متّلك رومولوس جسداً طويلاً عضليّاً بكساء حريريّ يتدرّج من فضّيّ ناعم إلى رماديّ فحميّ عميق. غرقت يد أميليا حتّى نصفها في صفده الأشعث الساقل على عنقه وصدره ليغدو بشبيه الشاوا. انتصب ذيلاه الكثيفان الغليظان كريشتين عظيمتين وهما يرصدان حقل الأثير. أطلق رومولوس مواءً آخر ونفضا أذناه الطويلتان المخصّلتان ذهاباً وإياباً استجابةً للمؤثّر. تلألأت عيناه الكوبريّتان ببريق باهر وسط كسائه اللافت.
قالت مينيس وهي تعقد ذراعيها وتحدّق في أميليا المغروسة حتّى نصفها في كساء رومولوس الممتدّ: "يا أنيساي، لقد عثرت على بيكا أصيل. أتعرفين أنّهما أترا في الأصل من الجنوب ودجنتهما سلالتي الأشنديّة؟ توجد الآن أنواع شتّى في أماكن شتّى. هذا شماليّ، وأنا أعرف ذلك من وبره".
هزّت أميليا رأسها محاولة الرؤية من وراء رومولوس الذي بدا عازماً على حكّ عنقه بذقنها: "ليس هكذا، ليس هكذا، هي... أليس الجوّ حارّاً جدّاً عليه هنا أسفل؟ ألن يعاني في إسحاق؟"
أوضحت مينيس: "إنّها كائنات قابلة للتأقلم يا أنيساي. يطرحون وبرهم ليبردوا. لكان حجمه أعظم لو وضعته في مكان بارد".
بدت مينيس فخورة بتفسيرها الخاصّ قبل أن تقطب وتلتفت إلى سرينا: "... قابلة للتأقلم؟"
تساءلت ورافع حاجبها.
صحّحت سرينا: "مرنة".
"آه".
التفتت مينيس إلى أميليا مبيّنة: "إنّها كائنات مرنة يا أنيساي".
استدارت أميليا قليلاً ليواجه رومولوس القائد الأراكيّ وقالت: "أتريدين إلقاء التحيّة؟"
بدت مينيس حائرة لبضع ثوانٍ قبل أن ترفع يدها ببطء وتلمس قرنيها وتمتمت: "مرحباً...".
ضحكت أميليا بخفة وقالت: "أقصد، أتريدين التربيت عليه؟"
تراجعت مينيس نصف خطوة وبسطت يديها براحتين إلى الأمام وقالت: "هاه... لا حاجة يا أنيساي. يجعلونه أعطس. لديّ... حالة؟ لا، ليس هذا بصحيح... ألدّي مرض؟"
اقترحت سرينا: "أنت مصابة بالحساسيّة؟"
ضحكت مينيس وهي تحكّ مؤخرة رقبتها وقالت: "نعم! لغة الإمبراطوريّة لغة مزعجة بحقّ، أتعلمين؟ الحاكيّة أبسط بكثير. ليست لدينا عشر كلمات لنصف الشيء نفسه".
تمتمت أميليا بصوت خافت وهي تعانق رومولوس: "يا له من عار...".
كانت عيناها متقدتين ومليئتين بالتفكير بالطريقة التي عرفت سرينا أنّها لا تعني سوى أمر واحد. لا ريب في أنّه في وقت ما من المستقبل سيجد مينيس سيّد الإسحاقيّين نفسه وقد شفي من حساسيّة البيكا خاصّته.
قال آلاريك: "سيقضي رومولوس هذا وقته مع المصابين، ويؤنس من لم يكونوا فاقدين للوعي".
مدّ القائد بالوكالة يده ومرّغ رومولوس ببعض التربيت.
"قد يكون الأمر مملاً وموحشاً حين لا تفعل شيئاً سوى التعافي. القائد هالين، أريد أن أطلب السماح لرومولوس بالبقاء في قاعتك الطبّيّة. سيعتني به أحدنا".
قالت سرينا ببطء دون أن تفوتها الرعشة الماثل في يدي الشيطانيّ وهو يربت على البيكا، ولا التوتر المشدود خلف صوته كوتر جيتار تحت ضغط مفرط: "لا تشغل بالكت يا قائد بالوكالة فوس. أسمح بذلك. أعرف من يضمن تلبية حاجات رومولوس".
