دوى صوت أملس لكنه ساخر بين الحطام العائم.
"أه؟ أليست هذه لحظة لطيفة؟"
استقرت الشظايا ببطء كاشفة عن الهيئة الواقفة في الباب المتحطم. لم يبدو كشخص اقتحم المكان للتو. بل بدا... مستمتعاً. مال قليلاً متطلعاً إلى الداخل كأن ما حدث للتو لم يكن أمراً مُهِمّاً. كان نحيل البناء. سرت علامات شاحبة ومسننة على طول ذراعيه نابضة بخفة تحت جلده. اشتعل شعره بلوني أحمر عميق وناري عائماً بجنون مع التيار. تدلت خصلات فوق عينيه لكنها زادت حدة نظرتیه بروزاً. تفتّت نظراته في الغرفة ببطء ودون تكلف.
تكوّنت ابتسامة معوجة على شفتيه بعد لحظة. لم يحاول حتى إخفاء مدى استمتاعه الآن.
"لا تكن فظّاً يا كال."
تبع ذلك صوت آخر. ساحر وحازم. حمل سلطة هادئة لم تحتاج إلى الارتفاع.
"لقد تحققت للتو، ما زالوا أحياء يا ريف. لا قلق."
رفع يداً بلا مبالاة مانحاً إشارة إبهام مرتخية فوق كتفه، ثم كأن الفراغ ذاته أفسح الطريق، تقدّم من أسماه ريف. حامت شظايا الباب المتحطم حوله كأنها لم تجرؤ على لمسه. لم يكن يتجنبها. بل إنها ببساطة لم تبلغه. كان هيكله نحيلاً مصقولاً... ومع ذلك لم يكن فيه أي شيء هشّ. حملت كل حركة اليقين الهادئ، ذلك النوع النابع ممن لم يحتاج إلى التسرع قط. حمل جلده مسحة شاحبة وباردة. لكن عينيه هما ما استدعى الانتباه.
حادتان. متوهجتان في الزرقاء الخافتة للبحر. تدفقت خصلات شعر داكنة حوله. نمت على طول كتفيه وذراعيه هياكل مسننة شبيهة بالحراشف، داكنة، متراتبة، تشبه الدروع تقريباً لكنها حية. كشف عن صدره جزئياً موسوماً بأنماط شاحبة تشبه الأوعية الدموية تنبض بخفة تحت جلده، كأن شيئاً في داخله كان... يتنفس. استقرت إحدى يديه بلا مبالاة على إطار الباب المكسور، بأصابع طويلة مسترخية، ومع ذلك فقد تصدع الحجر تحته بالفعل.
ليس من جهد. بل من مجرد التلامس. اجتاحت نظراته الغرفة. توقفت باختصار عند الأخوات الثلاث قبل التركيز عليّ ومثلما هبط الضغط. كان خانقاً بشكل لعين. تسلل شيء بارد صعوداً على عمودي الفقري. هذا... كان مختلفاً. كان كلاهما الصفقة الحقيقية. لمَ لم أكتشفهما باكراً؟ أأنتما من عشيرة برينفيل أيضاً؟ طقست النظر إليهما منتظراً أن يتحرك أيهما أو ينبس بكلمة لكنهما لم يفطلا. بادلاني النظرات فحسب.
ثم ضحك من أسماه كال فجأة.
"هاهاها! لقد أخفتهم يا ريف. لا يجرؤون حتى على الكلام الآن."
قال ممسكاً ببطنه كأنه وجد الأمر مضحكاً حقاً. نظر ريف إلينا وأطلق تنهيدة هادئة.
"نحن لسنا هنا من أجل المتاعب."
أجل، لأن تدمير باب شخص ما لا يُعد طلباً للمتاعب إطلاقاً. كأنه قرأ أفكاري، رفع ريف يده. ثم تحرك الحطام المبعثر. تجمعت شظايا الخشب والمرجان صعوداً متراصة قطعة بقطعة، حتى قام باب مكان ذاك المتحطم. سليماً كأنه لم يُدمّر قط. ابتلعت ريقي بصعوبة.
"... جئنا لنحذّركم."
تابع ريف متحولاً بنظراته إلى الأخوات الثلاث.
"لقد نصبت عشيرة برينفيل بالفعل كل كمين يمكنها نصبه. ستُطاردون. إنهم يطالبون بتسليم ما يريدون... أو الموت أثناء المهرجان."
"ليس لدينا أي شيء يريدونه."
قالت ماريس بحزم. نظر الرجلان إليها. ثم نظرا إلى الأخريات كأنها قالت للتو شيئاً سخيفاً.
"ليس لدينا شيء حقاً."
