لم تكن عادة متدربي نقابة التاج وطلبتها الجري. رسخوا فيهم أن على النبيل أن ينزلق عبر الممرات، لا أن يهرول فيها. لكن نحو نصف النقابة بأكملها كان يندفع عبر الممرات الآن. مشى الكبار في البداية، وحين سمعوا سبب الجلبة، تسارعت خطواتهم أيضاً.
"إلى أين ذاهبون جميعاً؟!"
التفت شخص لا يدري ما يجري، وقبض على الكتب في يده بقوة خشية أن تسقط إن اصطدم به أحد.
"ألم تسمع؟! وصل بطل المعسكر الغربي!"
"من؟!"
"المبارك الذي ساهم في إنهاء الحرب مع الهمج!"
"عداء القَسَم؟! ولماذا لم تقل ذلك؟!"
لم يعد الصبي يعبأ بكتبه، فألقاها وهو يندفع مع الآخرين. وكانوا كثرة غفيرة. وما إن وصل إينيل وغوينيفير وتايني والراسمان والمارشال أولر والرجل المسمى روجر إلى قاعة الاختبار، حتى كانت الشرفات تمتلئ بالفعل. انحنى جميع المتدربين والسادة الشباب فوق الدرابزين الحجري. حاول الكبار إظهار عدم الاكتراث، لكن عيونهم اتسعت فور دخول إينيل.
"هذا... هو عداء القَسَم؟"
"هذا هو؟! يبدو كامرأة!"
"سمعت إشاعة تقول إنه ينتمي إلى بارونية تحتضر. لقد كانت كذبة! انظروا إليه!"
"أنا... توقعت أن يكون عداء القَسَم أكبر سناً."
"...أتساءل كيف يعتني بشعره؟"
"أمتأكدون أنه هو؟ يبدو كأحد الرجال الذين تحضرهم أختي إلى غرفتها ليلاً."
"...ولماذا تحضر أختك رجالاً إلى غرفتها؟"
"آه! لقد نظر عداء القَسَم إلى هنا!"
نظر إينيل إلى جميع الشباب من حوله، ولم يستطع إلا أن يخفض رأسه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يحاط فيها بأناس في عمره... ومكانته.
"أه..."
اقترب تايني من إينيل.
"يا سيّدي. لماذا يدعونه بذلك؟ حتى الحراس في الخارج نادوك به."
"ماذا؟ أنا... لم أكن منتبهاً."
ضيق إينيل عينيه.
"عداء القَسَم."
"...ربما لأني اعتدت توصيل الشوفان إلى أهل سور أرملة؟"
نظر إينيل حوله مجدداً.
"أتساءل كيف عرفوا بذلك."
"لا. عداء القَسَم."
مشت غوينيفير على جانبه الآخر، وقد وضعت كتابها تحت إبطها.
"آه."
رمقت غوينيفير تايني بنظرة.
"ولا أرى سبباً يمنعهم من مناداته بذلك. لقد عبر المملكة وهرع نحو الحرب بسبب قَسَم. وهرع هارباً من ساحة المعركة بسبب قَسَم."
"لكن... كيف عرفوا بكل ذلك؟"
سأل تايني. التفت المارشال تومين أولر ليخاطبهم. ابتسم لتايني فقفز شعر قفاه.
"تنتقل المعلومات بسرعة في مستوى معيّن من التسلسل الهرمي يا صغيري،"
قال: "وهمس الشباب أسرع من غيره. فهؤلاء السادة الشباب يحتاجون إلى ثلاثة أمور ليبقوا بصحة جيدة: التدريب، والطعام، والثرثرة."
بذل تايني قصارى جهده ليبادله النظرات.
"حسناً... أنا بحاجة إلى الطعام."
"حسناً، سيحدث ذلك لاحقاً. أنت الطعام في الوقت الحالي."
تعثرت خطى تايني حين سمع ذلك.
"ماذا... يعني هذا؟"
التفت إلى غوينيفير التي اكتفت بهز كتفيها. ولم يعنّ له أن يسأل إينيل، فقد بدا هذا الأخير أكثر حيرة منه.
"ولماذا يوجد هذا العدد الهفار من البشر؟"
ضيق تايني عينيه، وكاد يغرق من كثرة النبلاء في مكان واحد.
"ظننت أن الأمر سيكون خاصاً؟"
"كل شيء هنا عام يا صغيري، لكنك محق، فأغلب السادة الشباب هنا لا يعبأون عادة بالمتدربين الجدد. وكما قلت، فإن سيّدك... شهي."
"هاه..."
ضاقت عينا تايني أكثر حين انزلق ليقترب من غوينيفير.
"إنه... غريب يا مولاتي."
رمقته غوينيفير بنظرة.
