أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 21 — طريق المدينة

اقرأ أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 21 — طريق المدينة باللغة العربية على مانجا تايم.

نظرت إلى الشقيقتين في ذراعيّ، ثم رفعت بصري أتأمّل البيت. بدا لي مجرد مأوى مؤقت، لكنه بالنسبة إليهما كان وطناً. وما انفكّ شعور بأنّ كل شيء قد تغير يغمرني منذ لحظة وصولي. أشبه بحجر أُلقي في ماء ساكن — هادئ في البداية، قبل أن تتسع الدوائر وتزحف لترتجّ كل رقعة تمسّها. تململت الشقيقتان في ذراعيّ قليلاً. خففت قبضتي ونظرت إليهما مطأطئاً، مرسماً ابتسامة على وجهي. أو هكذا…

أردتُ أن ترياه. التقت أعينهما بعينيّ وابتسمتا بوهن، وبدت علامات الإرهاق والضعف واضحة على محيياهما.

تنهدت، مدركاً أن ما تشعران به حقيقي، فلم يعد الأمر مجرد نزهة عابرة في باحة خلفية. كل خطوة إلى الأمام تحمل ثقلاً، وتتفرع الاحتمالات إلى مسارات لم أجرؤ حتى على تخيلها.

حين أدار ظهراننا للبيت، بدت كل خطوة أثقل من سابقتها. أو ربما، كنت أنا وحدي هكذا. هذه المرة، تصاعد الغموض في داخلي. ماذا يتربص بي وراء هذا المكان؟ إلى أي مصير سأقاد مجددًا؟ أأفقد حياتي أخيرًا هذه المرة وبأي طريقة؟

لم أكن أعلم أن هذه الأفكار والمشاعر حبيسة في صدري. أكنت أتظاهر بالشجاعة لأخدع نفسي فحسب… بأن كل شيء على ما يرام… وبأنني فرغت من الخلع؟ حقاً، لا أعرف. وحين نظرت إلى امتداد المياه الزرقاء الصافية بلا حدود أمامي، تسارع نبض قلبي.

أحماس هو؟

أم خوف؟

لا أستطيع التمييز.

فلتت مني ضحكة. أغمضت عينيّ، ضاغطاً بيدي على صدري، مستشعراً ضيقه. في هذا العالم المجهول، حيث كل شيء مستحدث وحياتي مهددة بالانقضاء في أي لحظة. قبضت كفي وفتحت عينيّ.

"سأجد مكاني".

التفتت الشقيقتان ترمضانني بنظرات غريبة. نظرتهما ببلاهة ثم ضحكت، أعلى صوتي هذه المرة بقليل. صحيح. لم أعد وحدي. رقبتهما وهما تتقدمان، ثم مددت يدي نحو المخلاة.

"فيكس"، ناديت في داخلي.

"أأنت مستعد للمغامرة خارج هذه الأراضي الرملية؟"

[كنت أترقب منذ دهر.]

تهكمت. كأنني أكاد أسمع صوت انقلاب عينيه.

"حسناً يا رفاق. لننطلق إلى البلدة أخيراً".

نظرت إلي الثلاثي ببلاهة. ابتسمت فحسب ومضيت قدماً. تسربت الثقة، وتأججت حماسةً لما أوشك على رؤيته. أخذت نفساً عميقاً وشعوراً بالطاقة يسرى في عروقي. لم يكن التنفس هنا يشبه التنفس على اليابسة. وكأن جسدي كان يدرك أيهما يستنشق وأيهما يبقي.

كل شيء هنا بدا بديهياً. طريقة تنفسي، وقدرتي على الكلام في هذه المياه، ووطئي الخفيف على الرمال كأن الماء عدم والجاذبية لا تنطبق. إنه لأمر مذهل، غير أن هذه الأفعال الصغيرة بالغة الأهمية تحدت العلم الذي عرفته يوماً. تذكرني لحظات كهذه بقوة بأن هذا العالم مختلف تماماً.

[أتدرك حقاً إلى أين تمضي؟]

تردد صوت فيكس. توقفت، مستوعباً أنني كنت أسير قدماً بعشوائية تامة. التفت نحو الشقيقتين اللتين رمضانني في آن واحد. حككت رأسي ضاحكاً بتوتر.

"أمم، أيعلم أي منكن طريق البلدة حقاً؟"

تبادلتا النظرات وأومأتا. بلا كلمات، بلا أصوات، مجرد موافقة هادئة مستسلمة وهما تمضيان قدماً. راقبت ظهريهما، وكتفيهما المائلتين قليلاً، وتنهدت. كانت الرحلة بالغة الهدوء، ولم أقدم عوناً يذكر. لقد استغرقت في أفكاري الخاصة أكثر من اللازم.