راحت سرينا ترمق جماعة فينيلا العابرة وهي تعود إلى حطام السفينة لجلب آخر المصابين. كانت سيونمي تعمل بالفعل تحت إمرة هيلبراند في الطبّ وكانت مرشّحة مثاليّة لتكون راعية رومولوس. مع أنّه قد تواجهها مشكلة في فصل البيكا وأميليا لأيّ مدّة كانت. تسك! رفضت سرينا منافسة بيكا على اهتمام أميليا. حتى لو كان بيكيّاً مهيباً وأصيلاً فرومولوس.
نادت سرينا: "الملاصة برايت! أتحتاجين مساعدة؟"
صاحت فينيلا رادّة: "المساحة لا تكفي! سنقوم بالأمر، أيتها القائدة!"
وعلى إثر ذلك، شقّت فينيلا وفصيلتها طريقهما عودة إلى حطام السفينة.
بدأ آلاريك ببطء محوّلاً رأسه لينظر إلى سرينا ولامزاً ببصره نحو قرنيها: "إن سمحتِ، أيتها القائدة هالين، أأعادت البحريّة الشرقيّة اتّخاذ ضفر القرون وسيلة لتمييز الرّتب؟"
حاولت سرينا أن تبدو عارضة وغير مكترثة: "ليس تماماً، أيّها القائد بالوكالة. لقد اكتشفناكم في وقت غير مناسب. لقد أُخذت على غرّة".
تمتم آلاريك: "غير مناسب لكِ ربّما... الشكر للأقمار أنكِ أتيتِ حين أتيتِ، أيتها القائدة...".
ابتلع الشيطانيّ ريقه ورمقته سرينا وهو يعصر يديه معاً عاجزاً عن كفهما عن الارتعاش. لقد عرفت من خبرتها في ساحة المعركة أنّ ثمة إصابات تجهد الجسد وما فوق الجسد. كم اضطرّ القائد بالوكالة لتحمّله على هذه الصخرة الرماديّة؟ أكان مرعوباً من ألا يأتي أحد؟ أم مرعوباً من كونهما محكومين بالانجراف نحو الجزر المحطّمة؟ قد تضطرّ لطلب التدخل بحذر من أميليا.
زقزقت أميليا فجأة متبدّدة الأجواء القاتمة: "الشكر للأقمار، حقّاً!"
وهزّت كساء رومولوس متابعة: "نرى ضفر قرون القائدة يبدو رائعاً، أليس كذلك يا رومولوس؟ بلى، بلى، أليس كذلك؟ هيه..."
وتلاشت أميليا مترنّمة مع البيكا الذي بدا عازماً على مكافأة كلّ لمسة بمزيد من اللعقات.
قالت سرينا منبرة وتبذل جهدها لترمق بنظرة حادة: "آنسة ليونا. ريثما نتدبّر لوجستيات صائد الفئران الجديد، لِمَ لا توصلين رومولوس إلى خازن المؤن؟ أنا واثقة من أنّه سيحسن رعايته ريثما نمضي في عمليّات الإنقاذ".
قالت أميليا ببطء ثمّ استدارت قبل أن تلفّ برأسها سريعاً: "حسناً...".
ومع تعديل مربك لوضعية رومولوس نجحت في أداء تحيّة حماسيّة لسرينا وزقزقت "حاضر، أيتها القائدة!"
قبل أن تغادر أخيراً.
قال آلاريك: "أنت عارضة تماماً مع مرؤوسيكِ، أيتها القائدة هالين. سمعتُ أنّ قائدة الـ(فينجينس) تقود سفينة منضبطة وقروناً مستقيمة. أم أن الشائعات مضلّلة؟"
أجابت سرينا: "سفينتي مستقيمة، أيّها القائد بالوكالة. الآنسة ليونا ساحرة جليد تحت إمرة رئيس الطهاة. وأنت تعلم علم اليقين أنّ إزعاج طاقم المطبخ وصفة لكارثة".
ردّ آلاريك بطريقة بدت وكأنّه غير مقتنع بها: "أجل...".
