رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 74

اقرأ رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 74 باللغة العربية على مانجا تايم.

في حقل هادئ شرق مدينة هيلزبراد، حين كان القمران في كبد السماء وغطّ أغلب البشر في النوم، نظر كريفاك إلى الطفلين الواقفين أمامه بيأس مطبق. كان أحدُهما الأورك المختار والموعود بمصير عظيم، وكان بدوره أضخم بكثير ممّا توقّع. لم يتجاوز الصبي عامه السادس، لكنه بدا بالفعل بطول إنسان متوسط، مذكّراً كريفاك برياضويّ شاب لا بطفل في مقتبل العمر. كان ثرال يرفع بصره إليه بمزيج من الفضول والتوجّس، وهو أمر لا يستدعي العجب بالنظر إلى مجريات الأيام السابقة.

لقد كان استعادة ثرال من اللورد بلاكمور مهمّة يسيرة نسبياً. فرغم كون بلاكمور نبيلًا، لم يمتلك عُشر النفوذ السياسي الذي يتمتّع به كريفاك أو توراليون. وما إن استشعار كريفاك وجود الأورك الشان في زنزانات حصن دورنولده وإبلاغه توراليون بموقعه، حتى بات كل ما عدا ذلك تحصيل حاصل. حاول بلاكمور صدهما، غير أن ما بوسعه فعله لمنعهما من أخذ الصبي الأورك كان ضئيلاً للغاية. استطاع اللورد بلاكمور رفع شكوى ضدّهما في مجلس نبلاء لوردايرن، لكنّ أحداً لم يُخاطر بإغضاب أزجول-نيروب أو كنيسة النور المقدس من أجل نبيل مغمور متورّط في أنشطة إجرامية.

وممّا زاد الأمر سهولةً اغتنامُ عديدٍ من أتباع الرجل الفرصة لاتهام اللورد بلاكمور بشتى الجرائم، لا سيما تلك الموجهة ضد خادماته. وبصفته بالاديناً ونبيلاً، استشاط توراليون غضباً حيال ذلك، وهو يتولى رفع الأمر حالياً إلى مجلس نبلاء لوردايرن. ولحسن الحظّ، تعنى الكراهية العامة الموجهة ضد الأوركس ألّا أحد راقب ثرال بالفعل عقب انتزاعه من قبضة بلاكمور. وسهّل ذلك على كريفاك تهريب الأورك الشان بعد إرساله إلى معسكر اعتقال.

فكل من يقرر تقصّي الأمر لن يجد سوى وثائق تثبت وفاته ولن يمعن في البحث أكثر. من هناك، نوى كريفاك ترك الصبي ثرال صحبة عشيرة ذئاب الصقيع المختبئة في وادي ألتيراك. سيتيح ذلك فرصة سانحة للفتى للتعرف إلى ثقافة الأوركس وتعلّم تقاليد أسلافه الشامانية. وأمام معاينته واقع معسكرات الاعتقال الحالي، لم يرَ كريفاك حكمة في ترك قائد محتمل ومستقبلي للأوركس في ظل تلك الظروف. وكان إرساله إلى عشيرة ذئاب الصقيع الحل الأكثر منطقية.

كان ينبغي للأمر أن يمضي بيسر، لولا أنه أغفل تلك الفتاة الصغيرة التي كانت ترمقه بتحدٍّ سافر. لم تكن لدى كريفاك أدنى فكرة عمّا حلّ بـتاريثا فوكستون في الجدول الزمني الأصلي، بيد أن أواصر التعلق بينها وبين ثرال كانت وثيقة للغاية في هذا الجدول. كانت الفتاة في الحادية عشرة من عمرها ومستعدة لمقاتلة أي كان إن حاول انتزاع شقيقها الأصغر. كان رصد أورك بطول ستة أقدام ينحني بتواضع لفتاة بشرية مراهقة تكاد تبلغ صدره ليُشكل مشهداً كوميدياً لولا الصداع المبرح الذي سبّبه لكريفاك.

قال كريفاك بلطف وهو يخفي دهشته من الهراء المطلق الذي تفوهت به الطفلة: "أنا أتفهم شعورك يا تاريثا، لكنني لن أقدم قط على خطف فتاة في الحادية عشرة من عمرها لأرسلها للعيش بين عشيرة من الأوركس. السبب الوحيد لوجودك هنا هو رفض ثرال القاطع لمرافقتي إن لم يتحدث إليك أولاً".

حاججت تاريثا وقد امتلات عيناها بالدموع دون أن يرتجف صوتها: "لماذا لا؟! ثرال بحاجة إلى مساعدتي، ونحن عائلة! لا يمكنك إرساله وحيداً هكذا ليعيش مع مجموعة من الأوركس! إنه لم يلتقِ بأحد منهم قط في حياته!".

أجاب كريفاك بصبر: "لديك والدان يا تاريثا. والدان يحبانك وسيصيبهما حزن بالغ لو اختفيتِ. الأوركس الذين سيعيش معهم ثرال استقرّوا في مكان شديد القسوة للعيش فيه. إنه ليس مكاناً مناسباً لفتاة بشرية صغيرة".

ثمة سبب وجيه لعدم استيطان وادي ألتيراك من قبل أي أحد سوى عشيرة من الأوركس الأشداء.