عجلت خطاي، مهرولاً لألحق بهما. كانت كل منهما تسير مطأطئة الرأس، وقد خبت طاقتهما المعتادة. متنهداً بخفة، ثبتّ نفسي. حسناً، حان وقت أدائي لدوري. تنحنحت.

"أيتها الفتيات، أتدركن ما كنا نفعله حيث أتيت لنبتهج؟"

لم تبديا أي رد فعل يُذكر، لكني لمحت نظرة إليورا الخاطفة. هذا يكفيني.

"إذن ثمة أمر يدعى «طرفة»"، تابعت.

"باختصار، تقول أو تفعل شيئاً شديد السخافة… ولسبب ما، يضحك الناس".

رفعت ماريس حاجبها قليلاً، فرمقتني إيليرا بحيرة، وأمالت إليورا رأسها.

"نحن نعلم ذلك بالفعل"، قالت إيليرا.

أرفشت عينيّ.

"انتظري، حقاً؟"

"نعم"، أضافت ماريس بهدوء.

"كنت تفعله منذ أن التقينا".

توقفت، مستوعباً ما قلن. ثم أطلقت إليورا ضحكة صغيرة. كانت ضئيلة لكنها حقيقية. وكفت لتبديد الصمت. رمقتهما مستاءً.

"إذن كنت أسليكن طوال هذا الوقت دون أن أعلم؟"

"عن غير قصد"، صححت ماريس.

"هذا أسوأ"، تمتمت.

فلتت ضحكة صغيرة أخرى، من الثلاثة معاً هذه المرة. لم تكن صاخبة ولا مبالية. لكنها جاءت في محلها تماماً لتخفيف حدة الأجواء. ابتسمت في نفسي. راقبتهما تتبادلان المزاح ونحن نواصل المسير. وبذلك، ولو قليلاً، بدأ الثقل ينزاح ببطء.

بالنظر أماماً على طول الدرب، لم يكن ثمة سوى رمال بيضاء دقيقة تعلوها حصى وصخور ملساء مشوهة متغايرة الألوان. كل حجر صاغه البحر طبيعياً مع كرور الزمن. وكانت هناك أيضاً صخور ضخمة متدرجة تشبه جرف شلال على الجانبين مع نباتات تشبه الأعشاب البحرية تتمايل بإيقاع مع الماء. بعضها تلون بالأزرق.

مجدداً، أمر غريب آخر. التفت حولي فإذا المرجان الجميل منثور في كل مكان. بلغ ارتفاع بعضه عشرة أقدام ربما وتنوعت أشكاله أيضاً. بعض المرجان عريض، وبعضه طويل، وقصير لكن ممتلئ، وبعضه متفرع، لكنها جميعاً تلألأت، لتمتلئ هذه البقعة من البحر بالألوان.

لفتت انتباهي مجموعة مرجان فريدة الشكل. كلما دققت النظر بدا المنظر غير حقيقي لأن المرجان أشبه بأجساد متجمدة في مكانها. اقتربت وبدا المشهد مذهلاً حقاً. تبدو كل واحدة كتمثال منحوت يغطيه المرجان وبعضها يجلس ويمد يديه نحو الأعلى كأنه يبلغ شيئاً.

بدت أجسادها خشنة. كنسيج المرجان لكن شيئاً بداخلي أصرّ على عكس ذلك. تشعب المرجان عبرها بدقة وأنماط معقدة ليلف أشكالها كثياب سهرة أنيقة. غاية في الرقة والانضباط. تملكتها هياكل شبيهة بالأطراف وكل طرف مطرز بشبكة مرجانية رقيقة هشة المظهر كأنها تتهشم باللمس لكنها مصممة بإتقان تام.

رفعت نظري فذهلت لوجود وجوه لها. غير مفصلة تماماً لكنها بلا شك مرسومة بملامح لينة طمسها نمو المرجان. امتلكت رؤوساً ذات هياكل مرجانية متفرعة تنتشر للخارج كأغطية رأس. بدت كتاج ينتمي للمحيط.

ابتلعت ريقي. كأنني دخلت متحفاً يونانياً تحت البحر يمتلئ بمنحوتات مرجانية على شكل بشر وكل واحد فريد ومنظم بطريقة غريبة ومتعمدة.

وجدت نفسي أسير نحو الأكثر تميزاً بينها. وقفت بمعزل عن البقية. أمسكت صولجان مرجاني ويدها مرفوعة تمتد للأعلى كأنها تبلغ شيئاً وراء الماء. عن قرب بدت بشرية تقريباً باهتة ورشيقة.

التفت شعب مرجانية حول منحنيات جسدها. تشبه ثوباً منسدلاً ونصفها السفلي ينتشر للخارج كذيل حورية بحر أحمر نير متدرج برقة وأناقة مستحيلة. غطاء الرأس كان الأكثر تعقيداً. تتقوس فروع المرجان للخارج كتاج وتجري على طولها خطوط باهتة متألقة بحجارة مغروسة.

