أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 16 — ساحرات البحر

اقرأ أصل الهاوية: إعادة كتابة النشوء الفصل 16 — ساحرات البحر باللغة العربية على مانجا تايم.

شعرْتُ بانقباضٍ في صدري. لم يكن شعوراً طيِّباً. ولم أستطع تبمُّنه تماماً. أثقل عليَّ، عالقاً بين الرغبة في فهمه ورفضها. بين الغضب وشيء أشدَّ تعقيداً بمراحل. أتى دفعةً واحدة. كان مخنقاً لدرجة تعسِّر التنفُّس. اضطرب نَفَسي مع صعود الغضب في داخلي، متصاعداً بهدوء، ضاغطاً على كلِّ شيءٍ آخر حاولت استيعابه. كيف فعلن بي هذا... بعد كلِّ ما جرى؟ لكن حين نظرتُ إليهنَّ، رأيتُ ثلاث فتياتٍ صغيراتٍ يضحكن ببساطة، يستمتعن بالاسترخاء على الأريكة ونحن نتجادل، وانتقائياتٍ جداً في الأكل شأنهن شأن أي أطفال.

في عينيَّ لم يكنَّ غريباًتٍ أو مهدداتٍ، بل أخواتٍ وحيداتٍ اعتدن العيش بمفردهنَّ، بعيداً عمَّن يكرههنَّ، ورأيتُهن واقفاتٍ هناك، متماسكاتٍ برصانةٍ هادئة. أعادتني رؤيتهنَّ إلى أطفالٍ تعلَّموا منذ أمدٍ بعيدٍ ألا يبكوا بصوتٍ عالٍ، أطفالٍ اضطروا لتدريب أنفسهم على الثبات حتَّى حين ينكسر شيءٌ في دواخلهم. أطلقتُ زفرةً بطيئة. وبدأ الغضب الذي تدفَّق سريعاً يتلاشى. وحلَّ محلَّه ما يصعب دفعُه.

"يمكنكنَّ الرحيل إن أردتنَّ".

جاءت الكلمات منهنَّ، رقيقةً وثابتةً، كأنَّهنَّ دربن تلك العبارة طويلاً. لم أجب. بل رفعتُ يدي وأشرتُ نحو غرفة المعيشة.

"اجلسن".

رمشن مذهولات.

أضفتُ وصوتي حازمٌ بما يكفي لكيلا يناقشن: "أنتنَّ جميعاً".

انتقلنا معاً إلى غرفة المعيشة. غدا الجوُّ الدافئ مشحوناً بالتوتر. استقرتْ نيسيرا بجانبي صامتةً، بينما تسلَّقت التوأمان حجري، وجسداهما الصغيران متوتران ومنتبهان. قبالتنا، جلست الشقيقات الثلاث في صمت، بهيئاتهنَّ المنتصبة وأنظارهنَّ المنخفضة.

سألتْ نيسيرا دون أن تلتفت إليَّ: "كيف يمكنك البقاء هادئاً بعدما خدعنَكِ؟".

ورمقت الشقيقات بنظرة حادة. أطلقتُ تنهيدة هادئة، متكئاً للوراء قليلاً بينما أجمع أفكاري.

"لسنَ كما تظنين يا نيسيرا. أمضيتُ أيَّاماً معهنَّ. تحدثنا، تجادلنا، و... عشنا معاً".

بدا وقع الكلمات غريباً على لساني، لكنَّها كانت الحقيقة. تحركتْ قليلاً بجانبي، وشدَّت تعابيرها وهي ترمقني بجانب عينها، ضاغطةً على شفتيها حتَّى غدتا خطاً رقيقاً.

تمتمتْ تحت برقع صوتها بصوتٍ بالكاد سمِعْتُه: "ممم... عشنا معاً".

تجمدتُ لثانيةٍ. صحيح. لم يصدر الأمر بالطريقة التي قصدتها.

أردفتُ وأنا أفرك مؤخرة عنقي مطلقةً تنهيدة محرجة: "لقد أفسدتُ الأمر. ليس هذا ما قصدتُه. هنَّ... بمثابة أخواتٍ لي يا نيسيرا".

لم تجب فوراً. بل منحتني نظرةً جانبيةً، وبدت تعابيرها مبهمةً للحظةٍ قبل أن تنحني شفتاها قليلاً، ليس ابتسامةً تماماً وليست مطمئنةً تماماً كذلك.