مسحت تاريثا الدموع عن عينيها وقالت بمرارة: "أبي في السجن لمساعدته اللورد بلاكمور، وأمي تظنّ الأوركس وحوشاً رغم أنها رعت ثرال وأرضعته بنفسها! إنها لا تدرك حتى كم هو لطيف! أريد فقط أن أكون مع أخي!".

شعر كريفاك بتعاطف مع الفتاة، لكن ماذا بيده إفعاله؟ لم تكن هناك أي طريقة واقعية تتيح لثرال وتاريثا العيش معاً بمنأى عن تعرض أحدها للخطر.

شرح كريفاك لتاريثا بصبر الأسباب التي تجعل ما تطلبه مستحيلاً، بينما واصلت البكاء والتوسل وحتى التهديد بأنها "ستشي به".

لم يستطع منع نفسه من إيجاد طرافة في محاولة طفلة ابتزازه، لكن كريفاك أوضح لها جلياً أنها ستعرض ثرال للخطر إن أفشت لأحد بما يفعله. وقدّن كريفاك أن الأمر لا يعدو كونه مجرد مناورة، إذ بدت الفتاة ذكية بما يكفي لتدرك أن أحداً لن يصدقها على أي حال. وما إن همّت الطفلة العنيدة ببدء جولة جديدة من الجدال وبدأ كريفاك يشعر وكأنه يتنمر على طفلة صغيرة، حتى قاطعهما وميض أرجواني لشخص ينتقل آنياً إلى داخل الخلوة.

أخيراً...

قال كارصوس وهو يقترب مقطباً حاجبيه باعتدال نحوه: "أعتذر عن التأخير، لكن طمس آثاركم تطلب بعض الجهد، أيها الوزير كريفاك".

بدا التنين في هيئته الإلفية تجنباً لإخافة الطفلين.

"كان ضمان عدم ملاحظة اختفاء الفتاة أمراً يسيراً، لكنّ حراسك الشخصيين أكثر يقظة ممّا توقعت. اضطررت إلى صنع وهم معقد نوعاً ما في غرفتك لنومك خداعاً لهم".

أجاب كريفاك بصدق: "شكراً لك، أيها الأرشيميج كارصوس. أقدر كل ما فعلته لمساعدتي".

كان التنفس الصعداء حقيقياً لإمكانه طلب يد العون ممن يدركون الأمور التي يسعى لتغييرها.

لوح الأرشيميج بيده متغاضياً: "لا داعي للشكر، أيها الوزير كريفاك. لقد طلبت منّي ملكتي مساعدتك، فصار ذلك واجبي. والآن، أرى أن هذه الفتاة الصغيرة كانت تبكي. تاريثا، أهذا هو اسمك؟ ما المشكلة إذن؟".

لزمت الفتاة صمتاً طبقاً منذ لحظة انتقال كارصوس آنياً إلى الخلوة، غير أنها لم تتردد في بث شكواها فور حثّها بينما بدا ثرال محرجاً من مجمل الأمر. وحين انتهت، لخص كريفاك المشكلة بمعاونة متقطعة من تاريثا. أصغى كارصوس بانتباه وقد علت وجهه ملامح تفكير عميق.

قال كارصوس بحزم ولطف: "أخشى أنني أوافق الوزير كريفاك الرأي، ايتها الفتاة الصغيرة. سيكون انتزاعك من والديك وإرسالك للعيش مع عشيرة ذئاب الصقيع عملاً غير أخلاقي وغير مسؤول من جانبنا".

وقبل أن تهم تاريثا بالاعتراض، تابع قائلاً: "مع ذلك، أعتقد أن لدي حلاً قد يرضي جميع الأطراف المعنية. بوسعي ترتيب أمر دراستك في دالاران، إما متدربة سحر أو باحثة. وطالما مُنح ثرال أداة استشعار، سيتيح لكما ذلك فرصة التواصل بانتظام والحفاظ على رابطتكما، حتى وإن لم تكونا معاً جسدياً".

أشرقت عيناك تاريثا بالأمل ونظرت إلى ثرال الذي بدا متحمس بدوره للاقتراح.

سألت كارصوس: "حقاً؟ يمكنك فعل ذلك؟".

أكد لها كارصوس بابتسامة دافئة: "فعل هذا القدر يسير لشخص مثلي. أشك في أن تعترض والدتك بمجرد أن أعرض تحمل التكاليف المترتبة على ذلك. مع ذلك، عليك قطع وعد بالعمل الجاد وألأ تدعي هذه الفرصة تضيع هباءً. الدراسة في دالاران امتياز لا يمنح للجميع. أترينك تفهمين؟".

أومأت تاريثا بحماس شديد وقد جلت العزيمة في عينيها.

"أعدك! أعدك! سأعمل بجد كبير وأصبح ساحرة فائقة القوة مثلك. وحينها سيكون بإمكاني رؤية ثرال متى شئت! أسمعت ذلك يا أخي؟ سأدرس في دالاران!".

ابتسم ثرال بخفة وأومأ، وتألقتا عيناه سعادةً.

"سمعت يا أختي. ستكونين ساحرة مذهلة".

