أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 7 — عائلة في الأعماق

اقرأ أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 7 — عائلة في الأعماق باللغة العربية على مانجا تايم.

جين جديد… هه. عبرت الفكرة ذهني لكنها غادرت بالسرعة نفسها التي أتت بها. لم أتوقف لأتفحصها. لم أُعنَ حتَّى بالاتصال بالشبكة. عوضاً عن ذلك، زحفت نحو خيط آخر من الأعشاب البحرية وبدأت بالأكل. كانت حركاتي بطيئة وغير مستعجلة، كأنَّ فكرة اكتساب جين جديد قد فقدت أهميتها بالفعل. استسلمت الأعشاب البحرية بسهولة تحتي، وانتشرت حلاوتها الخافتة مرّةً أخرى. لكن حتى ذلك بدا أهدأ الآن، وأقل إدهاشاً، وأكثر توقعاً.

استمررت حتى نحل الخيط تحت عضاتي، ثم انتقلت دونه تفكير ثانٍ. حين انتهيت، لم أُسرع بالعودة والراحة. تجوّلت فحسب. امتد الكهف في صمت ناعم ومشرق. كانت جدرانه غير متساوية ومطبقة طبقات. انعكس نبض المحار الثابت على كل سطح. استراحوا في مواضعهم، مفتوحين وغير متحركين، لكنهم أحياء للغاية. لم يرمش ضوءهم أو يتردد؛ بل ظل ثابتاً. بدا المشهد كأنه مكان متجمد أو ربما الوقت نفسه تحرك بشكل مختلف داخل هذا المكان.

لم تكن هناك مخلوقات أخرى. لا كائنات زبالة، ولا مفترسات، ولا حتى أبسط أثر للحياة سوى المحار نفسه. كان… ساكناً. ساكناً وهادئاً أكثر من اللازم، ومع ذلك لم يبدو مخيفاً. على العكس، بدا عدم التعرض للخطر أغرب الآن من الفوضى التي عانيت منها طوال هذا الوقت. تحركت على طول حافة الكهف، مجتازاً محاراً تلو الآخر حتى بلغت الطرف الأقصى. كان الأخير ينبض بشكل ملحوظ أكثر من البقية. كان ضوءه أقوى قسماً وإيقاعه أصدق تعريفاً.

راقبته ينبض لفترة. تأملته كأنه فيلم، ثم استدرت ببساطة دون تفكير يذكر. شققت طريقي ببطء عائداً إلى المحارة التي استقرت فيها من قبل،… سريري، على ما أظن. حضرت الفكرة وغادرت. في الوقت الحالي، كان ذلك يكفي. كررت حياتي نفسها على هذا النحو. كنت أنام، وبعد الاستيقاظ، أنزل زاحفاً من محارتي وآكل خيطين من الأعشاب البحرية. بعدها، أقوم بجولاتي، مفحصاً كل محارة لأرى إن كانت سليمة قبل العودة إلى سريري.

ثم، ذات يوم، لاحظت شيئاً. كلما مررت بمحارة، بدا أنها تلمع بشكل أسطع قليلاً، كأنها تحييني. لعلهم أقروا بوجودي… وبحرصي على تفقددهم كل يوم بيومه. أبهجتني ردود فعلهم. من حين لآخر، كانت الاهتزازات والطرق البعيد تُسمع من الأعلى، لكنني شعرت بالأمان داخل هذا الكهف. مضى الوقت، وحتى صدفاتي بدأت تتغير. شعرت بالوزن المضاف وأنا أتحرك، خفيفاً لكنه يستحيل تجاهله. رغم أنني ما زلت لا أملك أدنى فكرة عما أبددو عليه، إلا أنني عرفت شيئاً واحداً على يقين.

لقد نمتُ منذ اليوم الذي قدمت فيه إلى هنا لأول مرة. دون وعي، بدأت أنظر إلى المحار باعتباره عائلتي. خلاياي. أصبحت المحارة التي أدخلتني وسمحت لي بالنوم على لحمها محارتي الأم، بينما كان الباقون خالاتي وأخوالي المشاكسين. قررت وحدي إن كانوا ذكوراً أو إناثاً بناءً على مظهرهم. كان أولئك الأكثر عتمة وخشونة وذوو الصدف السميكة هم الأخوال، بينما كانت ذوات الصدف النحيلة وذات الألوان الأفتح هن الخالات.