ردَّت: "إن كنتَ تقول ذلك".

لم أملك سوى هزِّ كتفي بيأسٍ، دافعاً يدي لترتدَّ إلى جانبي، مدركاً تماماً أن المزيد من الشرح لن يجدي نفعاً. التفتُّ لأنظر إلى الشقيقات الثلاث، فلم أرهن سوى مسدداتٍ نظراتهنَّ إلينا، ثم مطأطئاتِ رؤوسهنَّ سريعاً. طال الصمت بيننا، ثقيلاً لكنَّه لم يكن مزعجاً تماماً. بدا كأنَّ شيئاً ينتظر اعترافاً ما.

تلفظتُ أخيراً: "تكلمن".

لم تنظرا إليَّ. تشدَّد شيءٌ في داخلي مجدداً. كان الصمت، وطريقة جلوسهنَّ كأنَّهنَّ قبلن بكلِّ شيءٍ سلفاً. استفزَّني ذلك. كأنَّهنَّ من وقع عليهن الظلم. كأنَّهنَّ لا يدين لي بشيءٍ. كأنَّهنَّ... كأنَّهنَّ ارتكبن خطيئةً جسيمةً لدرجة لا داعي معها للدفاع عن أنفسهنَّ أو إظهار جانبهنَّ.

سألتُ مجدداً وقد غاب التخفي عن صوتي: "أحقا لن تخبرنني لم فعلتنَّ ما فعلتنَّه؟".

للحظةٍ، لم يتحرك أحدٌ. ثم نطقتْ ماريس أخيراً.

قالت بهدوء: "ليس لدينا ما نقوله. أياً ما كان ما حدث... فقد كان مقدَّراً له أن يحدث".

تحدثتْ إيليرا وهي ترمقني ببلاهة: "يمكنكنَّ الانصراف الآن إن شئتنَّ. نحن لا نمنعكنَّ".

أطلقتُ تنهيدة خفيفة. ظللتُ جالساً للحظةٍ أراقبُهنَّ. ثم نهضتُ قاصداً الرحيل. لعلَّ هذا كلُّ ما سأحصده منهنَّ، ولعلَّ كلَّ ما حدث كان كذبةً فحسب. مسرحيةً شاركتُ فيها بكلِّ طواعية.

اخترق صوت ليورا المرتجف المكان: "لا! لا يمكنك الرحيل".

توقفتُ. وحين التفتُّ مجدداً، كانت عيناها مبلتين، والدموع تنحدر بحريةٍ على وجنتيها.

استرسلتْ بصوتٍ غير مستقرٍّ: "قلتَ... قلتَ إنَّك لن تتغيَّر".

نظرتُ إليها ممزقاً. تردَّدتُ، وعالقتِ الكلمات في حلقي قبل أن أرغمها على الخروج.

رددتُ بصوتٍ خافتٍ: "كيف لا أتغيَّر... وأنا لا أدرك غايتَكنَّ... أو ما فعلتنه بي؟".

خرجت الكلمات بيأسٍ أكبر ممَّا قصدتُه. انتفضت لوراء كلماتي. خيم الصمت على الغرفة. ثم تحدثت إحداهنَّ بعد لحظةٍ.

كان صوت إيليرا ثابتاً، غير أنَّ شيئاً مجهداً ران تحته: "نحن... فصيلة اقتياتٍ فريدة. كالمفترسات ولكنَّها أشدَّ قسوةً. نبقى على قيد الحياة باستهلاك جوهر الكائنات الأخرى".

استأنفتْ ماريس، جاقةً ليورا برفقٍ إلى ذراعيها: "لم نكن هكذا منذ البداية. بدأ الأمر... حين توفيت والدتنا".

تشددت قبضتها قليلاً، كأنَّها تستمدُّ الثبات قبل أن تتابع.

"كانت والدتنا كائناً قوياً. عشنا في قريةٍ شمالي هذا المكان. اجتمعت في تلك القرية شتى الأجناس في مكانٍ واحد. احترمها كلُّ من في القرية... وهابوها في الوقت ذاته".

هوت نظراتها، بعيدةً، كأنَّها ترى شيئاً أبعد بكثيرٍ من هذه الغرفة.