قالت سرينا مغيّرة الموضوع: "فيما يخصّ الـ(إنديفاتيجابل)... ماذا—"
قاطعتها صخة قادمة من الجسر.
صاح داغون مخرجاً رأسه من الجسر: "بصمة سفينة! على بعد خمسة عشر كيلومتراً! عشر درجات، على ارتفاعنا! اتّجاه مقدّم السفينة! ثلاثون عقدة!"
وبينما كان يطنب في الوصف ظهرت أميليا مجدداً جارية على سطح السفينة ومجاوزة سرينا باتجاه الدرابزين. تبعتها سرينا مطوّلة بصرها نحو عتمة الجزر المحطّمة القاتمة. عنى اتّجاه مقدّم السفينة أنّ السفينة التي تحدث عنها داغون كانت توجه مقدّمها نحو الـ(فينجينس) كاشفة أصغر قطاع ممكن وأصغر هدف ممكن. أكانت سفينة أخرى رأت نار الإشارة؟ أيّ قائد مجنون سيكون أقرب ممّا كانوا هم إلى منزل راكنام؟
أطلّت أميليا من فوق الدرابزين مشيرة بحماس: "أراها! انتظر دقيقة"
قطّبت أميليا حاجبيها ومزت عينيها "لا تبدو كالسفينة... إنّها مستديرة جدّاً...".
دوى صراخ داغون مجدداً بمسحة فزع تتأجّج في نبرته: "إنّها حوت قوس! كبير جدّاً!"
ظهر آلاريك بجانب سرينا مرتعش اليدين لدرجة أنّه تشبث بالدرابزين محاولاً تثبيته: "إنّها... إنّها الأمّ. لقد عاد".
التفت الشيطانيّ إلى سرينا بتعبير يائس: "أيتها القائدة، يجب أن نغادر!"
تمتمت أميليا: "هي، أظنّها نفس التي من قبل...".
رمقت سرينا الشيطانيّ القلق بنظرة حادة وقالت: "شدّ عزيمتك واصلب قرونك، أيّها القائد بالوكالة! داغون!"
صاحت في وجه السطح.
"حالة الطوارئ العامّة! حمّلوا المتفجّرات و—"
ورمت سرينا برأسها نحو الفضاء الرماديّ المفتوح والنقطة الضبابيّة التي برزت بخفة في الخلفيّة وتكبر ثانية بعد ثانية "حمّلوا الخارقة!"
احتجّت مينيس: "يا سيّدتي! لا تعنين يقيناً أن—"
بصقت سرينا: "أعني ضمان بقائنا يا مينيس. أعني ضمان عبورنا هذا الممرّ الملعون من الأقمار حيث يعجز حتى نور الإمبراطورة عن بلوغه".
رمقته بنظرة محتدة لثانية واحدة قبل أن تلوي رأسها صوب آلاريك: "أيّها القائد بالوكالة، على أيّ مدى هاجمك حوت القوس؟"
"أنا..."
"أيّها القائد بالوكالة!"
"على مسافة... واحد، واحد ونصف كيلومتر، أيتها القائدة هالين".
بدا أنّ آلاريك يواجه صعوبة في إبقاء ساقيه مشدودتين.
"لقد طاف بالجزيرة وانقضّ علينا بقصف لم أره ولم أختبر مثله قط!"
ضحك آلاريك بارتجاف.
"ألا تعتقدين حقّاً بقتاله؟ هذا جنون!"
نادت سرينا: "داغون! أطلق متفجّرات على مسافة أربعة كيلومترات، وخارقة على مسافة اثنين!"
أجاب ضابطها الأوّل: "حاضر، أيتها القائدة!"
صاحت مينيس: "يا سيّدتي!"
تجاهلته سرينا.
ونظرت إلى آلاريك صعوداً ونزولاً وقالت: "أقترح أن تدخل للداخل. دع طبيبنا يلقي نظرة عليك... ويعطيك مهدئاً إن لزم الأمر".
حاولت التكلّم برقة لكنّ إلحاح الأمر يعني أنّها لا تستطيع انتظار آلاريك. وضعت يداً خلف ظهره ودفعته. تعثر القائد بالوكالة قبل أن يجد قدميه ويتوقف. استدار ونظر إلى سرينا بوجنتين شاحبتين.
