أطبقت فمي بعد تلك النوبة ولم ينوِ فيكس الكلام بدوره. مضى الوقت سريعاً، مع أنني عجزت عن تقدير مداه، إلى أن شعرت بنفسي أصحو. أحسست بسيطرتي على جسدي تعود، كخدر ناعم يسري في كياني بأسره. الغريب أنني لم أشعر بأي ألم أو وعكة. بدا جسدي خفيفاً حقاً. وصاحبت ذلك أصوات، بدت خافتة في البداية، ثم وضحت ببطء.
"أمي! إنه يستيقظ!"
أمي؟ أم من؟ أثمة أم هنا؟ ألست لا أزال في الكهف؟ اضطربت أفكاري بحيرة وأنا أفتح عيني ببطء، فغدا بصري ضبابياً بينما تشكلت ظلال أمامي. لكن بخلاف ذي قبل، بدأت تلك الأشكال التي كانت تبدو بعيدة تكتسي هيئة، ولم تعد غائمة أو مبهمة. أحاطت بي، أطياف شاهقة بدت ضخمة ولا تقاس، وتمتد صورها أبعد من مرمى نظري. وحينها رأيتهم بوضوح، هيئات بشرية، أنيقة وفاتنة، جلس كل واحد منها داخل محارة ضخمة كأنها مكانه الحق.
تدفقت ثيابهم بدرجات الوردي والأرجواني، تلمع كالماء، ولبرهة لم أستطع إلا أن أظنهم يشبهون شخصيات من لعبة. ظننت هذا العالم مفعماً بالمخلوقات، فلم إذن يتواجد أناس هنا… ألم يكن جميعهم محارات من قبل؟ تحول نظري، ثم تجمد حين وقع على الخالة كارين. عرفت صدفيتها لأنها كانت الأكثر صقلاً سوى صدفة الملكة، بفضل عنايتي الدؤوبة. بداخل صدفيتها كانت توجد امرأة. جميلة، مهذبة، وتحدق فيّ حالياً بنظرة حادة وغير معجبة.
تتبع بصري الأسفل بغريزة، وتسلل إدراك رهيب. …مهلاً. أأنا…؟ وحين لاحظت نظرتي، سترت نفسها بسرعة وأدارت رأسها بملامح متعالية. آه. لقد أفسدتها. بصوت خفيف ومتردد، أخرجت الكلمات قسراً.
"هل… تحرشت بقاصر؟"
ساد الصمت لبرهة. ثم ضحك. انتشرت ضحكاتهم الصاخبة في أرجاء الكهف بأسره. غمر الأجواء مرح لطيف ومريح. رمشت مذهولاً، بينما اقترب توهج مألوف من الجانب. تقدمت المحارة الأقرب للمدخل، تلك التي طالما عاملتها كأمين، وحمل حضورها الدفء والطراحة. وبدون تردد، جذبتني إلى عناق رقيق، ضامة إياي إليها بقوة بينما تفحصتني بعناية، متفحصة وجهي وجسدي، كأنها تتأكد من أنني سلمت حقاً. وفقط حين بدت راضية نطقت.
قالت بهدوء: "هي ليست قاصراً".
"لكنها الأصغر سناً بين المحارات البالغة تماماً. إنها تبلغ من العمر مائتين وخمسين عاماً على الأقل".
أصابتني الصدمة والذهول في آن.
أفلت مني دون أن أستطيع كبح نفسي: "واو… المظاهر خداعة".
تجمّدت المرأة قليلًا، ثم أدارت وجهها بعيداً، وتكون احمرار خفيف على وجنتيها. توقفت، ثم تمتمت بصوت خفيض.
"…لا تزال تبدو كأنها في العشرينيات من عمرها".
التفتت إلي، فخف تعبيرها قليلاً قبل أن تمتم: "يا مشاكس".
ابتسما محاولاً إظهار ما رجوت أن يكون ابتسامة وسيمة لأتجمد فوراً حين شعرت بشيء يجذب كلا ذراعي. ذراعايا؟ أأمتلك ذراعين؟ التفت برأسي، لأجد شخصين صغيرين يتعلقان بي، يتأرجحان بسعادة من جانبي. توأمان؟ صبي وفتاة، ملامحهما متشابهة إلى حد مذهل لكن لكل منهما طابعه الخاص. امتلك الصبي شعراً وردياً ناعماً وعينين أرجوانيتين واسعتين ولطيفتين جعلتاه يبدو بريئاً أكثر من اللازم، بينما كان شعر الفتاة أرجوانياً داكناً، وعيناها الورديتان الساطعتان أكثر ححدة وملاحظة وذكاءً لا يتناسب مع عمرها.