"في المكان الذي اعتدنا العيش فيه، دَعَوْها ساحرةً. قالوا إنَّها تستهلك الكائنات الأخرى دون تردد".

لان صوتها.

"لكنَّ الأم التي عرفناها... كانت طيبةً دائماً. سااعدة الآخرين. ولم تعاملنا قط بالطريقة التي وصفوها بها".

علقت فترة وجيزة من الصمت قبل أن تتابع.

"لم تبدأ الأمور تتغير إلا حين نفد مصدر طعامنا الأساسي. لم نفهم ذلك في حينه... عرفنا فقط أنَّ الجوع ينهشنا".

التفت أصابعها قليلاً حول كمِّ ليورا.

"لكنَّ الأم طمأنتنا. أخبرتنا ألا نقلق... وأنَّها ستطعمنا جوهراً جمعته من مساعدة الآخرين. قالت إنَّها تملك الكثير".

ومضت ابتسامة هادئة ومريرة على وجهها قبل أن تستطرد: "وصدقناها".

خفت صوتها بينما غدت عيناها فارغتين.

قالت وهي تضحك باستهزاء: "كلما جُعنا... اقتتنا على الجوهر الذي منحته إيَّانا. بل وطلبنا المزيد. جاهلت من أين أتى ذلك الجوهر، فاستمتعنا به، متذوقين كلَّ قضمة. رقبناها تذبل بينما التهمنا الجوهر بسذاجة. يوماً بعد يوم... استطعنا رؤية ذلك، حتَّى حين حاولت إخفاءه".

سكنت الغرفة.

"إلى أن غدت في النهاية ما هي عليه الآن... قلباً باهتاً".

تحول صوت ماريس إلى الجليد للمرة الأولى.

تابعت ماريس، وصوتها راسخٌ رغم الارتجاف التحتاني: "قبل أن تموت، أمرتني بأن أطعم نفسي وشقيقاتي الجوهر المتبقي من قلبها، وأن أفعل ما يلزم حين لا يعود كافياً".

استطردت ماريس، ونظرت إليَّ والدموع تفر من عينيها: "في البداية، شعرت بالاشمئزاز. أردت أن أتقيأ. قتلت أمي بالاقتيات عليها".

ثم ضحكت بلا مبالاة: "لكنَّك تعلم يا نيكس، حتَّى حين أدركنا ذلك، لم يكن أمامنا خيارٌ سوى مواصلة الاقتيات لنبقى أحياء فقط. استخدمنا قلبها باقتصادٍ، خوفاً من استنزاف ما تبقى منه نزراً يسيراً. لكن مع مرور الأشهر... لم يعد يكفي".

أحكمت قبضتها على ليورا.

تحدثت إيليرا هذه المرة: "حاولنا الابتعاد عن الآخرين. ظللنا نُمنِّي أنفسنا بأننا لن نعدو ذلك الحدَّ ونفعل ما عنته الأمُّ بضرورة فعله. فكيف للأم... كيف لها أن تأمرنا بفعل شيءٍ بهذه القسوة؟".

اهتز صوتها.

"الاقتيات على الآخرين يعني موتهم... لا سيما الضعفاء منهم".

خيم الصمت على الغرفة ثقيلاً ومخنقاً.

قالت ماريس: "لكنَّنا نزداد ضعفاً كلَّ يومٍ. مهما حاولنا جاهدين، لم نستطع الفرار ممَّا نحن عليه".

شحب وجه ماريس، وخلت عيناها من أي شعورٍ وهي تفلت ليورا لتخدش ذراعيها بقوةٍ: "وحينها... في أحد الأيام...".

لم تكمل الجبلة فوراً. بل خفضت نظرها، والدم يقطر من ذراعيها.

"فعلنا ما لا يمكن إصلاحه".

اهتزت كتفا ليورا، وصوتها لم يعد يتجاوز الهمس: "فقدنا صوابنا... وعاث فساداً في القرية. وحين استعدنا وعينا... لم يبقَ سوانا على قيد الحياة".