أطلق كريفاك تنهيدة ارتياح وأومأ امتنان للأرشيميج. لم يكن حلاً مثالياً، لكنه أفضل ما أتيح لهما بالنظر إلى الظروف. ومع تسوية الأمر، عرض كارصوس إعادة تاريثا إلى منزلها عبر الانتقال الآني. وعقب وعد التنين بزيارة والدة الفتاة صباحاً لتقديم عرضه، التفتت تاريثا إلى ثرال وعانقته بإحكام ودموعها تترقرق في عينيها. راقب كريفاك الشقيقين وهما يتبادلان الوداع، متعهدان بالبقاء على تواصل وألا ينسى أحدهما الآخر.

كان مشهداً يدفئ القلب، وأمل كريفاك أن يأتيا يوم يعيشان فيه في عالم لا يرغمهما على الافتراق. وحين اختفى كارصوس برفقة تاريثا في وميض نور، التفت كريفاك إلى ثرال الذي كان يمسح الدموع من عينيه.

سأل كريفاك بلطف: "أتبدو بخير يا بني؟".

أخذ ثرال نفساً عميقاً وأومأ، متكلماً فقط بعد أن تمالك نفسه.

"نعم، أنا بخير. لا أدري لمَ تبديان أنت والأرشيميج هذا القدر من اللطف تجاهي، لكنني ممتن حقاً. أعلم أن تاريثا طالما أرادت الذهاب إلى مكان يمكنها التعلم فيه، لذا ستكون سعيدة مثلي تماماً. لا أعلم إن كان بمكانی ردّ الجميل لك يوماً، لكنني سأغدو قوياً لأحاول ذلك، المعلم كريفاك!".

شعر كريفاك بشيء من الحرج جراء مخاطبته بهذه الطريقة من قِبل طفل القدر الصغير، فسارع إلى تصحيح الأمر.

"نادني باسمي فحسب يا بني. أو استخدم لقب الوزير إن احتجت لقباً. إن رغبت في رد الجميل، فابذل قصارى جهدك لتتعلم من أبناء قومك وتغدو شخصاً طيباً ونبيلاً".

أمل كريفاك بإخلاص أن تفضي التغييرات كافة التي صنعها إلى كون ثرال ذلك القائد الأورك الجذاب والمنصف كما كان في الخط الزمني الأصلي. لم تكن ثمة بدائل صالحة كثيرة إن لم يبرز أحدهم ليقود الأوركس بعيداً عن مسارهم الحالي. بدا مزعجاً وضع ذلك الحمل على كاهل طفل لطيف كهذا... لكن الحقيقة البسيطة هي أن أزيروث بحاجة إلى أبطال.

قال ثرال بجدية يفترض ألا يمتلكها طفل: "أفهم ذلك، أيها الوزير كريفاك. على شرفي، سأتعلم كل ما بوسعي من عشيرة ذئاب الصقيع".

أتمنى ذلك حقاً يا بني... انتظر كريفاك وثرال في صمت مريح الدقائق العديدة التالية إلى أن عاود كارصوس الظهور بغتة في الخلوة، مستعداً لاصطحابهما إلى وادي ألتيراك.

سأل ثرال وهو يتململ في مكانه بتوجس: "عذراً، أسنعبر إلى هناك عبر السحر؟ لم أختبر الانتقال الآني قط. أيمثل أذى؟".

قال كارصوس وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة وهو يملي ناظريك نحو الأورك الشان: "للأسف، أفتقر القدرة على الانتقال الآني إلى أماكن لم أزرها من قبل، لذا سيكون علينا السفر بطريقة مختلفة. أخبرني يا ثرال. أتم تلقيك أي تعليم بشأن التنانين؟".

قطب ثرال حاجبيه بارتباك قبل أن يهز راسه ببطء.

"سمعت كلمة (تنين) من قبل، لكنني لا أدري ما هي. لم يصل معلمي إلى ذلك الجزء في الكتب بعد".

"إذن أنت على موعد مفاجأة صغيرة يا بني. يحدث أنني تنين، مما يعني قدرتي على حملك أنت والوزير كريفاك للقاء عشيرة ذئاب الصقيع"، قال الأرشيميج كارصوس، متخلصاً من غطائه البشري فور انتهائه من الكلام.

ضحك كريفاك حين تراجع ثرال للخور هلعاً وتعثر بقدميه مطلقاً زئير تحدٍ غريزي بوجه التنين العملاق ناقث النيران. وبدا أن الأرشيميج كارصوس وجد الأمر مضحكاً كذلك إن صحت دلالة نفخاته المستمتعة. وسرعان ما أدرك ثرال على ما يبدو أنه بمنأى عن أي خطر إذ هدأت روعه وشرع يحدق بكارصوس بمزيج من الرهبة والإحراج. سجل كريفاك في ذهنه تذكير ثرال بهذه اللحظة مستقبلاً متى غدا الصبي أقوى شامان في أزيروث.

حاول كريفاك كبح ضحكاته مطمئناً ثرال: "كانت تلك ردة فعل قوية يا بني. لا داعي للقلق مع ذلك، فهو لن يؤذيك. التنانين كائنات جبارة غالباً ما تتخذ هيئات بشرية. وفي هيئته الحقيقية، يستطيع الأرشيميج كارصوس الطيران عبر السماء بسرعات مذهلة، وهو ضخم بما يكفي لكي لا يواجه أي مشكلة في حملنا كليهما إلى وادي ألتيراك".