"أحقاً؟"
"...حقاً."
وقف تايني يفكر كيف يُعقل أن يكون لص مثله هو الشخص الأكثر طبيعية هنا. أما روجر الذي بدا مساعداً للمارشال أولر، فلم ينطق بكلمة. لكن تايني لاحظ أنه كان يختلس النظر إلى إينيل بين الحين والآخر.
"سننتظر هنا إذن."
أشار المارشال أولر لغوينيفير وتايني بالتوقف.
"روجر؟"
"بالتأكيد يا مارشال."
انحنى روجر ثم أشار لإينيل كي يتبعه. لم تكن ساحة الاختبار في الخارج، رغم أن حجمها جعل إينيل يظن أنها ينبغي أن تكون كذلك. كانت الغرفة شاسعة وذات سقف عال لدرجة جعلت الرايات المعلقة منه تبدو كأشرطة قماشية. وكانت الأرضية من الرخام، ومقسومة إلى دوائر وممرات — وكلها معلمة ومخدوشة بسنوات من النزال والتدريب. وهناك دمى حربية مبعثرة في كل مكان أيضاً. وكانت مكسوة بشرائح معدنية تحمي الخشب البادي كثيفاً بالفعل تحتها.
بيد أن عيني إينيل لم تستطيعا استكشاف الكثير، إذ تدافع المزيد والمزيد من المتدربين نحو المقاعد المرتفعة المحيطة بالغرفة. إنه... لم يشعر قط بمثل هذا الشعور من قبل. أن يُراقَب بهذه الطريقة.
"أيها السيّد الشاب."
ركّز إينيل انتباهه على روجر الذي كان يقف الآن بجانب منصة عالية في وسط القاعة — ووضعت فوقها كرة زجاجية بحجم الرأس. وحين اقترب إينيل، لاحظ نقوشاً تحفرها بالكامل.
"نبدأ باستجابة النَفَس،"
قال روجر، وما إن فعل حتى بدأت همسات المتدربين واللوردات والسيدات المستقبلين تشتد. لم يستطع إينيل إلا النظر إليهم، لكن صوت روجر أعاده.
"يا سيّدي."
"آه. أنا... أعتذر يا سير روجر."
اقترب إينيل أكثر.
"ما... هذا؟"
"هذه أداة لاختبار عمق نَفَسك يا سيّدي."
تراجع روجر خطوة.
"من فضلك، ضع يدك قرب الحجر دون أن تلمسه. ثم خذ نَفَساً عميقاً فحسب."
"لكن... ليس لدي نَفَس يا سير."
كاد إينيل يخفض رأسه.
"ولا خزي في ذلك يا سيّدي. أنا أيضاً بلا نَفَس."
مرر روجر راحته على المتدربين.
"معظم أهل ألداوين بلا نَفَس. هذا مجرد إجراء شكلي وللتسجيل يا سيّدي."
"أنا... أفهَم."
أومأ إينيل برأسه، ثم بسط راحته فوق البلورة المجوفة وأخذ نَفَساً عميقاً. راقب روجر الحجر لبرهة ثم اقترب.
"الأمر جيد الآن يا سيّدي. يمكنك رفع يدك."
وعلى الفور، بدأ المتدربون يهمسون بصوت أعلى.
"بلا نَفَس؟!"
"إذن كيف قتل تيباي؟!"
"أ... متأكدون أنه عداء القَسَم؟"
"إنه مبارك، أيها الأحمق. المباركون مختلفون."
"أ... المباركون أقوياء إلى هذا الحد؟ أ... ليس لدينا مبارك آخر منضم؟"
"وكيف لي أن أعرف؟ هل أبدو مباركاً؟"
"لا. أبداً."
"ماذا تقصد بذلك؟"
"تجاهلهم أيها السيّد الشاب،"
استعاد روجر انتباه إينيل وكتب شيئاً على لوح صغير. وبعد هنيهة، تراجع وأشار لإينيل أن يتبعه.
"ننتقل إلى الاختبار التالي. سيكون لدينا شخص ينازلك، انتظر من فضلك—"
"أفضل ألا أنازل أحداً،"
قاطعه إينيل وتوقفت خطاه فوراً. نظر إليه روجر، ثم إلى تومين الذي اكتفى بهز كتفيه رداً على ذلك.
"ولماذا هذا يا سيّد الشاب؟"
سال روجر.
"البركة التي منحتني إياها الملوك جعلت لحمي أقوى من معظم البشر يا سير. لن... يكون من الحكمة أن أنازل أي شخص لا أعرفه."
نظر إينيل حوله ثم لمّح الدمية الحربية القريبة منه.
"أيمكنني أن أريكم؟"
نظر روجر إلى تومين مجدداً، وبدا... مبتهجاً. ربما أكثر من اللازم.
