"ها..."
بدا أولريك أكبر سناً وهو يعود إلى سور الأرملة. حدق في الأرقام على الطاولة. تسلل ابتسام على وجهه للمرة الأولى منذ أيام. تراجع هدوء الغابة المظلمة. تضاعفت كمية الحبر التي يمكنهم جمعها من الأشجار أضعافاً مضاعفة. اكتسب الحبر طابعاً جديداً أيضاً. عبأ أولريك الحبر بعناية للنبلاء. سوقه على أنه حبر من ميثاق عداء الأيمان مع الروح العظمى الفاسدة بلاكوود. اشترى النبلاء القصة بطبيعة الحال.
واشتروا المنتج أيضاً. تزايدت أعداد الحيوانات كذلك. قد لا ينتج سور الأرملة المحاصيل بالكثرة المطلوبة. لكن المدينة تملك وفرة من العشب على الأقل.
"ها..."
تنهد مجدداً. استند إلى كرسيه مرتاحاً. طرق أحدهم الباب حينئذ.
"ادخل"، قال أولريك.
خطا حارس إلى الداخل. انحنى.
"السيد أولريك. وصل المزيد من اللاجئين".
أغمض أولريك عينيه.
"المزيد...؟"
"نعم يا سيّدي".
"من أين هذه المرة؟"
"من قرية صغيرة قرب حدود فييرمارك. لقد... أحضروا بذور يقطين".
فتح أولريك عينيه. حدق في الحارس.
"بذور يقطين؟ أقالوا لماذا أتوا إلى هنا؟"
تردد الحارس.
"لقد... قالوا إن اللورد إينيل منحهم مأوى".
ضغط أولريك على جسر أنفه ببطء.
"واحد آخر؟"
"سيّدي؟"
"لا شيء".
خفض أولريك يده. أعاد نظره إلى الأرقام.
"دعهم يدخلون. سجلوا أسمائهم. وظفوهم في المزارع—قد يستطيعون المساعدة في إصلاح التربة".
"حاضر يا سيّدي".
انحنى الحارس وغادر. حدق أولريك في الباب.
"وأين اللورد روبرت بحق الجحيم؟ كان مفترضاً أن يكون هنا قبل ساعة لوضع خطط للمدينة".
لم يكن روبرت يفكر في سور الأرملة أبداً في الأعماق السحقة تحت القصر. وقف في الغرفة الواقعة تحت سور الأرملة. حدق في السفينة الغريبة التي سقط منها ابنه قبل سنوات. راقبت ميرا بجانبه أضواءها الشاحبة وهي تزحف بوحشية عبر سطحها الأملس.
"ماذا... تفعل الآن؟"
سألت.
"لماذا استدعيتني إلى هنا؟"
"راقب"، قال روبرت.
اقتراب أكثر. ضغط بيده على أحد الخطوط المتوهجة.
"روب".
"راقب".
ارتجف الضوء تحت كفه. ارتفعت خطوط رفيعة في الهواء فوق السفينة. التفتت معاً حتى شكلت مجسماً لأيل بأشجار عوضاً عن القرون.
"هذا... بلاكوود؟"
همست.
"نعم"، قال روبرت.
ظهرت رموز تحت بلاكوود. اقتربت ميرا.
"تشبه هذه تقريباً..."
"حروفاً".
لامست قدمها شيئاً على الأرض. صفحات. كتب. مفتوحة ومكدسة حول السفينة.
قالت ميرا ببطء: "روب. لماذا توجد كتب هنا؟"
لم يُحول روبرت نظره عن الأضواء.
"كنت أقرأ لها".
حدقت به ميرا.
قالت بصوت خفيض: "إنها تستمع. وأعتقد... أنها تتعلم. لم تكن الرموز تحتها تبدو هكذا قبل أشهر".
"ما كان يجب عليك أن..."
اختفت صورة بلاكوود العائمة فجأة قبل أن تتم ميرا كلامها. توهجت الأضواء الشاحبة عبر السفينة بحدة أكبر. اشتعلت بعنف شديد حتى تراجع كلاهما إلى الخلف.
"ما الذي... يحدث الآن؟"
هز روبرت رأسه.
"أنا... لا أعلم. لكن شيئاً واحداً تعلمته... هو أن السفينة تتفاعل مع ابننا".