كان كريفاك ممتناً لكون كارصوس أضخم من غالبية التنانين، إذ تعذر عليه خلاف ذلك حملهما بارتياح. كان وزراء النيروبيين كبار الحجم بالفعل، وقد نما حجمه ليطغى على معظمهم تقريباً إثر تمكينه. كونه بطول يقارب أربعة عشر قدماً ويمتلك أطرافاً أثخن من أي فرد في طبقته يعني أنه صار أثقل وزناً بوضوح كذلك. هبط كارصوس بنفسه نحو الأرض ليتسنى لكريفاك وثرال صعود ظهره بيسر أكبر.

قال كارصوس بصوت يتردد صداه عميقاً في هيئته التنينية: "تمسك بقوة يا ثرال الصغير، ولا تقلق. سأحرص على أن تكون رحلتك مريحة وسلسة قدر الإمكان".

تردد ثرال للحظة قبل أن يومئ ويصعد ظهر كارصوس، قابضاً على حراشفه بإحكام. وحذو كريفاك حذوه، متأكداً من تأمين نفسه وثرال بنسيج حريري نسجه. السلامة خير من الندم عند السفر عبر التنين. وبخفقات قوية من جناحيه، انطلق كارصوس مرتفعاً عن الأرض، حاملًا كريفاك وثرال نحو السماء. أطلق الصبي صيحة مفاجئة لكنه استقر سريعاً حين وضع كريفاك يداً على كتفه لتثبيته، إذ حلّت الرهبة محل خوفه الأولي وهما يحلّقان فوق سفوح هيلزبراد.

ولم يكن هو وحده، إذ وجد كريفاك نفسه مذهولاً بالتجربة كذلك. لقد حلم طويلاً بفرصة الطيران على ظهر تنين منذ اللحظة التي وُلد فيها من جديد في أزيروث، وبدت التجربة مثيرة بالقدر الذي توقعه تماماً. هبت الريح دافقةً تجاوزهما بينما أطلق ثرال هتاف ابتهاج وأعجب كريفاك بالتضاريس تحتهما. لا يزال شطر كبير من الأرض محفوفاً بندوب أحداث الحرب الثانية، لا سيما في المنطقة التي وطأتها الهورد، بينما احتفظ الباقي بجمال طبيعي عظيم.

وبفضل بصره المعزز حديثاً، تبين لكريفاك بوضوح فسيفساء الحقول الزراعية والمروج والغابات التي تشكل المشهد الطبيعي. ومع ارتفاعهما وازدياد سرعتهما، بدأت درجات الحرارة بالهبوط، ممّا دفع كريفاك لصنع حاجز تدفئة حول نفسه وثرال. لقد غدا أكثر مقاومة للحرارة عقب تحوله، لكن ذلك الحماية لم تمتد لتشمل البرد. تابعا الطيران، والتضاريس تتغير تحتهما مع ولوجهما في التضاريس القاسية لجبال ألتيراك.

وتراءت القمم المكللة بالثلوج من كل حدب وصوب، وازداد الهواء برودة مع اقترابهما من الوادي الذي استوطنته عشيرة ذئاب الصقيع. واستغرق الأمر وقتاً للوصول إلى المكان المنشود، قبل أن يلمح كارصوس بعيداً أوريكس يرتدي فروًا ويرعى بعض الماعز، إشارة إلى قرب وصولهما. لاحظ كريفاك تململ ثرال بتوجس حين أخبرهما كارصوس بما عاينه.

سأل كريفاك بقلق من قلق الصبي المفاجئ: "أتبدو بخير يا ثرال؟".

حدّق ثرال في كريفاك بعينين واسعتين يعتريهما عدم اليقين: "أنا... لم ألتقِ بأورك قط من قبل، أيها الوزير كريفاك. لا أدري ماذا أتوقع. ماذا لو لم يتقبلوني لأنني... مختلف أكثر من اللازم؟".

ربت كريفاك على كتف الصبي مطمئناً: "بحسب ما أخبرنا به أسرى الأوركس، تعد عشيرة ذئاب الصقيع أكثر عشائر الأوركس مسالمة، وتولي اهتماماً بالغاً بالعائلة والمجتمع. أشك في أن يطردوا أوركاً صغيراً، مهما بلغ اختلافه".

بدا ثرال مشككاً بعض الشيء، لكن شيئاً من التوتر فارق ملامحه. وإذ اطمأن لاطمئنان الصبي، حول كريفاك انتباهه إلى كارصوس الذي كان يراقب تبادلهما بصبر.

"أظننا مستعدين لأن تعلن حضورنا لعشيرة ذئاب الصقيع، أيها الأرشيميج كارصوس".

أومأ كارصوس والتفت صوب الوادي. وبعد لحظات، استنشق التنين بعمق قبل أن يطلق زئيراً مدوياً تردد صداه في أرجاء وادي ألتيراك. ورأى كريفاك كل شيء من الأرانب إلى ذئاب الصقيع المحلية تتفرق هلعاً على وقع الصوت. والأهم من ذلك، أن الأورك المرتدي الفرو الذي لمحاه سابقاً نظر نحوهما بصدمة وشرع يجري معمقاً مسيره داخل الوادي، مرجحاً توجهه نحو معسكر الأوركس الرئيسي.

