أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 5

اقرأ أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 5 باللغة العربية على مانجا تايم.

كنت مسمَّراً في مكاني أنتظر أن يبتعد سمك السيكلوب حين بدأت البيضات من حولي تتململ. انتظر... لماذا تتململ؟ تجمد الدم في عروقي كلما تحركت أكثر. شعرت بهلاك وشيك يلوح في الأفق، لا لأجلها وحدها بل لأجلي أنا أيضاً. أيها الإخوة والأخوات، ليس هذا وقتاً مناسباً للفقس أبداً. سمك السيكلوب ينتظركم جميعاً، لا يمكنكم الفقس الآن. لم يكن مفترضاً أن تفَسوا قبل ساعة كاملة. لماذا بحق السماوات تتحرك الآن؟

خرجت واحدة من الغشاء، ثم أخرى، ثم غيرها. لا... لا... لا... ليس الآن! حاولت دفع واحدة إلى الداخل مجدداً. وحين تبين لي عقم الأمر، حاولت الانكماش إلى الوراء تماماً، باذلاً قُصارى جهدي لتحريك قدميَّ الصغيرتين البطيئتين لأتجاوزها، لكن الكتلة اهتزت بعنف. ثم خرجت كلها، واحدة تلو الأخرى. لا، لا يمكنك! عليك العودة إلى الداخل. بذلت قصارى جهدي لدفعها للداخل، لكنني دُفعت إلى الأمام عاجزاً عوضاً عن ذلك.

لا... لقد دُفعت إلى الخارج. وقبل أن أدرك ما يحدث، كنت أمام السيكلوب، أحدق في عينيه مباشرة. لم يكن هذا ما خططت له. لم أكن أود الموت مبكراً هكذا. يا للهول! انتابتني رغبة عارمة في البكاء الآن. لم يتحرك. لم يفتح فمه. حدق فيَّ فحسب لما بدا وكأنه الدهر كله. أينبغي أن أشعر بالارتياح لأنه لا يأكلني؟ بدأت أتحرك ببطء. جدِّفي أيها القدمان الصغيرتان! جدِّفي! حاولت باستماتة اختبار حظي.

حاولت جعل نفسي أصغر حجماً، متكوراً مثل كرة بينما تتحرك قدميَّ الصغيرتان وحدَهما، احتجت إلى الانزلاق والهرب. ناديت كلَّ مَلِكٍ عرفته، متضرعاً ألا يلاحظ حركتي. ركزت على تجديف قدميّ وكأن حياتي موقوفة عليه، وهو أمر صحيح بالفعل. لم أنتبه للمدة التي قضيتها في التجديف. شعرت وكأنني ابتعدت كثيراً. ثم شعرت بشيء يلمسني، بأعظم رقة ممكنة. تجمدت، ثم استدرت فلم أجد سوي أنني على بعد بوصات معدودة من وجه السيكلوب.

دفعني أحد استشعاراته برفق إلى مكاني. حاولت ألا أصرخ غيظاً. ثم راقبته وهو يوجِّه بقية الصغار باستشعاراته إلى دائرة كبيرة في الموضع نفسه الذي كنت فيه. أشرق الإدراك في ذهني. لم يكن يعفو عني أو يتجاهلني، بل كان يظن أن ابتلاعنا جميعاً دفعة واحدة أكثر كفاءة. ضاق صدري بينما عضضت على شفتي، وتصاعد الغضب داخلي. يا له من أمر مثير للغيظ! إن كان هذا هو الحال فسأقاتل. ارتجف جسدي.

كلا، بل أرغمته على ذلك. التوت الكتلة الرينة التي كانت جسدي، متململة ضد الماء، ضد لا شيء... ضد كل شيء. دفعت وركلت بكل شيء بقدميَّ الصغيرتين. مجدداً. بقوة أكبر. فتحت فمي، أو هكذا حاولت. حركة ضعيفة. محاولة عاجزة للمقاومة. أُنهكَ جسدي لكن عقلي لم يفعل. عديم الفائدة. تحرك! أرغمت نفسي على التحرك مجدداً. التوى جسدي بتمنع وشفقة، لكنني لم أتوقف. لا أريد ذلك. لعنت المسخ العملاق أعور العين القبيح كالجحيم بكل اللغات التي أعرفها.