تحركت يدي تلقائياً نحو وجهها. وقبل أن تلمسه أصابعي وقفني شيء. يد بقبضة حاسمة. التفت ووجدت نيسيرا تقف بجانبي ونظرتها حادة وهي ترمقني.

قالت: "لا".

عدت للواقع على صوت نيسيرا. التفت ورأيت الثلاثي يقفن على مسافة من تشكيل المرجان ويرفضن العبور إليه.

كنّ يحدقن بي. ظهر القلق على وجوههن. وقبل أن أستطيع سؤال عما حدث. اختفت نيسيرا. عادت إلى الحقيبة كأنها لم تكن هناك أبداً. ابتعدت عن التمثال وتسلل الاضطراب ببطء. علق بصري عليه لحظة أخرى. ثم أدار ظهرى وابتعدت عنه. لم أكن أعلم حينها… ما الذي أثارته تلك اللحظة في هذا المكان.

"نيكس!"

أسرعت ماريس نحوي. كانت حركاتها سريعة وغير متزنة. بدأت تفحص ذراعي كتفي. بعدما لم تجد شيئاً رفعت نظرها.

"هل أنت بخير حقاً؟"

أمشيت جفني.

قلت: "نعم".

غمر الارتياح وجوههن دفعة واحدة. هممت بفتح فمي ولكن قبل أن أتكلم غطته ثلاث أيدي في الوقت نفسه. هززن رؤوسهن. تعمق ارتباحي لكنني أومأت. حينها فقط أفلتنني. سحنا بصمت. لفترة ظل صوت تحركنا عبر الماء فقط. بعد قطع مسافة عن مجموعة المرجان انكسر الصمت أخيراً.

قالت إليورا فجأة: "نيكس، هل تعلم بوجود… أنواع غريبة في هذه المياه؟"

رفعت حاجباً.

"حقا؟ أخبريني."

ابتسمت وتألقت عيناها.

"كانت أمي تقول إن للمحيط عيوناً وآذاناً في كل مكان."

أضافت إيليرا بابتسامة طفيفة ترتسم على وجهها: "أه، أتذكر ذلك. أخبرتنا أن نحذر الدوائر الشبيهة بالزجاج."

تابعت إليورا وهي تميل قليلاً كأنها تشارك سرا: "لأنها تستمع. ثم تثرثر وتشر ما تسمعه عبر المياه."

أمشيت جفني.

"…ثرثرة؟"

أومأت بجدية: "نعم. قالت إنه لا سر يخفى عنها. إن اردت الإجابات… فما عليك سوى إيجادها حيث تلتقي الصخور الحمراء بالتيارات."

تحدثت ماريس تليها وبنبرة أهدأ: "لكن احذر، لأنه بمجرد أن تنفجر… لن يصبح صوتك لك وحدك بعد الآن."

بقين صامتات لحظة وهن يطالعن عيون بعضهن البعض. ثم انفجرن ضاحكات. حدقت بهن ووجدت الأمر سخيفاً.

قلت: "أهذه أسطورة؟ تلك أسطورة رديئة للغاية."

التفتن إلي دفعة واحدة وقد خط الارتباك وجوههن.

"ما هي الأسطورة؟"

ضحكت.

"كلمة من حيث أتيت. تعني قصة يروونها عادة لتخويف الأطفال حتى يتأدبوا."

أمشين أشفارهن.

ثم قلن بانسجام تام: "أوه..."

هززت رأسي مبتسماً. مع ذلك… شيء في طريقة قولهن لم يبدو كمزحة تماماً. أهناك حقاً نوع كهذا؟

[على الأرجح. هذا العالم شاسع للغاية بعد كل شيء.]

قطبت جبيني.

"تباً لك يا فيكس. لا يمكنك قراءة عقلي متى شئت."

[حتى إن لم أرد فكلماتك تصل مزعجة في كل مرة. نيكس، نحن مربوطان معاً. نتواصل تخاطرياً… لسوء الحظ.]

صمتّ.

"أقلت للتو لسوء الحظ؟"

[نعم.]

حدقت أمامي فاقداً للنطق تماماً. مجدداً لم أمتلك ردا. وبينما واصلنا المسير تسلل الجوع بهدوء. لم ينطق أحد لكنني رأيته في تباطؤ حركاتهن وفي إطالة عيونهن التحدق بالفراغ لفترة أطول قليلاً.

قلت: "علينا التوقف".

عثرنا قريباً على بقعة صخرية تبدو ملائمة للاستراحة مؤقتاً. أومأوا.

أضفت: "سأذهب لإحضار شيء".

