النَبيل المتبنّى ليس بشرياً الفصل 52 — بدأ بقسم وينتهي بقسم

اقرأ النَبيل المتبنّى ليس بشرياً الفصل 52 — بدأ بقسم وينتهي بقسم باللغة العربية على مانجا تايم.

تلاشى الضوء الواصل بين السماء والغابة المظلمة. وعاود المطر هطوله على سور الأرملة. غاص الخط القرمزي المحيط بالغابة ببطء في الوحل. مخلفاً أثراً عميقاً في الأرض. وكأن الغابة ذاتها تعرضت لندبة جراء القسم. واختفى الهمس من الداخل. وزال البياض الذي احتضن إينيل وبلاكود. لتعود الغابة إلى سيرتها الأولى.

"آه..."

وقف إينيل في الوحل محملقاً في الأثر المطبوع على الجانب الأيسر من ترقوته. ورغم صعوبة رؤيته بوضوح من زاويته. إلا أنه عرف أنه على شكل رأس أيل بقرون منفرشة. كان أسود تماماً. وبدا الحمر حول الحواف كأنه جلد يلتئم من حروق. آلمه الأمر. لكنه لم يضاهي ألم أنفاس بلاكود المحرقة. كان هذا الألم... أثقل، لكنه مريح في الوقت ذاته. بقي بلاكود في مكانه. مستنداً برأسه إلى الأرض. بينما استمرت عيناه الفارغتان في التسمر على إينيل.

وتلاشى الأخضر من داخله مجدداً. ولم يترك سوى العصارة السوداء. وتخبطت الجذور حول وجه الروح العظيمة. ولبرهة، حد أحدها وسعى نحو ساق إينيل. لكنه توقف. ثم تراجع ببطء. رمش إينيل ناظراً إلى الجذر ثم إلى بلاكود.

قال وهو يتنهد متراجعاً: "لا تفعل ذلك أيها الروح العظيمة. لقد قطعت عهداً".

"أعدك بأنني سأعود فور أن أجد سبباً لتحريرك من الحجاب".

أجابت الغابة بأنين خافت. قد لا يعني ذلك شيئاً البتة. لكن إينيل أومأ برأسه على أي حال.

"أنا وعدت".

استدار وشرع في المشي. بدت الخطوات الأولى هادئة. ثم بدأت الغابة تتحرك حوله. فقد فتح له بلاكود طريقاً. زحفت بعض الجذور نحو إينيل مجدداً. والتف بعضها حول كاحليه حتى... لكنها تراجعت جميعاً. وبدت كأنها تنكمش هلعاً كلما وقعت عينا إينيل عليها. التفت ليطالع بلاكود من جديد. لكن الروح العظيمة لم تظهر أي علامة تغير. ظل الفساد ينخر في جوفها. مع ذلك، فتحت له طريقاً. لذا، التفت إينيل للخلف وأحنى رأسه تحية لها.

ثم واصل طريقه متبعاً صوت أنفاس لامب. لم يكن العثور عليها عسيراً. كانت تتنفس بصوت عالٍ يكفي لسماعه حتى عبر صخب الغابة. وظلت أنفاس ميرا رفقته، واهنة لكنها منتظمة. وسريعاً، وجد إينيل نفسه قد عاد إلى حيث تفصل اللوحات التحذيرية أطراف الغابة المظلمة. توقف هنيئة ومقلاً في النظر إلى اللافتة. أدرك أنه لم يقض سوى أقل من ساعة هناك. ورغم ذلك... بدا الأمر كأنه أيام بالنسبة إليه.

وهناك، واقفة بين اللوحات، كانت لامب. حملت ميرا على أحد كتفيها، محيطة خصرها بذراع. ومسكت بيدها الأخرى الفأس الثقيلة. مستندة بنصلها على الأرض لعدم امتلاكها القوة الكافية لرفعها كما يجب. وتحلق حولها عدد من جثث فيمون. كان بعضها لا يزال يتخبط. لكن أياً منها لم يكن قريباً بما يكفي لمس ميرا. رفعت لامب رأسها وأرغمت نفسها على الابتسام لرؤيتها إينيل مقبلاً نحوها.

قالت: "هاه. لقد تأخرت مجدداً".

هم إينيل بمبادلتها الابتسامة. لكن ركبتي لامب انثنتا. كان يقف أمامها بالفعل قبل أن تسقط. وارتمدت يده نحو ميرا. لكن لامب أحكمت قبضتها عليها فوراً.

"لا".

"لامب".

"لا".

كان صوتها واهناً، لكن النظرة في عينها لم تكن كذلك.

