاربنا نحن البشر من أجلها تماماً مثل الشياطين. لقد قابلت شرقيين من قبل، وأنا أعرف أنكم تدعون كاسكاديا إمبراطورية الشياطين."

ضحك أسرار بخفة.

"لكن هذا خطأ. الإمبراطورية ليست شيطانية. إنها كاسكادية. ادعاؤنا عظيم كادعائكم."

قالت سيرينا بحزم: "لم أقل أبداً إنه ليس كذلك. وحين تقول 'ادعاؤنا'..."

قالت أميليا بهدوء مشيرة إلى قرنيها: "إنه يعرف بشأن الأوهام."

ثم حركت فمها لتغطية حركته تحسباً لنظر أسرار في طريقها وقالت صامتة "لكنه لا يعرفني".

أومأت سيرينا برأسها إيماءة خفية رداً على ذلك.

أردفت سيرينا ببرود: "بالنسبة لرجل يدافع عن الجمهورية الإسحاقية بهذا الإصرار، تبدو إمبريالياً للغاية. بغض النظر، لست هنا للطعن في ادعائك أو تراثك."

رد أسرار وما زال ناظراً للأعلى: "كان يمكن خداعي بعد الليلة الماضية."

أخذت سيرينا نفساً بطيئاً.

"أغاضب أنت؟"

"...الغضب ليس الكلمة الصحيحة."

"إذن ما هي؟"

صمت أسرار لست ثوانٍ.

وقال أخيراً: "غيظ."

"لا تبدو ممتلئاً بالغيظ تماماً."

"توجد أنواع عديدة من الغيظ، أيها المتحدث تحت بلهايم."

"وأي أنواع الغيظ تشعر بها الآن، أيها المتحدث تحت بيرين؟"

"تلك التي تتساءل متى ستغادرون مدينتي."

نقر سيرينا بلسانها.

وقالت: "سنغادر الليلة. قبل انتهاء مهرجاني الحوت القوسي."

"...جيد."

لم تقل سيرينا شيئاً لفترة.

وفي النهاية، أشارت إلى هيلبراند قائلة: "سيمنحك ضابطي الطبي أفضل علاج يمكن أن يناله متحدث متعافٍ في إمبراطوريتنا الكاسكادية."

ثم ضمت قدميها معاً وانحنت له انحناءة سامينو مقتضبة.

"يمكنك إرسال الفاتورة الخاصة بالإصلاحات إلى منزل هالين."

لم يرد أسرار.

"طاب يومك، المتحدث أسرار."

نظرت سيرينا إلى أميليا.

"آنسة ليونا، لنتابع يومنا."

همهمت أميليا: "ممم."

والتفتت إلى أسرار.

"كان لقاؤك رائعاً."

"ليُنر بيرين دربك، أيها الساحر الشاب."

رددت أميليا التقليد الجنوبي وتبعَت سيرينا. وما إن بلغتا العتبة حتى أوقفهما صوت أسرار في مسارهما.

قال: "المتحدث هالين."

استجابت سيرينا: "نعم؟"

"هل... استمتعتِ بإسحاق؟"

رمشت سيرينا. وألقت نظرة خاطفة على أميليا قبل أن تعيد نظرها إلى أسرار.

"كانت... محتملة."

ابتسم أسرار بخفة.

"جيد. هذا جيد."

تدارسا النظرات لبضع ثوانٍ. ثم، بلا مزيد من الكلمات، استدارت سيرينا وغادرت. وثبت أميليا خلف الشيطانية، وأفكار عديمي الهيئة والهياكل تدور في عقلها.

من مقعدها المتميز في شرفة الرعاة، أتيحت لتيفيرا إطلالة كاملة على حلبة إسحاق. بعد توتر الأسبوع الماضي، صمّمت على الاسترخاء لساعة أو ساعتين على الأقل. أقمار السماء، لقد احتاجت إلى ذلك حقاً. لم يكفِها فقدان البلورة السوداء، بل كانت على شفا حرب حدودية مع الأيدي الحمراء. رغم التئام كسر أنفها بسرعة، لم يفلت أمرها عن أعين أعدائها. فقدت السيدة هوك لمستها الساحرة، هكذا همست خافيات عالم إسحاق السفلي.

