لم تُجب نيسيرا فوراً. بل اقتربت من القلب وطفقت تدور حوله ببطء وتتفرّس في كل تفصيل بعينيها. تبدّلت ملامح وجهها وهي تتأمله. تخلّت عن ضجرها السابق وحلّ محلّه الفضول.
قالت أخيراً: "لا، ليس لديّ قلب كهذا… لكنّي أعتقد أني رأيت شيئاً مشابهاً من قبل".
توقفت وسمرت عينيها على النور الخافت النابض في داخله: "حدث ذلك حين رافقت الملكة… إلى أعماق أثيريون".
استدارت نحو الشقيقتين واثنينهما، وضيّقت عينيها قليلاً وهي تتفرس فيهنّ من جديد: "لكنّكنّ لا تشبهن ذلك الجنس بأي حال".
علت شفتيها ابتسامة ازدراء خفيفة وأردفت بتهكم: "كنّ دائماً يرين الصعود إلى هذا العالم دونهنّ… متكبّرات… حتّى النهاية".
حدقنا فيها جميعاً بحيرة.
سألت إيليرا: "أعماق أثيريون… موجودة حقّاً؟"
[ما هي أعماق أثيريون؟]
تردّد صوت فيكس في عقلي.
أجبته من داخل نفسي: "لا أعلم، فأنا محدود بعد كل شيء".
[حقّاً.]
قلّبت عيني بخفّة.
قالت ماريس بصوت مرتفع محاولة أن تجد تفسيراً: "لكنّ… مدّ الهاوية والكيانات المجوفة هي وحدها التي تعيش في الأعماق".
رمقتني نيسيرا بنظرة غاضبة. ماذا فعلت أنا أساساً؟ هنّ من سألن لا أنا.
ردّت ببرود: "إذن لم ترين شيئاً من العالم بعد. وإن كنت محقّة… في أن أمّكن جاءت من هناك".
تحوّلت نظرتها نحو القلب مجدداً وأضافت: "فهذا سيُفسّر… كل شيء".
مالت ماريس إلى الأمام قليلاً واتسعت عيناها: "هناك… المزيد من أمثالنا؟"
أومأت نيسيرا برأسها ببطء: "نعم. لكن بقوّتكنّ الحاليّة…"
واستأنفت وحدّتها تزداد بروداً: "أنتم أضعف من أن تنجون في هذا العالم حتّى، فما بالكُنّ بهناك".
عقدت ذراعيها واشتدّت ملامحها: "لم تحصُدن الغذاء بالشكل المناسب. وهذا مفهوم. فمصدر غذائكنّ الطبيعيّ غير موجود هنا. ولهذا تكدن تنجون بالاعتماد على جوهر الكائنات الأخرى".
لانَت نظرتها قليلاً وهي تعود لتتأمل القلب: "لا بدّ أن أمّكن عانت الأمرين".
خفضت الشقيقتان رؤوسهما وعاد اهتمامهما إلى النور النابض برفق أمامهنّ. خيم الصمت عليهنّ.
قلت وانا أتقدم خطوة: "انتظري، هذا لا يعذر ما فعلنه".
قلّبت نيسيرا عينيها.
قالت بصوت هادئ لكن حازم: "لا أحد يعذرهنّ. هذا العبء سيلازمهنّ. وليس شيئاً يمكنهنّ الفرار منه. سيتذكرن كل حياة تزهقنها إلى الأبد".
استقرت نظرتها على الثلاثي حادّة لكنها لا تخلو تماماً من الفهم.
وتابعت: "يشبه الطفيليّ. شيئاً سيأكلهنّ أحياء طوال ما تبقّى من وجودهنّ".
توقفت لحظة قبل أن تستأنف: "وفي هذا العالم… ليس هناك عقاب أعظم من ذلك".
سددت نظرة مباشرة إلى عيوني: "تذكّر هذا يا نيكس. الموت في هذا العالم هو أسهل مخرج".
لم يرتفع صوتها لكن ثقل كلماتها طبق على الصدر بالقدر ذاته: "هناك أمور أسوأ بكثير من الموت… وخصوصاً خارج هذا المكان".
حوّلت بصرها نحو الشقيقتان: "انظرن إليهنّ فحسب".
لم تلن ملامحها لكن بدا فيها ما هو أعمق، شيء أقرب إلى الفهم منه إلى الإدانة: "لقد وُلدن في بيئة خاطئة… ولهذا السبب هنّ مجبرات على حمل ما لا يمكن محوه قط".
سكن المكان من جديد.
