تيبّست عظامي عند كلمة أنقذ. التفتّ إلى الشقيقتين وبدوْا مذهولين مثلي تماماً. ثم سحبن فجأة الفتاة ذات الشعر الأزرق من أمامي وحجبنها خلفهن. تقدّمت ذات الشعر البني وبصوت حادّ قالت.
"ماذا فعلت بصغيرتنا؟"
أصابني الضجر. أنا من سُحِل إلى هنا ألَيْس كذلك؟ لكنّي أجبرت نفسي على التزام الهدوء. كنت أحتاج إلى معلومات وربّما استطعن مساعدتي.
"أنا آسف"، قلت رافعاً يديّ قليلاً.
"لكنّي لا أفهم ما تعنينه."
لم ترتخِ أعصابهنّ حتى مع حركة الاستسلام التي أبديتها. ظلّت نظرات المرأة ذات الشعر البني مسمّرة عليّ بينما تفحّصت الشقيقة ذات الشعر الأخضر تلك التي دعوْنها بالصغرى، ذات الشعر الأزرق.
"أنا حقّاً لم أفعل شيئاً"، قلت بعجز محكّاً مؤخرة رأسي.
"كنت أختبئ فقط لأنّ تلك المخلوقات روعتني. أنا جديد هنا. عشت في الأسفل مع عائلتي قبل أن… وحين بلغت سن الرشد أرسلوني لأكتسب خبرة."
راقبوني بتركيز. ثم تراجعت حدّة ملامحهنّ ببطء.
"أرى ذلك"، قالت ذات الشعر البني.
"إذن فهي مرّتك الأولى هنا."
تغيّرت تعابيرهنّ بسرعة مفرطة. أمرٌ غريب. ثم ابتسمت الفتاة ذات الشعر الأخضر.
"أهلاً بك في فضاء التيار الأبيض."
ابتسمت بدوري غريزيّاً، لأرى وجوههنّ تتيّبس فوراً. صحيح. لم يعجبهنّ ابتسامتي. محوتها سريعاً وعدت بتعابير محايدة. استرخَت وجوههنّ مجدداً. عضضت على شفاهي بغضب. أنا متأكد أنّي لست بهذه القباحة. أليست كذلك يا فيكس؟
[ … ]
…خائن. رفعت نظري لحظة ثم أرجعته إليهنّ.
"اغفروا جهلي، ولكن ما هو فضاء التيار الأبيض؟ أهذا اسم هذا المكان؟"
نظرن إلى بعضهنّ ثم ضحكن وهنّ يملن بأبصارهنّ نحوي. وقبل أن أدرك ما يجري أمسكت بي الفتاة ذات الشعر الأزرق وتلك ذات الشعر الأخضر من ذراعيّ وشرعتا في سحبي إلى الأمام. لم أقاوم… بل كنت مستمتاً حقّاً بالأمر. إلى أن سمعت التوأمين.
"الأخ غشاش."
تجمدت.
"غشاش"، ردد كايلومير.
شحب وجهي. سحبت ذراعيّ فوراً وأجبرت نفسي على ابتسامة — وقد نجحت. تراجعن للخارج فجأة. جيد. لمست حقيبتي اليدوية بسرعة. كانت نيسيرا لا تزال داخل صدفَتِها. شعرت بالارتياح… ما كان يجب أن ترى ما حدث.
"أيها الصغار"، قلت بجدية، "الأخ ليس غشاشاً، حسناً؟"
حاولت تدارك الأمر بضحكة، "من أين تعلمتم هذه الكلمة أصلاً؟"
سألت بتوتر، "كنت أساعدهن فحسب."
تقلبت إيفرا داخل صدفَتِها ككرة.
"قالت الأخت نيسيرا ذلك."
"نعم"، أضاف كايلومير، "قالت إنه يجب ألا نكون مثل الأخ… غشاش."
بارد. هكذا بدا الأمر. لقد رأت ما فعلته.
"…نيسيرا."
ناديتها مطيلاً النظر إلى صدفَتِها المغلقة.
"لم أخدعك."
توقفت قليلاً قبل أن أتابع، "كنت أساعدهن فحسب."
انتظرت دون تلقي أي رد من نيسيرا. أعدت تركيزي إلى الواقع بشعور من الإحباط.
[ هذا جزاء الغشاشين. ]
حدقت في فيكس بغضب.
"لو كانت النظرات تقتل لكنت مَيّتاً مراراً بحلول هذه اللحظة."