علقت الكلمات في الهواء. انقبضت كدي في قبضةٍ وأنا أرمقهما. أعلم، ما كان لي أن أغضب أو أنفر، لقد فعلن فقط ما يحميهن من الموت. لم يتكلم أحدٌ ولم يتحرك. بدت الكلمات عالقةً في حلوقنا جميعاً. الصوت الوحيد المتبقي كان أنفاسهنَّ المتقطعة، المتهدجة مع كل كلمة ترغمنها على الخروج.

قالت إيليرا وصوتها يخلو من أي شعور بينما تسقط الدموع بغزارة لتحدق في كفيها، مستعيدةً أهوال ما ارتكبتاه: "دفنَّاهم بأيدينا يا نيكس... أناسٌ كنا نلهو معهم، أناسٌ أكلنا معهم، أناسٌ عوملوا كأفراد عائلتنا. بدا كلُّ جثةٍ نوسدها التراب كخنجرٍ يُطعن في صدورنا".

انقبضت يداها في قبضتين.

استطردت دافعةً الكلمات عبر أسنانٍ مصكوكة: "حاولنا وضع حد لحياتنا. لكنَّنا لم نستطيع".

أفلتت منها ضحكة مريرة ومكسورة: "كلما أتى أحدهم ليردعنا... ظنَّنا أنَّ هذه لعلَّها اللحظة المناسبة. لعلَّنا نفلح أخيراً في الهروب".

هزت رأسها ببطء: "لكنَّ الأمر لم ينجح قط".

أضافت ماريس بهدوء: "ولم يدعنا الجوع نموت أيضاً. بل سلبنا صوابنا مجدداً... وأرغمنا على الاقتيات".

قالت إيليرا: "لهذا أتينا إلى هنا. امتداد التيار الأبيض يخلو من القوانين... وليس هنا أحدٌ بريء".

لان صوتها: "ظنَّنا... إن كنا سنحيا هكذا... فلن ندمر على الأقل شيئاً نقياً".

همست ماريس: "عشنا هكذا، كائنات ملعونة. نكره ما نحن عليه... نكره وجودنا... وحيدين".

ثم رفعت ليورا رأسها ببطء: "إلى أن... التقينا بك".

عبست: "ماذا تعنين؟".

مسحت ليورا دموعها، رغم استمرار تدفقها.

قالت: "في ذلك اليوم... كنتُ أحمل قلب الأم. ولأسبابٍ استعصى علينا فهمها... تفاعل حين اقترب منك".

تشددت أصابعها على ثوبها: "لهذا قلتُ... يمكنك إنقاذنا".

خرجت الكلمات متسارعة ويائسة.

"إن استطعنا جعل قلب الأم يتوهج ساطعاً مجدداً... إن استطعنا إعادته للحياة...".

انكسر صوتها: "فلن نضطر حينها للعيش هكذا بعد الآن".

ترددت، وخفضت نظرها متجرعة غصةً: "لكنَّك بعدها... عاملتنا بشكلٍ مختلف. كنت الشخص الأول... الذي عاملنا بالطريقة التي فعلتها الأم".

همست ليورا برقة: "لأول مرة... توهمنا أننا أطفالٌ مجدداً... بلا عبء أرواحٍ بين أيدينا. ووجدنا من يطعمنا ويرعانا".

خفضت إيليرا بصرها، متصلبة الأصابع في حجرها: "الأيام التي أمضيناها معك... كانت أسعد أيام عشناها منذ رحيل الأم".

ظهرت ابتسامة واهنة وهشة على شفتيها، لكنَّها لم تدم: "وحين أتيت... توقفنا عن الاقتيات مجدداً".

عبست قليلاً: "ماذا تعنين؟".

أوضحت ماريس بهدوء: "حين تكون جوارنا، يهدأ جوعنا. ولهذا... استطعنا تناول الطعام الذي تعده الآن".

علقت تلك الكلمات برأسي. استمر شيءٌ ما فيها يثير الريبة.

رمقتهم وسألت: "ما بال الزوجين المسنين اللذين زارانا قبل قليل؟".

اظلمت تعابير إيليرا فوراً: "كان ذلك الزوجان من عشيرة برينفيل".

وتسرب فحيح خفيف لنبرتها.

"يعتقدان أنَّ بحوزتنا نوعاً من آثار الخلود. أتيا ليحذرانا... من أنهما سيطارداننا بكامل القوة خلال مهرجان حصاد النواة القادم إن لم نسلمه".