"علينا... علينا الاختباء، أيتها القائدة هالين! سيصدمنا! لا نستطيع القتال ولا الهروب!"
بدأ آلاريك يضحك فجأة ويتمتم بهراء. وفي تلك اللحظة رأت سرينا ولأول مرة منذ زمن بعيد منظر رجل يتهاوى. استدار القائد بالوكالة وقد استهلكه خوفه وفزعه فركض مقتحماً الممرّ نحو الجزيرة. ركض مجاوزاً فينيلا والفصيلة اللذين كانا يخرجان بقايا الطاقم.
صاحت فينيلا متوسعة العينين وبرجاها يئزّان وتصطكّان لتبدآ دورتيهما محركتين برميليهما الجبّارين عشر درجات نحو الميمنة: "ما قصة هذا؟!"
داخل كبسولات الأبراج، سيكون طاقم مدفعيّة ثورن يعمل بجدّ لضمان جهوزيّة المدافع للانضمام إلى المحادثة القادمة مع ضيفهم الوافد.
صاحت سرينا: "حوت قوس! معادي على الأرجح! أحضروا المصابين وفصيلتكم إلى على متن السفينة!"
أجابت فينيلا وهي تعجل الفصيلة التي تحمل الشياطين المصابين على المحافّ: "حاضر... حاضر، أيتها القائدة!"
وحين عبرت الممرّ سألت سرينا: "وماذا عن القائد بالوكالة فوس؟ ما الذي لَوَى قرنيه؟"
قالت سرينا: "لقد خذله عقله".
ابتلعت فينيلا ريقها قبل أن تسأل: "آه... أتريدين أن أحضره؟"
هزّت سرينا رأسها. استناداً إلى المعلومات التي وفّرتها الاستخبارات عن الميرميدون، كان آلاريك فوس قادراً على الهالة الحمراء. ومع أن فينيلا أو حتى ميل كان بإمكانهما التغلب عليه وجلبه، إلا أن رجلاً في حالته قد يجعل العملية صعبة وخطيرة. فقد يلقي بنفسه من فوق الجزيرة مجاراً بغيره ربّما.
قالت سرينا ومضغت كلماتها: "إن نجا فسنحضره لاحقاً ونتحدث بحدة عن سلوكه. هيا، أيتها الملاصة، ادخلي للداخل".
هزت رأسها نحو الجسر فأطاعت فينيلا وفصيلتها سريعاً. أغمضت سرينا عينيها ومنحت نفسها نفساً طويلاً واحداً لتقييم ساحة المعركة القادمة. لم تكن هناك طريقة تتيح للـ(فينجينس) بهذه المرونة الرشيقة التفوق على حوت قوس في السماء. لو تيسر لهما الوقت، لكان الموضع الأفضل هو الإسراع نحو طبقة السماء العليا حيث تعاني أعضاء الرفع الخاصّة بحوت القوس لمجاراة محركات رفع الـ(فينجينس).
لكنّه الوقت الذي لم يكن بحوزتهنّ. لقد حسبت سرينا بالفعل أن حوت القوس سيعترض طريقهنّ قبل بلوغه. نطقت بلسانها. ثلاثون عقدة! يا له من سرعة مفرطة لكائن ضخم كهذا! لكان صدمهما ليسقطهما من السماء! لقد تحطمت الميرميدون إثر دخولها في دوران خارج عن السيطرة. ولم تكن سرينا تنوي مشاركة ذلك المصير. ستواجه الوحش عند موقعهما الحالي محتميتين جزئيّاً بالجزيرة. ومع الأسف سيعني ذلك على الأرجح أن الجزيرة ستتحمل العبء الأكبر من سحر حوت القوس لتمزّق ما تبقى منها إلى أشلاء، و— شعرت سرينا بتوسع عينيها حين تذوق عقلها تفصيلاً مهمّاً.