[ حقّاً… يعجز عقلي عن إدراك كيف أموت بينما نتواصل تخاطريّاً. ]
هُمِشت مجدداً. تنهدت ومحلت اهتمامي عائداً إلى الثلاثيّ، متسائلاً عن سبب لهفتهنّ الشديدة لسحبي إلى حيث لا يدري أحد.
"بالمناسبة، ما أسماؤكم؟"
تبادلن النظرات وأومأن ثم نظرن إليّ. تحدثت الفتاة ذات الشعر الأزرق أولاً.
"أنا ليورا، أصغرهنّ."
ثم التفتت إلى ذات الشعر البني التي تقودنا في المقدمة وأشارت قائلة، "تلك نيميرا، كبرانا."
"وأنا إيليرا، الوسطى"، تدخلت الفتاة ذات الشعر الأخضر وهي تحرك ذراعيّ.
التفتت ليورا ببصرها نحوي وسألت، "وماذا عنك؟ ما اسمك؟"
نظرت إليهن وقلت، "أنا نيكس."
نظرت إلي ليورا ثم ابتسمت، "أرى ذلك، نيكس."
"نيكس"، تمتمت إيليرا.
بعد ذلك لم توجه لي أي أسئلة إضافية. بل رحن يقودنني فحسب. ابتعدنا عن الامتداد المفتوح لفضاء التيار الأبيض، وكانت خطواتهن ثابتة وطبيعية كأنهن اعتدن السفر في هذا الطريق. لم أعر الأمر اهتماماً في البداية. لكن مع استمرارنا بدا لي شيء ما مريبًا. لم يكن هناك أحد. ولا كائن حيّ في الأفق، ولا حتى حركة بعيدة. مجرد امتدادات خالية من الرمال والشجان والتيارات المنجرفة.
عقدت حاجبي قليلاً، "أهذا المكان هادئ هكذا دائماً؟"
سألت.
"ممم"، همهمت إحداهن بخفة، "هذا طبيعي هنا."
طبيعي؟ لم يبدُ لي طبيعياً البتّة. منذ غادرت الكهف ورأيت مخلوقات تتجول. لكن هنا، في هذا المكان، لم يكن يوجد شيء. ولا حتى أثر لرؤية أحد. مع ذلك، تبعتُهن. لسبب ما، لم يبدُ الأمر خاطئاً بل… بدا صحيحاً. وبعد قليل ظهر أمامنا بناء. بيت مؤلف من ططبقتين. لكنه أشبه بكوخ قصير ملتصق بجانب كوخ أطول، وبدلاً من الثلج والجليد بُني من الصدف وحجارة البحر. كانت السقوف عبارة عن أصداف عملاقة متداخلة بلون وردي جميل.
أما المدخل الرئيسي المائل لليمين أكثر من المنتصف فكان عبارة عن قوس أملس مصنوع من حجارة البحر والأصداف. انفتح باب مرجاني مطعم بالأصداف وكأنه يرحب بي. بينما اصطفت نافرتان دائريتان فوق المدخل، إحداهما أعلى بكثير من الأخرى، والأخرى تخص غرفة ما. على الجانب الأيسر من الجزء العُلوي للبيت امتد شرفة. وكان لها سقف صدفي، وحاط درابزين مرجاني بسيط تلك الشرفة الصغيرة وقد تشابكت أغصانه طبيعياً عبر السنين.
وتدلت أصداف صغيرة وقطع من الزجاج البحري المصقول منه محدثة رنيناً هادئاً كلما مرّت العوارض. وبدا أن المساحة الواقعة تحت الشرفة هي مكان الراحة. وتدلى من السقف أرجوحة مصنوعة من الحرير الناعم. وامتد جسران مرجانيان من جانبي البيت مؤديين نحو الخلف. غطت الأعشاب البحرية والخيوط الطويلة من النباتات المائية السقف والجدران متداخلة بشكل طبيعي مع الهيكل لتخفف من خشونة الحجر.
وتوضعت أصداف صغيرة وقطع مرجانية بين الفراغات. لتتوهج بخفوت بضوء ذهبي رقيق. تدلت أضواء خافتة حول المدخل، مصابيح كروية صغيرة تلمع مثل يراعات محبوسة، ناشرة توهجاً دافئاً يبدد ظلام البحر المحيط. لم ينتشر الضوء بعيداً. بالقدر الكافي فقط لجعل المكان يبدو… دافئاً. وأدت درجات سلم حجرية قصيرة إلى الباب، تغطيها الرمال الناعمة جزئياً. على طول الجسور المحيطة بالبيت أزهر المرجان بألوان هادئة، البنفسجي، الأزرق، الوردي، الأخضر، والأحمر الشاحب، متمايلة برفق مع التيار.