تنفست نيسيرا الصعداء ببطء: "هذا العالم لا يرحم. لكلّ امرئ مكانه… ودوره ليؤديه".
[إنها محقة يا نيكس.]
أطلقت تنهيدة خافتة. ما زالت هناك أمور كثيرة لا أفهما عن هذا العالم. الكثير من الثغرات. وحتى الآن لم أكن أدرك تماماً أين أكون أو كيف تسير الأمور. أنا لا أعرف حتى أين أنا…
"أمم"، قلت بعد لحظات وقد تقوّس حاجباي قليلاً: "هناك ما يزعجني".
تحول انتباههنّ نحوي: "لماذا نسيت كل شيء؟ ولماذا انقطع اتصالي بفيكس ونيسيرا وهما داخل الحقيبة؟"
جلت بنظري في أرجاء الغرفة مرة أخرى.
كانت أوسع بكثير مما ينبغي لغرفة عادية: "وهذا المكان… إنه أضخم من أن يوجد داخل منزل فحسب".
أعدت نظري إليهنّ وقد ضيّقت عينيّ: "وقلب أمّكن… ليس صغيراً البتّة".
توقفت: "إذن كيف كنتِ تحملين شيئاً كهذا حين التقيتِ بي أول مرة؟"
تطلعنا إلى بعضنا ولم يطق أحد بكلمة لثوانٍ عدة. تبادلت الشقيقات النظرات. ونظرت أنا إلى نيسيرا.
ضيّقت نيسيرا عينيها وقالت ببرود: "…أجيبيه".
تردّدت ليورا وشدّت أصابعها بخفة إلى جانبها قبل أن تنطق أخيراً: "هذا المكان…"
قالت بصوت هادئ وهي تلتفت حولها كأنها تراه بعين غير التي أراه بها: "…ليس جزءاً من المنزل".
"ماذا تعنين؟"
بلعت ريقها: "إنه ملكي".
لم تستوعب الكلمات فوراً.
رددت: "ملكك؟"
أومأت برأسها بخفة: "يمكنني خلق مساحة كهذه. مساحة منفصلة. أستطيع التحكم بها… وحملها معي".
جالت نظرتي على الغرفة برمتها، على القبور والمرجان المظلم والقلب النابض في مركزها. هذا كله. بداخلها.
سألت ببطء: "كنتِ تحملين هذا طوال الوقت؟"
خفضت ليورا بصرها: "نعم".
أطلقت نفساً ومررت يدي في شعري: "هذا لا يفسر أمر الذاكرة بعد".
لم تتردد نيسيرا هذه المرة: "ذلك الجزء يخصها".
تحولت نظرتها نحو إيليرا.
تصلبت إيليرا: "الأمر ليس…"
بدأت ثم توقفت وتهاوى صوتها: "لم أكن أعمد إلى التلاعب بك…"
لم تتبدل ملامح نيسيرا: "إنها قدرة من نوع السحر. ضعيفة… لكنها فعالة. تخفف الشكوك. وتجعل الأمور أسهل تقبلاً".
حدقت في إيليرا: "إذن أنتِ من جعلني أنسى؟"
قالت بسرعة وهي تهز رأسها: "لا. لا الأمور لا تسير هكذا. إنه مجرد… تأثير. كنت مرتبكاً من الأصل. وقد سهل عليك البقاء لا أكثر".
سألت بهدوء: "وما البقية؟"
أجابت نيسيرا وهي تنظر إلى ماريس: "هي".
لم ترفع ماريس رأسها.
استأنفت نيسيرا: "أوهام. تشويهات خفيفة. لا تكفي لإيقاع أحد في فخ… لكنها تكفي لتغيير ما يلاحظونه".
صمت المكان. ثلاث قدرات. مساحة. سحر. وهم. وبشكل فردي… لم تبدُ أي منها ساحقة.
تمتمت: "هذا كل ما في الأمر؟"
لم أصدق بأني خُدعت بمثل هذه السهولة.
قالت نيسيرا بجدية: "هذه هي المشكلة بالذات".
نظرت إليها: "لو كنت تنحدر حقاً من تلك السلالة… لما امتلكت قدرات كهذه. لكنت أكثر خطورة بكثير. هذه القدرات…"
توقفت والتفتت إليهن قبل أن تتابع: "…متوسطة المستوى".
انكمشت الشقيقات.
وأضافت نيسيرا وقد حادت نظرتها: "لكنّها مجتمعة؟ إنها مريحة أكثر مما ينبغي".
تنقلت عيناها بينهنّ بحساب: "إنها لا تخص أمّكن. لقد ورثتنها من شيء آخر".