"مهمتي لم تكتمل بعد".

حدق إينيل فيها. وراقبها وهي تسعل وتبلع أي دم حاول التسلق صعوداً في حلقها، دافعة نفسها لاستقامة أشد.

قالت: "أمرت بإخراج السيدة ميرا. لذا سأفعل".

هبطت يد إينيل ببطء. وبدا للحظة وكأنه يريد قول شيء. لكنه اكتفى بالإيماء وتنحى جانباً ليمهد لها الطريق.

"جيد".

أومأت بدورها، ثم شرعت في الخروج من الغابة حاملة ميرا. عرجت وعانت في مشيتها. لكن إينيل لم يساعدها قط. اكتفى بالسير خلفها، بينما كانت الغابة المظلمة تتوارى عنهم ببطء. سارا، وسارا... إلى أن أبصرا منزلهما أخيراً. كان الجميع في الخارج، لكن لم يصدر عن أحد صوت. عاود المطر هطول بعد انقشاع الدائرة القرمزية. وازداد المطر غزارة، منحدراً على وجوههم ودروعهم، ليغسل الوحل وكل دماء.

وقف الجنود قرب البوابة المحطمة. واستند القرويون إلى كل ما أمكنهم الاتكاء عليه، وإلى بعضهم البعض. وظل فرسان غاوين في الحقل يطعنون جثث فيمون للتأكد من هلاكها أجمعين. ولكن صرخ أحدهم حينئذ.

"السيدة ميرا!"

سمع روبير النداء. واندفع قبل أي أحد سواهم. عبر الوحل جافزاً، منزلقاً مرة لكنه تدارك نفسه برمح مكسور كان يمسكه منذ قليل. تسمرت عيناه على ميرا، ثم لامب، ثم إينيل، ثم ميرا مجدداً. وعندما بلغهم، حامت يداه فوق زوجته لههيهة، جاهلاً أكانت حية أم لا.

"أهي..."

قالت لامب وهي تحررت ميرا برفق: "إنها كذلك يا سيدي".

"مهمتي... تمت".

"شكراً لك... شكراً لك".

التقط روبير ميرا بين ذراعيه، ضاماً إياها إليه بشدة بينما هوى على ركبة واحدة في الوحل. وضغط بأذنه قرب فمها، ثم صدرها. وأغمض عينيه بقوة حين سمع ما سمعه إينيل مسبقاً، الحياة. ابتسمت لامب وتراجعت. بينما غشي الظلام بصرها مع انهكاك التعب عليها مجدداً. لكنه إينيل وقف خلفها. مانعاً إياها من السقطو إلى أن انتفضت فجأة مستيقظة مرة أخرى.

قالت: "أنا... لم أغش".

"بالطبع".

همس مجيباً، محتضناً إياها بحرص لضمان عدم سقوطها مجدداً. واصل روبير احتضان ميرا. ولفترة وجيزة، لم يسمع إينيل سوى المطر. غير أن إحدى القرويات تقدمت وتشابكت يداه المرتجفتان متضرعة. كانت قرب السور، لكن إينيل سمعها بوضوح. وتعرف عليها أيضاً، موريك، إحدى لاجئات الكانين. غير أن إينيل لم يستطع التركيز مطولاً على دعائها، إذ اقترب مزيد من الناس متدفقين، وطغى صوت وقع أقدامهم على هطول المطر الثقيل حولهم.

وظلوا صامتين في البداية، مقتصرين على الهمهمات. حدقوا في سترة إينيل الممزقة، وفي الحرق الخفيف عبر صدره... وحينها، أبصروا الأثر الزاحف من ترقوته إلى كتفه.

"ما... هذا؟"

"أكان... لدى اللورد الشافع ذلك من قبل؟"

"ت... تحركوا... تحركوا!"

شرع الدوق غاوين في دفع الآخرين جانباً، ثم دنا رويداً بمجرد رؤيته للأثر.

"ذلك..."

ارتجف صوت غاوين مع إصبعه المرتفع ببطء للإشارة إلى الأثر. وشاب صوته بحة خفية، مع مسحة من... الاستسلام تقريباً. وارتفعت حاجبار، وبقي فمه مفتوحاً لههيهة. توقف على بعد خطوات من إينيل.

همس: "قسم عالمي...؟"

"ماذا...؟"

رفع روبير بصره عن ميرا، ناهضاً بحذر بينما ظل حاملاً إياها بين ذراعيه.

"هذا؟"

طأطأ إينيل ناظراً إلى الأثر، ثم إلى روبير، ثم إلى غاوين.