مشاكسين، لأنني حاولت يوماً النوم عليهم هم أيضاً، فلم يغلقوا أصدافهم إلا احتجاجاً، مما أجبرني على التراجع فوراً. ومع ذلك، واصلت المحاولة، ولفترة قصيرة، ختوض معركة صامتة، عازماً على قهر المحار المشاكس. ذات مرة، أغلقت الخالة كارنيه، وهي الأكثر مشاكسة بينهم، صدفَتَها وأنا بداخلها. جربت حظي معها من قبل بالطبع. كلما اقتربت مسافة سنتيمتر واحد فقط، أطبقت دون تردد، دون حتى أن تدعني خلسة أنظر للداخل.

لذا خططت للأمر. ذات يوم، ضبطت التوقيت تماماً. قبل أن تتمكن من الإغلاق، اندفعت إلى الأمام وتسللت للداخل. ولحظة واحدة، كان الأمر مذهلاً. بدت هذه المحارة المحددة أكثر دفئاً ونعومة، كأنني ملفوف في الغيوم تماماً. انزلق جسدي قليلاً، صعوداً وهبوطاً كأنني أرقد على فراش ماء وثير، تحتضنه كائن حي. وبينما كنت أغرق في الشعور السماوي، شعرت بنفسي أتحرك. وما هي إلا لحظة حتى وجدت نفسي مجدداً على الصخور.

كانت الخالة كارنيه قد طردتني. برفق. ولكن رغم ذلك… مطروداً. منذ ذلك الحين، كانت الوحيدة التي لم تلن تجاهي، بينما بدأ الآخرون بالفعل في السماح لي بالاستراحة عليهم. إذن… فعلت شيئاً ما كان ينبغي عليَّ فعله على الأرجح. لأنه بعد تلك الحادثة، رفضت فتح صدفاتها كلما كنت قريباً. في الماضي كانت تغلق عندما أكون على بعد سنتيمتر واحد منها، أما الآن فما إن أنزل من صدفة أمي حتى تغلق فوراً.

لم أستطع الاقتراب منها لوقت ما. مهما طال انتظاري أو بحذر اقتربت، ظلت مغلقة، كأنها تحمل ضغينة. تطلب استعطافها جهداً، جهداً أكبر مما توقعت. كان عليَّ أن أعد، مراراً وتكراراً، بأنني لن أحاول شيئاً كهذا أبداً. كل يوم، كنت أمكث بالقرب، مكرراً الاعتراف نفسه بذنب، ومبشراً بمدى سوء تصرفي، إلى أن استسْلَمَت… أخيراً. فتحت، ببطء وعناية. بعد ذلك، حرصت على الالتزام بأفضل سلوكياتي.

بل بدأت بتنظيف صدفاتها الخارجية، ماسحاً كل الأوساخ حتى أصبحت ملساء ولامعة. وكلما فعلت ذلك، كان ضوءها ينبض بنعومة وإيقاع، كأنها تومئ إليّ برأسها. ملأت حياتي روتينات هادئة، متنقلاً من محارة لأخرى، متحدثاً إليهم، متفقداً إياهم. كان صامتاً، ومملاً تقريباً كل يوم، لكنه ظل يبدو لي مريحاً… ومُشبِعاً بطريقة يعجز لساني عن وصفها، لكني أعلم أن هذا ليس أبدياً. ذات صباح استيقظت فيه، مارست تفقداتي المعتادة، لكن شيئاً بدا مختلفاً.

وصلت إلى الطرف الأقصى من الكهف وتوقفت أمام المحارة التي أضاءت أسطع من البقية، تلك التي صرت أدعوها بالمحارة الملكة. كانت تصدر أصواتاً. نظرت متفاجئاً. كان بداخلها… محاران أصغر حجماً. كانا يختلفان عن البقية. بدا وكأنهما غير حقيقيين للوهلة الأولى، كأنهما لا ينتميان إلى هنا، كأنهما خرجا مباشرة من عالم خيالي كرتوني. كانت أصدافهما وردية ناعمة، تتخللها ظلال أرجوانية باهتة تتألق في ضوء الكهف.