سأل ثرال مرتجفاً بفعل زئير التنين: "لمَ فعل الأرشيميج كارصوس ذلك؟".

أوضح كريفاك: "لجذب انتباه عشيرة ذئاب الصقيع. من الأفضل أن ندعهم يقتربون منّا، عوضاً عن التحليق مباشرة داخل قريتهم. هكذا سيدركون أننا لم نأتِ منزلهم بنوايا سيئة. تفادي القتال أفضل دائماً إن أمكنك إيجاد بديل معقول يا ثرال".

أومأ الأورك الصبي بعدم يقين، لكنه بدا مستوعباً لكلمات كريفاك. وحال تنبيه عشيرة ذئاب الصقيع لوجودهما، عثر كارصوس على خلوة فارغة ليهبطوا فيها بانتظار قدوم الأوركس. استغرق الأمر نحو عشرين دقيقة قبل أن يلمح كريفاك عشرة أوركس يمتطون ذئاباً بيضاء عملاقة ويقتربون بحذر من موقعهما. واستشعر وجود المزيد من الأوركس المختبئين في الأفق، مرجحاً كون هذه المجموعة طليعة مخصصة لتقييم الموقف.

وما إن اقتربوا كفاية، أدرك قيادة أورك رمادي الشعر كبير يغطي عينيه شريط أزرق. عزم الشريط على كون الأورك لا يعدو دريكثار، زعيم عشيرة ذئاب الصقيع، والأورك الذي علّم ثرال الشامانية في الخط الزمني الأصلي، ونأمل في هذا الخط أيضاً. ورغم سنه وعماه الظاهر، بدا الأورك قوياً للغاية ومتمتعاً بحضور شامان جبار. وحين توقفت مجموعة الأوركس على مسافة آمنة، أشار دريكثار لبقية رفاقه بالحفاظ على مواقعهم.

واضطرب العديد من الأوركس فور لمّحهم لثرال واقفاً بجانب كريفاك، غير أن أحداً لم يجرؤ على التحرك بغير إذن زعيمهم. وجه الأورك العجوز مطيته للأمام، مقلصاً المسافة بينه وبين الثلاثي.

نادى دريكثار بصوت عميق ومتردد: "طابت لقياكم، أيها الغرباء. أنا دريكثار، زعيم عشيرة ذئاب الصقيع. اعتقدنا خفاء وجودنا في هذا الوادي عن كل من هم خارج عشيرتنا، ومع ذلك ناديتمونا بهذه الطريقة... غير المعتادة. أفصحوا عن نواياكم، وسبب إحضاركم هذا الصبي معكم".

تقدم كريفاك خطوة وانحنى باحترام نحو الشامان العجوز: "تحياتي، أيها الزعيم دريكثار. أنا الوزير كريفاك من أزجول-نيروب وهذا الأرشيميج كارصوس من دالاران وتنانين الطيران الحمراء. جئنا بسلام نلتمس ملاذاً لهذا الأورك الصبي الذي أنقذناه من نبيل بشري. اسمه ثرال، ونعتقد أنه سيكون أكثر أماناً بالعيش بين أبناء قومه".

ظلت ملامح الزعيم جامدة وهو ينصت لكلمات كريفاك.

"أتساعدون طفلاً من الأوركس بُعيد الحرب مباشرة؟ يصعب عليّ تصديق ذلك. ما المميز في هذا الأورك الصبي مقارنة بالكثيرين ممن سجنتموهم في المعسكرات؟ وكيف علمتم بأمرنا أصلاً؟".

تدخل كارصوس مقاطعاً قبل أن يتمكن كريفاك من الرد: "لم يشارك هذا الأورك في فظائع الهورد. وعلى نقيض أولئك المحبوسين في المعسكرات، فهو بريء. أما عن موقع عشيرتكم، فقد لمحتكم جميعاً أثناء تحليقي عبر هذه الجبال قبل عدة أشهر. وطالما لم تُلحقوا الأذى بأهل هذه الأراضي، فلا أرى سبباً لإبلاغ أحد بوجودكم".

ههم دريكثار متفحصاً كارصوس وكريفاك بعناية، وبدت نظراته نافذة خلالهما رغم انعدام بصره. وبعد لحظات، أطلق تنهيدة ووجه انتباهه نحو ثرال.

"ما قولك يا بني؟ لقد كنت هادئاً جداً. أترغب بالانضمام إلى عشيرة ذئاب الصقيع؟".

تردد ثرال هنيئة، ملقياً نظرة على كريفاك وكارصوس قبل أن يتكلم.

"أنا... أرغب بذلك، أيها الزعيم دريكثار. لم أعرف أبناء قومي قط، وأرغب في معرفة المزيد عنهم وعن موطني الأصلي".

تفحص دريكثار ثرال هنيئة قبل أن يقطب حاجبيه.

"كم سنك يا بني؟ وكيف آل بك الأمر للعيش مع البشر قبل نهاية الحرب؟".

قال كريفاك دافعاً ثرال بخفة ليعرض قماط قمطه وأمله في كفاية ذلك لإدراك دريكثار لأصول ثرال الحقيقية: "حسب ما نعلم، عُثر على ثرال رضيعاً بين جثث العديد من الأوركس الآخرين في الجزء الشمالي من لوخ مودان قبل نحو سبع سنوات، ولم يكن يحمل سوى هذا".