نفضت تيفيرا قرنها، عادة قديمة من أيام صباها. كفّي عن الاجترار، حدّثت نفسها. ما حدث قد حدث. امضي قدماً. أجبرت نفسها على التركيز على الحلبة. مينيس باستت، سيّد كاسكاد المقيم في إسحاق، كان في الأسفل. أخذ يشعل حماس الحشود، ويثير شغفهم للنزالات القادمة. استندت تيفيرا إلى الوراء، تاركة صوت مينيس المعزز بهالته يغمرها. بدا مهدئاً بشكل غريب. عندما هربت إلى الجنوب للمرة الأولى، لم تظن قط أنها ستجد جنوبياً جذاباً، ولم تشعر أبداً أنها قد تعتني بشخص خشن المظهر مثل مينيس باستت.

يا له من مؤسف امتلاكه زوجة محصنة بمكانتها وحدها. وإلا لكانت تيفيرا تميل لفتح باب معها. تنهدت، ومدّت يدها إلى الجانب لتلتقط قطعة من بطيخ ميرزا، مرشوشة بقليل من القرفة. على الأقل يمكنها الآن الانغماس في بعض الترف ومراقبة البشر وهم يهشمون رؤوس بعضهم دموياً في الأسفل.

لو لم يكن— "بعد الظهر."

انتفضت تيفيرا واقفة، والتفتت مستفرغةً هالتها. ما أن رأت مصدر الصوت حتى خفّضته سريعاً إلى وميض هادئ. أقمار السماء، لقد أصبحت فزعة هذه الأيام.

"أنا فقط،"

قالت ساهيرة، بابتسامة سهلة على وجهها ويدين مرفوعتين في استسلام ساخر.

"لا تتسللي نحوي،"

ردت تيفيرا، ملوحة بيدها اليمنى لإشارة تجلس ساهيرة.

"أنت مثل وشق متسلل."

"شاوا، أتمنى ذلك."

أشرقت ساهيرة بابتسامة واسعة، مستقرة في الكرسي المجاور لها.

"إن لم تمانعي..."

مدت المرأة يدها والتقطت طبق الفواكه.

"يبدو الجلوس هنا مترفاً. أه، لديك لوكوا أيضاً، أيمكنني...؟"

أبعدت تيفيرا يدها بضربة خفيفة.

"أخبرتك ألا تظهري وجهك حتى تملكي معلومات أكثر."

"حسناً، ها أنا هنا، أليست كذلك؟"

هزت ساهيرة كتفيها، مسحبة مظروفاً. لوّحت به أمام وجهها، محركة إياه بمرح.

"الآن هذا كان صعب المنال. لا يتعلق الأمر بامتلاك أصدقاء في الأماكن المناسبة فحسب. شبكة الرسائل الأثيرية حول شيلوه تواصل التعطل بسبب العواصف. استغرق الأمر ست محاولات للعثور على نافذة حيّة."

خطفت تيفيرا المظروف. فتحته وبدأت بالقراءة.

"فينيلا برايت..."

تمتمت.

"تلك هي العاهرة التي كسرت أنفي."

قلبت الأوراق.

"هيناكو أيكاوا؟ لما يبدو هذا مألوفاً جداً؟"

"ربما بسبب هذا."

ناولتها ساهيرة منشوراً. وثيقة رأتْها في وقت مبكر من ذلك اليوم — برنامج النزالات القادمة للحلبة.

"إنها تخوض ظهورها الأول اليوم. في الواقع..."

تطلعت المرأة فوق الشرفة.

"يجب أن تكون نوبتها تالية."

"إنها ضابطة،"

قرأت تيفيرا.