تبّاً. أين تلك الحفرة التي كان ساحر أرض الميرميدون يحفرها؟ أكانت عميقة بالقدر الكافي لمقاومة هجوم حوت القوس؟ ظنت سرينا أنّه هناك حيث ركض القائد بالوكالة فوس المكسور للاختباء. القائد بالوكالة فوس ذاته الذي كان يحوز حالياً رسمًا للسفينة التي هاجمتهما بحرب أثيريّة! تبّاً! عضّت سرينا على شفتها متوصلة إلى قرار. لم يكن آلاريك فوس وأيّ معلومات يحملها في جيب صدره واجبه الأول.
كان واجبها الأول هنا على السفينة، وهو— صاحت سرينا مخلوعة من أفكارها برؤية حبيبتها جارية على الممرّ وبني شعر رفيقتها البني الداكن يرفرف في الهواء: "أميليا!"
التفتت أميليا بنصف جسدها صارخة رادّة: "إنّه نفس الكائن من قبل! أستطيع إيقافه!"
"ماذا!؟"
"حوت القوس نفسه من قبل! أنا متأكدة! أشعر به ذاته!"
كانت أميليا تستغل تماماً تعاويذ حجبها لتعدو بسرعة خارقة للطبيعة فوق الجزيرة باتجاه قمتها.
صاحت: "سأبتعد عن السفينة! ثقي بي!"
صرخت سرينا وشعرت بساقيها تتحركان قبل أن يتوصل عقلها إلى القرار الحتمي بملاحقة حبيبتها: "يا إمبراطورة، أنقذيني!"
كانت أميليا، بعد كل شيء، واجبها الأول.
جاء صراخ مينيس المفجوع: "يا سيّدتي!"
صاحت سرينا عادية الممرّ: "ادخلي للداخل يا مينيس! أناثور! أخبر داغون أنّه في القيادة! متفجّرة على أربعة، تنغستن على اثنين!"
جاء الردّ العجل الخشن من اتجاه السفينة: "حاضر، أيتها القائدة!"
عدت سرينا فوق الجزيرة عابرة الصخرة الرماديّة ومتجاوزة حطام الميرميدون المتهالك. عبرت مرصاد الأثير المرتجل متبعة الدرب القصير إلى قمة الجزيرة حيث وجت أميليا واقفة بجوار نار الإشارة المشتعلة وجل اهتمامها منصبّاً على حوت القوس المقترب.
قالت أميليا بصوت خخفض لكن مسموع بالكامل لآذان سرينا المدعومة بالهالة: "إنّه هو نفسه. الذي التقيت به ذلك اليوم، أتذكرين؟ حين أعطيتني أول درس في فن المبارزة بحياتي؟"
سألت سرينا: "كيف... كيف عرفتِ؟"
هزّت أميليا رأسها بخفة وقالت: "أعرف فحسب. انظري! له العلامات ذاتها كما في السابق! سترمينه حين يقترب، أليس كذلك؟"
أجابت سرينا بجمود: "نعم، سأرميه. لنا الحقّ في الدفاع عن أنفسنا ضدّهما. وماذا... ماذا ستفعلين أنتِ؟"
أجابت أميليا مؤمئة بطريقة مطمئنة بشكل غريب: "سأجعله يعود. أنا بعيدة عن السفينة، أليس كذلك؟ يفترض أن يكون مسموحاً لي بذل بعض الجهد؟"
التفتت أميليا رامشة بعينيها المتألقيتين نحو سرينا. عينين مفعمتين بالأمل، والعزم، والإرادة الخالصة.
نظرت سرينا إلى حوت القوس المقترب وقالت: "أنا أثق بكِ".
كان على بعد ثمانية كيلومترات تقريبا، قريب بالقدر الذي يتيح لسرينا تبين العلامات البنفسجيّة والزرقاء على جسده. وعليها الاعتراف بأنه كان يشبه حقّاً حوت القوس الذي قابلتاه في طريقهما إلى كينهورو. كانت علامته مطابقة، ومع صعوبة تخمين حجمه بهذه المسافة بدا بحجم مماثل تقريباً. ثلاث مئة متر مذهلة، أكثر من ثلاثة أضعاف حجم الـ(فينجينس).
رفعت أميليا يداً باتجاه حوت القوس ومتمت: "عليك العودة... أنا آسفة لأنّ طفلك أُصيب... لكن عليك العودة..."
