حين عادت بولينا أخيراً إلى الفدرالية بعد انقضاء أيام أسرها، تراءى لها جلياً أن شيئاً ما قد تغيّر. ما إن هبطت من وسيلة النقل الفدرالية وحطّت قدماها على برج الإقلاع الجوي، حتى انتابها شعور غريب. الأسقف المقوسة المنتفخة للقلعة الحمراء التي علت أفق نومينغراد لم تعد تفيض في نفسها بإحساس طاغٍ بالانتماء. وحين ألقت نظرة على سفن الحراسة العديدة الحائمة فوق مركز حكومة الفدرالية، أدركت أن محركات رفعها الدوية وتصميمات هياكلها الصندوقية لم تعد تمنحها ذات الشعور بالأمان.
ما الذي تغيّر؟ لم تُمنح بولينا وقتاً طويلاً لتتأمل تلك الفكرة، ولم تملك متسَعاً لتقدير لسعة برد الشتاء قبل أن تُقتاد في موكب إلى أعماق القلعة الحمراء السحيقة، نحو الزانازين القديمة التي لا تزال تحتفظ بأرضيات من الحجارة المرصوفة تعود لقرون خلت. كانت زنزانتها باردة، ولم يُؤتَ لها سوى بقايا أغطية رقيقة تتقي بها البرد. لم يكلمها أحد حين سألت، فألجمت لسانها عن الكلام سريعاً وأسلمت نفسها لصمت مبهم، ترتقب ما سيحل بها لا محالة.
ولم يونسها وسط أفكارها ووعاء الحساء المالح الخفيف الذي يُقيت رمقها سوى شرود ذهنها في متاهات بعيدة. مثل ذلك العقار الفاخر الذي أُسرت فيه يوماً في مكان ما بين جبال اليابسة الشرقية. فعلى الرغم من كونها أسيرة، أتيحت لها ملابس دافئة، وفراش وثير، وكتب تطالعها، بل وشاركت في نهاية المطاف بالعناية بالحديقة رغبة منها في شغل يديها بشيء مفيد. لم تدرك بولينا كم قضت من الوقت في زنزانتها لعدم وجود نافذة تُطل على الخارج.
كانت تأكل متى سنحت الفرصة وتنام حين يغشاها التعب. وفي لحظة ما، خامرها اضطراب فلم تتبين أكانت محبوسة لثلاثة أيام أم لأسبوع. لم يخبرهم أحد بالوقت، وساور بولينا قلق مرعب من ألا ترى ضوء الشمس أبداً. ثم في ذات صباح — أو لعلها ظهيرة، أو مساء — دلف حارسان إلى حجرتها وعصبان عينيها. قاداها الحارسان عبر الممرات، ثم انعطفا مراراً وتكراراً ودارا بها أحياناً لضمان عجزها عن حفظ الطريق، قبل أن يقررا وضعها في غرفة أخيراً.
ومن صوت السلاسل على المنضدة حين قُيِّد مكانها، واستمرار العصابة على عينيها حارمة إياها رؤية أي شيء، أدركت بولينا بجلية ما يجرى حولها. فهي في النهاية كاشفة صدق، وبركتها جعلتها على مألفة بغرف التحقيق التابعة للقلعة الحمراء وإجراءاتها.
صاح صوت رجل مفاجأة: "بولينا فولكوفا".
عجزت عن تبيُّن هوية صاحبه؛ فقد كان محتملاً أن يكون أياً من عشرات محققي الحزب.
أجابت: "نعم".
وإن كانت على صواب، فثمة شخص آخر في الغرفة. كاشف صدق آخر سيقف خلف ظهرها. سيتحقق هذا الشخص من إجاباتها مستعيناً ببركته وينقل مدى صدقها إلى المحقق. تماماً كما فعلت مراراً لا تحصى. ولم تكن بولينا تدري من يكون كاشف الصدق الآخر. حرص الحزب أشد الحرص على جعل كاشفي الصدق سراً مكیناً وألا يعرف أحد هوية زملائه. حتى حين كانت بولينا تُستدعى من مكتبها لتأدية مهام بركتها، كان الأمر يتم بغطاء محكم لكيلا يشكك زملاؤها المحللون في غيابها.