"منذ متى تسمح الأدميرالية الشرقية لضباطها بمسيرة مبارزة؟"

"المنتقمة ليست تحت إمرة الأدميرالية الشرقية،"

قالت ساهيرة، مستندة إلى الوراء ومفرقعة قطعة بطيخ ميرزا في فمها.

"أعني، هي كذلك على الورق"—أشارت نحو الوثائق—"ولكن سراً، سمعت همسة تفيد بأنها تعمل خفية لصالح الاستخبارات."

"ما الذي جعل الاستخبارات مهتمة بإسحاق إلى هذا الحد؟"

فكرت تيفيرا.

"قراصنة؟"

كانت إجابة بديهية، لكنها لم تفسر سبب إرسال تلك السفينة.

"مررت بجانب الأحواض سابقاً،"

تفكرت.

"لقد انتهوا من طلاءها باللون الأبيض، لذا لابد أنهم يتوقعون البقاء في الجنوب لفترة. بدا الأمر وكأنهم يستعدون للإبحار."

نظرت إلى ساهيرة.

"لا بد أنهم زودوا مدير الميناء بجدول رحلات. أيمكنك الحصول عليه؟"

هزت ساهيرة رأسها.

"الحصول على معلومات من طارق؟ استخراج الدم من الحجر أسهل. لا تقلقي حيال الأمر أكثر من اللازم. قد تكون سفينة مميزة، لكنها تظل سفينة واحدة، حتى لو كان قبطانها قبطان النار الجهنمية. علاوة على ذلك، كنت لأظن أن جلب غضب مركزية سيكون مفيداً لنا؟ لن يرسلوا أسطولاً إلى هنا لتحطيم وكار القمار أو دور اللهو الخاصة بك. سيكون ذلك لتطهير الممر. إن نزلوا وأبادوا الأيدي الحمراء، فلن يعود ذلك بالنفع إلا عليك."

"صدقيني، لا ترغبي في رؤية ما تستطيع مركزية فعله عندما تعقد العزم."

هزت تيفيرا رأسها وقلبت الصفحة التالية. كان تقريراً عن سيرينا هالين — قبطان النار الجهنمية — متحدثة ناريان. قاومت قشعريرة سرت في بدنها. حتى عبر الصورة، بدا الأمر وكأن المرأة تحدق فيها.

"آه، هذا صحيح،"

تمتمت تيفيرا.

"هي التي تقف خلف حادثة قافلة الاتحاد."

تثاءبت ساهيرة وتمطت.

"هفوة في مسيرة عسكرية لامعة بخلاف ذلك. صدقيني، لا ترغبي في تشابك قرونك مع قرونها. تمتلك كل شيء يدعمها. الثروة. المكانة. قرون غزلان ضخمة في مناصب عليا. آل هالين يسحقون عمليات مثل عملياتنا كتمارين صباحية على الأرجح. أراهن أن—"

"ساهيرة."

"عذراً."

قلبت تيفيرا الصفحة.

"تلك هي،"

قالت.

"التي أخبرتك عنها."

قرأت الاسم بصوت عالٍ.

"ليا ليونا،"

تمتمت.

"نصف زرقاء، نصف سامينو. ارتادت أكاديمية أسامايوا للضباط تحت إمرة المعلم الأعظم شون. لم تتخرج قط. تفضل سحر جليد مارزانا. أشادت بها المتحدثة إنوي لتحقيقها... الدائرة الثانية؟"

هزت تيفيرا رأسها.

"هذا ليس صحيحاً. إنها أكثر من ذلك، أقول لك."

"أمتأكدة أنت؟"

أماتت ساهيرة رأسها جانباً.

"أقول لكِ،"

قالت تيفيرا.

"إنها متحدثة. لقد استخدمت اللون الأصفر في ذلك النزال. لقد حمت عدة أشخاص. هذا ليس شيئاً يستطيع ساحر من الدائرة الثالثة فعله بهذه البساطة."