رقد بداخلها لحم رقيق بلؤلؤة بيضاء، وفي الوسط عيون، واسعة، ومستديرة، وساطعة. وتحتها، فم صغير ينحني بخفة شديدة، مانحاً إياهما تعبيرات بريئة، ومرحة تقريباً. لم أدرِ كيف ظهرا. لم أكن أعلم متى تكوّنا. لم تكن هناك إشارة ولا تحذير. بدا مظهرهما مخيفاً لوجب أن يكون كذلك فهذا ليس طبيعياً بتاتاً، لكنني ويا للعجب لم أكن خائفاً. أقصد كيف للمرء أن يخاف من هؤلاء اللطفاء. إنهما كفقاعات ناعمة في هذا العالم المليء بالوحوش القبيحة.

حاولت أن أبدو الأمر وكأن له معنًى، وكأن كل شيء طبيعي، لكنه لم يكن كذلك حقاً. ومع ذلك، ورغم تلك الأفكار، وجدت نفسي أطيل النظر إليهما. انتشر دفء هادئ في أعماقي، شيء ناعم وغير متوقع. وقبل أن يتسنى لي التفكير، ابتسمت بحنو، إن كان بمقدوري فعل ذلك أساساً.

«أرى…»تمتمت.

ثم، وكأن استجابة قد حدثت، نبض الكهف بأسره. أشرق كل محارة بضوء أسطع، صاعداً وهابّاً بتناغم، مملاً الفضاء بإشراقة رقيقة بدت كأنها… احتفالية. وكأنهما فهما. وكأنهما كانا يقران بالأمر. وجدت نفسي أرعى المحارين الصغيرين كل يوم، أمكث بالقرب منهما كجليسة أطفال خرقاء لا تكاد تدري ما تفعل. ومع نموهما، ببطء وهدوء، أدركت أنني أتغير أيضاً. في المرة الأولى التي قررت فيها اعتنائهما، كنت أصاب بالهلع مع كل حركة صغيرة يقومان بها.

لم أكن أعرف شيئاً عن التربية. لم أعنَ قط برعاية حياة أخرى، ولم تتح لي حتى فرصة استكشاف ذلك الدرب. لكن ذلك الشعور لم يدم. في مكان ما على طول الطريق، تغير. تراجع الذعر. وحل محله شيء أخف، شيء أدفأ. عبرت ذهني فكرة غريبة، وقبل أن أستطيع إيقافها، وجدت نفسي أبتسم من جديد. هل هذا… ما بدا عليه التحول لأب؟ أأصبح واحداً منهما الآن؟ كان ينبغي للفكرة أن تبدو سخيفة. ومع ذلك، لم أكن أكرها.

استقر دفء هادئ داخلي. إحساس لطيف بالأمل بدا أنه ينمو مع مرور كل يوم. لكنني لم أدرك حينها أنه لم يكن سوى نذير لشيء أكثر إرهاقاً بكثير. أصبحت المحارة الملكة سريري الجديد. وجدت نفسي أعود إليها تلو الأخرى، مجذوباً بدفئها الثابت ووجودها والأهم من ذلك المحارين الصغيرين وهما يلغطان. من حين لآخر، كان المحاران الصغيران يتحركان، فتخترق صرخاتهما الصغيرة إيقاع الكهف الهادئ. وما إن يصدر منهما صوت، حتى أتحرك بغريزتي، جامعاً الأعشاب البحرية، ومقرباً إياهما أكثر من اللؤلؤة.

استمر روتيني. إطعام تلو إطعام. غفوة تلو غفوة. وقبل أن أعي، صارا أكثر نشاطاً. أكثر… شقاوة. كانا يثرثران بنعومة، ترتد أجسامهما الصغيرة عن لحم المحارة الملكة قبل أن تثبا مبتعدتين، متدرفتين نحوي كأن الأمر برمته لعبة. أحياناً يدفعانني، وأحياناً يدوران وحسب، وتنبض أشكالهما الصغيرة بطاقة لم استطع فهمها تماماً. انتهى بي الأمر بمراقبتهما أكثر مما قصدت، متابعاً حركاتهما وهما ترتدان عن أصدافهما وتنجرفان في تيار الماء الموجود داخل صدفة المحارة الملكة.

