ـ هاد… أين يأخذون الأطفال؟ ـ ماذا…؟ رفع هاد نظره إلى إينيل، وحين رأى عينيه تلمعان بحمرة، وتحدقان فيه، أبعد نظره بسرعة. ـ أنا… ماذا تعني يا أخي…؟ انحنى إينيل ببطء، ووضع أصابعه برفق على ذقن هاد، وأدار رأسه نحوه. ـ أنا لست أخاك ـ قالها، وقد خبت اللمعة الحمراء في عينيه أخيرًا، ولم يبقَ منها إلا أثر دخان يئز من جفنيه ـ أجب عن سؤالي. أين يأخذون الأطفال؟ ـ أنا… أنا لا أعني ما…
شدّت لام قبضتها على عنق هاد. ـ أجب عنه وحسب. ـ يأخذهم فالير إلى حضنه! ـ رفع هاد صوتَه، وشبك يديه ببعضهما ـ إنهم… إنهم في الفردوس و… ـ لا، ليسوا كذلك. هز إينيل رأسه، ثم التفت نحو الأقنعة السوداء الموثوقة خلف وحش الفيمون. ـ يأخذ أولئك الرجال الأطفال إلى مكان ما. أين؟ ـ م-ماذا…؟ اتسعت عيناهاد، واهتزت شفتاه وهو يلتفت مرارًا بين إينيل والأقنعة السوداء. ـ ماذا… تعني بأخذهم؟ يأخذ ظل فالير الأطفال إلى فردوسه.
وما المساعدون إلا هنا ليرشدونا. حدق فيه إينيل مطولاً، ثم شد السلاسل في يده. سُحبت الأقنعة السوداء بعنف على الأرض، وتدحرجت فوق بعضها قبل أن تستقر تمامًا بجانب هاد. ـ أخبروه بما أخبرتموني به ـ قال إينيل. سكتت الأقنعة السوداء في البداية، لكن أفواهها فتحت بسرعة حين رأت عيني إينيل تومضان بالحمرة مجددًا. أطلقت أنيناً، واهتزت أجسادها كلها وهي تتذكر ما حدث في الداخل. ـ ن-نحن…
نحن نأتي بهم إلى… نحن نأتي بهم إلى الأسقف ـ قال أحدهم ـ نحن ننقلهم وفقط! أقسم، نحن ننقلهم وفقط! ـ تنقلونهم إلى أين؟ ـ سأل إينيل. ـ إلى… إلى كنيسة ما في الشمال. ن-نحن لا ندري ماذا يفعلون بالأطفال! نحن جهلاء مثل هؤلاء القرويين. يا سيّدي، أرجوك! عليك أن تصدق… رفع إينيل إصبعَه، فأطلق القناع الأسود أنيناً آخر وأبقى فمه مغلقاً. شحب وجه هاد وهو يحدق في الأقنعة السوداء. ـ ماذا… ماذا يقصد بنقلهم؟
أ-أليس ظل فالير هو من يتلقى الأطفال، ثم يأخذهم إليه وإلى فردوسه؟ لماذا… لماذا يحتاجون إلى نقلهم؟ ـ لأن ذلك ليس ظل فالير. نهض إينيل وأشار إلى الفيمون فاقد الوعي. ـ إنه مجرد فيمون ربطوه بالحديد في الداخل. حاول هاد الوقوف، لكن لام دفعته إلى الأسفل. غير أن إينيل نظر إليها وهز رأسه، فتركتْه لام بسرعة. ومع ذلك، حين عزم الرجل البدين على النهوض، وجد أنه عاجز عن ذلك وسقط على ركبتيه مجدداً.