أضافت ليورا. عندها تحرك كال. في لحظة كان واقفاً هناك. في التالية، أمسك بإيليرا. جذبها نحوه ملتوية ذراعها إلى الأعلى بينما أمسك بها في مكانها.
"احذري."
قال بخفة رغم أن صوتاً حاداً.
"مهما كنت تفعلين... توقفي."
نظر في عينَي إيليرا ثم خفض بصره نحو عنقها. تتبعت أصابعه اليسرى عنقها. ببطء كأنه يتفحص شيئاً قيماً. تبع خطّ رفيع من الدم موضع تمرير لمسته.
"قبل أن أقرر القطع بعمق أكبر."
لثانية لم يتحرك أحد. ثقل الجو. ثم تحرفت إيليرا. في طرفة عين، كان كال هو من صُدِم بالجدار. دّوى أثر باهت حين اصطدم ظهره بقوة، والتفت يد إيليرا بإحكام حول حلقه مثبة إياه في مكانه. ضغطت يدها الأخرى بقوة على الجدار بجانب رأسه محبوسة إياه هناك. للمرة الأولى، تغير تعبير كال. لا غضب. لا تسلية. كانت صدمة... صدمة حقيقية. مالت إيليرا أقرب شفتيه قرب أذنه. انخفض صوتها لكنه ظل رقيقاً ولطيفاً.
"إن شققت عنقي..."
همست، "... فافعل ذلك بالشكل الصحيح."
لمست شفتيها ابتسامة خافتة.
"لأنني سأعود."
ضغطت قبضتها بقوة قليلاً.
"مرة... ومرة... حتى يحل دورك لتنزف."
لم تغادر الابتسامة وجهها. بل بدت ألطف فحسب. ومثلما تركلته انزلق كال قليلاً لأسفل قبل أن يمسك نفسه، لا يزال مطبقاً بنظراته عليها. التفت إيليرا مبتعدة دون التفاتة أخرى، عائدة نحونا. كان تعبيرها هادئاً وناعماً كأن شيئاً لم يكن. لم يتوقع أحد ما فعله ولم أتوقع أنا بالتحديد أن ترد إيليرا بالمثل هكذا. حدث الأمر أسرع من أن يتسنى لأي منا رد الفعل. رمقت الأخوات، لكن بدل الصدمة، ظهر شيء آخر على وجوههن.
فخر. كأن ما فعلته إيليرا كان بالضبط ما توقعنه. هؤلاء الأخوات سليطات فعلاً. لكنني ما زلت لم أستطع التصديق. إيليرا...
"كال. اكبح نفسك."
اخترق صوت ريف التوتر. أطرف كال كأنه عاد إلى الواقع. لمس عنقه، تماماً حيث أمسكت به إيليرا. عادت نظراته إلى وجهها المبتسم لا يزال. بدا لطيفاً لكن ليس تماماً. كان هناك شيء آخر فيه. شيء لم يستطع تبينه. عبس بقليل من الحيرة متراقصة على وجهه، قبل أن يتراجع عائداً إلى جانب ريف.
"كما ترون،"
قالت ليورا بفخر رافعة ذقنها، "نحن لست ممن يمكنكم التنمر عليهم."
نظر ريف إليها. وكلما طال تأمله فيها، تذكر سمكة منفاخ. إنها شائكة، فكر. تصلب تعبير ليورا قليلاً تحت نظراته. أطلق ريف سعالاً هادئاً. ثم تحول انتباهه نحو الباب في الطرف الأقصى من الغرفة ومشى. فوراً، توتر الجميع. كان يمشى نحو الغرفة حيث يوجد لب والدتهم. تحركت دون تفكير. سارعت إلى الأمام ماداً يدي لأمسك بذراعه لكن قبل أن أستطيع الاقتراب حتى، استدار. التقت عيناي بعينيه وضربني شيء ما.
قوة لم أستطع رؤيتها. في اللحظة التالية، قُذِف جسدي إلى الوراء مصطدماً بجدار غرفة المعيشة بارتطام ثقيل. انفجرت الآلام في جسدي حين بلغت الأرض.
"اغفر لي."
قال ريف بهدوء.
"أنا ببساطة معتاد على عدم التمس."
منح ابتسامة خافتة تكاد تكون معتذرة ثم استمر في المشي كأن شيئاً لم يحدث. تبّاً... لم أكن قد لمسته بعد. دفعت نفسي صعوداً مسعلاً مبصقاً دماً على الأرض. تحركت الأخوات لاعتراضه، لكن كال تدخل أولاً. توقف أمام الأخوات. ظهر سلاح في قبضته. سيف منحني داكن ومسال، كأنه استُلّ من البحر ذاته. نبضت أوردة قرمزي خافتة تحت سطحه مثل نبض بطيء وثابت، بينما التوت تيارات رفيعة على حافته متغيرة مع أبسط حركة.