كان الأمر مسالماً. في الواقع ليس مسالماً فحسب، بل كان جذاباً. ومع ذلك، كان هناك شيء غريب فيه، فلم تكن هناك حركة. ولا مخلوقات أخرى أو جيران بالقوارب. فقط هذا البيت الواقف وحده. مشيت نحو البيت. كان الداخل… بسيطاً. استقرت طاولة مرجانية على الجانب الأيمن لغرفة المعيشة، بسطح أملس وشاحب. وهناك أريكة حجرية منخفضة، خُفِّفت خشونة سطحها بطبقات من الأعشاب البحرية المنسوجة والألياف البحرية الناعمة.
بدت مريحة ومستعملة. واستقرت عليها وسائد مصنوعة من أعشاب بحرية بألوان مختلفة. وتدلى فوقها ثريا. صُنعت من عناقيد صغيرة من الكرات المضيئة المعلقة بخيوط رفيعة. تنبض بخفوت كأنها تتنفس ببطء، ناشرة ضوءاً دافئاً في أنحاء الغرفة. جعل الضوء كل شيء يبدو هادئاً. وكان الجانب الأيسر عبارة عن طاولة طعام مصنوعة من المرجان الأزرق. وأما مؤخرة البيت فكانت مطبخاً صغيراً لكنه عملي، مزوداً بطاولات حجرية وأدوات بسيطة وبعض أطباق الصدف المرتبة بدقة.
لا شيء زائد عن الحاجة، ولا مساحة ضائعة. ومع ذلك، ومما يثير الدهشة، لم تكن هناك رائحة طبخ، ولا دفء عالق أو علامات على استخدامه. وكأنه بُني حديثاً. لاحظت باباً على الجانب المقابل للمطبخ. كنت على وشك المشي نحوه حين أمسك أحدهم بذراعي.
نظرت إلي ليورا بعينين فارغتين وقالت ببرود، "تلك الغرفة محظورة."
تحدقنا لعدة ثوانٍ قبل أن تتدخل إحدى الشقيقتين.
"هيا هيا، ما رأيكم أن نصعد للطابق العلوي."
تدخلت إيليرا بحماس. ابتسمت بمرارة وتبعتهن إلى الأعلى. نظرت إلى ليورا التي عادت الآن لحالتها الغريبة الطبيعية. فزعت حين التفتت إلي إيليرا. ابتسمت وهي تشير لي بالإسراع. كانت هناك ست غرف في الطابق الثاني. إحداها لإيليرا، وأخرى ليورا، وواحدة لنيميرا، وبدت أخرى كغرفة نوم مشتركة لهن، بينما كانت الاثنتان الأخيرتان في أبعد الممر. لم أستطع تمييزهما بوضوح. وهناك أيضاً شرفة مطلة على المنطقة أمام البيت.
تأملت بذهول البيت البسيط والمريح الذي يملكنه. ضحكن من خلفي مما شعّرني بالحرج. شعرت وكأنني تلميذ في رحلة مدرسية.
"هنا"، أُعِدتُ إلى الحاضر حين قالت نيميرا.
"هذا بيتنا."
أومأت وقلت، "شكراً لسماحكم لي بالبقاء."
لم يجبن فوراً. بل تحركت الثلاثة في الوقت ذاته متراجعات بتنسيق هادئ. تبعت عيناي حركتهن بارتباك، وهناك لاحظت الباب من ورائهن. كان مغلقاً، وبعكس البقية لم يكن لهذا مقبض، بل نقشت عليه رموز لم أكن أعرفها. بدا فيه شيء غير مريح. أثقل، أبرد، كأن شيئاً ضخماً وغامضاً وخطيراً يرقد في الداخل.
"أهذه هي الغرفة التي سأقيم فيها؟"
سألت بعفوية، رغم أن عيني ظلتا معلقتين عليه للحظة.
"لا."
أجبن بسرعة وكأنهن يخشين أن أخطو خطوة للأمام قبل أن يمنعنني. وابتسمن فوراً بعد ذلك.