ـ لا… ـ أهمس ـ أخي إينيل، أقسم… أقسم أمام فالير، لم أكن أعلم شيئاً من هذا. الأطفال هم… ـ ذهبوا ـ قاطعه إينيل ـ لا يهم أنك لم تكن تعلم مصيرهم بعد ذلك. لقد سمحتَ برضىً للأطفال بأن يسيروا وحدها في الضباب، وأنت تعلم أنهم لن يعودوا. ـ كانوا مع فالير! ـ صرخ هاد ـ كانوا… كانوا مباركين ومختارين! ولو كنت مباركاً مثلهم، لسرتُ أنا أيضاً بسرور إلى حضن فالير! لقد كانوا سعداء. نحن نعلم أن فالير رحب بهم في…
ـ الفردوس؟ تقوست أصابع إينيل وهو ينظر إلى الفيمون مجدداً. ـ أيبدو لك ذلك فردوساً ايها الرجل البدين؟ نظر إينيل إلى هاد من رأسi إلى أخمص قدميه، وقد زال كل أثر للين الذي كان على وجهه تماماً. تذكر هاد كيف اعتاد إينيل الابتسام للجميع في هلال فالير، ودفعه ذلك التناقض إلى خفض رأسه. ـ لو أن فالير… ـ لا! صرخ أحدهم بغتة من بين الحشد. ـ لا، هذه حيلة! لا بد أنها حيلة! وقفت امرأة من الحشد الراكع، ونزعت إكليل الزهور عن رأسها، وعصرته بشدة حتى تفتت البتلات في كفها.
ـ هذا… هذا اختبار! ـ صرخت ـ المساعدون يختبروننا! فالير يختبرنا بهم! لنرى… لنرى إن كان إيماننا يتزعزع! ـ ن-نعم! ـ نهض شخص آخر ـ لا بد من هذا! لقد أحضروابوحشاً وسموه ظل ملكنا! ـ ه-هذا صحيح. وهؤلاء… هؤلاء الدخلاء خربوا الأمر! وقفت أخرى وبدأت تشير إلى إينيل ومجموعته. ـ لعلهم هم من يريدون أخذ أطفالنا! أيها الأخ هاد. لا تنخدع! ـ نعم! هؤلاء الناس خربوا طقسنا! انظروا ماذا فعلوا! لقد أرسلهم هنا أدنس الأرجاس!
تعالى صياح المزيد والمزيد من الناس، متصاعداً كعاصفة صاخبة اضطرت الأطفال إلى تغطية آذانهم منها. بكى بعض الكبار وهم يقولون إنهم تعرضوا للخداع، بينما صرخ آخرون رداً عليهم بأن فالير سيعاقبهم لشكوكهم وتصديقهم إينيل. غير أن آخرين أخذوا يتلفتون حولهم. حدقوا بعيون ضيقة في الوحش النائم، ثم في الأقنعة السوداء. ومع ذلك، كان القرويون الصارخون يفوقونهم عدداً بأضعاف. حدقت لام فيهم، وحين رأتهما يفتحان أفواههم ويصرخان في وجه إينيل، تقدمت أمامه ورمقتهم بنظرة حارقة.
ـ أرسلتم أطفالكم إلى عرين وحش لعين، وتملكون الوقاحة لتلوموا أي شخص آخر؟! ـ صرخت ـ لعل هؤلاء الناس باعوا أطفالكم عبيداً! أظننتم حقاً أنهم كانوا يلعبون مع ملككم الضئيل هذا؟! ـ ك-كيف تجترئين على التجديف! ـ أطفالنا اختارهم الملك الواحد والحقيقي! ـ فالير يحتضن أطفالنا! ـ أتظنون ذلك حقاً؟! خطت لام إلى الأمام وأشارت إلى هاد. ـ الشيء الوحيد الذي يحتضن أطفالكم هو على الأرجح أذرع أكثر بدانة ولزوجة من ذراعيه!
لقد بعتم أطفالكم طعاماً! هرع تايي نحو لام وأمسك بمعصمها. ـ لام… لكنها ابعدته عنها بسرعة، واهتزت أسنانها بينما بدأ الدخان يتسرب من أصابعها مع إطلاقها لنفستها. ـ لا. أو, لا… أريد أن أسمع ذلك. أريد أن أسمع كل عذر لعين يملكونه. ـ ا-انظروا! ستقتلنا! هؤلاء الناس أشرار! ـ ج-جميعاً، أرجوكم… حاول هاد الكلام، لكن أحداً لم يصغِ إليه. نظر إلى الشيوخ، فوجدهم كلهم راكعين على الأرض ويبكون.
