النَبيل المتبنّى ليس بشرياً الفصل 44 — حامِل القَسَم وغابة الظلام المُحيرة

اقرأ النَبيل المتبنّى ليس بشرياً الفصل 44 — حامِل القَسَم وغابة الظلام المُحيرة باللغة العربية على مانجا تايم.

ظنّ إينيل في البداية أنه بحاجة إلى التوغل أكثر فحسب. كانت الغابة المظلمة غريبة حقاً، غير أنه اجتاز غاباتٍ شتّى منذ مغادرته سور الأرملة. وتنتهي الغابات عادة متى ركض فيها المرء ما يكفي. فركض. كانت الأرض رمالاً في البدء، لكنه صار يمشي الآن على مرج فسيح أشجاره بطول أسوار البارونية، وأرضه ملساء تقريباً رغم شفرات العشب.

قال: "لام! أمّي!"

تردّد صوته بين الأشجار ثم عاد إليه. لم يكن صدى، بل بدا وكأن شخصاً ما ردد الكلمات فعلاً. اهتزت الشجرة الأقرب إليه لتمطر عليه أوراقها السوداء. وحين لامسته، تحلت جميعها إلى عثة. اندفعت العثة نحوه ممزقة عباءته، لكن إينيل ألوى بيده فقط ومرّ من خلالها. وعندما واصلت العثة تعقبه والدوران حوله، رمق إحداها وصفق بيديه وبداخله العثة. سرى الصوت عبر المرج عاصفاً بكل العثة والأوراق التي هددت بإحاطته.

تلفت وحملق بينما تحولت العثة جمعاء إلى أوراق تتأرجح بكسل حتى اصطدمت بالأرض. ثم سمع صريرًا خفيفًا وخفض بصره سريعاً نحو كفيه. وهناك، على كفيه، كانت روح ورقة ترتجف. بدت ملوثة للوهلة الأولى، لكنها استعادت لونها الأخضر ببطء بينما ارتعشت أطرافها.

قال إينيل وانقطع نفسه لبرهة: "لا... لم أكن..."

وقبل أن يتسنى له قول شيء آخر، ذبلت الروح. عصفت الريح برماد الروح، تاركة إينيل واقفاً مكانه. لكنه لم يملك وقتاً للرثاء، إذ سمع صوت لام بعد هنيهة.

قالت: "يا سيدي!"

التفت رأس إينيل نحو الصوت، واندفع في إثره دون تفكير ثانٍ. عبر المرج الفسيح الذي استحال مستنقعاً فجأة بعدما قفز فوق جذر. ولم يعبأ إينيل بالتغير، فاقتحم ستارة من الكروم المتدلية التي حاولت التشبث بذراعيه.

قالت الصوت مرة أخرى وأضعف هذه المرة، ثم أقوى: "يا سيدي... يا سيدي! النجدة!"

صرخ: "لام! لام! أنا قادم!"

اقتحم مساحة خالية، لكن لام لم تكن هناك. وجد وحشاً فقط يقف على أربعة أطراف ملتوية وفكه متدلل.

قال بصوت لام: "يا سيدي..."

وما إن سمع صوت لام منبعثاً من المخلوق الملوث، حتى تبدلت نظرة عيني إينيل. وثب الوحش إلى الجانب قبل أن يدركه. ليس بعيداً، بل نحو شجرة انحنت مفتوحة كالباب. انزلق عبر الفجوة وتبع إينيل محطماً الجذع بكتفه. حسناً، ظن أنه سيحطمه على الأقل. انزلق عوضاً عن ذلك داخل الشجرة ليخرج من الطرف الآخر. ظن أن كل شيء سيتغير مجدداً، لكن لا. كان المستنقع ذاته، رغم أن المستنقع صار فوق رأسه وجوانبه الآن.

ومع ذلك، لم يسقط قط من الماء. وفي الطرف الآخر من المساحة الخالية وقف الوحش ذاته ولا يزال صوت لام عالقاً في حلقه.

قال: "يا سيدي..."

عبر إينيل المساحة في نفس واحد وغرس قبضته في صدره. انطوى المخلوق حول ذراعه وتكسرت العظام واللحاء معاً، وحين سحب قبضته حراً تفكك الكيان إلى جذور رطبة زحفت عائدة تحت الماء الآسن.

همس إينيل: "لا تستخدمي صوتها"، ليرد عليه شيء ما من خلفه.

ضحكة رقيقة لدرجة كادت تميل برأسه نحوها، ضحكة ميرا. التفت إينيل بالسرعة التي جعلت الجذور والماء يتناثران من تحت حذائه. رآها بين الأشجار للحظة واحدة. شعر أحمر داكن قليلاً، وفأس في يدها، والميل المألوف لرأسها.