استشعار سرينا لأثير أميليا وزمجرته بابتهاج مع تدفق كمية مهولة منه شاقة طريقها عبر الفضاء نحو حوت القوس. لثانية واحدة، زلّ تمويه أميليا ولوح وميض من الذهب في شعرها قبل أن تعيد أعمال تعويذة الكاناكساي ضبط نفسها وتغطيه. تشكّل حاجز في السماء البعيدة. وقف درع متألق هائل من الأحمر الشفاف راسخاً ومباشرة في طريق حوت القوس. استطاعت سرينا رؤية أن أميليا قد نصبت الحاجز بزاوية لتسديد ضربة خاطفة توجّه حوت القوس عن مساره وتأمل أن تغير رأيه بشأن الهجوم.
حبست أنفاسها بينما واصل حوت القوس تقدمه نحو حاجز أميليا غير مبدٍ أيّ جهد لتفاديه. وحين عاد العقد في معدتها بقوّة كاملة، اصطدام حوت القوس بحاجز أميليا دون أن يبطئ سوى بالقليل فيما انثنى السحر ثم تهشّم بالكامل. بجوار سرينا، ارتجفت أميليا.
تمتمت أميليا: "آه... أنت قوي بحقّ، أليس كذلك؟"
رفعت أميليا يدها مجدداً قائلة: "إنّه غاضب. استشعرت ذلك حين أصاب حاجزي... إنه أقوى من كاتالين حين تقاتلنا معها".
أجابت سرينا: "كاتالين كانت تكبح نفسها. أتستطيعين إيقافه؟"
"نعم، أنا فقط... لا أريد إيذاءه".
"أتُراسلين النطق؟"
"أنا... ربّما. دعيني أجرب شيئاً أقوى. يبدو غريباً تحريك هذا القدر من الأثير بعد قضاء كلّ هذا الوقت متكتمة".
دارت أميليا دورتها الأثيريّة ساحبة من الغلاف الجويّ ما جعل الصخور حولها تبدأ بالطفو عالقة في حقل الأثير الذي أنتجته حبيبتها. ومع أن سرينا لم تنوِ إيقافها إن واجهت السفينة أيّ مشكلة، إلا أنها لم تستطع كبح نفسها عن الالتفت للوراء نحو الـ(فينجينس) للتأكد من عدم حدوث أيّ طارئ. بدت السفينة بخير. حتى الآن. فعّلت أميليا سحرها. وانطلق أثيرها للأمام مجدداً. التقطت سرينا خطوطاً من الأزرق الفضّيّ وحتى بضع بقع من اللون السحريّ للأوكْر قبل أن يتجلّى درع ضخم عند علامة ستة كيلومترات.
كان درعاً تيتانيّاً وجميلاً وتيقنت سرينا أن خارقات التنغستن الخاصّة بالـ(فينجينس) ستعاني لاختراقه. ومع إلقاء أميليا لتعاويذ دائرة عليا بعد النطق، كان هذا أكبر درع رأته حبيبتها تنتجه على الإطلاق.
صاحت أميليا مكللة بصوت مفعم بالأمل واليأس: "يجب أن تعود!"
مع اقتراب حوت القوس، لم تستطع سرينا إلا أن تسأل: "أهذا درع مارزانا؟"
مارزانا، ملكة الشتاء الشيطانيّة.
أومأت أميليا بوجه طافح بالتركيز بينما واصلت ضخّ الأثير معززة الحصن البعيد أكثر: "ظننت أنه سيكون ملائماً، بالنظر إلى مهنة ليا ليونا. آه، أرجوك أنجح... هاهو قادم!"
اصطدم حوت القوس بدرع أميليا. وخلافاً للمحاولة الأولى، لم يحطم طريقه عبره. بل عوضاً عن ذلك، انحنى درع مارزانا لكنه ثبت. وحين أصاب السطح المائل بجسده الضخم، وجد حوت القوس نفسه مفتولاً بقوة. انفتح فمه بزئير صامت بينما دار جذعه بشكل محرج. دفعت قوة الدفع بذيليه للارتطام بالدرع لتلتفّ بحركة طقطقة ذكرت سرينا بالسوط. سوط مصنوع من مئتي متر من ذيل حوت القوس. استدار الوحش في الهواء معتدلاً.