"غير مسموح لك هنا. هذه الغرفة محظورة، تماماً كالتلك التي في الأسفل"، قالت إيليرا بابتسامة.
كانت نبرتهن لطيفة، لكنها لم تترك مجالاً للنقاش. حدقت بهن للحظة قبل أن أومئ.
"فهمت."
لم أضغط أكثر. فأنا مجرد ضيف هنا، وأدرك أن لكل شخص حدوده الخاصة. وأسراره الخاصة. ومع ذلك، أثار ذلك الباب اهتمامي حتى وهن يقودنني بعيداً. قادنني إلى غرفة أخرى. كانت بسيطة ונظيفة. استقر سرير حجري ضد الجدار، مغطى بألياف البحر المنسوجة وحشوة ناعمة. لا زينة هناك، ولا أغراض شخصية، بل الضروريات المجردة.
"استرح هنا"، قالت ليورا برقة.
أومأت وأنا أدخل، وما هي إلا لحظة حتى غادرن. انغلق الباب خلفهن. جلست على حافة السرير مائلاً للخارج قليلاً بينما أزفر.
"هذا غريب."
تممست بالكلمات وأنا أطيل النظر إلى السقف. أدخلنني هكذا بلا تردد، دون طرح أسئلة. بلا أي تردد، حتى حين أخبرتهن بأنني جديد على المنطقة، فرطن حذرهن بسرعة مفرطة. ولكن ما أزعجني حقّاً كان شيئاً آخر تماماً. لم أقاوم. ولا حتى لمرة واحدة. لم أتردد أو أتساءل حتى. لم أفكر قط في المغادرة. بل تبعتهن فحسب، لأنه بدا صحيحاً. وكأن قدري أن أتي إلى هنا معهن. اضطجعت هناك لوقت، داحلاً الصمت يتغلغل بي، لكن الشعور لم يزح.
بل تسلل شيء آخر، شيء خفيف لكنه ملح، كفكرة لم أستطع الإمساك بها تماماً. بدا وكأنني نسيت شيئاً ما… أو شخصاً ما. عقدت حاجبَيّ ناظراً إلى السقف.
"من كان عليّ التواصل معه؟"
لحظة حاولت الإمساك بالفكرة تلاشت، قبل أن أتبينها حتى. مهما حاولت جاهداً، لم استطع استعادتها.
"…غريب."
بعد لحظة، تخلليت عنها. وظننت إن كانت بتلك الأهمية فسأتذكرها لاحقاً. مرّ اليوم الأول بهدوء. العيش معهن بدا طبيعياً بطريقة تعذر عليّ شرحها. تحدثنا، وتمازحنا، وقضينا وقتاً معاً كأننا نعرف بعضنا لفترة أطول بكثير من الواقع. ضحكن بسهولة، وبدت تعابيرهن مكشوفة وخالية من الحذر، ووجدت نفسي أسترخي بقربهن بلا مجهود. ساعدت في أمور البيت الصغيرة، كالتنظيف، والترتيب، وحتى جلب الطعام من المناطق القريبة.
لم يكن صعباً، لكنه بدا مرضياً، كأنني وجدت مكاني. كان هادئاً ومريحاً. غير أن هناك شيئاً غريباً. لكنني عجزت عن تحديد أين أو ما هو. حين حان وقت الأكل، لم يأكلن. جلسن على الطاولة مبتسمات لي فحسب.
"لقد أكلنا بالفعل"، لتقول إحداهن.
"أو شبعنا"، لتضيف أخرى بعفوية.
أول مرة حدث ذلك، ترددت وسألت، "ألستم ترغبون بالقليل؟"
هززن رؤوسهن. فأكلت وحدي. في البدء بدا الأمر محرجاً كأنني أفوت شيئاً. لكن بعد قليل زال ذلك الشعور أيضاً. إلى أن صار طبيعياً تماماً. مرت الأيام ركضاً، بنفس الروتين الهادئ المعتاد. إلى أن تغير كل شيء يوماً ما. كان لدينا زائر. غريب. وأخيراً شخص جديد. وما إن رأيته حتى شعرت بشيء يتحرك داخلي، إثارة غير متوقعة. طال الهدوء والسلام بصحبتنا وحدنا لفترة طويلة حتى بدا حضور شخص جديد منعشاً.