بدت الأسئلة يسيرة في بدايتها. أين نشأت، وكم بلغ عمرها، والمدة التي قضتها عملًا محللة. كانت كلَّها معلومات تعلم علم اليقين أنهم يعلمونها، بيد أنها تكتيك تحقيقي يؤدي غرضين. أولهما حملها على الكلام وقطع دابر صمتها، وثانيهما مساعدة كاشف الصدق في الغرفة على ضبط تردد بركته ليتوافق مع ترددها الخاص. لم تجرؤ على محاولة استخدام بركتها الخاصة. فقد ظل خطر وجود ناطق قوي في الغرفة أو بالقوارب قائماً دائماً لمراقبة مجريات الأمور وضمان عدم إقدام بولينا على أي حماقة.
هذا إن قدرت على فعل شيء يذكر في سبيل الهرب بأي شكل، حتى لو تاقت لذلك. لذا، أجابت عن الأسئلة باستقامة ونجاعة. وطردت سريعاً أي خواطر تتعلق بالمخادعة أو تقليل حجم الإجابات. أدركت بولينا مدى فعالية محققي الحزب، وعرفت أن أملها الوحيد في النجاة هو الشفافية التامة وعدم إبداء أدنى بادرة ولاء في غير محله. لم يمضِ وقت طويل حتى غدت الأسئلة عويصة.
"أبُذلت أي محاولة — بأي شكل من الأشكال — لاختبار مدى استعدادك للعمل جاسوسة لصالح استخبارات سنتراليس؟"
"أقط قطُّ عن عدم رضاك عن حكومة الفدرالية، أو سياساتها، أو قيادتها — حتى في السر؟"
"أتؤمنين بأن نموذج كاسكاديا في الحكم يحمل أي جدوى؟"
بدا أنه مهما توالت إجاباتها، سيطالعها سؤال آخر يتربص خلف الزاوية، يتبعه آخر، ثم آخر. امتد أمد التحقيق، وسُئلت بولينا عن كل شيء ولا شيء. سُئلت عما ستختاره بين طاعة أمر ما أو فعل ما تراه صواباً أخلاقياً، وفوراً تلا ذلك سؤال عما إذا كانت تعتقد أن أحداً في فريق ميدان كينهورو قد تعرض للاختراق. وفي نفس واحد، سُئلت عن رأيها في قائدة الفريق ناتاليا ماراكوفا، وتبعه مباشرة سؤال عما إذا كانت قد أبقت على أي اتصالات برقية أثيرية مع أي شخص طوال فترة أسرها.
ورغم إدراكها أن المحقق كان يبغي إرهاقها، لم ينفعها ذلك في مقاومة مساعيه. شاهدت هذا السيناريو يتكرر مراراً، وكان بغاية السوء كما ظنت تماماً. واضطرت مرغمة إلى الإقرار بمدى فعاليته المذهلة في كشف أي تناقضات، واستدرار الشعور بالذنب، واختبار ولائها للحزب. أحياناً كان المحقق يطرح سؤالاً ثم يعاود طرحه فوراً. وكان ينتقل بلا إنقطاع من موضوع لآخر، حارماً عقل بولينا فرصة الاستقرار لثانية واحدة.
مع ذلك، صرخت وثبتت. لم يكن بيديها حيلة أخرى. وكما هو متوقع، حتم عليها الأمر كشف وجود بركتها الأخرى، تلك التي تتيح لها رؤية واقع غريب بدرجات الرمادي وتفجير بلورات القمر. وحين شرعت في وصفها، استشفّت صدمة المحقق. صمت لدقيقة كاملة قبل أن يستأنف طرح الأسئلة، واستغرق منه الأمر عدة دقائق ليستعيد وثبته السريع والمضني. بعد ما ظنته ساعات عسيرة، انتهى التحقيق دون كلمة واحدة.
ووجدت بولينا قيودها تُفَك لتُقاد عائدة إلى زنزانتها. وحين أُزيلت عصابة العينين، لم تملك طاقة للنطق بحرف. كان ثمة وعاء حساء ينتظرها. ورغم أن بولينا لم تبتغِ سوى الانكماش على نفسها ككرة، إلا أن رؤية المزيد من الخضار في تلك الوجبة بعث في نفسها شيئاً من الانتعاش. وكانت ساخنة أيضاً. أخذت تحتسي الحساء بنهم، ثم أعادت الوعاء وأدوات الطعام عبر الكوة في بابها إلى الحارس، وزحفت نحو فراشها الرقيق لتستغرق في النوم.
في اليوم التالي، أعيدت إلى غرفة التحقيق. بيد أن قيودها لم تكن في هذه المرة موجودة، وأزالوا عصابة العينين.
حيّتها المرأة التي تقابلها قائلة: "بولينا فولكوفا".