نادت: "إينيل. من هنا."

ركض، لكن خطواته تباطأت قريباً. هذا الشيء لم يكن أمّه. ابتسمت له، لكنه لم يستطع أبداً محاكاة الدفء الذي شعر به إينيل. أغلق عينيه، ثم التقط حجراً ورماه. تفكك الشكل إلى طيور مصنوعة من اللحاء الأسود. تفرقت بين الأشجار، ضاحكة كلها بصوت ميرا. انثنت أصابعه.

"يكفي."

أمسك أقرب شجرة واقتلعها من الجذع بكل جذورها. تدفق الطين من الحفرة حيث كانت الجذور، ليس إلى الأسفل بل إلى الأعلى. لم يعبأ إينيل. لوح بالشجرة عبر بقية الأشجار محطماً الجذوع والأفصان والكروم وكل ما تحرك. محا المستنقع المتلولب من حوله تماماً حتى انشق بوضوح ودفع به إلى الخارج. لكن حين تغير كل شيء من حوله، أبصر فجأة إشارة التحذير الملتوية نفسها التي عبرها قبل أن يتغير كل شيء.

ممنوع الدخول إلى ما بعد هذه النقطة. صار هناك المزيد منها الآن. العشرات ربما. علق بعضها بالأفصان، وطمر بعضها نصف رمل، ومُمِّر بعضها الآخر مقلوباً على الأشجار. حدق إينيل فيها ثم تنفس بضجر.

قال: "أنا... أبدأ بكره هذا المكان."

صرّت الإشارة رغم انعدام الريح. كاد يعبر الإشارات مجدداً، لكنه توقف ليتنهد. هز رأسه، صافعاً خديه الاثنين قبل أن يدلك داخل أذنيه. وبتنفس عالٍ، أغلق عينيه وأصغى أخيرًا بـأذنيه الإلهيتين. كان هناك الكثير في البداية. عالم الأرواح يزخر بالكثير... من الحياة. كانت الجذور تتنفس، وهمست كل ورقة بمفردها، وتحركت حتى الصخور. مئات بل آلاف منها بحياة تخصها وحدها، لكنه سمع أسفل الأصوات كلها وتحت حركاتها الصغيرة طرياتها، صرخاتها.

هذه الأرواح ملوثة كلها بالحجاب. أمال رأسه مختاراً ألا يسمع الهمسات الصغيرة. لكن لام ضحكت إلى يساره، ونادت ميرا من خلفه، ثم بكى طفل في الأمام. أغلق إينيل عينيه بقوة أكبر محاولاً إبعادها، لكن الغابة لم تولد سوى المزيد. ثم سمع تحت الأصوات كلها شيئاً مألوفاً. حبل يصر. تلاه صوت ططأة الماء، ومكنسة تحك التراب برفق. سمع دجاجاً أيضاً. تعرف على هذا كله لأنه ما كان يسمعه في سور الأرملة كل يوم.

لكن... لا مفترض بوجود قرية هنا. فتح عينيه متردداً لبرهة قبل أن يتبع الصوت. سمش نحو الحبل الصاخب متجاهلاً أي ضجيج أو أصوات أخرى على طول الطريق. تراجعت الأشجار بعد قليل وباتت السماء شاحبة وفارغة. لكن إينيل وجد قرية قريباً. كانت صغيرة، أصغر من سور الأرملة وحتى أصغر من بعض المستوطنات الواقعة على جانب الطريق التي مرّ بها في طريقه للوطن. غير أنها ضمت منازل، وسياجاً، وبئراً، وطريقاً فعلياً يمر بمركزها.

أول ما لاحظه إينيل هو أن أياً من المنازل لم يبدُ منتمياً إلى جوار الآخر. شابهت بعض المنازل منازل سور الأرملة، نعم. لكن أكثرها بدا أقدم، كتللك الرسوم التي طالعها في الكتب. خلت إحدى المنازل من باب تماماً، إذ وجد ظل استحال معه النظر إلى الداخل، ودخن مدخنتها انجرف إلى السقف بدل أن يصعد. وربما الأهم من ذلك كله، وجود ناس. حسناً، أدرك إينيل أنهم ليسوا بشراً على الإطلاق.

ومع ذلك، كانت هذه المرة الأولى التي تهدأ فيها الأمور من حوله. وربما... أهدأ مما ينبغي. كانت امرأة تكنس التراب عن شرفة خلت من الغبار. وجلس رجل بجوار سياج يصلح شبكة مصنوعة من... شعر. ودحرج طفلان كرة منسوجة ذهاباً وإياباً، لكن الكرة راحت تطفو كأنها فوق ماء.

نادى: "طاب يومكم"، لكن المرأة التي تكنس لم تنظر إليه.