رحبن به بحرارة، تماماً كما رحبن بي. كان الغريبان زوجين مسنين، كلاهما بهيئة بشرية. ارتدت المرأة شعراً أبيض طويلاً مجعداً ينساب برفق مع التيار، وثوباً بنيّاً بسيطاً منسوجاً من الأعشاب البحرية. ووقف العجوز بجانبها بشعر أبيض ولحية طويلة، بتعابير هادئة وودودة، مرتدياً ملابس من ألياف بحرية. كانت أصواتهن خفيفة وهن يتحدثن، وابتساماتهن ساطعة وحقيقية. وتنقلن حول الزوجين بسلاسة أوحت وكأن الاثنين انتميا إلى هنا دائماً.
وشرح الزوجان المسنان أنهما كانا يهاجران وفقدتا طريقهما، ليصادفا هذا البيت صدفة. مشاهداً المشهد يتكشف لم أستطع إلا أن أبتسم. كان فيه ما يبعث على الراحة، شيئاً بسيطاً ودافئاً لم يمسه التوتر الغريب الذي لمسته مسبقاً. بقيت لوقت أستمع إلى حديثهن، لكنني نهضت في النهاية. تملكني دافع مفاجئ لجمع المزيد من الطعام للجميع.
"سأجمع المزيد من الطعام"، قلت.
أومأن بلا تردد.
"عد قريباً"، قالت إيليرا ناظرة إلي.
غادرت محساسً بخفة غريبة وأنا أتحرك عبر الماء. بدا التيار لطيفت، ولسبب ما شعرت بالطمأنينة. وبعد وقت صادفت بقعة وفيرة. تدلت عناقيد من الكرات المضيئة الشبيهة بالتفاح الصغير من الصخور المحيطة، نابضة بالضوء برفق. هممم… بدا وأن جل الأكل القابل للأكل هنا يضيء. وبالقرب منها، التصقت قرون ثمار الصدف بالمرجان متألقة بقوة. وطفحت شرائط عريضة من الكلب بكسل مع التيار، وانغمرت حفنة من المحار جزئياً في الرمال.
توقفت للحظة مستوعباً كل ذلك.
"…هذه بقعة جيدة."
بدأت أجمع ما استطعت، واضعاً كل قطعة بعناية في ستيلي المصنوع من الكلب. كان العمل بسيطاً ومريحاً، وقبل أن أدرك صار السلّة ثقيلاً بيديّ. نظرت إليه مبتسماً. كان حصاداً وافراً. وبرضا، استدرت عائداً نحو البيت. لكن حين عدت بدا شيء ما مريباً. كان البيت هادئاً. دخلت على عجل ممرراً نظري في أرجاء الغرفة.
"أين الضيف؟"
سألت.
"لقد رحلا بالفعل"، ردت إحداهن.
توقف, "أوه…"
شعرت بخيبة أمل طفيفة. كنت أتطلع للأمر، للحديث معهما، الأكل معاً… أي شيء فعلاً، لكن اللحظة انقضت قبل أن أتمكن من الإمساك بها.
"لا بأس"، قالت إيليرا مقتربة برقة.
"نحن هنا."
أومأت البقية بابتسامات دافئة ومطمئنة.
"…نعم."
بادلتها الابتسامة رغم أنها بدت واهية. أحياناً تمنيت لو كان لدينا جيران. لكن لا بأس بهذا… هذا طبيعي. وظلت الأيام تمضي هكذا. بقيت معهن. وكثيراً ما جلسنا على الشرفة ناظرين إلى الامتداد الهادئ ونحن نأكل توت اللؤلؤ الحلو. وأحياناً نرتاح في منطقة الأرجوحة، وكنت أراقبهم وهم ينسجون إكليلاً من الأعشاب البحرية والمرجان. وقضينا وقتاً في الخارج أحياناً متجولين في الأجزاء الأكثر هدوءاً من الفضاء.
وأرينني طُرقاً مخفية، وتشكيلات مرجانية، وأماكن صغيرة بدت وكأن بقية العالم لم يمسها. وبدت صافية لا شيء آخر يهم فيها. وببطء، دون حتى أن أدرك، توقفت عن التساؤل. لم يعد صمت الفضاء يزعجني. وبدا غياب المخلوقات الأخرى طبيعياً. حتى الشعور الغريب والمغلق للمكان تلاشى. توقفت عن السؤال. توقفت عن التفكير. توقفت عن التفكير في أي شيء سوى اللحظة. بقيت هناك فحسب. لأنه بدا صحيحاً.