"أهذه... سهم ليل؟"
لم يسبق أن رأى إينيل واحداً طوال حياته. قيل إن واحداً سقط قبل سنوات، قرب وقت ولادته، لكن أكثر من سألهم لم يعرفوا عنه شيئاً البتّة. حدق فيه، وراقب تحركه البطيء فوق الغيوم... إن كانت غيومآ. أو لعل حركته لم تكن بطيئة قط، وبدا الأمر كذلك فحسب — فكل شيء كان بالِغ الاضطراب في الغابة المظلمة. مع ذلك، عجز عن إبعاد نظره عنه. كان يحترق في كبد السماء، وميضاً أبيض صغيراً في البداية، ثم أزرق، ثم برتقالياً وهو يمزق السحب.
وظل الكيان بلا وجه يشير، وخلف إينيل، أخذ القرويون المعقودون يرتجفون. لم تختفِ ابتساماتهم، بل تقاربت أجسامهم، واشتبكت الأطراف بعضها ببعض. التفت إليهم، لكنه غفل عنهم لبرهة فحسب، وفي تلك اللبرهة، ضرب سهم الليل القرية. ...وهوى مباشرة على القرويين المعقودين، فانهارت الأرض بينما سحقهم الشهاب في الحفرة تحته. لكنه مرة أخرى، بدا أمراً غريباً — لم يشعر إينيل بأي اهتزازة طفيفة على الإطلاق وقت ارتطامه.
و... بدا أن القرويين المعقودين لم يشعروا بشيء أيضاً. على الرغم من تمزق أطرافهم وسحقها حتى تسطحت، ظلت الرؤوس التي استقرت على حافة الحجر تحدق فيه. وما زالت تبتسم.
"ما هذا..."
حدق إينيل وأذرعهم تضطرب تحت الحجر، وتثني الأصابع في كل اتجاه وهي تحاول الزحف خروجاً. وضغطت وجوههم جانبياً عبر التراب، محاولة تخليص نفسها. ونجحت بالفعل في التمزق، لدرجة أن طرفاً مضطرباً قذف رأساً نحو قدميه... ولا يزال يرفع بصره إليه بابتسامة على وجهه. قبض إينيل على مقبض سيفه، لكنه لم يسله.
"ما هذا..."
وحينها، تحرك الحجر. تراجع إينيل خطوة حين رأى ما يشبه يداً صغيرة تضغط من داخل سهم الليل.
"أهناك... أحد في الداخل؟!"
رفع صوته. لكن الحجر لم يجبه سوى بالتحرك مجدداً. هذه المرة، برز إلى الخارج على شكل أصابع ضئيلة... ثم انشق أخيراً. ظهرت يد أخرى بجانب الأولى، تدفع من الداخل. أطلق سهم الليل أزيزاً، وانشق سطحه كالبيضة. خطا إينيل خطوة أخرى للوراء بينما اتسع الشق... وشرع شيء بالزحف خارجه. أهذا... طفل؟ أو على الأقل، كان يأخذ شكل طفل. كانت أطرافه صغيرة، لكن رأسه... رأسه كان ضخماً. يضاعف حجم جسده مرتين، بينما بدا جلده كالحجر، رمادياً في بعض المواضع، ثم محمراً بالأعوعية الدموية.
خلّص نفسه من الحجر، فانصدعت الأرض تحت يديه... مساحقةً بعض القرويين المعقودين أيضاً. حدق الطفل في يده الملطخة بالدماء، ثم أطلق صوتاً أشبه بضحكة خافتة وبكاء في الوقت ذاته. أمعن النظر للأسفل مجدداً، ثم وضع كلتا يديه على أحد القرويين المسحوقين تحته وبكل بساطة... شرع في تهشيم الرؤوس تحته واحداً تلو الآخر. ومع ذلك، ظل القرويون جميعا يبتسمون قبل أن تتحول رؤوسهم إلى فتات.
"يا بني..."
طرف إينيل بعينيه.
"توقف."