كانت الخرقة البنية الصغيرة إحدى الأمور القليلة التي يمتلكها ثرال حقاً والمطرز عليها شعار عشيرة ذئاب الصقيع. اجتاحت ملامح صدمة وجه الشامان العجوز ووجه تركيزه فوراً نحو ثرال بحدّة أربكت الصبي بوضوح.

"قرابة سبع سنوات... أيعقل حقاً؟ غوئيل؟ أأنت هو؟".

اندلعت جلبة بين محاربي الأوركس على وقع كلمات الزعيم، بينما تصاعد ارتباك ثرال جلياً.

قال كريفاك بلباسة محاولاً تهدئة الوضع قبل تفاقمه: "أيها الزعيم دريكثار، أظن أن ثرال يتطلع لتفسير ردود فعلكم هذه. يود الأرشيميج كارصوس وأنا معرفة ذلك كذلك".

مخمناً على الأرجح معرفة كريفاك المسبقة بكل ما يدور بصفته (رائياً)، أطلق كارصوس شخير استمتاع دون أن يأتي بأي فعل آخر. أخذ دريكثار نفساً عميقاً وأومأ.

"أعتذر. أنتم على حق، أيها الغريب. القصة التي أوشك على سردها معروفة لدى ذئاب الصقيع كافة..."

أنصت كريفاك لدريكثار وهو يسرد الحكاية المأساوية لدوراتان، الزعيم السابق لعشيرة ذئاب الصقيع، وزوجته دراكا. واستمع حين أخبر بكيفية إدراك دوراتان ودراكا لفساد سحر الفيل التام لشعبهم حين وُلد ابنهما ببشرة خضراء عوضاً عن البنية الطبيعية التي عرفوها سابقاً. وأنصت حين تحدث دريكثار بعاطفة جياشة عن لحظة مغادرتهما برفقة ابنهما الرضيع، قاصدين لقاء أوغريم دوومهامر وإطلاعه على أثر سحر الفيل على الصبي ثرال، ليختفيا دون عودة.

بدا جلياً لكريفاك احترام عشيرة ذئاب الصقيع لزعيمهم السابق وقرينته تقديراً عظيماً وهو يراهم يتقدمون للأمام لتحية ابنهم المذهول بحماس. وحين اتضح أن ثرال في أمين الأيدي، التفت كارصوس نحو كريفاك منشئاً حولهما حاجز خصوصية.

سأل كارصوس بفضول: "أَسار الأمر على نحو أفضل مما أملت، أيها الرائي؟".

رد كريفاك بعد لحظة تردد، غير معتاد البوح بخططه علانية: "نعم، أظن ذلك. كانت تاريثا عنصراً غير متوقع، لكن بقية الأمور سارت على ما يرام. شكراً للمساعدة في ذلك بالمناسبة. لا أدري كيف سيغير بقاؤهما على تواصل مجرى الأمور لهما، لكنني أرجو أن يكون نحو الأفضل".

قال كارصوس مطلقاً نظرة حنونة نحو ثرال: "كما قلت، لا داعي لشككرك. هذا واجبي فحسب. يبدو أوركاً شاباً صالحاً. أرجو أن يقدر حقاً على قيادة الأوركس نحو مستقبل مشرق كما تنبأت. ومع ذلك، أشك في قيام أي تصالح حقيقي بينهم وبين الأجناس البشرية الأخرى في هذا الجيل".

في قرارة نفسه، رأى كريفاك الأمل في ذلك واهياً كذلك، لكنه لم يكن مستحيلاً طالما قاتل الأوركس بصدق لحماية أزيروث من الأخطار المتعددة القادمة طريقها. فالقتال من أجل البقاء بوجه التهديدات الوجودية يمتلك خاصية جمع الشعوب معاً.

قال كريفاك: "آمل أن تسمح إلفات الليل للأوركس بإعادة الاستوطان في كاليمدور بمجرد تخلصهم من فساد سحر الفيل. ذكرت يسرا عزمها التحدث مع قيادة إلفات الليل حول... أمور عدة هامة، لكن من يدري ما سيسفر عن ذلك".

ورغم تمني كريفاك اندماج الأوركس بسلمية في الممالك الشرقية، إلا أنه أدرك استحالة ذلك عملياً وتاريخياً. لم يعلم بيقين، لكن ثمة احتمالاً كبيراً لوجود أعداد في معسكرات الاعتقال تفوق نظيرتها في الخط الزمني الأصلي. ربما أدت أليكتراسا عملاً فائق النجاح في إقناع الهورد بالاستسلام عبر القوة الغاشمة، وسرعان ما أحكمت التنانين السيطرة على البوابة السوداء. وعنى ذلك انتهاء الحرب مبكراً، ونجاة عدد أقل من الأوركس بالفرار عائدين إلى درينور.

عجزت الممالك الشرقية عن دعم هذا الكم من الأوركس إلى الأبد دون وقوع كارثة، ولم يشأ كريفاك رؤية ذلك. والنتيجة المثلى تتمثل في علاجهم من فسادهم وإرسالهم إلى مكان آخر. ولحسن الحظ، نوت أزجول-نيروب تنظيم بعثة إلى كاليمدور، سيشارك فيها كريفاك بصفته الدبلوماسي الرئيسي. اهتم الملك الأعلى أساساً بإنشاء موقع متقدم لمراقبة أهنقيراتج، لكن كريفاك أراد استغلال الفرصة لاكتساب فهم أوضح عن إلفات الليل.