أيها المسخ الأبله، القبيح، الأحمق، أعور العين، أترى أنك في قمة السلسلة الغذائية؟ أيشعرك الوقوف هناك كأنك تملك كل شيء بالرضا؟ أقسم أنني سأصير سُماً متى أكلتني. سأسقيك السم حتى الموت أيها الوغد القبيح، المعتوه، الأبله، المجنون اللعين. اهتزت رؤيتي من شدة غضبي. تشتت أفكاري—لكن شيئاً واحداً بقي. لن أستسلم هكذا. خبطت بكل ما أوتيت من قوة. التوى جسدي، تخبط تحت الضغط، وضد كل ما يمسك بي في مكاني.

لكن لنكن واقعيين، كم بإمكان صغير حديث الهفق أن يفعل؟ بدوت على الأرجح مثل دودة تتلوى. اللعنة! جعلتني هذه الفكرة في غاية الغضب فدفعت بقوة أكبر—أكثر مما أستطيع حتى انكسر شيء ما داخلي. ليس ألماً، بل شيئاً آخر، وهو داخلِي. شرارة. ثم اتقَد شيء ما. نقطة، أو أشبه بعقدة. عميقاً داخل الشبكة، كانت تنبض. انتفض جسدي بشكل أسرع هذه المرة، ثم هدأ. تغير المنظر. نظرت ورائي فكنت على بعد نصف متر من السيكلوب.

أفعولت ذلك بالتخاطر؟ كلا—أشبه بأنني تحركت بسرعة. مثل دفق. مع أنها مسافة قصيرة، إلا أنني تحركت. كان الأمر مفاجئاً... غير منضبط لكنه حقيقي لعين بكل تأكيد.

[ تم إلغاء قفل جين جديد ]

جين... تفتح قفله تلقائياً؟ أأحظى بالحظ أخيراً؟ لا أعلم. لكنني شعرت برغبة في البكاء الآن. أجهشت بالبكاء صامتاً. لم تكن ولادتي سوى مشقة وهذا التغيير الطفيف. هذا الأمل الضئيل. جعلني أؤمن بأن كل شيء سيغدو على ما يرام طالما أنني لم أستسلم. أيُّ جين فتحت قفله الآن؟ أهذا حقاً وقت تفقد ذلك الآن؟ مم؟ أقال أحدهل شيئاً؟ أكان ذلك صوتاً؟ هل أجنُّ؟ انجذب انتباهي مجدداً حين ومض ضوء وتحرك لداخل إحدى العقد ثم توقف عند إحداهن الخافتة.

وما إن توقف حتى أشرقت العقدة الخافتة ببريق ساطع.

[ فتحة الجين: J ]

[ الجين: حركة الدفق ]

[ التصنيف: عادي ]

[ القدرة: ]

- تسارع فوري - دفقات هرب قصيرة المدى - حركة توجيهية مفاجئة [ القيد: ] - يسبب إجهاداً مؤقتاً للجسد - تحكم محدود عند مستوى التطور المنخفض - الاستخدام المتكرر قد يتلف الأنسجة ألتفَّت ضحكة عنّي.

"أجل—!"

يمكنني التحرك. أخيراً! هذا هو ما أحتاجه تماماً. وسيلة سريعة للهرب، بما أنني لا أستطيع مقاتلته. ليس الآن، لكن أقسم أنني ما إن أزداد قوة حتى أعود إلى هنا وأعيث فساداً في هذا السيكلوب لأنه جعلني أعاني. سأجعله يدفع الثمن بالتأكيد. لكن القيد يتمثل في أنه قد يسبب إجهاداً مؤقتاً، والاستخدام المتكرر قد يسبب التلف. إن لم أكن حذراً، فلن أمت جراء الأكل. سأموت محاولاً الهرب. لماذا لا يزال هذا يبدو بلا أمل؟

نظرت ورائي فرأيت سمك السيكلوب يحدق بي وبدت الحيرة ظاهرة في عينيه بينما تحافظ استشعاراته على الصغار حديثي الفقس في مكانهم. ارتجف جسدي. كلا! لديَّ الآن الإدراك والدفق. لو أستطيع استخدامهما بشكل صحيح فقط. لاستطعت تخطيط هروبي. قطبت حاجبي. لماذا أشعر بالشك حيال تخطيط الهرب؟ أشعر... كأن شيئاً ما سيحدث خطأً مجدداً؟ كلا. ابقَ إيجابياً. لست عاجزاً تماماً الآن. بوسعي الهرب. أجل، سأهرب.