التوى واقيه إلى شكل مسنن يشبه المرجان.
"لا يمكن ذلك أيتها السيدات."
قال كال بخفة.
"لن تتحركن من هنا. لنُسهِل الأمر حسناً؟"
غمز لإيليرا. ابتسمت إيليرا بالمثل بلطف لكن كان هناك شيء آخر فيه، شيء... مظلم بما يكفي ليقف شعر عنقي. حتى كال بدا كأنه يشعر به. تغير تعبيره. تلاشت التسلية بينما توتر جسده وحادت عيناه. لثانية، لم يتحرك أحد. ثم التفتنا جميعاً نحو ريف. كان قد بلغ الباب بالفعل واستقرت يده على المقبض لكن بدل فتحه... وقف هناك فحسب. مرت ثوانٍ، ثم دقائق. امتد التوتر رقيقاً. عبست بقليل. ماذا... يفعل هناك؟
ثم استدار ريف. نظر إلينا وابتسم.
"لا داعي لذلك يا كال."
كان صوتاً هادئاً كأن شيئاً غير اعادي لم يحدث.
"اغفروا لنا الاقتحام أيتها الشابات،"
أضاف مستقراً بنظراته باختصار على الأخوات الثلاث.
"وأنت أيضاً... أيها السيد."
انتقلت عيناه إليّ لثانية واحدة فقط قبل أن تبتعدا. ثم ومثلما أمسك كال من ذراعه ساحباً إياه معه. لم يقاوم كال ولم يستجوب الأمر. خرج اثنان من الباب كأنهما أتيا لزيارة وحسب... ومغادرين الآن بعد محادثة قصيرة. لا استعجال. لا توتر. لقد ذهبا، هكذا تماماً. وقفنا هناك مراقبين هيئتيهما تتلاشيان في البعد. كل ما حدث بالكاد كان منطقياً. اقتحما، حققنا، ثم غادرا بلا سبب ولا مبرر. أكانوا أخياراً أم لم نكن نستحق؟
مررت يدي في شعري مطلقاُ نفساً محبطاً. لمَ كان كل شيء في هذا العالم... غريباً هكذا؟ يأتون ويذهبون كما يشاءون. نظرت إلى المدخل حيث اختفيا للتو. لو نشبت معركة... لما كنا حظينا بأي فرصة. ولا للحظة واحدة. شدت ابتسامة ساخرة على شفتي. هل ينبغي أن أرتعش لأنهما اختارا عدم قتلنا؟ نظرت إلى الأخوات. تغيرت تعبيراتهن. استُبدلت الراحة السابقة بشيء أكثر جدية. لم تكن هذه مجرد موافقة عشوائية.
كان درساً. تحذيراً بأننا بحاجة إلى أن نصبح أقوى. داخل الحقيبة، راقبَت نيسيرا كل ما دار. لم يتغير تعبيرها في البداية، لكن حين رأت الرجلين، عبست. لماذا هم هنا؟ أهو... هنا أيضاً؟ حادت نظراتها بققليلاً من الحدة. أهما عابران فقط أم أن البيوت... استمرت في المراقبة بهدوء كأنها تشاهد مشهداً من فيلم لا يمت لها بصلة على الإطلاق. حين أُلقي نيكس بلا مفر، هزت نيسيرا رأسها وضربت بلسانها.
ما زال ضعيفاً جداً... فحتى نظرة من ريف كانت كفيلة بإرساله طائراً.
"أمه، ألن تساعدي أخي؟"
سأل سيليُمير مائلًا رأسه قليلاً. نظرت نيسيرا إلى التوأمين إلى الأسفل. لان تعبيرها قليلاً فقط.
"أيتها الفتاة. أيها السيد الشاب."
قالت بهدوء.
"أخوك بحاجة لمواجهة الصعاب إن أراد أن يصبح أقوى."
عدلتهما برفة وهما يستقران في حجرها.
"إن تدخلت في كل مرة يتعرض فيها للخطر... فلن يفهم أبداً كيف يعمل هذا العالم."
استمع إيفراين وسيليمير بهدوء. ثم أومآ.
"أخي بحاجة لأن يصبح أقوى،"
قال إيفراين.
"لكي نتمكن من الخروج واللعب."
"نعم،"
أضاف سيليُمير.
"أخي ما زال ضعيفاً."