* * *
"أ-أخي إينيل؟"
"أنا هنا".
"أنا... لا أستطيع رؤيتك".
"أستطيع سماعك".
لم يوجد سوى البياض داخل الكهف. جعل ثقل الضباب ألما ترغب في الفرار إلى الخارج. لكنها بالمقابل شددت قبضتها على أصابع إينيل أكثر. كادت أظفارها تخترق جلده. ابتلعت ريقها.
"أهناك... هل ظل فالير هنا حقاً؟"
"لا أعلم بعد".
تحرك الضباب حولهما. لامس وجهيهما كقماش ناعم. لم يشبه الغابة المظلمة بأي شكل. زحف ذلك الضباب بالغضب، لكن هذا بدا لطيفاً تقريباً—دافئاً حتى. سرعان ما خف الضباب. استطاعا رؤية زهور ملونة تتلألأ على الأرض. اتسعت عينا ألما.
"أ-واه..."
خفت قبضتها على يد إينيل قليلاً. لم تكن الزهور كثيرة في البداية. بضعة بتلات شاحبة متناثرة على طول المسار فحسب. ثم ظهرت المزيد. وُضعت بعناية في مسارات عبر الصخر. أصفر. أبيض. أزرق. كانت بعضها طازجة، لكن معظمها بدأ يذبل بالفعل. أطلقت ألما نفساً مهتزاً.
"لقد... أخبروني أن أتبع الزهور".
"اتبعيني. حسناً؟"
أومأت برأسها. تابعا التقدم. كان إينيل متقدماً قليلاً بينما لا يزال يمسك بيد ألما برفق. لكن الأصوات حضرت قريباً، فتحركت ألما أسرع، وباتت يدها الأخرى تقبض على ملابس إينيل. كانت الهمسات خفيفة في البداية، لكنها تعالت أكثر فأكثر.
"طفل شجاع... طفل مبارك... لا تقلق".
توقفت ألما تماماً، وتوقف إينيل معها.
سألت: "أ-تسمعهم؟"
"نعم".
"إنهم... إنهم يطابقون صوت ماما وبابا".
"أحقاً...؟"
أصخ إينيل السمع أكثر. كانت الأصوات دافئة ولطيفة حقاً. لكنه سمع هذا من قبل، في الغابة المظلمة. أصوات توحي بأنها ستحتضنك، لكنها ستخنقك في النهاية.
"لا تستمعي إليهم، حسناً؟ إنهم ليسوا والديك. فقط... استمعي إلى تنفسي، حسناً؟"
"ح-حسناً"، قالت.
مع ذلك، خطت خطوة أوسع، جارة إينيل معها هذه المرة. انحنى المسار أعمق داخل الكهف، وخف الضباب بما يكفي ليتسنى لهما تمييز تجاويف الجدران بجانبهما. وصلا قريباً إلى غرفة واسعة، وهي مغارة تضيئها مصابيح معلقة بالجدران والسقف. وقفت في المنتصف تماماً مابين منحوتة من صخر الكهف نفسه. وُضعت سلال أمامها. خبز مكدس فوق بعضه، لحم ملفوف بأوراق، جرة حليب، فواكه، والكثير غيرها. حدقت ألما فيها بعينين واسعتين.
"فالير يعولنا".
"هم..."
اكتفى إينيل بإصدار هذه الهمهمة رداً، وواصلت الأصوات التهامس حولهما.
"طفل مبارك... اقترب... عد إلينا".
علا صوتها الآن، وكأنها تصدر من خلف المذبح مباشرة. تركت ألما يد إينيل بسرعة، وشبكت يديها وانحنت برأسها بمجرد أن لاحظت تحرك ظل تحت الضباب. ألقى إينيل نظرة عليها للحظة، ثم حاول النظر إلى ما بعد الضباب. لكن العتمة جعلت تمييز الخيال صعبة رغم خفة الضباب. لذلك، أمال رأسه ووجه أذنه نحو الظل عوضاً عن ذلك. استطاع سماع الأصوات أولاً، لكن شيئاً آخر وجد هناك—فحيح. ضاق عيناه، وألقى نظرة أخرى على ألما قبل أن يعيد تركيزه إلى الظل.
وحينها... سمع الصوت. صوت معدن يُجر على الحجر.
"ما هذا..."