بوسعي— قبل أن أتمكن من إتمام جملتي، شعرت بشيء مرعب جعل جسدي يتجمد. كان ضغطاً جعل جسدي يتوقف لا إرادياً. لم أستطع تحريك أي شيء أو التفكير. بقيت ساكناً لا أعلم كم طال الأمر، حين شعرت بتيار دافئ يسري داخلي، ناشلاً إيَّاه من حالة التجمد تلك. بعد أن استعدت السيطرة على جسدي مجدداً. نظرت حول ببطء وهناك رأيت ظلالاً. ظلال ضخمة ممتدة عبر قاع البحر وفوقه، وكانت تتحرك... تتحرك...

أقرب؟ يا للهول! بدا الماء خانقاً. انكمش جسدي غريزياً، محاولاً جعل نفسي أصغر ما يمكن. لو كانت قوقعتي مكتملة النمو، لاختبأت داخلها دون تردد. أصبح المحيط ثقيلاً—ساحقاً، مقيداً—مثل ضغط يطبق من كل الاتجاهات. حتى السيكلوب تجمد. تدلت استشعاراته في الهواء، ساكنة تماماً، بينما انضغط الصغار حولي وكأنهم يحاولون الاندماج في كائن واحد. نظرت أمامي. لاح شيء هائل في الأفق. كان طويلاً—كلا، ليس طويلاً فحسب...

ضخماً. امتد جسده مثل حافلة جارفة عبر الهاوية، سميكاً وثقيلاً، لكنه منضبط بشكل مقلق. كان سطح جسده غير متساوٍ، تعلوه تلال وصفائح صلبة تبدو كاندماج بين قوقعة وصخر، وكأن قاع البحر ذاته نما ليأخذ شكلاً حياً. أطرافه—زوائده، إن جاز تسميتها كذلك—امتدت إلى الخارج بحركة بطيئة ومدروسة. بدت هجينة بين مجاديف وأقدام، كل واحد منها ضخم، وعريض، وثكيل بما يكفي لسحق أي شيء تحته. وحين تحرك، لم يشق طريقه في الماء فحسب، بل سيطر على الماء.

انحنت التيارات المحيطة به، منساقة لوزن وحدَه. لم تكن هناك عجلة مرئية في حركته. ومع ذلك... لم يبدو أي شيء فيه بطيئاً. حملت كل حركة حتمية هادئة، وكأن المسافة لا تعني شيئاً بالنسبة إليه. خطوة، وصار أقرب. وأخرى، وكان قد اجتاز ما كان ليأخذ ثوانٍ. كان جفله السفلي يتحرك بلا انقطاع. تموجات خفيفة سحت تحت جسده، وكأن هياكل مخفية أصغر تعمل بتناغم مع أطرافه الهائلة، مما يتيح له الانزلاق عند الحاجة، أو الانقضاض حين يختار.

ثم تحرك شيء آخر. كائن ثانٍ. بدا مثل عنكبوت... لكن، ثمة خطب ما فيه؟ رقد منخفضاً بمحاذاة قاع البحر، معلقاً جسده الضخم بأطراف طويلة ومنحنية حفرت في الأرض كالمراسي. كان كل ساق سميكاً وغير متساوٍ، تعلوه تكسرات خشنة ومسننة تبدو أقل شبهاً باللحم وأكثر شبهاً بصخر متآكل مندمج مع شيء حي. علقت الطحين والنموات المظلمة بسطحه، متدلية إلى الأسفل في خيوط تتأرجح بلطف مع الماء. ما هذا بحق الجحيم؟

أهذا كائن أصلاً؟ ثم تنبثق اهتزازات أخرى من المياه. نظرت إلى المصدر ورأيت كائناً آخراً قادماً في هذا الاتجاه من اليمين. اللعنة! أهذا نجم بحر حقاً؟ لا مفترض به التحرك هكذا. امتد جسده على نطاق واسع عبر قاع البحر، حافراً أطرافه الخمسة السميكة في الأرض، لكنه لم يزحف بالشكل المفترض. اندفع بسرعة. بسرعة غير طبيعية. ثم رأيته. تحت جسده، مختبئاً في الظلال، تحرك شيء ما. جسيمات. المئات منها.