علت وجه الثلاثي علامات الحيرة، ولا سيما ماريس.
سألت ماريس وهي تحدق في نيسيرا: "إن لم تكن أمّنا، إذن…"
قالت نيسيرا بيقين وهي تطيل النظر إليهنّ: "نعم، أبوكما".
قالت إيليرا: "حسنًا، نحن لا نعرف الكثير عنه. لم تقل أمّنا شيئاً سوى إنه مات ليحمينا".
استأنفت نيسيرا: "مم… أمّكن…"
وتابعت: "…أخفت كل شيء".
سألت ليورا: "أخفت…؟"
لم تبتدر نيسيرا الإجابة فوراً.
بل رفعت يدها وقالت: "دعوني أريكن ما يراه العالم حين ينظر إليكن".
للحظة خاطفة، لم يحدث شيء. ثم تلألأ شيء أمامنا. بدا خافتاً كالنور المنكسر عبر الماء… قبل أن يتحول إلى ألواح واضحة ومنظمة معلقة في الهواء. ثلاثة منها. لوح لكل واحدة من الشقيقات.
[الحالة]
[الاسم: ليورا]
[النوع: بشرية مولودة في البحر]
[التصنيف: المستوى 2]
[ المهارة: التكيف المائي الأساسي ]
[ السمة: التدفق اللطيف ]
[ الحالة ]
[ الاسم: إيليرا ]
[ النوع: بشرية بحرية ]
[ الرتبة: الفئة الثانية ]
[ المهارة: التهدئة العاطفية ]
[ السمة: الحضور الناعم ]
[ الحالة ]
[ الاسم: ماريس ]
[ النوع: بشريّ بحريّ ]
[ التصنيف: رتبة 2 ]
[ مهارة: تشويه بصر ]
[ سِمَة: هدوء ظاهريّ ]
قالت: "هذه هي سجلاتكم العادية. والآن، انظروا".
رفعت ذراعها مرة أخرى وهمست بشيء عجزتُ عن إدراكه، فتحولت الألواح. تعرضت للتشويه، ثم اختفت الكلمات وحلت محلها رموز.
قالت: "هذه هي سجلاتكم الحقيقية".
شعر الجميع بالحيرة.
"رموز؟"
سألت ليورا: "ماذا تقول؟"
قالت نيسيرا: "لا أعلم. أظن أن هذه لغة قديمة. هذا يثبت أنك تنحدر من سلالة عريقة، وقد أخفت والدتك هذه السجلات، كي لا يرى أحد حقيقتك".
حدّقتُ في ألواحهم. كانت الرموز تشبه الهيروغليفية لكنها مختلفة، وبعضها بدا مألوفاً لي. كأنني رأيتها في مكان ما. حدّقتُ فيها، وكلما طال تحديقي أصبحت أكثر ضبابية. التفتُّ بجانبي لأنظر إلى نيسيرا والآخرين. رأيتهم يحدّقون ويقطبون جباههم أيضاً. ثم سمعت صوت انكسار. نظرت خلفي ورأيت الألواح عادت إلى وضعها الطبيعي. اختفت الرموز. نظرتُ إليهم فالتقطت أعينهم نظراتي. كنا جميعاً نحمل نظرة الحيرة نفسها، حتى نيسيرا.
سألتُ: "هل يتذكر أي منكم ما رأيناه؟"
هزت ماريس رأسها وقالت: "أنا أتذكر فقط أنه تغير. أما ما عرضته… فهو ضبابي".
التفتُّ إلى البقين فهزوا رؤوسهم أيضاً. ثم التفتُّ إلى نيسيرا. كانت تمسك ذقنها وهي تحدّق في الفراغ. عندما لاحظت نظراتي اكتفت بفه كتفيها. نظرت خلفهم فرأيت الجوهر ينبض بنعومة، بثبات ودون تغير، وينتشر ضوءه بخفوت في أنحاء الغرفة كأنه غير مبالٍ بكل ما حدث. حدّقتُ فيه لحظة، ثم عدت لنظر إليهم.
سألتُ بهدوء: "ما الذي كانت تخفيه والدتكم بالضبط؟"
لم يجب أحد. ظل السؤال معلقاً بلا إجابة، يحوم في المساحة بيننا.
[انتظر… إذن لماذا فقدنا الاتصال مجدداً؟]
تردَّد صوت فيكس في عقلي. أطلقت نفساً خفيفاً. أجبته في نفسي: [ألم تكن تستمع؟]
[إنه بسبب مهارة السحر. لم تمسح شيئاً… بل غبّشت أفكاري فحسب. جعلتني أقبل الأمور دون أن أتشكك فيها].