ومع ذلك ضغط الطفل لأسفل مجدداً. بعنف أكبر هذه المرة، دون أن يتوقف حتى تحول كل ما حوله تقريباً إلى عصيدة. ثم أطلق ذلك البكاء المتهدج الضاحك مجدداً... ثم زحف إلى الأمام أخيراً. اصطدم رأسه بالأرض والدماء، لكنه لم يبدِ أي اكتراث البتة. شق طريقه عبر التراب جبينَه. ورضّ القرويين الباقين تحته، فانفصل بعضهم عن العقدة لتتطاير أطرافهم في اتجاهات عديدة دفعة واحدة. ومع ذلك، حتى حينها، استمر أولئك الذين ما زالت لهم رؤوس...
في الابتسام. واصل الطفل الزحف للأمام، مما دفع إينيل لخطوة أخرى للخلف. وتمشياً مع اللحظة التي كان على وشك سلّ سيفه فيها، توقف المخلوق أخيراً. رفع رأسه... ثم أطلق صرخَة.
"خّه!"
سدّ إينيل أذنيه فوراً من شدة علو الصرخة. وأشار القرويون، أولئك الذين ما زالت أطرافهم باقية، جميعهم نحو الطفل الصارخ.
"ما..."
هوى إينيل على ركبتيه، منكمشاً على نفسه بينما علا الصوت واشتد ثانية بعد ثانية. وحينها أحعر بشيء يلمسه على كتفه. التفت إلى جانبه، فلم يرى سوى الكيان بلا وجه جاثياً بجانبه. وما إن حدق في وجهه الأجوف، حتى رفع الكيان كلتا يديه نحو رأسه.
"أنت..."
اتسعت عيناه إينيل وهو يدرك ما كان على وشك فعله. غرز أصابعه في جلده الخاص، ممزقاً الموضع الذي مفترض أن يكون فمه فيه — وحينها، ابتسم هذا القروي بلا وجه له هو الآخر أخيراً. ثم التفت رأسه بوحشيّة نحو الطفل، قبل أن يشير بإصبع واحد نحو إينيل... ويطلق صرخة خاصة به. اصطدم الصوت بإينيل بقوة كافية جعلت أسنانه تصطك. وخلافاً لصرخات الطفل، صُعِقت الصرخة الخارجة من الكيان بلا وجه من أصوات مختلفة.
أولاً، بدت كصوت لامب وهي تصرخ بألم بينما تنادي باسمه، ثم غدت كصوت ميرا وهي توبخه... وقريباً، لم يعد الأمر يبدو بشرياً على الإطلاق. أطبق إينيل أذنيه بقوة أكبر، لكن ذلك لم يجد نفعاً. لم يكن الصوت في الهواء فحسب. بل أتى من الأرض تحت حذائه، ومن السماء فوقه، ومن البئر، ومن سهم الليل، ومن القرويين المبتسمين المسحوقين تحته، ومن الجذور المتحركة تحت جلد الطفل. هبط إينيل أكثر.
"تَ... توقف..."
لكن الصرخة لم تزدد إلا علواً، حتى عاد إينيل لا يدري ما يسامعه إطلاقاً. لم يعد يبدو سوى صفير الآن، يخترق أعمق أجزاء رأسه.
"كفى..."
همس، مبعداً يديه ببطء عن رأسه بينما انقبضتا على شكل قبضتين. كاد يضرب الأرض في تلك اللحظة بالذات، لكن فكرة جعلته يتوقف — روح الورقة الضئيلة المرتجفة في راحته قبل قليل. كانت ملوثة، نعم. لكن بعد أن سحقها، راقبها وهي تعود ببطء إلى لونها الأصلي. هذه الأشياء... كانت أرواحاً ذات يوم — لا. إنها أرواح.
"لا"، همس، رغم أنه بالكاد سمع صوته.
"لا. أذنا الملك، يا إينيل... استخدم أذني الملك الصغير على حق."
خفض يديه وهما تشرعان في الاسترخاء، وتوغل الصوت العنيف الدافق في أذنيه في أعماق جمجمته. أخذ جسده بأكمله يرتجف ويتشنج — لكن عوضاً عن إطباق أذنيه مجدداً، حنى رأسه وأغمض عينيه مجبراً نفسه على الإصغاء. ليس للأصوات، لا. ليس للألم، ولا للصرخات، ولا لشيء واحد من القرية. بل حاول الإصغاء... إلى السلام. الدفء الذي شعره من تهويدة أمه، والهدوء الذي شعره من قلب أبيه. أدرك أنه لن ينجح في سماعهم، لكن ذلك لم يكن مهم مجدداً.