أُفرغ عقلي. تماماً حين ظننت أن لدي فرصة للهرب، هلكت مجدداً. ألسْت ابن السماوات؟ لماذا يبدو وكأن الكون يفعل كل ما في وسعه لضمان ألا أنجو على الإطلاق؟ ما الذي جذبها كلها إلى هنا أصلاً؟ هذا ليس طبيعياً. المفترسون لا يتجمعون هكذا فحسب... أليس كذلك؟ قطبت حاجبي، بينما تسلل الاضطراب إليَّ وأنا أحاول فهم ما أراه. أثمة شيء هنا؟ ربما منطقة نفوذ؟ طعام؟ موارد؟ أو... شيء آخر؟ تيبست حين بقيت الفكرة معلقة.

بغض النظر عن كيف أنظر للأمر، هذا خطأ بحتمام. هذه ليست نوعية الكائنات التي تتشارك المساحة. من بنيتها ينبغي أن تصطاد بشكل مختلف، وتتحرك بشكل مختلف، لأن كل واحد منها قادر على بسط سيطرته على منطقته الخاصة. ومع ذلك ها هي هنا، منجذبة إلى المكان نفسه في الوقت ذاته. ضربني إدراك بارد، خفي ومزعج. ماذا إن لم يكن المكان هو ما جذبها؟ إذن ماذا؟ أغمضت عينيَّ وركزت، مسمحاً لإدراكي بالامتداد نحو الخارج.

ظهر المحيط في أجزاء مثل خريطة السونار. كل ما رأيته كان ماءً، وصخوراً، ومرجاناً، وأسماكاً متناثرة، وشعباً عائمة، وأشجاراً... والكهف الذي كان سيكلوب أعور العين يتربص فيه. لم يكن شيئاً في غير محله. لا شيء كان ليجذب شيئاً كهذا. تباطأت أفكاري. إذن لأي شيء هي هنا؟ استقر المزيد من الاضطراب في أعماق صدري، متغلغلاً للداخل بلا سبب. ثم تغير شيء ما. أبطأ الكائن الطويل. ليس كثيراً، بالقدر الكافي للملاحظة فقط.

توقفت مجاديفه الضخمة لثانية قبل أن تبدأ مجدداً، أثقل هذه المرة، وأكثر تعمداً، كأنه يختبر الماء عوضاً عن السباحة خلاله. تفاعل الكائن الشبيه بالعنكبوت تالياً. توقفت أرجله الحادة والمعدنية في منتصف الخطوة، ضاغطة على قاع البحر كأنه يثبت نفسه. انحنت الجسيمات الصغيرة المتدلية تحته إلى الداخل قليلاً، مشدودة، وممسكة. حتى السيكلوب تغير. انحرفت عينه الوحيدة، ليس نحو السرب، ليس نحو المفترسات الأخرى، بل إلى مكان آخر.

انخفضت استشعاراته أقرب إلى الأرض، تفرك السطح بحركات أقصر وأكثر حذراً. لم تهاجم الكائنات أو تقترب، لكنها لم تغادر أيضاً. مكثت مكانها، منتظرة. توتر جسدي. يبدو هذا كالهدوء الذي يسبق العاصفة. لم أفهم الأمر، لكن ثمة شيئاً في طريقة ثباتهما... وطريقة تبدو فيها المياه ثقيلة حونهما... بدا وكأنهما تبحثان. عن شيء ليس بعيداً، بل عن شيء قريب جداً. قريب مني؟ توتر المحيط وكأن قاع البحر برمته يحبس أنفاسه.

مكثت الكائنات في مكانها، يراقب كل منها الآخر، منتظراً أن يقوم أحدهم بالحركة الأولى. ثم حطم السيكلوب التوتر. انقض بلا خوف. فتح فمه الضخم على مصراعيه بينما اندفع نحو الكتلة، ليفترس كل شيء دفعة واحدة، لكن قبل أن يتسنى له ابتلاع ما افترسه، ضرب شيء ما. شق ضباب الماء بسرعة، بسرعة تجاوزت قدرة المتابعة. في اللحظة التالية، اختفى جسد السيكلوب. هكذا فحسب. لقد مات. على يد كائن لا يمكن رؤيته.