لم أتعرف عليهما ورغم ذلك… بدا مألوفان، مألوفان على نحو مزعج. كأنني عرفتهما. التفت نحو الخالة كارين بسرعة، طالباً تفسيراً بصمت، لأجدها تُدير وجهها بعيداً باحمرار خفيف وتعبير منزعج لطيف بشكل غريب.
تمتمت: "أيها الأبله".
"إنهما طفلا الملكة. المحارتان اللتان اعتنيت بهما من قبل".
توقفت. ثم، كأنها تذكرت شيئاً، تعمق احمرارها.
"لم تحبلني".
تمتمت بصوت خفيف وأنا أحك مؤخرة رأسي بإحراج: "…لم أقل شيئاً حتى".
أجل، ظننت ذلك. لم أفعل حتى… احمررت حين وافتني ذكرى ذلك اليوم.
[ الغريزة الأبوية: عالية بشكل غير متوقع. ]
وقفت هناك لبرهة، عاجزاً تماماً عن الكلام. ثم تنفست ببطء، مقرراً عدم النزول إلى مستوى الرد على ذلك. محركاً رأسي بخفة، مررت التعليق ووجهت انتباهي إلى الصغيرين المتعلقين بي. رفعتهم برفق، واحداً في كل ذراع، متأقلماً مع الشعور الغريب والطبيعي بشكل عجيب.
"إذن… أنت الصغيران اللذان ججلت طفولتهما، أليس كذلك؟"
رفعا رأسيهما إلي، وعيناهما تلمعان بالتعارف. اقتربت أكثر، محكاً أنفي بخفة بأنوفهما في حركة مرحة. قهقها على الفور، وتردد صدى ضحكات ناعمة وعذبة بلطف في الكهف.
"إذن أخيراً… يمكنك رؤية شكلنا الحقيقي أخيراً".
التفت نحو الصوت وتجمدت. في أقصى طرف الكهف، مرتفعة فوق الجميع، جلست أكبر محارة رأيتها قط. كانت صدفيتها ضخمة، وسطحها مطبق بدرجات ناعمة من الأرجوان والوردي، تتوهج بعمق جعل الأخريات تبدوان باهتات بالمقارنة. الجالسة داخلها… كانت هي. بدت وقفتها عفوية وهادئة، وساقها منثنية قليلاً بينما استقرت داخل الصدفة كأنها كانت عرشها الحق طوال الوقت. انسدلت أثواب من الوردي والأرجواني الداكن حول جسدها، تتدفق كالماء مع كل حركة دقيقة، كأنها نسجت من جوهر اللؤلؤة التي تحتها.
انسدل شعرها في تموجات ناعمة، باهت مع تلميحات أرجوانية، يلتقط توهج ضوء الكهف، بينما استقر هيكل يشبه التاج على رأسها. الغريب أن التاج لم يبدو كشيء خارجي بل شيئاً نما على رأسها بدقة، مانحاً إياها هالة لا تقبل الدنق لملكة في سلطتها. لكن حضورها هو ما أبقاني متجمداً — هادئاً، صامتاً، لا يتحرك. ساحقاً… لكنه مريح بطريقة ما. لم تكن بحاجة لرفع صوتها أو إصدار أمر بشيء. كان حضورها المجرد هو السلطة بذاتها.
"أيها الحلزون… ألا تحسن الكلام؟"
"لا. كنت فقط…"
ترددت، ثم أفلتت مني قبل أن أوقف نفسي.
"…عاجزاً عن الكلام".
فلتت قهقهة خفيفة من الملكة وهي تحركت قليلاً داخل صدفيتها، وكانت حركتها بطيئة ورشيقة. وجهت نظرها إلى الشخص بجانبها، الرجل الجالس أسفلها مباشرة، ولمست شفتيها ابتسامة خافتة ومستمتعة.
قالت بخفة: "أتروي ذلك يا عزيزي؟"
"إنه عاجز عن الكلام".
التقى الرجل نظرتها، بتعبير دافئ ومتسامح، وهو يبادلها الابتسامة.
"أيها الفتى… ألا تلاحظ شيئاً غريباً في نفسك؟"
رمشت. غريب؟ لبرهة، وقفت هناك فقط، محاولاً استيعاب ما تقصده. ثم انتبهت لشئ. هبط بصري ببطء إلى يدي. يداي… مرنت أصابعي، مراقباً إياها وهي تحرك، شاهراً وزنها، حقيقياً وصلباً. تخطف نفسي بينما بدأت أفكاري تدور لولبياً. ذراعان. جسد. طريقة وقوفي… طريقة تنفسي. بدا كل شيء طبيعياً جداً. طبيعياً أكثر من اللازم، وهناك صدمتي الحقيقة. كل شيء… كان غريباً منذ لحظة استيقاظي. الأصوات. طريقة فهمي لها.