لم يكد يصغي أبعد من ذلك حتى سمع خطوات تقترب. ليست فيمونات. رجال.
قال أحدهم: "... فتاة هذه المرة".
"جيد. متاعب أقل على الطريق".
"لديها توأم، أليس كذلك؟"
"حدد الأسقف الأخرى للبدر القادم".
"أتعلم إلى أين يأخذون الأطفال حتى؟"
"صه. ليس لنا حق السؤال. نحن هنا للطاعة فحسب. لكن... أسمعت عن الضيفين التاسع والعاشر اللذين أحضرهما فييرمارك؟"
"إنهما أثرياء، أليس كذلك؟"
"نعم. لكن... سمعت أنهما يطرحان أسئلة".
اتسعت عينا إينيل وهو يتابع الاستماع. التفت رأسه نحو مصدر الأصوات، وبرز أربعة أشخاص يرتدون أقنعة سوداء من الضباب قريباً. خلفهم عربة تحمل قفصاً.
"أ-أخي إينيل؟"
توقف دعاء ألما بمجرد أن رأتهم، وسارعت بالعودة إلى جانب إينيل.
"ما اللعنة..."
توقف أصحاب الأقنعة السوداء الأربعة عندما رأوا إينيل. ولم يتحرك أحد للحظة. ثم رفع أحدهم فانوسه ببطء.
"من أنت؟ لماذا أنت هنا؟"
لم يجب إينيل.
قال آخر: "آه. إنه أحد الضيوف".
"لماذا... هو في الداخل؟"
"لا يهم. تخلص منه وخذ الطفل".
تقدم أحد أصحاب الأقنعة السوداء، لكن إينيل اكتفى بالانحناء والنظر إلى ألما.
همست: "أ-أخي إينيل... ماذا... ماذا يحدث؟"
"أغمضي عينيك".
"ه-هاه...؟"
"وغطي أذنيك".
حدقت ألما في وجهه لفترة، ثم أومأت بينما أغمضت عينيها وغطت أذنيها دون كلمة أخرى. ضحك أحد أصحاب الأقنعة السوداء.
"ما هذا..."
ثم اهتز الكهف بأكمله. كان الزلزال قوياً لدرجة أن الزهور المعلقة على المنازل في الخارج تمايلت. شهق عدة قرويين، ورفع بضعة رؤوسهم عن الدعاء. وقف هاد قرب الأعمدة، ثم جثا على ركبتيه فوراً.
همس بصوت عالٍ: "أ-أرفض فالير المبارك؟! ارجوك... أرجوك اغفر..."
ضرب زلزال آخر، أشد هذه المرة. شعر هاد أن ركبتيه فارقتا الأرض لنفس.
حاولت ميرا الركض نحو الكهف: "أ-ألما؟!"
لكن لام أمسكت بها.
"لا".
صرخت ميرا: "أ-أختي!"
"توقفي".
"إنها... يحدث شيء في الداخل!"
"أعلم".
أحكمت لام قبضتها عليها، رغم أن عينيها لم تفارقا الكهف قط.
"طالما أن اللورد إينيل مع اختك، فلن يصيبها مكروه. تذكري ذلك".
وقفت تيني بجانب غوينيفير، وكلاهما تراقبان الضباب.
"ماذا... تظنين اللورد يفعل؟"
قالت غوينيفير: "ما يراه صواباً".
ضرب زلزال آخر هلال فالير، واستطاعوا سماع تشقق الحجر في مكان ما داخل الجبل. بدأ القرويون يهمسون، بينما دفن بعضهم رؤوسهم في الأرض وتوسلوا المغفرة. وتراجع آخرون بعيداً عن الكهف تماماً. لاحظ هاد هلعهم فوقف سريعاً، رافعاً يديه الاثنتين.
زأر: "أيها الإخوة والأخوات! لا داعي للخوف! هذه فرحة فالير يظهرها! طفلتنا المباركة بصحبة من مسّته الروح العظمى!"
ضاقت عينا لام.
"إن قال ذلك الرجل كلمة أخرى، فسأضع قبضتي في فمه".
أشار هاد إلى المغادرين ليقتربوا: "أرجوكم، أيها الإخوة والأخوات! ادعوا! ادعوا ليعلم فالير حسن نوايانا. ادعوا، ليكون طعامنا هذا الشهر أكثر..."