حظيت يسرا باحترام بالغ لدى إلفات الليل وعُدت صديقة شخصية ل قيادتهم، غير أنها لم تكن زعيمتهم. وأي قرار يصدر عن الكالدوراي بخصوص وجود الأوركس في كاليمدور سيصدر عن سيناريوس والكاهنة العليا تيراند ويسبيرويند. كان إرغام الأوركس على العودة إلى درينور بديلاً مقبولاً، لولا المخاوف من إعادة تشكيلهم للهورد وغزو أزيروث مجدداً. فضلاً عن ذلك، اقتنع ماليكوس تماماً بضرورة تغطية العالم سراً بشياطين متبدلة الهيئة...

ورغم عجز كريفاك عن تأكيد الحدس المستند إلى معرفته المسبقة، فقد تمتّع غولدان بحرية مطلقة لأعوام في استدعاء ما شاؤوا من شياطين إلى درينور تحت توجيه الفيلق المحترق.

سأل كريفاك بفضول: "بالحديث عن الخطط المستقبلية، كم سيستغرق الأمر حتى تسافر إلى درينور؟".

قررت الجوانب تعاملها مع أي أمر هام يخص درينور، متضمنةً إجلاء أي لاجئين غير عدائيين. وتمثل ذلك غالباً في الدرايني، رغم احتمال نجاة مجموعات أخرى من إبادات الهورد العارمة. أصر ماليكوس على عدم المجازفة بإرسال أي من الجوانب إلى درينور قبل جلاء مدى حضور الفيلق المحترق في العالم. لذا، وقع الواجب على كريفاك.

بدت ملامح الأرشيميج جادة فوراً عند سؤاله وجاء صوته رخيماً وهو يجيب: "يجب أن تكتمل الاستعدادات خلال الشهر. إن امتلك هؤلاء (الدرايني) حقاً التاريخ ذاته مع الفيلق المحترق الذي تنبأت به، فإحضارهم إلى أزيروث أمر حتمي لمستقبل أزيروث. أي معلومات يمتلكونها ستكون بالغة القيمة. ناهيك عن الفوائد بحال نجاحنا في إنقاذ نارو متعددين من بين كل الأشياء".

لم يملك كريفاك سوى الموافقة. كثرت الأمور المجهولة حول الفيلق المحترق وقدراته، وأضحى التحقق من معرفته المسبقة عبر مصدر مباشر أمراً بالغ الأهمية. واصلا نقاش خططهما للمستقبل حتى أتمت عشيرة ذئاب الصقيع ترحيبها بعضوهم الأحدث. وسُرّ كريفاك لرؤية ثرال مرتاحاً بوضوح أكثر من وصولهما الأول ومبتسماً حتى وهو يتحادث مع عائلته الجديدة. اقترب دريكثار من كريفاك وكارصوس معرباً عن شكره لإحضار ثرال إليهم.

تحدث الشامان العجوز بإخلاص: "لقد أسديتم لعشيرتنا صنيعاً عظيماً، أيها الغرباء. اعتقدنا ضياع غوئيل عنّا تماماً عند إخفاق الزعيم وقرينته في العودة. ستعوض عشيرة ذئاب الصقيع ما فعلتموه لأجلنا اليوم".

أحال كريفاك رأسه إقراراً.

"كل ما نطلبه هو العيش في هذه الأراضي بسلم وتجنب النزاعات قدر الإمكان. كما آمل الحفاظ على سلامة الصبي وتعليمه جيداً. لقد حظي بحياة قاسية حتى الآن. وإن فعلتم ذلك، فهو أكثر من كافٍ كرَدّ للجميل من جانبنا".

أومأ دريكثار بوقار.

"أتى حين وافقتُ فيه الهورد، لكن ذلك العهد توارى منذ أمد بعيد. أندم على تورطّي فيما فعلوه في درينور، وأنوِي قيادة عشيرتي في مسار مغاير. غوئيل جزء من العائلة. سيعامل كذلك ويُعلّم تقاليدنا. لم أتحدث إليه طويلاً، لكنني أستشعر بالفعل كامن إمكانات هائلة بداخله".

اطمئناناً لتأكيدات دريكثار، ناقش كريفاك وكارصوس أموراً إضافية مع الزعيم قبل توديع ثرال. وإذ شقّ طريقه مقترباً من الأرشيميج، ألقى كريفاك نظرة أخيرّة على الأورك الصبي المبتسم وهو يلوح لهما بحماس.

نادى كريفاك: "اعتنِ بنفسك يا ثرال، وتذكر وعدك. أثق بقدرتك على بلوغ أمور عظيمة".

وعلى إثر ذلك، شرع كارصوس في تلاوة تعويذة الانتقال الآني التي ستعيدهما إلى مستوطنة أزجول-نيروب في ألتيراك. احتاج كريفاك للعودة إلى غرفته قبل إدراك أي من حراسه غيابه. وحين اختفى من وادي ألتيراك في وميض نور، عجز كريفاك عن كبح فضوله حول أي رجل سيغدو ثرال الآن...