واكتسبت علامته صبغة حمراء وهو يضرب حاجز أميليا مهشماً إياه بضربة معززة سحريّاً لكانت أبادت أيّ سفينة صغيرة في السماء. وبغضب، وإصابة، ودون تراجع، واصل حوت القوس التوجه نحو موقعهما بانتقام متجدد.
صرخت أميليا: "لا! عليك أن تعود!"
قالت سرينا: "هناك خطب ما. لقد جُنّ بطريقة ما. لا يفترض أن يكون عدوانيّاً إلى هذا الحد".
شعرت بابتلاع ريقها واستدارت إلى أميليا: "ستبدأ الـ(فينجينس) بإطلاق النار قريباً. قد... قد تحتاجين إلى النطق".
"لكن..."
رأت سرينا أميليا تقبض على كفيها "ولكن السفينة؟"
قالت سرينا: "سأتحمل المسؤوليّة. مهما حدث".
صرخت أميليا بإحباط: "لو أنه يستمع فقط! أنا لا أريد إيذاءه...".
اتسعت عيناها فجأة حين التفتت إلى سرينا وقالت: "إن نطقت بـ(آسيكو)، يمكنني شفائه، أليس كذلك؟"
"إن كان يعيث فساداً لأن طفله مصاب... فهذا ليس ألماً يمكن شفاؤه، إلا إن عثرت على الطفل وشفيته. أنا—"
قاطعت سرينا إضاءة سماء محيطهما لفترة قصيرة بوميضين أحمرين. وبعد ذلك، بجزء من الثانية، وصل دوي أبراج الـ(فينجينس) إلى أذنيها. صفّر زوج من القذائف المتفجرة شاقّاً السماء باحثاً عن هدف حوت القوس.
أوضحت سرينا بسرعة: "حيتان القوس عرضة للبرق. ومثل مراصاد الأثير، يضرّها الكهرباء. إن استدعيتَ تارانيس، فقد تتمكن من صعق قليل من العقل فيه".
اندلع انفجاران على مقدمة حوت القوس ليفرياه لفترة قصيرة بالنار والدخان. فتح حوت القوس فمه بزئير محبط بدا لثانية وكأنه يسخر منهما.
قالت أميليا: "ت... تارانيس، أليس كذلك؟"
قالت سرينا: "اتبعي حدسكي يا أميليا. سأساندك مهما حدث. لكن، آه..."
أخذت سرينا نفساً عميقاً مراقبة حوت القوس يقترب أكثر فأكثر.
"اتبعي حدسك بسرعة. لن ينتظرك داغون".
لكان داغون قد رأى محاولات أميليا صدّ حوت القوس الهائج، لكنّه لن يحيد عن أوامر سرينا. سيتصرف ضابطها الأوّل بأمانة لما فيه مصلحة أمان الطاقم، ومع امتلاك سرينا للثقة الكافية في أميليا لتكون هنا معها الآن، لم يكن داغون قد استوعب تماماً حجم قوى أميليا الهائل.
هتفت أميليا بينما بدأت بطرد الأثير وتشكيل الكلمة: "حسناً!"
تكلم البرج الثاني مجدداً مطلقاً تحية مبهجة بينما استقرّ شقيقه البرج الثالث صامتاً موجهاً فوهاته بما يتوافق مع أي مسار باليستيّ حسُبه جدول إطلاق (أَمبلير) تلقائيّاً. وعلمت سرينا أنّه داخل هذين البرميلين تقبع جولات خارقة منتظرة وجاهزة لإنهاء التهديد الذي يواجهنه بسلاسة. قالت مينيس إن السماء تخصّ حيتان القوس. وربّما كان محقّاً. قد تكون سادة السماء العظام. لكنّ التنغستن كان الممهّد الأعظم فوق كلّ شيء.
لم تشكّ سرينا في أن الخارقات ستخترق دفاعات حوت القوس.
قالت سرينا محاولة ألا تعجّل حبيبتها: "أميليا..."
"لا تعجليني! سأقوم—"
اتسعت عيناها بإدراك "بذلك. لحظة واحدة!"