رأيت رأس السيكلوب يسقط ببطء نحو قاع البحر بلا أي أثر للكائن الذي أكل جسده. فقط علامات الأسنان من اللحم الصغير المتبقي والعالق برأس السيكلوب. حين سقط الرأس فتح فمه وسبح الصغار خارجه واحداً تلو الآخر. لم أدرِ ما أشعر به في تلك اللحظة. أينبغي أن أسر بنجاتهم؟ ثم تردد صدى صوت صرير عالٍ. اضطرب الماء وتشكل تيار قوي من جراء تأثيره. دُفعت عبر التيار. وحين نظرت ورائي أُطلق العنان للجحيم.

اندفعت الكائنات المختبئة في الظلال إلى الأمام، مصطدمة في خضم من العنف. تلاطم الماء بعنف بينما اصطدمت الأجسام بعضها ببعض، ممزقة، وعاضة، ومحطمة عبر قاع البحر. تحرك الكائن الشبيه بالعنكبوت بسرعة مرعبة، مغرزاً أرجله الحادة في قاع البحر بينما هرع نحوي مباشرة. اللعنة!! لست عدوك أيها اللعين! اندفعت في الاتجاه المعاكس حيث تشكل تيار مائي آخر لأهرب تماماً حين توقف بقسوة في الموضع الذي كنت فيه.

حطم الارتجاف قاع البحر فوراً، فقطع أحد أرجله الماء بشق نظيف قاطعاً التيار الذي تشكل هناك. بعد رؤية ذلك، استدرت ومشيت مع تدفق التيار الملتف. لم أجرؤ على النظر ورائي. لم استطع. أمسك بي التيار، ساحباً جسدي بعيداً. في زاوية عيني، رأيت الكائن طويل الجسد يرتطم بالعنكبوت، مطبقاً بفكيه الهائلين على جسده. شق صرير حاد ومزعج عباب الماء. تخبط العنكبوت بعنف، دافعاً بأرجله للأمام، خارقاً الكائن طويل الجسد في محاولة يأس للافلات.

كافح بلا هوادة، بعنف حتى أفلت نفسه أخيراً، متراجعاً بالقدر الكافي لاستعادة توازنه. ثم ثبت. وأعاد تموضع نفسه مستعداً للهجوم مجدداً. دون تردد، انقض إلى الأمام. ملأت الصرخات والهدير المحيط، متصادمة في زئير فوضوي جعل جسدي بأكمله يرتجف بلا حراك. تحول قاع البحر إلى ساحة معركة، وكنت في قلبها تماماً. أرغمت نفسي على التقدم عبر التيار، دافعاً باتجاه الكهف بكل ما أوتيت من قوة.

دفقاً بعد دفق، دفعت جسدي إلى حدوده، لتكون كل حركة أكثر حدة، وأسرع—وأكثر إيلاماً من سابقتها. لم أعد أبالي. ليس الألم. ولا ما يفعله بي. ولا حتى إن انكسر شيء داخلي لحظة توقفي. احتجت فقط إلى الهرب من هذا الجحيم. لكن كل حركة قاموا بها أرسلت أمواجاً عنيفة ترتطم بالمياه، رامية بي خارج مساري مراراً وتكراراً. كان ينبغي للكهف أن يكون قريباً... ومع ذلك بدا بعيداً بشكل مستحيل، وكأنه يبتعد كلما بذلت جهداً أكبر للوصول إليه.

أردت لعن السماوات لأنها وضعتني في هذا الموقف. تألم جسدي في كل مكان، وكل دفق استنزف مني أكثر مما أملك. بدأت أفكاري بالزحف، ضبابية عند الحواف. لم أستطع الاستمرار هكذا طويلاً. مع ذلك دفعت نفسي قدماً، مرغماً جسدي على التحرك بشكل أسرع، وأقوى—مستخدماً أي قوة تبقت لي. ثم حدث شيء ما. توقف الضغط. توقف التخبط وهدأت المياه. وكأن المعركة لم تحدث قط. أبطأت، واكتسحت الحيرة ذعري. استدرت وندمت لحظة فعلت ذلك.