طريقة ردي دون تفكير… كان الأمر كأن هذا كان طبيعياً دوماً.
"…مهلاً".
تجمّدت. اتسعت عيناي.
"هناك شيء خاطئ حقاً… أنا أتنشق وأتحدث في الماء بلا عناء".
[ هه. طبعاً! ]
هبط بصري إلى يدي ثانية، والأصابع تتحرك ببطء بينما استقر الإدراك أخيراً… صحيح. لقد صرت بشرياً.
قلت بصوت عالٍ: "أنا… لقد صرت بشرياً!"
[ وعيك… يتحسن. ]
زفرت، مقاومًا رغبة المجادلة.
"…لم تكن مضطراً لقول ذلك حقاً".
أطلقت نفساً بطيئاً، مجبراً نفسي على الهدوء. ثم، بحذر، تحركت، خطوة واحدة. تحرك جسدي للأمام دون مقاومة. توقفت، ناظراً لأسفل، متوقعاً نصف التوقع أن يبدو شيء خاطئاً لكن شيئاً لم يحدث.
"…كان ذلك سهلاً".
خطوت خطوة أخرى، ثم أخرى. بدا كل حركة طبيعياً. لم يكن هناك تردد، ولا تعديل محرج، بل تحكم وتوازن ووعي فقط. لم يبدو أنني اكتسبت هذا الجسد للتو، بل بدا وكأنني عرفت دوماً كيف أستخدمه ووحده ذلك جعله مقلقاً. رفعت ذراعي مرة أخرى، محركاً إياها قليلاً، مراقباً الطريقة التي اقتفى بها الضوء أصابعي. قبضت يدي، ثم أطلقتها ببطء.
"…هذا غريب حقاً".
انحنيت للأمام، ثم اعتدلت فجأة. تلا ذلك أن قرفصت وقفزت للأعلى قبل أن أهبط على قدمي بسهولة. بقي تنفسي منتظماً، وقامتي ثابتة، وكل شيء يعمل كما لو تم تمرينه مرات لا تحصى من قبل. نظرت إلى نفسي مرة أخرى.
قلت وأنا أشعر بالرضا تجاه هذا الجسد: "…ليس سيئاً".
ثم لفت انتباهي شيء. قرب حافة الكهف، استقرت بركة ضحلة بين الصخور، وكان سطحها ساكناً. وبجانبها، انحرفت صدفة محارة عريضة نحو الداخل، مصقولة وملساء، عاكسة التوهج الخافت للؤلؤ من حولها. مرآة، أو على الأقل… قريبة من ذلك. خطوت نحوها دون تفكير. تموج الماء بصعوبة بالغة بينما انحنيت أكثر وحينها رأيته… رأيت…ني. لبرهة، لم أستجب أو أتحرك. حدقت فقط. شعر أرجواني داكن أطر وجهاً لم يكن لي، أو على الأقل، ليس الذي أذكره.
تساقط برخاوة، والتقطت خصلات الضوء الخافت، مطلقة بريقاً خافتاً بدا شبه حي. كانت عينائي أكثر ححدة الآن وأبرد. كانت ملامحي مهذبة، وخطوط وجهي أكثر ححدة ونظافة.
"أبدو جيداً".
رفعت يدي ببطء، مراقباً الانعكاس وهو يماثلني تماماً. لامست أصابعي خدي، ثم تتبعت النزول إلى فكي، مؤكداً أنه حقيقي.
"…آه".
الملابس… كانت أكثر من مجرد ملابس. نسيم أرجواني داكن انسدل علي، طبقات متدفقة، طفى بدقة حتى حين وقفت ساكناً. لم يستقر على جسدي فحسب، بل تحرك معه، كأنه ينتمي هناك، كأنه جزء مني. تتبعت ومضات خفة خفيفة الحواف، كنجوم صغيرة علقت بالقماش. حدقت في نفسي لفترة أطول قليلاً. ثم ألتفت برأسي قليلاً.
توقفت قائلة: "أجل".
"ليس سيئاً بالتأكيد".
[ ترقية جمالية: مؤكدة. ]
أدرت عيني، مطلقا نفساً هادئاً.
"…تمتلك الكثير من الشخصية بالنسبة لنظام".
محركاً رأسي بخفة، تركت الفكرة وحولت انتباهي إليها مجدداً. حدقت بي الملكة بصمت، وكان حضورها ثابتاً كما كان.
ترددت للحظة، ثم سألت: "كيف حدث لي هذا؟"
حدقت بي دون أن تنطق بكلمة.
"…هل سأبقى هكذا؟"
سألت بينما عضضت على شفتي وأصابع قدمي تحركتا. هذه المرة أطلقت الملكة ضحكة خفيفة.