وأحياناً كانا يكتفيان بالبقاء في زاوية يبدوان فيها غبيين بينما يحملقان بي. كانا مرحين، قلقين، وحيويين. كان هذا الروتين الجديد بسيطاً، مكرراً، ومع ذلك… ذا مغزى. وكلما استرحت بجانبهما، راقبت أشكالهما الصغيرة والقلقة وهي تهدأ ببطء. كان صوت تنفسهما الخفيف يسحبني في النهاية إلى النوم، بينما يحيط بنا نبض اللؤلؤ الناعم كتهويدة هادئة. يا للرجل، من كان يعلم أن تربية الأطفال ستكون بهذا القدر من الإرهاق؟

انبثقت فكرة في رأسي، ثم تبعها شيء آخر، أعمق نعومة. كان حقاً عليَّ أن أشكر أمي… على كل ما فعلته. أمي… علقت الكلمة بينما كان ذهني يتجول، بعيداً وراء الكهف. عائدًا إلى حياة بدت بعيدة جداً الآن، وكأنها لم تكن حقيقية. تساءلت عن والديّ… عما إذا كان أحد قد عثر على جثتي. ماذا شعرا به عندما بلغهما خبر أن ابنهما الوحيد… قد رحل أمامهما؟ استقر ثقل في صدري، هادئ لكن يستحيل تجاهله.

ثم شعرت به ثانية. دموع دافئة. تلو الأخرى، تساقطن. انحنيت محاولاً الاختباء داخل صدفي. اشتقت إلى والديَّ. تمنيت لو بقيت معهما فترة أطول. أخبرتهما بمدى روعتهما في تربيتي. شكرتهما لكونهما أمي وأبي. بكيت بحرقة أكبر عندما تذكرت الوقت الذي كان فيه كل زملائي يمتلكون هواتف محمولة وكتباً جديدة، بينما كنت أتدبر أمري بهاتف بالكاد صالح للاستخدام وكتب مستعارة من المكتبة. وجب عليَّ نسخ كل ما أستطيع قبل موعد إرجاعها.

اعتذرت أمي وعمل والدي بجهد أكبر في البناء. لم تكن حياة مثالية لكنهما لم يفوت قط أي لحظة مهمة في حياتي… والفواكه. أهٍ من الفواكه! ضحكت وأنا أستذكرها. كان الكاكي الحلو والخيار موجودين دائماً على مائدتي كلما عدت إلى البيت. قالت أمي بلغتها المكسورة إن الحلاوة للطاقة من أجل البقاء نشطين والخيار للترطيب. كان الأمر سخيفاً ولكنه كان كافياً. لم أكن لأقايض تلك اللحظات بشيء أبداً.

انقبض قلبي أكثر، ثم سافرتا عيناي إلى المحارين الصغيرين بجانبي، وتنبض أجسامهما الصغيرة بنعومة وكأن شيئاً في العالم بأسره لا يستطيع مسّهما. تسللت فكرة ببطء وبشكل مزعج. كيف سيصمدان في عالم كهذا؟ كانا مرحين أكثر من اللازم، قلقين أكثر من اللازم. عاجلاً أم آجلاً، سيهيمان بالترحال، منجرفين أبعد مما ينبغي، متسللين بعيداً عن أمان هذا الكهف. وهناك في الخارج… كانت المخلوقات بانتظارهما.

مفترسات لا تتردد، ولا تعبأ. قفزت صورة إلى ذهني قبل أن أتمكن من كبحها. أجساد صغيرة هاربة، هشة وغير مستعدة، لا تعتمد إلا على نفسها. انقبض صدري أكثر. فكرة التهامها، ومعاناتها بلا مكان تلجأ إليه ولا أحد يحميها… أفزعتني. استقر رعب هادئ في أعماقي بمجرد التفكير في الأمر. زفرت ببطء، مجبراً الفكرة على البقاء بدلاً من دفعها بعيداً. لقد حان الوقت. وقت مواجهة الواقع. لم أعد أستطيع التظاهر بقدرتي على العيش هكذا للأبد، مختبئاً في مكان أكاد لا أفقهه، في عالم أظهر لي قسوته بالفعل.