أجابت بولينا: "...ناتاليا ماراكوفا".
توقفت للحظة، ومسحت الغرفة ببصرها لتدرك أنهما وحدهما.
واجهت قائدة فريقها السابقة وسألت بصوت خافت: "أنجحت؟"
"لقد نجحتِ".
"هذا حسن".
"لكن..."
رنّ صوت ماراكوفا وهي تميل إلى الأمام مسندة كفيها إلى الطاولة.
"كان هذا لاختبار ولائك فحسب. أريدك أن تراجعي معي كل شيء، منذ اللحظة التي تركتك فيها بذلك الزقاق في كينهورو. أخبريني بكل شيء عنكِ، وعن ساكاموتو، وما جرى في البرية شمال شيماشينا".
سردت عليها بولينا كل التفاصيل. كان المحقق السابق قد أجبرها بالفعل على سرد الأحداث نصف دزينة من الممرات، لذا وجدَت بولينا يسراً في إعادة حكايتها مرة أخرى. آثرت ماراكوفا الصمت في غالب الوقت، مكتفية بطرح سؤال سابر أو استفسار بين الحين والآخر، دون أن تعجز بولينا عن إجابة أي منها بإخلاص تام. ولم يبدُ على ماراكوفا التأثر الفعلي إلا حين بلغ الحديث سيرة أميليا وتجسد أسكليبيوس خاصتها.
"أأنت متأكدة تماماً بلا أدنى شك أنه أسكليبيوس؟"
"رغم اختلاف المظهر، لم يكن سوى أسكليبيوس قادراً على... إعادة تكويني".
ارتعشت بولينا، عاجزة عن كبح اضمئزازها من الإحساس الغريب لعودة روحها قسراً إلى جسدها المُعافى حديثاً. ولبرهة عابرة، وجدت نفسها في حالة وجودية استُبدلت فيها حواسها الأرضية بأخرى مغايرة — عجزت عن التعبير عنها مهما حاولت.
همهمت ماراكوفا: "ممم".
وأدخلت يدها في جيبها لتستخرج دفتر ملاحظات صغيرًا وقلم رصاص.
"بما أنك لم تعودي معصوبة العينين، ارسمي لي ذلك التجسد".
"حاضر، أيتها القائدة".
"لم أعد قائدة فريقك، بولينا فولكوفا".
"...حاضر".
مدت بولينا يدها وأخذت أدوات الرسم. أمضت عدة دقائق في تخطيط التفاصيل بأفضل ما أتيح لها. لم تكن بارعة في الرسم، لكنها نجحت في إبراز النقاط الجوهرية. أجنحة سوداء هائلة تمتد من شجرة إلى شجرة. ستة أطراف، بمخالب قادرة على تمزيق لحاء خشب الحديد. ريش كصلابة الفولاذ، لكنه يلين متى شاءت أميليا. وأخيراً، فرو أبيض ناصع بكثافة تفوق حتى فرو الفقمة الذي تستورده الفدرالية من الأراضي البعيدة في الشرق.
عقدت ماراكوفا حاجبيها وهي تحدق في رسم بولينا وتمتمت: "إن كان هذا هو أسكليبيوس حقاً، فلا طائل من هذا كله. ينبغي أن يكسوه الفرو الأبيض بالكامل، مع ريش متوهج كالذهب. وعليه امتلاك أيدي لا مخالب. ما هذا... العشوء في أحد ملائكة الملك؟"
لفظت ماراكوفا الكلمات بفحيح، وارتسم الاشمئزاز على وجهها.
"السموات الست، لا عجب إذن في ثورة المسيحية مؤخراً. لابد أن أسكليبيوس قد أخبر البابا. لن تصدقي بعض ما يناهز مسامعنا قادماً من القيادة العليا للفاتيكان".
قبل أن تتمكن بولينا من حسم أمرها بشأن المجازفة بطلب معلومات إضافية، نقرت ماراكوفا بإصبعها على الورق.
"كم بلغ حجمها؟ قارنيه بإحدى أشجار خشب الحديد هناك".
لبت بولينا الطلب بسرعة، مما دفع ماراكوفا لهز رأسها حين رأت الموضع الذي حددته على الورق.
"برية خشب الحديد التي تحطمت فيها طائرة ساكاموتو تتألف من أشجار عريقة وبكر. يتراوح طولها بين مئة ومئة وعشرين متراً. وإن وصل التجسد إلى هناك... فكم بلغ طوله؟ ثلاثين متراً؟ خمسة وثلاثين؟ ممم..."