"لا أيها الأحمق. هذا هو شكل بشرتك. أنت حلزون… وستبقى كذلك دوماً. لا تنسَ ذلك أبداً".
[ أحب الملكة. ]
تنهدت، حائكاً مؤخرة عنقي.
"…بالطبع تفعل".
تابعت صوتها هادئاً، شبه مطمئن: "لكن لا تثبط عزيمتك يا بني".
التكوين؟ علقت الكلمة في ذهني. عبست قليلاً، ناظراً إليها.
"…ما هو تكوين الجينسيس؟"
حدقت الملكة بي للحظة، بتعبير مبهم. ثم نطقت.
"اعلم فقط هذا… نوعنا ليس عادياً".
توقفت باختصار، ثم تابعت، "وبيننا، أولئك الذين هم أوعية… أكثر من ذلك بكثير".
عبست قليلاً، منتظراً أن تتابع، لكنها لم تفعل.
"هذا كل ما في الأمر؟"
لمست ابتسامة خفيفة شفتيها.
"حتى الآن".
تقطب حاجبي.
أضافت برفق: "ستأتي لتفهم أكثر كلما تقدمت للأمام".
"من خلال نموك الخاص… تجاربك الخاصة".
استقرت نظرتها علي، أعمق هذه المرة.
"بعض الأمور لا يمكن تفسيرها مبكراً هكذا".
[ تم حجب المعلومات. كم هو متوقع. بدأت أكرهها أقل. ]
زفرت بهدوء.
تمتمت بصوت خفيف: "أنت لا تساعدين".
ثم توقفت، عابساً قليلاً.
"ولماذا لم تعد تحبها؟"
[ لأنني محدود بك. ]
رمشت.
[ كلما حصلت على معلومات أكثر… كلما حصلت أنا أكثر. ]
"…إذن أنت منزعج لأنها لا تخبرني بشيء؟"
[ هذا صحيح. ]
حدقت في الفراغ للحظة.
"…أنت لا تصدق حقاً".
صمتت الملكة لبرهة، وانجرفت نظرتها — ليس بعيداً، بل أعمق، كأنها تستحضر شيئاً.
قالت برفق: "ساعدتك… بسبب ما قلته قبل أن تفقد وعيك".
تجمّدت.
"قلت إنك تريد حماية… أطفالي".
شددت قبضتي على الصغيرين قليلاً.
تابعت بصوت هادئ لكن حازم: "إنهما مثلك. أنواع جينسيس. وأوعية".
نظرت لأسفل نحوهما بغريزة.
قالت: "لا يمكنهما البقاء هنا للأبد".
"قد يرعاهما هذا المكان… لكنه لن يجعلهما أقوى. عليهما المغامرة خارج هذا الكهف. مواجهة العالم. النمو… وفي يوم ما، اتخاذ قرارهما الخاص".
عادت عيناها إلي.
"تماما كما ستفعل".
حل الصمت بيننا، أثقل هذه المرة.
أضافت بصوت أنعم الآن: "لا أطلب هذا بخفة".
"لكنني كنت أتمنى… أنك بمساعدتك…"
تعمقت نظرتها.
"ستساعدهما بدورهما… حين يحين الوقت".
نظرت لأسفل إلى الاثنين بين ذراعي… ثم إليها.
"…أنت تطلبين الكثير".
[ الكثير بالتأكيد. لكن من الناحية المشرقة… لست وحدك بعد الآن. ]
أطلقت نفساً هادئاً.
"ماذا لو ماتوا؟"
للمرة الأولى، تحولت نظرة الملكة إلى الأطفال. لم يكن هناك تردد، لا خوف، بل يقين تام وهي تقول.
قالت بحزم: "إذن…"
"سيكون ذلك قدرهما".
ملأ الصمت الكهف.
[ …قاسي. ]
شددت قبضتي عليهما. لم أكن أحب تلك الإجابة. لم أقل شيئاً بعد ذلك. هدأ الكهف، واستقر ثقل كلماتها ببطء. القدر. نظرت لأسفل إلى الاثنين بين ذراعي. كانا ما زالا يبتسمان، ما زالا متعلقين بي كأن لا شيء في العالم يمسهما. صغيران، دافئان، حيان، جاهلان. …لا. زفرت بهدوء، مثبتاً نفسي. إن كان هذا ما أسماه العالم قدراً، فلنبذل وسعنا لتجنب القدر. رفعت نظري مجدداً إلى الملكة، ملاقياً عينيها هذه المرة دون تردد.
قلت بحزم: "لن أعد بشيء".
"لكن…"
عدلت ذراعي، حاملاً إياهما بشكل آمن أكثر. نظرت إليهما بحب قبل أن ألتفت إلى الملكة.
"لن أتركهما يموتان بهذه السهولة أيضاً".