ـ تبّاً لكم! أشارت لام إلى رجل رفع صوته، وبدأ الأطفال ينتحبون بينما كان الكبار من حولهم يصرخون فوق رؤوسهم. لكن حينها… تكلم إينيل. ـ اصمتوا. أطبقت لام شفتيها تماماً والتفتت إليه، راكعة ومنحنية برأسها على الفور بلا كلمة أخرى. لم يصرخ إينيل أبداً، لكن كلماته تموجت عبر هلال فالير كله على أي حال، مما جعل الأشرطة والزهور المعلقة على المداخل والأسقف تميل، والنوافذ تهتز. وكأنه يتبع أمره، حتى الجبل سكن.
خطت إينيل إلى الأمام، مطلقاً السلاسل من يده وهو يرمق كل واحد من الكبار بنظرة، وعيناه تومضان بالحمرة مجدداً. ـ باستثناء الأطفال… ـ قال ـ تستحقون كلكم الإعدام فوراً. عجز الجميع عن النطق. لم يقدر أحد حتى على النظر إليه بعد الآن، حتى إن بعضهم نسي كيف يتنفس بينما كانت كلمات إينيل تهمس بصوت عالٍ في آذانهم. ـ يا سيّدي… ـ اتسعت عينا تايي لكلماته، وألقى نظرة سريعة إلى لام لأسفل.
ـ لام، أوقفيه. لكن لام لم تنظر إليه حتى. كان رأسها منحنياً بالكامل، وقبضة يدها مضغوطة على الأرض. ـ لقد سلمتم الأطفال للحجاب ـ تابع إينيل ـ لقد رأيت أمّاً تجري في غابة من الفيمون لأنها ظنت أن طفلها محتجز لديها، لم تخف الوحوش، ولم تخف الموت حتى. أما أنتم يا بني البشر؟ أراد بعضهم فتح أفواههم، لكن خطوة واحدة من إينيل جعلتهم يخفضون رؤوسهم. ـ أنتم سميتموها بركة. ومئة عام، وأنتم ترسلون أطفالكم إلى كهف تعلمون أنهم لن يعودوا منه.
ارتجفت شفتا إينيل، وضيّق عينيه وهو يتذكر كلمات دونكن له. ـ اخترتم ألا تفكروا لأنه كان أسهل لكم أن تظنوا أنه لا شيء خطأ فيه ـ قال وهو ينظر إلى الشيوخ ـ أنا متأكد أن بعضكم كان يعلم في قرارة نفسه. لكن لم يكترث أحد منكم باختفاء الأطفال طالما لم يجوع أحدكم… والأشنق من ذلك، أنكم احتفلتم. جزّ هاد على أسنانها، وركع هذه المرة من تلقاء نفسه. ـ أنا… لم أكن أعلم. ـ لكنك كنت تعلم.
أمال إينيل رأسه إلى جانب وهو يحدق مطولاً في هاد. ـ لقد ابتسمت وأنت ترسل آلما إلى الكهف. ومن يدري كم طفلاً أرسلت إلى هناك بالابتسامة نفسها على وجهك. ـ أنا… أنا حقاً لم أكن… اختنق هاد بأنفاسه، وتصدع صوته حين اخترقت مشاعره حلقه. ـ يا سيّدي ـ قالت لام، وارتفعت كتفاها ببطء ـ اعطِ الأمر. ـ لام… ـ شحب وجه تايي. تحركت عينا إينيل نحوها، لكن تايي تحرك بسرعة ووقف بينهما. ـ يا سيّدي.