أمالت ماراكوفا رأسها جانباً وهي تدلك صدغيها.
"ألعله تضخم مبالغ فيه لعدم تبادل التجسد؟ أم كان قسرياً؟ بيد أن هذا يتطلب قدراً هائلاً من الأثير..."
هزت ماراكوفا رأسها.
"اشرحي مجدداً كيف تصرفت حين أيقظتك".
وفيما كانت بولينا تستعيد مشاعر الخوف والمفاجأة حين رأت هيئة الكلمة الثانية لأميليا، قاطعتها ماراكوفا سريعاً متسائلة: "ما قصدك تحديداً بقولك إنها رفعت إبهامها لكِ؟"
"أم...".
قبضت بولينا يديها لتصنع قبضتين، ورفعتهما أمامها ثم بسطت إبهاميهما.
"هكذا، لكن كان لها أربع أذرع، لذا... ضاعف العدد".
"وهذا فعل تكرره كثيراً، حتى في هيئتها البشرية؟"
"نعم".
"تسك!"
نقرت ماراكوفا بلسانها. أسندت مرفقها إلى الطاولة، وذقنها على كفها. التفتت ببطء شارذة بنظرات زائغة نحو لا شيء. أدركت بولينا أنها تغط في تفكير عميق، فانتظرت باجتهاد أن تتكلم المرأة.
وبعد دقيقة كاملة، سألت ماراكوفا بهدوء: "أحدثيني عن اعتراف الحب".
تلعثمت بولينا: "ن-نعم. أحم!"
تنحنحت وأخذت تسرد كيف استخدمت أميليا بركة بولينا للتحقق من حبها لقائدة الشياطين ومجرمة الحرب، سيلينا هالين.
قالت ماراكوفا وهي تهز رأسها: "ما زلت أجد صعوبة في تصديقه، حتى بعد سماعه مجدداً. بشرية وشيطانة، وليست أي بشرية وأي شيطانة. أميليا ثورنهارت وقائدة جحيم النار. امرأتان. يا له من وضع غريب، أن يبلغ انحرافهما هذا المبلغ. لم أصادف قط شيئاً كهذا طوال مدة عملي بالمكتب".
ثم جعلت ماراكوفا بولينا تتابع سرد تجربتها حتى اللحظة التي فقدت فيها وعيها فجأة، مرجحة أن يكون ذلك بسبب تعويذة نوم ألقتها أميليا.
قالت بولينا: "حين أفقت، كنت في العقار. ولم أرى أميليا مجدداً حتى علمت بطلبها للقاء واقتيادي إلى أسامايوا".
همهمت ماراكوفا: "ممم... هدفها — الذي حدثتني عنه — المتمثل في مستقبل يتعايش فيه البشر والشياطين برخاء. أتظنين مستقبلاً كهذا ممكناً؟"
"أنا—"
توقفت بولينا، وقد باغتتها بأسئلة لم يطرحها حتى محقق الأمس. وأدركت حينها جهلها بما يجب أن تقوله.
"لا أعلم إن كنت قادرة على الإجابة عن ذلك، ناتاليا ماراكوفا".
ضاق محجر عيني ماراكوفا.
"ولماذا هذا، بولينا فولكوفا؟"
ابتلعت بولينا ريقها وعقلها يجول: "لأن... الإيمان بإمكانيته يتعارض مع منطقي وتجاربي الخاصة، لكنني أخشى العيش في عالم ينتفي فيه أي بصيص أمل لتحقق ذلك المستقبل. أرجو أن أكون مخطئة".
وإثر شعور مباغت بالثقة انبثق من ركن مجهول في عقلها، واجهت بولينا نظرات ماراكوفا وقالت: "إن كانت هي — إن كانت أميليا — فقد يصبح ممكناً".
انثنت شفتا ماراكوفا بابتسامة طفيفة كأنها استظرفت إجابة بولينا.
"أهكذا إذن؟"
"...نعم".
"أعيدي عليّ سرد كل شيء، منذ اللحظة التي تركتك فيها".
انقضت نصف ساعة أخرى بينما شرحت بولينا بدقة متناهية الحكاية التي سردتها مراراً لا تحصى. في هذه المرة، لم تقاطعها ماراكوفا قط واكتفت بالاستماع.
وفي النهاية، سكنت المرأة بجمود غريب للحظة قبل أن ترد بصوت مستوٍ: "تعلمين، لقد أرادوا جعلك تقفين أمام الجدار جزاء ما كبدتنياه".