توقفت أميليا حينها عن طرد الأثير وبدأت بالاستحواذ عليه مجدداً. المزيد والمزيد.
هست سرينا: "ماذا تفعلين!؟ أأنتِ مخططة لتفجير الجزيرة!؟"
"شيء مختلف! توقفي عن الكلام! سأفقد الإحساس!"
"أميليا..."
رمقت سرينا الـ(فينجينس) تماماً عند إطلاق الخارقات. وبحواسها المعززة تباطأ الوقت حين رמحت المقذوفات المدببة منزلقة عبر ساحة المعركة هامسة بموت ودمار مؤكدين.
"أميليا!"
صاح أميليا رافعة يديها بإحباط بينما اشتعل أثيرها لترفع لا الصخور المحيطة فحسب، بل سرينا نفسها: "أيتها... السمكة المتضخمة اللعينة!"
شعرت بأنها غدت عديمة الوزن ولثانية قصيرة ظنت أنها تلمح طبقة من الواقع مخفية عادة عنها. عالم سيبيّ. ومن ثمّ تغير أثير حبيبتكِ.
"أنت... عليك أن تستمع فقط!"
نفخت أميليا وجنتيها وأخذت نفساً عميماً. ثم نطقت أميليا.
صاحت أميليا بصوت يصدح ويتموّج عبر حقل الأثير وأيّ عوالم تتواجد ورائه: "يجب أن تعود!"
شعرت سرينا بقشعريرة تسري في مؤخرة عنقها واهتزاز جسدها بالكامل إزاء القوة الغريبة المتجليّة من أميليا. طفا شعر حبيبتها كأنه في ماء. ولم يصمد تمويه الكاناكساي فعاد شعر أميليا الذهبيّ ببريقه الكامل. لقد كانت القدرة نفسها التي أظهرتها خلال القتال في كورفوس، حين أنقذت سرينا من قبضة نارين. وكانت القدرة ذاتها التي استعملتها لطرد تارونا من البالدين الذي حاول قتلهما في كينهورو.
وشابهت طريقة نطق أميليا بعد أن أجبرت تجسّد أسكليبيوس. سوى أن الأمر لم يكن هذه المرة مفرزاً وفظّاً بل أنيقاً، أثريّاً ومتسامياً. كانت قدرة تمثل المزيد. كانت... سماوية. وكأن أميليا كانت تنتج أثيرها السماوي الخاصّ. ضرب تموّج أمر أميليا حوت القوس بتأثير فوريّ. تحولت عينا الوحش من عيون غارق في الغضب إلى عيون واضحة. خبت العلامات على جسده الضخم من أحمر متوهج إلى أزرق مهدئ وبنفسجي متألق.
التوى جسده محركاً زعنفته العظيمة ليقبض على الهواء مع بدء حوت القوس انعطافه الهائل. وانفتح فمه مطلقا صرخة محزنة ومفعمة بالدهشة والخسارة. ومع فعلته، صفّرت الخارقتان متجاوزتين جذعه ومنزلقَتَين بين ذيلي المخلوق وفي الفراغ وراءه. وسقطت قطع التنغستن مغموسة أدنى فأدنى حتّى تلاشت في اللومينا. نأمل ألا تمانع السماء السفلى الأسطوريّة الاضطراب المفاجئ.
تنهدت أميليا لاهثة بينما انخفضت الصخور المحيطة ببطء ومع تبدد أثير الغلاف الجويّ: "هاه... هاه..."
توقفت سرينا عن الطفو واحتكت قدماها بالأرض.
"ذلك... شعور جيد. لن أكذب".
استدارت أميليا مموجة بشعرها الذهبي: "أَبَدوتُ رائعة؟ أراهن أنني بدوت..."
توقفت أميليا فجأة وسمرت عينيها على شيء ما خلف سرينا تماماً.
تمتمت أميليا: "آه، تبّاً".
التفتت سرينا لترى أنهما لم تكونا وحدتين.
قالت مينيس ووجهها مكسوّ بقطب مزعج: "يا سيّدتي،"
"يا له من ساحر مطبخ مثير للاهتمام عثرتِ عليه، أليس كذلك؟"