أنت… أنت قلتها بنفسك قبل قليل، الأطفال يراقبون. إن… إن قتلت آباءهم أمامهم. فسوف… فسوف يرون ذلك. سيرون كل شيء. ستكون الوحوش التي يرونها في كوابيسهم. مثل… مثلما حلمتُ بك في تلك الليلة. اقتربت غينيفير أيضاً، وتجولت عيناها على القرويين قبل أن تستقرا على إينيل. ـ تايي محق، يا سيّدي. إن أعدمت الكبار، فسيبقى الأطفال وحدهم بلا وسيلة ليعتنوا بأنفسهم ـ ستتبناهم، لكني لا أرى كيف سيذهبون معك.
اكتفى إينيل بالنظر إليهما. أغلق عينيه، تاركاً الصمت يطول. لكن ما لبث الفيمون أن تحرك. احتكت سلاسله بالحجارة حين اهتز جسده الطويل. شهق عدة قرويين وتراجعوا، لكن آخرين التفوا نحوه فوراً، وقد التوت وجوههم بأمل يائس. شاهدوا عيني الفيمون الحليبيتين تدوران في محجريهما. وارتفع خطمه المكمم عن الأرض، وأخذ الضباب حول فمه يتصاعد… حاملاً أصواتاً. ـ الأطفال… أطفالي الأحباء. غطت آلما عينيها بسرعة حين سمعت ذلك، وعانقتها ميرا.
أما أبواهما فلم يدرا ما يفعلان. ـ تعالوا… أقرب. ـ إنه… فالير… فالير يتكلم عبر الفيمون! ـ صرخ أحدهم. ـ آه! اغفر لنا! اغفر لنا يا فالير! ومجدداً، ركع بعض الناس وشبكوا أيديهم فوق رؤوسهم. أما الباقون فحدقوا بلا كلام. ـ الأطفال المباركون… لا تخافوا… وقبل أن يبدأ القرويون الراكعون بالصلاة حتى، اختفى إينيل، وما تلاه كان رعداً. ظهر فوق رأس الفيمون، وهوت قبضته لتصدم الأرض. تهشم السصد تحت رأس الفيمون.
وشق صدع كبير الحجر، زاحفاً ومتفرعاً نحو أقرب البيوت. سقطت بعض الأبواب والنوافذ تماماً، وانهارت أجزاء من سقوفها أيضا. وحينها، توقفت الأصوات وتوقف الفيمون معها. وتوقف القرويون أيضاً. وقف إينيل فوق الفيمون، والغبار يتصاعد حوله. تومض عيناه بالحمرة مجدداً، ثم اختفت حين طرف. نظر إلى الجثة مطولاً، وتنهد وهو ينزل عنها. التفت إلى القرويين، فارتجفوا كلهم. ـ أنا… أحاول أن أكون هادئاً.
أنا جاد ـ أخذ إينيل نفساً عميقاً ـ إذن… هذا هو حلي الوسط. حدق إينيل فيهم. ـ لن يُعدم أحد منكم اليوم، لكن لن يبقى طفل واحد في هذا المكان. لا الليلة، ولا غداً، ولا أبداً. نظر القرويون بعضهم إلى بعض وعيونهم متسعة. لكن أحداً لم يجؤل على رفع صوته. ـ ستقسمون كلكم قسماً أمام سيّد القوانين السبعة ـ طالب إينيل وهو واقف أمام الحشد ـ لن تقدموا طفلاً أبداً لفالير، أو للحجاب، أو لأي ملك، أو لأي روح، أو لأي رجل، أو لأي تاج.
من لديه طفل سيغادر هذا المكان ولا يعود أبداً. ـ هذا… هذا سخيف! ـ تكلم أحد الشيوخ أخيراً ـ من تظن نفسك لتطلب منا ذلك؟! أنت لست ملكاً! ـ لا ـ همس إينيل وحسب ـ لكني أنا الموجود هنا. ـ لا… لن يأتي أحد معك. أهل… ـ أهل؟ ـ انقضّ رأس إينيل نحو الشيخ ـ لقد أسقطتم حقكم في أن تُدَعَوا كذلك حين أطعمتم أطفالكم لكهف… …ليس لكم صوت هنا.