شعرت بولينا بأن دمها يتجمد في عروقها. أرادوا رميها بالرصاص أمام فرقة إعدام؟
أومأت ماراكوفا برأسها: "هذا صحيح. حتى بصفتك كاشفة صدق، فهناك حدود لتحمل الحزب. لكن..."
التقطت ماراكوفا أنفاسها.
"قدمت التماساً للمدير، وبجهد شاق... أقنع قائد الحزب. يجب أن تعي يا محللة فولكوفا، أنك صرت ذات قيمة من وجوه عدة. فلست كاشفة صدق فحسب، بل إن حماقتك في السعي خلف ثأرك وما جمعتِه من معلومات قد أنقذا حياتك".
تنفست بولينا بعمق، محاولة الحفاظ على استقرار نبرتها.
"أشكر—"
قاطعتها ماراكوفا مطلقة تلويحة نافرة: "لا تشكريني. إن كان من شكر، فأنا محظوظة لنجاتي دون أي عقاب يذكر. أقر بشعوري بنوع من المسؤولية. فقد أخفقت في حساب مدى... عزيمتك".
قالت بولينا: "أنا... آسفة".
"كم بلغ عمرك أثناء هجوم القافلة، بولينا فولكوفا؟"
أجابت بولينا وشعور بالغصة يعتصر قلبها: "اثنان وعشرون".
استنشقت ماراكوفا بحدة.
وحكت أنفها قائلة: "أنا امرأة قاسية يا بولينا فولكوفا. وأدرك هذا، وتصالحْتُ معه. سنوات طوال في المكتب تعرضك لأسوأ الأمور التي تترك لطخاتها في نفسك، سالبة إنسانيتك ببطء. نادراً ما يدفَعني شيء للبكاء، لكني لا أخجل من قول إن ثمة وقتاً بكيت فيه".
اشتدت نظرات ماراكوفا حدة.
"بسببك، وما فقدتِهِ. فما حدث لك لا يعد عادلاً أو مبرراً في أي عالم أو حيز، بولينا فولكوفا".
أحست بولينا بدموعها تترقرق: "أنا—"
"ما من أم ينبغي لها تجرع ذلك. أنا آسفة".
سقط قلبها في جوفها. وتدفق داخلها الإحساس المألوف بالحزن والألم.
وأدركت قرب اختناقها بفيض المشاعر المتفجرة، فلم تنجح سوى في إطلاق همسة واهنة: "شكراً لك"، قبل أن تطبق فمها خوفاً من أن تجهش بالبكاء والنحيب بغير إرادة.
ولحسن الحظ، بدا أن ماراكوفا تدرك صعوبة استمرار النقاش.
"وكما استشفبتِ من طريقة مخاطبتي لكِ، أيتها المحللة الكبرى فولكوفا، ستعودين لعملك في المكتب. لكن استرداد ثقة رؤسائك سيستغرق وقتاً. سيُعين لك حارس يرافقك كظلك في كل تحركاتك. وأنصحك بشدة ألا تتذمري. يتوقع منك تولي الأعمال الوضيعة في المستقبل المنظور، مع استمرار أدائك لدورك ككاشفة صدق. ستحتاج الكثير من التحقيقات لمشاركتك. كما سنجري اختبارات إضافية بخصوص بركتك الثانية، وحتى ذلك الحين، يُحظر عليك استخدامها".
وفيما كان عقل بولينا يطير شعاعاً، نهضت ماراكوفا وأردفت: "والآن، ستُقتادين إلى منزلك الجديد؛ فقد خُصِّصت لك شقة في إحدى المجمعات السكنية المبنية حديثاً. وستجدينها عصرية ومريحة للغاية. لقد حرصت على تجهيزها وتوفير المؤن فيها. غير أن..."
التقطت ماراكوفا أنفاسها.
"هذه آخر معروف يمكنني تقديمه. فأي زيادة ستسبب لي إشكاليات، أفهِمْتِ؟"
تمكنت بولينا منتمتمة: "...نعم".
قالت ماراكوفا: "سأتركك لتستوعبي الأمر".
وغادرت المرأة غرفة التحقيق بلا كلمة إضافية، تاركة بولينا وحدها مع هواجسها. لم تكد بولينا تلاحظ مغادرتها؛ فقد كان عقلها أسيراً لأمرين لا غير. مشاعرها المؤلمة القديمة منها والجديدة، الباهتة والحادة. و... ابنها. الطفل الذي اغتالته سيلينا هالين.