حين استرجعت تفاصيل النزال، وخزها أنفها. كانت تيفيرا مقتنعة بأن الشيطانة كانت متحدثة سرية. كيف استحضرت كلمة وهي بمثل هذا العمر الفتي، لم تدرِ. أياً يكن الأمر، كانت تيفيرا جازمة. حدستها المعزز بهالتها الصفراء قد التمحت القوة الحقيقية لتلك المرأة. نظرت إلى ساهيرة لترَ المرأة تبتسم.

"ماذا؟"

سألت.

"كنت سأود إخبارك بأنك مخطئة، وأن قلقك ليس سوى غرور محمحم لمحارب محطم، لكن..."

أطلقت الشيطانة صففراً خافتاً. مدت يدها وفتشت الورقة.

"كنت على حق. إنه غطاء."

منحت تيفيرا الشيطانة نظرة ثاقبة.

"غطاء لمن؟"

"لست عليمة بكل شيء،"

أجابت ساهيرة.

"لا أعلم."

طقطقت تيفيرا بلسانها. صفعت الورقة بإحباط.

"هذا لا يفيد. أحتاج إلى شيء. أحتاج إلى مبرر. أحتاج... إلى تفسير."

"لذلك الرجل؟"

"نعم."

ربما كان ذلك من نسج خيال تيفيرا، لكنها أقسمت أنها شعرت بأنفاس شخص يلسع قفاها. مدت يدها للخلف ودلكت المكان.

"أحتاج إلى معلومات. إن استطعنا معرفة من أو ما الذي أبدى هذا الاهتمام البالغ بالتدخل في خططه، فسيمكننا تجنب..."

توقفت تيفيرا عن الكلام. ماذا كانت تحاول تجنبه؟ المحو؟ الإبادة؟ واجهت ساهيرة.

"ألديك أي شيء آخر؟"

"حسناً..."

همهمت ساهيرة، ضاقت إصبعاً على ذقنها.

"لدي اسم حقاً."

"اسم؟"

"نعم..."

كرمشت ساهيرة وجهها.

"إنه من تلك الأسماء التي لا ينبغي نطقها بصوت عالٍ. من تلك الأسماء التي يختفي بسببها الناس إن شرعوا بالبحث عنها."

عبست ساهيرة.

"أنا جادة. لا تطلبي مني البحث في هذا الاسم أكثر من ذلك. لن أفعله، وينبغي ألا تفعليه أنتِ أيضاً. إن منحته لك، فلا تقرئيه حتى. امنحيه لتلك الرجل وانسي أمرره. إن كان نصف الرجل الذي تقولين إنه عليه، سيجده قيّماً بالقدر الكافي ليغفر ما حدث."

أدركت تيفيرا أن المرأة لم تكن تمزح. أخذت نفساً بطيئاً. لم تجب فوراً، مفضلة بدلاً من ذلك النظر إلى النزال في الأسفل. كانت هيناكو أيكاوا هناك، تستعد لقتالها الأول. بدت توتر، بينما بدا خصمها الإسحاقي هادئاً، لكن تيفيرا عرفت من سينتصر. لقد رأت مواهب امرأة أيكاوا شخصياً بالفعل. وهناك المرأة الغامضة نفسها. كانت ليا ليونا بين المدرجات.

وسط ضجيج آلاف المتفرجين، لم تكن هناك أي فرصة تقريبا لسماعها، ولكن من حركة فمها، أقسمت تيفيرا أن المرأة كانت تصرخ بشيء شبيه بـ «هيا يا هيناكو، هيا!»

بينما تلوح بقبضتها في الهواء. أيمكن أن تكون تلك المرأة متحدثة حقاً؟ ماذا سيقول ذلك الرجل إن وجهت تيفيرا أنظاره نحوها وتبين خطؤها؟ احتاجت إلى ضمانة.