سألت نيسيرا بهدوء: "أتملكن هكذا أثرٍ؟".

أجابت إيليرا دون تردد: "بالتأكيد لا. أثمن ما نملكه هو قلب أمنا... وهو موصد داخل تلك الغرفة".

أشارت نحو الباب الموصد قرب المطبخ. سددت إليها ماريس نظرةً حادةً، مستاءة بوضوح من بثِّ الأمر بمثل هذه البساطة.

"لا تقلقي. لن تطمع نيسيرا في شيءٍ كهذا. فهي تملك واحداً لنفسها".

التفتت نيسيرا لترمقني بغضب فوري. فمنحتها ابتسامة محرجة بالمقابل.

سألت نيسيرا: "أيمكنني رؤية قلب أمكنَّ؟".

تبادلت الثلاث نظرات حائرة، والتردد جلي في أعيُنِهنَّ. ثم نظرن إليَّ مجدداً، كأنَّهنَّ يلتمسن الطمأنينة. قابلت نظراتهن وأومأت إيماءة خفيفة. بدا أنَّ ذلك يكفي. ودون حرفٍ إضافيٍّ، نهضن ليقدمننا نحو الباب الذي حذرنني سابقاً من دخوله. لحظة ولجنا، تغيرت المحيطات. كانت الغرفة مظلمة لكن ليس كلياً، فحسب ما يكفي لتبتلع الظلال كلَّ ما يتعدى مسافةً بعيدة. مصدر الضوء الوحيد أتى من أعماق الغرفة.

بعد ثوانٍ تكلفت عيناي بالاعتياد لتتراءى المحيطات تدريجياً. لم تكن مجرد غرفة. بل امتداداً لقاع بحرٍ بأسره. تعالت مرجانة داكنة اللون من الأرض كأشجارٍ ملتوية. وبينهما، اصطفت صفوف من شواهد حجرية صغيرة بدقة. وكلَّما أطلت النظر في الحجارة، تفاقم حيرتي. ثم أدركت، لقد كانت... قبوراً. امتد ممر ضيق من أحجار مغروسة للأمام، يقودنا نحو النور عند نهاية الغرفة. تعقبناه صامتين. مع كل خطوة، اشتد الضوء ووضُح، حتَّى وقفنا أخيراً قبالته.

معلقاً تماماً فوق الرمال في نهاية الغرفة، كان القلب. لم يكتفِ بالإشراق. بل نبض. كل دفقة ضوء واهنة انتشرت إلى الخارج من مركزه، كنبضات قلب يتردد صداها، ملقيةً تموجات طرية من الإضاءة عبر الظلام المحيط. لم يكن الضوء قاسيًا أو عمياً، بل رقيقاً، كشيءٍ خُلق للراحة. تشابه شكل القلب بقطرة، مستطيلة ومنحنية بكمال، كأنَّ جزءاً من المحيط ذاته قد أُسر ووُهب شكلاً. في داخله، تجمع النور في المنتصف، وتفرعت منه نماذج دقيقة شبيهة بالعروق امتدت عبر جسده كالجذور.

لقد كان... جميلاً. لكن ليس بالطريقة التي تستدعي الإعجاب. بل الجميل الذي يجعلك تتردد. الذي يشعرك كأنَّك تقف إزاء ما لا يُفترض بك إزعاجُه. غلفه بناء من نمو شاحب يشبه المرجان، متدرج ومنحنٍ حول القلب، محصناً إياه. لم تكن التكوينات جامدة، بل تمايلت بخفةٍ، كأنَّها حية وتستجيب لنبضه. ومن هذه الطبقات امتدت محاليق رقيقة تشبه اللؤلؤ تتمايل برقة في الماء، متحركة بإيقاع بطيء وواق.

ذكرتني بالأيدي. بدا... حياً.

همست ليورا وصوتها يتردد بوهن في السكون: "قبل أن تموت، أخبرتنا الأم بألا نسلم قلبها لأحد تحت أي ظرف".

لم تغادر عيناها قط.

"قالت إنَّ تدميره أو دفنه... أهون بكثيرٍ من وقوعه في أيدي غيرنا".

ثم نطقت إيليرا، وكان صوتها أرق هذه المرة، ومشحوباً ببعض الأمل: "أتمتلك قلباً كهذا؟".