انحنت شفتي نيسيرا بخفة. ثم عادت نظراتها إلى المشهد. علاوة على ذلك، أوضحت الملكة الأم جلياً بعدم التدخل إلا إن كان على وشك الموت. أظلمت عيناها. يحتاج إلى فهم أن هذا العالم لا يشبه البتة ذاك الذي أتى منه وإن لم يتعلم، إن لم يتأقلم... علقت نظراتها على هيئة نيكس. لن يتوانى هذا العالم عن ابتلاعه بالكامل. زفرة هادئة هربت منها. ... في الخارج، على مسافة قريبة من المنزل، تحرك كال وريف عبر الماء في صمت.
بعد قليل، رمق كال جانباً.
"ما الذي كان داخل تلك الغرفة؟"
ابتسم ريف بخفة.
"لا كنز. سوى كارثة تنتظر الإيقاظ."
اتسعت ابتسامة كال.
"يبدو ممتعاً. ألن نثير العش."
أطلق ريف ضحكة هادئة.
"أتعلم ما حدث أثناء تقارب فوريثرس في أعماق أثيريون؟"
توقف كال ثم أومأ. عادت نظرات ريف مجدداً نحو المنزل.
"إن كنت محقاً... فهولاء الثلاثة متعلقون بمن يسمونه كارثة العشق المريض."
لثانية، تجمد كال. سرت قشفرة خفيفة على طول عموده الفقري مع تجدد الذكرى. ثم رفع يده ماسحاً أصابعه على عنقه وابتسم.
"يبدو أننا سنراهما مرة أخرى بعد كل شيء."
واصلا التقدم. في الأمام، بالقرب من فراش مرجان، كان شخص ما بانتظارهم. وقف رجل في الثلاثينيات من عمره مسبلاً يديه وراء ظهره، باستقامة في القوام، تعبير طامح لكن مسيطر.
"أيها العابرون المتميزون،"
قال بانحناءة طفيفة.
"أتمكنتم من إقناع ساحرات البحر بتسليم الغرض؟"
نظر ريف إليه ببرود، بلا اهتمام.
"لم نجد شيئاً. أصررن على أنه ليس بحوزتهما الغرض الذي تطلبه."
توقف ريف.
"لقد أكملنا ما جئنا لنفعله هنا."
حادت نظراته بحِدّة قليلاً.
"امنحنا الآن ما وُعِدنَا به... وسنذهب كل في سبيله."
تغير تعبير الرجل. تلاشت الحماس من وجهه مُستبدلة بالانزعاج.
"تبّاً."
ضرب بقدمه قاع البحر.
"عديمو الفائدة،"
تمتم.
"أتظن حقاً أنني سأكافئ الفشل؟"
تبتعتها ضحكة.
"لم تستطيعا حتى إنجاز نهايتكما من الصفقة... وتتوقعان أجراً؟"
حدت عيناه.
"يمكنكما الموت هنا عوضاً عن ذلك."
تحرك الرمل من حولهم. ثم برزت هيئات. صعدت أشكال بشرية بصمت من تحت قاع البحر محيطة بهما. أدار الرجل ظهره لهما. دلك ريف صدغيه. استدار إلى كال الذي بادله الابتسامة. قبل أن يستطيع الرجل اتخاذ خطوة واحدة، سكت كل شيء. تدحرجت الرؤوس. انهارت الأجساد. لا صراع. لا مقاومة. غمد كال سيفه ثم اختفى. نظر ريف إلى الفوضى بعينين باردتين. ثم انتشرت كتلة مظلمة بلا شكل عبر قاع البحر مبتلعة كل شيء في طريقها.
اللحم، العظم... بل إن رأس الرجل المقطوع التُهِِم دون أثر. تقدم ريف.
"امنحني إياه،"
قال بهدوء. كان صوت منخفضاً وهادئاً بشكل مرعب. ضغط على ما يحيط به.
"الآن."
تجمدت الهيئات المتبقية. تحرك الرمل مرة أخرى وبرز رجل عجوز. كان قصير القامة وممسكاً بعصا. هربت قهقهة هادئة منه حين رفع يداً. تقدم أحد مرؤوسيه البشريين فوراً ممسكاً بلوحة دائرية باهتة. أخذها ريف وتفحصها. ثم أومأ. دون كلمة أخرى، تلاشى. تبعه كال. هكذا تماماً، بقي العجوز مراقباً المكان الذي وقفا فيه. بقيت الابتسامة على وجهه، لكن عينيه انقلبتا باردتين. حول نظراته إلى البقعة التي وقف فيها الرجل الأصغر قبل لحظات.
"... عديم الفائدة."
ثم غاص مجدداً في الرمل مختفياً. ومثلما عاد البحر إلى السكون كأن شيئاً لم يكن.