كان كل كائن يحدق بي. اللعنة! لماذا يحدقون بي؟ برد جسدي. هذا سيء، سيء حقاً. هذا سيء لعين للغاية. ثم لاحظت ذلك، شيئاً ساطعاً على جبيني. وميض بنفسجي خافت، ينبض. حاولت تغطيته، متكوراً بجسدي، ثانيا عينيَّ لتغطيته، مستداراً، أي شيء، لكن لم ينفع شيء. لا يزال هناك. لا يزال يسطع. تسارع قلبي. ارتجف كل جزء مني. كيف يمكن لشيء بهذه الصِغَر أن يجذب انتباههم كله؟ أنا مجرد حلزون ضعيف... فلماذا أنا؟

قبل أن يتسنى لي التفكير لأبعد من ذلك، انتشر هالة قمعية عبر الماء. ثم تحركوا. دفعة واحدة. انقض كل كائن نحوي. يا للهول... أنقذني! سحبني التيار معي، ولوّيت جسدي بينما شقت المخالب والأفواه الفاغرة المياه من خلفي. اصطدمت الأجسام الضخمة ببعضها، متصادمة، وعاضة، ومقطعة—لكن أياً منهم لم يتوقف. لم يبالِ أحد. كانوا قادمين لأجلي جميعاً. بدا الأمر كالإلقاء في خضم تغذية محمومة—مثل طعم مُلقى أمام كائنات جائعة من أنواع مختلفة—باستثناء أن هذه الأشياء كانت ضخمة.

ضارية. وكنت الشيء الوحيد الذي يريدونه. اندفعت دفقاً بعد دفق، ناجياً بأعجوبة من الأسنان الضخمة المنقضة نحوي. خدشت المخالب قوقعاتي الرقيقة الصغيرة. لطمت الجسيمات نحوي، مخطئة إياي ببوصة، قبل أن يقطع شيء فائق السرعة تلك الجسيمات. قُذفت هنا وهناك ككرة. في لحظة كنت أتفادى وفي الثانية تالية حطمت جسد كائن عملاق ما. لم أعد أدري ما يحدث أو من يهاجم من. كل ما عرفته هو أن عليَّ الهرب من هذا الجحيم.

كان لكوني صغيراً مزايا في الواقع. استطعت الانزلاق عبر الفجوات الضيقة للوحوش المتصادمة. لكن جسدي تألم. بدا عقلي بليداً وأنا أبلغ حدودي، بسرعة. اقتنصت الفرصة واندفعت نحو الكهف حين سحبني التيار أقرب إليه. لم أبال بما في الداخل. أي شيء كان أفضل من السرب من خلفي. أي شيء كان أفضل من التمزق إرباً على يد تلك الوحوش ومخالبها، وجسيماتها، وفكوكها الساحقة. لحظة وصولي إلى المدخل، دفعت نفسي مجدداً وغرست أعمق للداخل.

بالكاد أتيح لي الوقت لأثبت نفسي حتى اهتز الكهف بقوة. انهار المدخل بأسره مع اصطدام الأجسام الضخمة به من الخارج، مغلقة إياه في لمح البصر. شعرت برغبة عارمة في البكاء حقاً. اخترق ساق حاد الأنقاض بجواري، مخطئاً إياي بشعرة. أرسلتني قوة ذلك طائراً، ولم أستطع إلا اللعنة وأنا أرتطم بجدار الكهف، ليرتجف جسدي بلا حراك. ثم رأيته. ثقباً صغيراً، ضيقاً وبالكاد يكفي، لكنه كان شيئاً.

لم تردد. حتى لو قتلني. لم يكن لدي خيار آخر. جمعت ما تبقى من قوة ضئيلة واندفعت للأمام للمرة الأخيرة، ماراً بالفتحة قسراً. مزق الحركة جسدي، مشتعلاً بالألم في كل مكان—لكني نجحت. انزلقت للداخل. ثم تدحرجت—مرة، مرتين، مراراً وتكراراً—أعمق في الظلام، محمولاً بما تبقى لي من زخم ضئيل. انقلب كل شيء. تغشّت أفكاري. وبعدها—غرق كل شيء في السواد.