[بالضبط، نيكس].
كان صوت فيكس هادئاً بشكل مزعج.
[تأمل في ذلك لطفاً… كي لا يتكرر الأمر].
قاومت رغبة في التنهد بصوت عالٍ.
"نعم… فهمت يا فيكس".
عاد الفتيات لفحص الجوهر. تنهدت واستدرت. انجذبت نظراتي نحو صفوف الحجارة. كانت مرتبة بعناية ودقة، وتمتد عميقاً في الفراغ الخافت. وجدت نفسي أخطو نحوها دون تفكر، وبدأت خطواتي تتباطأ كلما اقتربت. بعض القبور بلا أسماء، بل لافتات فقط. عجوز بأبيض. امرأة بأحمر. صبي بصدفة مكسورة. توقفت عند قبر وضعت أمامه زهرة مرجان زرقاء طازجة، ثم انحنيت ببطء. الجدة. حامت أصابعي فوق الحجر تماماً، مترددة في لمسه.
قلت بهدوء: "لا بد أن هذه امرأة من قريتهم".
أجابت ليورا: "نعم. كانت تحب تلك الزهرة، لذا زرعناها قربها".
لم أنتبه لاقترابهن، لكنهن كن خلفي الآن. التفتُّ قليلاً فرأيتهن واقفات هناك، وتعبيراتهن مترابطة بحرص شديد… بابتسامات لم تصل إلى أعينهن حقاً.
تابعت ليورا بنبرة خفيضة: "تلك كانت جدتنا".
تقدمت ماريس خطوة قليلة، ومقتاها مسمّران على القبر.
"كانت تعتني بنا كلما خرجت الأم. كانت تحب جدائل شعري…"
تهاوت كلماتها، وتبعها بصرها.
لفّت إيليرا ذراعيها حول نفسها، كأنها تحاول كبح شيء ما، "أنا دفنتها ومعها الآخرون… أولئك الذين سميناها عائلة، وعاملونا كأننا منهم".
اهتز صوتها رغم جهدها للحفاظ على استقراره.
واصلت وخفضت عينيها: "أعلم أننا لن نستطيع أبداً تكفير ما فعلناه".
"ولا نطلب منك أن تسامحنا على خداعنا لك".
عقب ذلك صمت. ثم تكلمت ماريس مجدداً، وبدا صوتها هامساً بالكاد.
"كل ما نطلبو…"، ترددت، كأن نطقها للأمر بدا غير مستحق، "…هو ألا—"
قالت ليورا وهي تعض شفتها: "ألا تنظر إلينا كأننا وحوش بلا قلوب".
نظرت إليّ، وكانت يداها تعتصمان بحاشية ثوبها قبل أن تتحدث ثانية: "أهل يمكننا العودة… إلى حيث كنا سعداء؟"
جعلني السؤال أُحدّق فيهن. لم أجب فوراً. ليس لكوني لا أرغب… بل لأنني حقاً لم أكن أدرك الكيفية. عادت نظراتي تنجرف نحو القبر أمامي. الجدة… جدتهن. ما زلت أستطيع سماع أصواتهن من قبل، والطريقة التي تحدثن بها عن القرية… عن البشر الذين دفنوهم. وما زلت قادراً على رؤية ذلك. ومع ذلك مهما حاولت الفهم… فإن جزء أخذهم للأرواح… لن يزول هكذا ببساطة، وما كان بإمكاني التظاهر بأنه سيفعل. لكن في الوقت نفسه…
أدركت أن هذا العالم يختلف عن العالم الذي جئت منه. هذا ليس مكاناً يتضح فيه الصواب والخطأ، حيث تعني العدالة شيئاً ما، وحيث تُحْمى الكائنات ببساطة لأنها بريئة. هنا، لا توجد سوى مفترسات… وطرائد… قانون الغابة. والخط الفاصل بينهما يكاد يكون منعدماً. أطلقت نفساً بطيئاً، واشتد صدري بينما كنت أكافح لأعثر على الكلمات الملائمة.
اعترفت بهدوء: "لا أعلم".
"امنحني بعض الوقت لأفكر في الأمر".
… وقفت نيسيرا بجانب الجوهر، تراقب التبادل بين الشقيقات ونيكس. استقرت نظراتها مطولاً على الشقيقات.
"لا شيء يبدو صحيحاً. لسن قويات بما يكفي".
تحولت عيناها نحو الجوهر النابض بنعومة.
"…لابد أنه أنت".
"مثير للاهتمام".
حدقت في الجوهر لحظة أخرى قبل أن تستدير وتمشي نحو الباب.