ولم يفعل الرجل ذو الشبكة ذلك، وواصل الطفلان دحرجة كرتهما في الهواء فحسب. توغل إينيل أكثر في القرية ويده قريبة من سيفه.

"أبحث عن شخصين. امرأة شعرها أحمر ومعها فأس، وفتاة تحمل سيفاً. أعبرا من هنا قط؟"

وجد عدة أشخاص آخرين هناك، لكن أياً منهم لم يجب أو حتى ينظر إليه. وعليه، تابع إينيل السير متوغلاً في البلدة الغريبة. تجاوز المنزل الأول، لينقر شيء ما فجأة خلفه. التفت. لكن المرأة ظلت تكنس، والرجل واصل إصلاح شبكته، ولعب الأطفال بكرتهم. لم ينظر أحدهم إليه، وتسااءل إينيل للحبرة إن كان تخيل الضجيج، لكنه أدرك شيئاً قريباً. المرأة، والرجل، والأطفال... صاروا أقرب إليه الآن.

رمش: "أوه..."

لكنه تابع سيره. وما إن استدار حتى سُمع نقر آخر. لم يلتفت هذه المرة فوراً. أصغى، ليتلوه نقر آخر. ثم آخر. ثم آخر. وحين علا الضجيج، نظر إينيل ببطء أخيرًا فوق كتفه. كان كل قروي يحدق به. لوت المرأة قرب الشرفة رأسها بعيداً دون تحريك كتفيها، ولوى الرجل عند السياج عنقه بينما استمرت يداه في إصلاح الشبكة. توقف الطفلان عن اللعب وماما رأسيهما باتجاه إينيل. وابتسمت... كلها. حدق إينيل بهم مطولاً.

قال مجدداً: "طاب... يومكم؟"

لكنهم لم يردوا. واصل السير متجهاً للأمام، لكنه استطاع سماعهم خلفه الآن. كانوا... يتبعونه. توقف إينيل، وتوقفت القرية معه. خطا خطوة، فخطت القرية خطوة خلفه. اشتدت يد إينيل قرب سيفه.

همس دون أن يلتفت للوراء: "أرجو ألا تقتربوا أكثر."

لم يرد القرويون، لكن حين خطا خطوة أخرى، فعلو بالمثل. استدار إينيل تماماً هذه المرة فتجمد القرويون في مكانهم. وقفوا جميعهم قربة منه ولا زالت ابتسامات عريضة مرسومة على وجوههم. واتسعت عيناهما أيضاً. حدق بهم مطولاً قبل أن يبدأ الطفلان بالتلويح له. ضيق إينيل عينيه.

"أنا عَجِل."

واصل الطفل التلويح، لكن إينيل كان قد استدار مجدداً مسرعاً خطاه نحو مركز القرية. وسرعان ما بلغ البئر، وبجوارها جلست الشخصية الوحيدة في القرية التي لم تلتفت لتنظر إليه. ارتدت الشخصية معطفاً طويلاً اهترأت أطرافه. ونبت العشب عبر كمّ واحد، واستقرت يداه على ركبتيه. اقترب من الشخصية، لكن الضجيج خلفه صار أعلى من أن يتم تجاهله. استطاع سماعهم يفعلون... شيئاً ما. وبتنهيدة، نظر للوراء مرة أخرى.

كان القرويون متراصين معاً الآن. تتداخل أكتافهم، وتلتلت رؤوسهم مائلة تحت ذراع شخص آخر. التوت أطرافهم حول بعضها، ومع ذلك لم تختفِ الابتسامات عن وجوههم. وبدت حماستهم متزايدة مع إمعان إينيل النظر إليهم. انثنت يداه لبرهة ثم استدار مجدداً نحو الشخصية بجوار البئر.

قال لعدم وجود ما يقوله سواه: "عذراً."

رفعت الشخصية رأسها... ولم تكن لها ملامح وجه البتة. لكن، بخلاف الناس خلفه، شعر إينيل لسبب ما بقدرته على الحديث معه.

قال إينيل: "أبحث عن أمي. ميرا بلاكوود. وصديقتي، لام. أرجوك... أأمرتا من هنا؟"

أمالت الشخصية عديمة الملامح رأسها، ونقر عقدة القرويين المبتسمين خلف إينيل دفعة واحدة. تجاهلهم مركزاً تماماً على الكيان أمامه. لم تفعل الشخصية عديمة الملامح شيئاً آخر مطولاً. لكن حين كاد إينيل يفتح فمه مجدداً، تحركت أخيراً. أشارت نحو السماء الفارغة. رفع إينيل بصره ليرا شيئاً يتحرك ويتوهج فوق الغيوم.

"سهم... ليلي؟"