"لقد ظهر حين قطعت عهداً مع بلاكود. أيدعى... قسماً عالمياً؟"

"أه..."

اهتزت عينا الدوق بعنف أشد... لكنها استقرت بعدئذ. جرد غاوين سيفه فجأة. مما دفع لامب لإحكام قبضتها حول الفأس التي بالكاد تستطيع حملها.

صاح أحد فرسانه: "س... سموك؟!"

غير دادر عما يفعله. لم يلتفت غاوين إليه. وعوضاً عن ذلك... هوى على ركبة واحدة. ابتلع الوحل حذاءه. وانحدر المطر على وجهه، عابراً الندوب والتجاعيد، لكن غاوين لم يمسحه. وضع سيفه مسطحاً أمامه، ثم طأطأ رأسه.

"دوق لوران يركع أمام بيت بلاكود".

بدا أن العالم توقف مجدداً، رغم تواصل هطول المطر. حدق إينيل فيه.

همس: "ماذا...؟"

"سموكم، أرجو أن تنهضوا".

لم تفعل غاوين. وحينها تحركت لامب تلياً. دفعت ذراع إينيل، مرتجفة بعنف لدرجة جعلت إينيل يكاد يحتضنها ثانية. لكن لامب تراجعت، لاهثة من الإعياء وهي ترمقه في عينيه.

"لامب، ماذا تفعلين؟"

همست: "ما قلت إني فاعلة".

"لامب. لا".

أطلقت لامب نفساً: "هاه..."، ثم هوت على ركبة واحدة.

ومقلدة الدوق، أزاحت الفأس مسطحة تماماً أمامها، ثم خفضت رأسها. وقطرت دماؤها من أنفها نحو الوحل.

"أنا سيفك، إينيل من بيت بلاكود".

هز إينيل رأسه: "لا..."

"لا، أرجوك. لا تقومي—"

عجز عن إتمام كلماته إذ شرع الآخرون في التحرك بدورهم. من كانوا يتضرعون إليه ركعوا أولاً، وتلاهم الجنود، ثم بقية القرويين. فرداً فرداً، ومثل تموج، ثنوا ركبهم. وحتى الجرحى أرغموا أنفسهم على الركوع. واكتفى بعضهم بحني رؤوسهم لكونها الحركة الوحيدة المتاحة لهم. تردد فرسان غاوين. وانتقلت أعينهم من الدوق إلى الغابة المظلمة، ثم إلى الأثر على صدر إينيل، ثم إلى بعضهم. لقد كانوا فرسان الدوق، نعم، لكنهم فرسان التاج أيضاً.

لكن التردد لم يستغرق سوى أنفاس عدة. السير كالفين، الفارس الذي عاين بسالة إينيل ماثلة أمامه، خفض سيفه وركع. وتبعهم البقية. فرداً فرداً، لامست ركبهم الوحل.

"...لماذا؟"

ضاق تنفس إينيل. طاف ببصره حوله، متحيراً، مرعوباً تقريباً، إلى أن وقعت عيناه على روبير أخيراً. نظر أبوه إلى الدوق الراكع، والفرسان، والقرويين، ثم إلى إينيل. وابتسم بعدها، مومئاً لابنه. بادره إينيل الابتسام، وبدأت السكينة ترتسم على وجهه. غير أن... رأس روبير انخفض قليلاً، ومع انخفاضه، تلاشت ابتسامة إينيل.

همس إينيل: "لا".

لانتا عينا روبير.

أعاد إينيل هزا رأسه بعنف أكبر هذه المرة: "لا".

"أبي، لا".

ابتسم روبير مجدداً، ثم حرك شفتيه بصمت معتذراً: أنا آسف. وحينها، وحاملة ميرا بعناية بين ذراعيه، هوى روبير بلاكود كلياً أمام ابنه. هطل المطر حولهما، وظل الأثر على كتف إينيل يشتعل برفق تحت المياه. رفع بصره، محاولاً إخفاء دموعه بمياه المطر. وتطلع إلى الملوك، إن وجدوا، متسائلاً...

"لماذا؟"

لكن بالطبع، لم يأت أي رد. أجابه المطر وحده. المطر، وصوت الركب وهي تغوص في الوحل. وقف إينيل وحده بينهم، أرفع شأناً من الجميع لسبب واحد وهو أنهم جميعاً اختاروا الركوع. ولذا، ولأول مرة في تاريخه الطويل البائس، لم يركع سور الأرملة لأمر، أو لدوق، أو حتى للتاج. بل ركع لعهد. ولعل سور الأرملة، هناك تماماً تحت المطر المنهمر، قد حاز أكثر من مجرد وريث.