توقف هاد عن الكلام عندما لاحظ أن الجميع قد رفعوا رؤوسهم بالفعل. اتسعت أعينهم وهم يحدقون في شيء خلفه. استدار ببطء... ورأى الضباب يلتف. وبعد لحظات... خرجت ألما.
"ألما!"
مزقت ميرا نفسها من ذراعي لام، ولم تمنعها لام هذه المرة. أسقطت ألما باقة الزهور التي كانت لا تزال تمسكها وركضت أيضاً. تصادمت الشقيقتان أمام الحشد، وتشبثتا ببعضهما وهما تسقطان على ركبتيهما. شاهد القرويون، وغطى معظمهم أفواههم وهم يشهقون.
اقترب منهم هاد: "كيف..."
لكن قبل أن يتمكن من خطو خطوة أخرى، تعثر شيء هائل خارجاً من الضباب.
سقط هاد للوراء: "ما-ما هذا؟!"
بدأ القرويون يصرخون، وتراجع حتى أولئك الذين غرست ركبتهم بثبات على الأرض خوفاً. كيف لا؟ كان الشيء الخارج من الكهف بشعاً. كان ضخماً، شاحباً، وكادت عيناه الكبيترتان تتدليان من محجريهما. وُضع كمامة على خطمه، وجر سلاسل من رقبته وقدميه. بدا كسحلية عملاقة ومشوهة. تحرك بجنون، ومخالبه تنزف سواداً وهي تحتك بالطريق الحجري. تطاير الزبد من خطمه وهو يحاول الوقوف تحت الشمس. أدار رقبته، فتمزق بعض لحمه حيث جذبت السلاسل.
همس أحدهم: "أهذا... ظل فالير؟"
"كان هذا داخل الكهف؟ لا... لا يمكن أن يكون ظل فالير. إنه..."
ضاقت عينا لام، وبدأ الدخان يتصاعد من إصبعها.
"إنه... فيمون".
أطلق الفمون صرخات واندفع نحو الحشد، لكنه سقط فجأة بعنف على الأرض، وكادت رأسه تحطم الأحجار. ظهر إينيل فوقه بعد ذلك، وقبضته مغلقة. وُجد غبار على معطفه، ودم على أحد كمّيْه. أصبح الحشد أكثر صموتاً وهم يحدقون به. ثم تحركت السلاسل مجدداً عندما قفز إينيل من فوق الفمون. أمسك سلسلة بيد واحدة ومشى ببطء نحو الحشد. وبينما فعل ذلك، سحب شيئاً آخر من الضباب. الأقنعة السوداء. جميعهم مقيدون بالطرف الآخر من السلسلة.
تعثروا خلفه، مسحوبين للأمام بنفس السلاسل التي قيدت الوحش. حاول أحدهم غرس عقبيه في الحجر، لكن إينيل لم يبطئ إطلاقاً. اكتفى الجميع بالمراقبة، وبدو حتى أن بعضهم نسي كيف يتنفس. توقف إينيل أمام هاد، ناظراً إليه وهو راكع على الأرض. رفع هاد نظره، وكاد حلقه يغلق من منظر وجه إينيل. لم يكن إينيل يصرخ. ولم تكن حاجَباه حتى منخفضين. كان وجهه هادئاً، لكن عينيه... آه. لم تكن عيناه كذلك، ورآها الجميع—الحمرة.
توهجت عيناه بالحمراء، ساطعة تقريباً كالشمس فوقهم. أصدر الضوء فيهما فحيحاً، وتصاعد الدخان من الحواف. أبعد هاد نظره عنه بسرعة، ثم حدق في الأقنعة السوداء، ثم في الفمون العملاق، ثم في التوأمين.
همس إينيل: "هاد".
اهتز صوته: "أخي إينيل... ما... ما هذا؟ ماذا فعلت..."
ظهرت لام خلف هاد فجأة، وأمسكت به من مؤخرة رقبتك، ودفعته ليجثو على ركبتيه.
قالت: "تركع عندما يتحدث".
التقط هاد أنفاسه، لكنه لم يقاتلها. لم يتحرك أحد بينما أسقط إينيل السلاسل عند قدمي هاد.
حدق فيه لفترة أطول قليلاً قبل أن يسأل: "هاد... إلى أين يأخذون الأطفال؟"