مجرد التفكير بهم... جعل كل شيء آخر يتلاشى ببطء. كانت الصيحات أول ما اختفى، ثم الصرخة المرعبة للكيان بلا وجه. وقريباً، بات بإمكانه سماع أوراق الشجر من مكان بعيد. أرواحاً أخرى، تئن، وتعاني، وتتعرض للتلويث ببطء بواسطة الحجاب. استطاع سماع الماء، والرياح التي بدت قادمة من كل اتجاه وفي الوقت ذاته، من لا مكان على الإطلاق. وحينها، وراء كل ذلك، أبعد ربما، سمع صوت معدن. مال رأسه على وقع احتكاكه بالخشب.
ثم، مجدداً، سمع المعدن يرتطم بشيء آخر. وتحت ذلك كله، سمع نفساً حاداً وغاضباً للغاية، يعقبه شتم حاد لدرجة مكنت إينيل من تمييزه أينما كان. لامب. فتح عينيه، فلم يجد الكيان بلا وجه سوى زائل. ولم يعد الطفل موجوداً هناك أيضاً — لا. لقد اختفت القرية بأكملها، ولم يعد هناك حتى أثر واحد لهم، أو للشهاب.
"هاه..."
حدق حوله، فلم يكن هناك سوى مرج شاسع وفارغ. لم يضيّع إينيل مزيداً من الوقت ونهض بسرعة، متبعاً صوت سيف لامب. لكن ما إن خطا خطوته الأولى، حتى التوى المرج نحوه. حـاول العشب والحلحال تحت قدميه ابتلاعه، وحتى الأشجار التي كانت بعيدة التفت نحوه. لكن إينيل لم ينظر إليها وأغمض عينيه مرة أخرى.
"أذنا الملك"، همس، خاطماً خطوة واحدة ببطء نحو صوت الارتطام.
لم يكن بحر الأشجار الملتوي وخماً — بل كان إينيل يمزقه. استطاع شعور الفروع وهي تحاول التفاف حوله، لتتمزق فحسب كالورق. قريباً، سمع صوت المعدن يزداد قرباً، وأكثر قرباً... حتى سمع ضحكة. ولا، لم تكن الغابة. هي. انطلق إينيل، مخترقاً كل ما في طريقه حتى آلمته أذناه من الضحكة الهستيرية. وحين أصبحت أعلى من الحد، فتح عينيه أخيراً — ولبرهة هناك، لم يستطع سوى التحديق. غطت الفيمونات الأرض بالكامل.
انشقق بعضها، بينما تعرض معظمها للتقطيع إلى قطع عديدة. جذور الغابة تتسلق عبرها، وتبدو وكأنها تحتسي المادة اللزجة المتسربة من جثثها. مع ذلك، ما زال العشرات منها يتحرك ويحيط بالكيان الواقع في قلب المجزرة تماماً — لامب. كان شعرها فوضوياً، وممزقة أكمامها بالكامل، ولم يكن ثمة جزء منها لم يغطَ بدماء عدوها. كانت إحدى عينيها منتفخة ومغلقة بالفعل، ومع ذلك... لا تزال ابتسامة عريضة ترتسم على وجهها بينما كانت الفيمونات تزحف نحوها.
"هيا"، همست.
"هيا!"
كانت على وشك الانقضضاض نحو أقرب فيمون، لكن حينها... تراءى لكليهما الآخر.
"إينيل...؟"
همست، محملة إياه بنظرة ذات عيون متسعة. ولأول مرة منذ دخولها الغابة، استرختا ذراعاها.
"هاه. لقد استغرق مجيئك وقتاً طويلًا."
ومع تلك الكلمات، استسلم جسدها أخيراً بالكامل. هوت، لكن إينيل أمسكها قبل أن تلامس الوحل.
"لامب..."
همس.
"لقد أبليت بلاءً حسناً."