قالت ماريس: "لا تبتعد كثيراً".

"لن أفعل".

مشيت جانباً قليلاً. كان الدرب أمامها خالياً. لم أكن أرى سوى الرمال والأعشاب البحرية والمرجان العادي هذه المرة ودون أي أثر لمخلوقات حية. ثم وحين تجاوزت رقعة من الأعشاب البحرية الطويلة خطف بصري شيء ما. سرير من المرجان المثمر يتمايل برقة في الأفق. كانت أغنامه مثقلة بمصابيح لينة توهج صفراء. وصلني العبير أولاً حلواً كالعسل.

طازج... ومغر أكثر من اللازم وخاصة لمن يعاني الجوع. اقتربت دون تفكر. خطوة. ثم أخرى. لم أدرك كم ابتعدت. ظلت عيناي مسمرتين على الثمرة وتلاشى كل ما سواه في الخلفية بهدوء. حين صرت قريباً بالقدر الكافي مددت يدي فقط وقطفت واحدة فوراً.

نبضت في كفي خفة. كانت دافئة. دافئة على نحو غريب لشيء تحيط به مياه باردة. لكن دفئها ذكرني بأنها طازجة.

"جميل".

عندها لاحظت ذلك. وميض خافت تحت الرمال. كان يتحرك. قطبت وجهي وانحنيت أفرك السطح بخفة بأصابعي.

"آه!"

سرت لدغة حادة عبر أطراف أصابعك. سحبت يدي فوراً مضيقاً عيني.

"احتكاك؟"

أملت رأسي أراقبها ثانية أخرى. ثم هززت كتفي. في هذه المرحلة صرت أصدق أن كل شيء ممكن. عدت لقطف الثمار حين تحول انتباهي نحو كهف يقع تماماً خلف حقل المرجان. ما إن نظرت حتى تحرك شيء بداخلي. اقتربت بحذر ثم توقف على مسافة تتيح لي رؤيته.

توهج داخله شيء ببريق أسطع... وأكبر من الثمرة التي قطفتها. حينها تفاعلت الشبكة في داخلي. تدفق نبض عبر شبكة العقد مشتعلاً بحدّة كتيار كهربائي يتسابق على طول كل خيط.

[احذر يا نيكس. لديك موهبة حفر قبرك بنفسك.]

أدرت عيني بملل.

"استرخ. هذه ليست مجرد ثمرة. إنها شيء أكبر وهي تناديني".

قررت اختبار ما إذا كان هناك شيء داخل الكهف. ألقيت إحدى الثمار التي قطفتها توّاً داخل الكهف وتراجعت فوراً. انتظرت بضع ثوان. لم يحدث شيء. قطبت وجهي. ثم رميت أخرى وبقوة أكبر هذه المرة. اصطدمت في عمق أبعد لكن شيئاً لم يحدث قط. لا حركة. لا صوت.

أطلقت ضحكة قصيرة تكاد تكون سخيفة والتفتُّ حولي.

"بالطبع... لا شيء هنا".

تفحصت محيطي مرة أخرى ثم مشيت ببطء نحو الكهف. ما إن وطدت قدمي داخل الكهف حتى سرى في تيار خافت. ككهرباء تلامس جلدي. لم يكن مؤلماً لكنه بدا غريباً.

توغلت أكثر في الكهف وهناك رأيت ذلك. كانت تستقر في العمق ثمرة. مستطيلة. ملساء. تشبه الزجاج تقريباً. كانت تتلألأ بضوء أزرق بارد. بدا سطحها مثالياً أكثر من اللازم ومغرياً للغاية. مددت يدي نحوها بغريزتي حين انفجرت الأرض فجأة.

تدفق شيء للأعلى. كان أسرع من أن يرى. قذفت للخور وانهار نفسي من قوة الاصطدام حين اصطدمت بالصخر وتدحرجت على الرمال. اشتعل الألم في جسدي. أجبرت نفسي على النهوض. عند تلك اللحظة سقط ظل فوقي. رفعت نظري ببطء وهناك رأيته.

ثعبان بحر. لم يكن ثعبان بحر عادياً. كان هذا المخلوق أطول. جسمه أملس ومصقول بلا طبيعة. برز قرن مسنن من رأسه وتحته راحت هوامس طويلة تشبه السياط ترتجف حية ومضطربة بلا قرار. بدت عيناه الكبيرتان الحالكتان فارغتين لكنهما واعيتان أيضاً. زحفت تيارات كهربائية على طول حراشفه اللامعة لتصدر طقطقة خافتة.

حدق بي ثم ارتعش وجهه. التوى فمه ببطء ليصنع ابتسامة متعمدة. كانت ابتسامة ظفر لمفترس ماكر تفوق للتو على فريسته. سرى قشعريرة في عمود الفقري.

"لعنة".