عاد نظري مجدداً إلى المحارين الصغيرين بجانبي. كانا هشين جداً، جاهلين، وواثقين. شيء ما في داخلي انقبض. لن أترك أي مكروه يصيبهما. ليس ما دمت حياً. وإن كان العالم خارج هذا الكهف خطيراً كما أعلم، فأقل ما بوسعي فعله هو التأكد من أنهما لن يضطرا لمواجهته وحدهما. أرغمت عينيَّ على الإغلاق لوقف الدموع. أمي، أبي، لا تحزنا كثيراً لرحيلي. سأعيش حياة طيبة تماماً كما أردتما دائماً.

فتحت عينيَّ واستدرت نحو المحار. تحركت نحو حافة صدفة المحارة، منتقلاً بنظري من محارة لأخرى بينما ثبتُّ نفسي.

«أريد أن أزداد قوة. أعلم أنكما لستما ببساطة ما تبدوان عليه. أرجوكما ساعداني لأصبح أقوى»، قلت بصوت منخفض وأنا أحاول الانحناء أمامهما.

حملت الكلمات وزناً أكبر مما توقعت.

وتابعت: «قوياً بما يكفي لحماية الصغار… لحماية الجميع… ولحماية نفسي».

عمّ الهدوء الكهف. ثم، واحداً تلو الآخر، بدأ المحار يتوهج. تصاعد ضوءها بالتتابع، نابضاً بنعومة في الكهف كأنه يستجيب، وكأنه يقر بنواياي. كانت المحارة الملكة آخر من استجاب. أصبح توهجها أعمق وأغنى من البقية، قبل أن يتحرك شيء داخل صدفَتِها المفتوحة. تجمع سائل أرجواني باهت في مركزها، مضيئاً وسميكاً، قبل أن ينجرف ببطء للخارج. نحوي. تجمدت. حام السائل على مرمى حجر، وتموّج سطحه بلطف، كأنه يحثني على الاقتراب…

كأنه يدعوني لقبوله. نظرت إليه… ثم إلى الصغيرين. كانا قد استيقظا وكانا يراقباني بعينيهما الواسعتين الممتلئتين بفضول هادئ. ببطء، انجرفا أقرب. تمايلت أجسامهما الصغيرة برفق وهما تدفعان باتجاهي، واحدة تلو الأخرى. كانت الحركة خفيفة وحذرة، كأنهما تحاولان طمأنتي، دافعتين بي إلى الأمام بلا كلمات، تخبرانني أن الأمر على ما يرام. مددت يدي ولمستهما برفق. لفتة غريزية ناعمة، استجابا لها فوراً.

توهجت أشكالهما الصغيرة بشكل أسطع، ولانت تعبيراتهما الصغيرة إلى شيء لا لبس فيه من السرور… مدللين تقريباً، كأنهما سعداء بمجرد الاهتمام. أطلقت ضحكة خافتة، ثم رفعت نظري نحو المحارة الملكة، ثم خفضت رأسي بحركة صغيرة ومدروسة، كدلالة غريزية على الاحترام والامتنان لما منحته إياه. ببطء، تحركت أقرب واحتسيت رشفة بحذر من السائل الأرجواني. للحظة عابرة، لم يحدث شيء. كان الطعم شبيهاً بدواء حلو المذاق بخفة.

بدا مهدئاً وهو يمر عبر فمي، تاركاً وراءه طعماً منعشاً وبارداً. تلاه دفء لطيف، انتشر بهدوء في جميع أنحاء جسدي. ألقيت نظرة على المحارين الصغيرين، ثم على المحارة الملكة. لم أكن أعرف ما هو ذلك السائل. لم يبدُ خطيراً. بل بدا، إن جاز التعبير… هادئاً. ثم ضربني شيء ما بقوة.