"حسناً جداً أيها السيّد الشاب."
اقترب إينيل من إحدى الدمى الحربية. وعن قرب، استطاع رؤية كل العلامات التي خلفتها السنوات — ومع ذلك، بغض النظر عن التكسرات والتشققات الدقيقة كالشعر، ظلت تبدو كثيفة وثقيلة بشكل لا يصدق. وضع راحته بحذر على درع الدمية، ثم نظر إلى روجر.
"أ... لن أدفع ثمن هذا؟"
"لا أيها السيّد الشاب. ولا داعي للقلق بشأن إتلافها. فقد عُزِّز الخشب بنَفَس، ودرعها—"
دوى صوت صرير خفيف لكنه عال عبر القاعة بأكملها قبل أن يتمكن روجر من إتمام كلامه. تساءل عما يكون في البداية، لكن عينيه قفزتا نحو يد إينيل. كانت أصابعه... تغوص ببطء في الخشب المعزز. والدرع.
"أنت..."
اتسعت عيتا روجر بشكل لا يصدق، وتلاشت فوراً الهمسات التي كانت تمزق القاعة. لم يبدُ على إينيل حتى أنه يبذل جلّ قوته. كان... يقف هناك باسترخاء تام. ثنى يده ثم جذبها بخفة. فانفصلت قطعة من صدر الدمية مع أزيز عميق، الدرع وما يحمل. أمسكها في يده لبرهة، ثم عصرها بلا مبالاة، مما جعل الخشب يتشظى إلى الخارج. وبعد ذلك وضعها بحذر على الأرض، ورأى الجميع كيف انثنت القطعة المعدنية — بل كيف تَمزقت وتناثر الخشب مسحوقاً.
"أفضل ألا أنازل أحداً،"
قال إينيل مجدداً. بقي المتدربون صامتين. حدق روجر في الفجوة المحدثة بالدمية.
"هذا خشب قلب معزز."
"أ... هذا باهظ الثمن؟"
بلع إينيل ريقه. وفي غضون ذلك، نظر تايني حوله في القاعة الصامتة وابتسم ببطء. التفت إلى غوينيفير.
"كيف هو شعورك تجاه كون خطيبك ملكاً؟"
"أهو ملك؟"
"ماذا؟ لا. ما أقوله هو — لا تعبئي بأمري يا مولاتي."
تقدم تومين إلى الأمام، وللمرة الأولى منذ أن التقى به إينيل، تحول المرح في عينيه إلى... هدوء.
"آه،"
قال: "إذن هذه هي المشكلة."
"أي مشكلة يا مارشال؟"
سأل إينيل.
"لماذا أرسلك الدوق غاوين إلى هنا."
اقترب تومين، محتنياً نحو الدمية في البداية قبل أن يدور حول إينيل.
"أنت هنا لتعلم ضبط النفس."
"لقد عُلمت ضبط النفس يا مارشال."
"لا. لقد عُلمت كبح غضبك."
انتزع تومين الوشاح الأحمر الشاحب من عنقه ورماه لروجر.
"ستنازلني أنا أيها السيّد الشاب."
تقدمت غوينيفير خطوة.
"مارشال."
"لا تقلقي يا عزيزتي الصغيرة. أنا مغرور بدرجة تكفي لألا أموت أمام هذا العدد من الشهود."
بدأ تومين خلع الخواتم عن أصابعه، رامياً كلاً منها لروجر مجدداً. وبعدها ولمفاجأة إينيل، سحب وشاحاً أحمر شاحباً آخر من معطفه. وشاحين هذه المرة.
"قد أؤذيك."
"خذها مني يا سيّد بلاكوود،"
همس تومين وهو يلعق شفتيه بينما لفع وشاحين حول ذراعه، تاركاً النسيج يتدلى برخاوة.
"لن تستطيع حتى لمسي."
ومجدداً، بدأت همسات الطلاب تملأ القاعة.
"ألا ينبغي لنا... أن نوقفهما يا مولاتي؟"
بلع تايني ريقه.
"ماذا لو... قتل إينيل الرجل عن طريق الخطأ؟"
"لا أظن أن هناك ما يدعو للقلق،"
أجابت غوينيفير.
"ماذا؟ لقد رأيت كم إينيل قوي!"
"رأيت. ورأيت أيضاً كم المارشال قوي — فهو في العمق السادس."
"م... ماذا...؟"
اتسعت عينا تايني.
"مثل اللورد دونكان؟"
بقيت عيناه غوينيفير معلقتين بتومين.
"ليس تماماً. سيّد القائد لا يزال أقوى. لكن المارشال تومين كان سفاحاً حاول اغتيال أبي يوماً... ونجا. تومين الموت الشاحب."
"ماذا؟!"