"أعطني إياه،"

قالت بحزم. منحتها ساهيرة ابتسامة واهية ومدت يدها إلى جيبها. سحبت ورقة صغيرة.

"أنا جادة،"

قالت.

"علينا التواري عن الأنظار بعد هذا. إن كانت الشائعات—لا، ليست حتى شائعات. إن كانت الهمسات الغامضة والمكتومة حول هذا الاسم صحيحة ولو بنسبة ضئيلة، فيجب علينا طلب بعض الخدمات والانتقال إلى أراضي القراصنة في الممر. انتظري حتى يهدأ اهتمامهم بإسحاق وبكل ما يفعلونه مع قبطان النار الجهنمية."

"فهمت."

خطفت تيفيرا الورقة.

"سأكون حذرة—"

انفجار ضخم من صوت الحشود جذب انتباهها. انتهى النزال بمجرد أن بدأ. أطاحت هيناكو أيكاوا بخصمها بسرعة جعلته يعجز عن إيجاد دفاع مناسب في مكانه، ليصبح الآن معالجا لبعض الضلوع المكسورة. بدت شيطانة سامينو مبتهجة بينما أعلن مينيس تأهلها للجولة التالية.

"لا تقولي إنني لم أذرك."

وقفت ساهيرة.

"أترحلين؟"

"كل هذا العنف؟"

لفت ساهيرة عينيها.

"لا أستطيع فهم ما تجدينه ممتعاً فيه. كان يجب أن تولدي رجلاً. لا..."

انحنت للأعلى والتقطت قطعة أخرى من بطيخ ميرزا.

"سأبحث عن شيء أفعله يليق بسيدة محترمة."

أكدت كلماتها باستدارة.

"مهما يكن،"

ردت تيفيرا.

"أراكي لاحقاً."

"أراكي لاحقاً."

غادرت ساهيرة، تاركة تيفيرا وحدها مع بطيخ الميرزا، واللوكوا، وقبل كل شيء، ورقة اللعب التي واصلت فركها بين أصابعها. عبثت بتمزيقها، فساهيرة لم تكن تمزح حين حذرتها. لكن... لا... لقد احتاجت إلى هذه المعلومات. نظرت خلفها. كانت وحدها. إنه مجرد اسم. كم قد يكون سيئاً؟ سأقرأه فحسب، فكرت تيفيرا. لن أبحث فيه أبعد من ذلك. فتحت الورقة. كتبت ساهيرة الاسم بخط صغير، وكأن كتابته بحجم أكبر ستستدعي اهتماماً غير مرغوب فيه.

لم تعرفه، وليس وكأنها توقعت ذلك. هذا اسم شخص يخيف ساهيرة أكثر من ذلك الرجل؟ شخص متوغل في حبائل العالم إلى حد أن مجرد البحث فيه يضع قدماً في القبر؟ فتحت فمها لتنطق به بصوت عالٍ، قبل أن تكبح نفسها. غريزة عميقة أخبرتها بألا تفعل. استقرت على قراءته مرة أخرى. أثيلستان تشيسترفيلد. حفرت تيفيرا الاسم في ذاكرتها، ثم مضغت الورقة وابتلعتها. حسناً، لم يعد هناك دليل الآن. يمكنها الحفاظ عليه ك— صدر طقطقة صاخبة من الخلف.

بدأت تيفيرا بالاستدارة.

"أعُدتِ، ساهيرة؟"

قالت، ليتجمد دمها ما إن ملأ أنفها رائحة نفاذة لخبز محروق. نقرة مسدس وشعور الفولاذ البارد ضد رأسها تسببا في تدفق طوفان من الأدرينالين داخل جسدها.

"لا تستديري، سيدة هوك،"

قال صوت بارد.

"تعلمن أنني لا أُحب أن أُرَى."

"آه..."

هذا كل ما استطاعت قوله.

"لقد فقدتِ بلورتي،"

قال القرني الأسود بهدوء.

"إذن أخبريني كيف ستصلحين الأمر."