كان ماليغوس مبرماً حين غادر معبد نورمريست. لقد أمضى وقتاً طويلاً للغاية رفقة أشقائه في الآونة الأخيرة، وبدأوا يثيرون أعصابه. إذا اضطر ماليغوس إلى التظاهر بعدم رؤية نظرات أليكسسترازا القلقة مرة أخرى، فسوف يحتاج جزء من معبد نورمريست إلى إعادة بناء قريباً. ويا للأسف، كانت هناك مسائل عديدة تتطلب اهتمامهم الجماعي، بما في ذلك التعامل مع جثة نيلثاريون. أُخصِّصت الأيام القليلة الأولى التي أعقبت موت الخائن لتحصين جزء من المعبد يمكنهم تخزين جسده فيه بأمان.

تمنى ماليغوس بحرارة لو أنه يعيش في عالم يخلو من سحرة الموت، أو عالم تكون فيه روح نيلثاريون ضعيفة بالقدر الذي يمكنه من محوها. كان سيجعل ذلك الأمور أسهل بكثير. على أي حال، أثبت جسد الخائن مقاومة مذهلة للتلف حتى في الموت، ولم يرغب أحد في المخاطرة.

ولا سيما مع ذلك "الملك الحاكم"

المزعج الذي ذكر النبي الصغير أنه سيصل إلى أزيروث في المستقبل القريب. إن أي كائن قادر على إحداث هذا العدد الهائل من الموتى الأحياء والسيطرة عليهم يشكل تهديداً حتى من منظور الملوك. سيكون الأمر كارثياً محتملاً إذا سمحوا لساحر الموت بالاستحواذ على جثة بخطورة جثة نيلثاريون. بطبيعة الحال، يعني هذا أنه كان عليهم معرفة ما ينبغي فعله بكل جثث التنانين التي لا تحصى والمبثوثة في مختلف أنحاء مدفن التنانين.

كان ما فعلته الهورد مثيراً للغضب بما فيه الكفاية، لكن مجرد التفكير في تدنيس الملك الحاكم للمثوى الأخير لكل هذه التنانين ملأ ماليغوس بغضب بارد. كانت هذه الهواجس هي السبب الكافي لكي يقدم ماليغوس أخيرًا على فعل ما عزم عليه منذ أن تحدث إلى النبي الصغير. لقد كان يعلم أنه كان حرياً به دفن سيندراغوسا في اليوم التالي مباشرة... لكن الحقيقة هي أن ماليغوس كان خائفاً. ورغم أنها لم تكن في حالة تسمح لها بذلك، إلا أنه بدا له وكأن سيندراغوسا ستفتح عينيها وترى ماليغوس على حقيقته كفاشٍ عرف نفسه به.

كيف يمكنه أن يحمل نفسه على مواجَهتها وكان هو المسبب في صب الملوك لقوتهم في جوهرة التنين؟ حين عجز عن إدراك فساد نيلثاريون قبل أن يُقطع نحو نسله أجمع في لحظة واحدة؟ حين أمضى الآلاف العشرة الماضية من السنين فاعلاً لا شيء بينما تفرق الأعضاء القلائل الناجون من نسله وصارعوا لأداء واجباتهم في شتى أنحاء أزيروث، بلا حول ولا قوة ووحيدين؟ استشعر ماليغوس الكآبة ذاتها التي أالفها على مدى آلاف السنين وهي تبدأ في غشاوة عقله، لكنه أرغم نفسه على التقدم.

أراد جزء كبير منه العودة الفورية إلى مخبئه والنوم طوال العقد القادم، لكن سيندراغوسا كانت تستحق ما هو أفضل من ذلك. كانت تستحق أن تُدفن مع باقي أبناء قومها. محتفظاً بهذه الأفكار في ذهنه، انطلق ماليغوس مسرعاً صوب تلك البقعة من نورثريند التي يشير إليها الفانون باسم آيسكرون. في هذا المكان ادعى النبي الصغير أنه يستطيع العثور على سيندراغوسا، مدفونة تحت جليد نهر جليدي ضخم.

وحين بلغ آيسكرون أخيرًا، طار ماليغوس فوق المنطقة لنحو ساعة كاملة واستخدم سحره للبحث عن كل نهر جليدي ضخم يصادفه. كانت التنانين الزرقاء كائنات شديدة السحر، وستبقى عظامها ذاتها مشبعة بالطاقة الغامضة لفترة طويلة بعد رحيلها. لا بد أن العديد من أفراد نسله قد قُذفوا نحو آيسكرون حين وجه نيلثاريون جوهرة التنين ضدهم، إذ اكتشف ماليغوس نصف دزينة من جثث التنانين الزرقاء خلال تلك الفترة.

واعداً نفسه بالعودة لمنحها دفناً لائقاً أيضاً، تابع ماليغوس بحثه عن سيندراغوسا بجهامة. كان كل اكتشاف جديد بمثابة نصل طازج في القلب بينما تذكر ملك السحر أفراداً من نسله لم يطرأوا على بملك منذ حرب الأقدمين. كان ثقل إخفاقاته يزداد ضراوة مع كل لحظة تمر، لكن ماليغوس عزم على المتابعة حتى ينجز واجبه. أخيراً، وبعد ساعات من البحث، وجد ماليغوس النهر الجليدي الذي أتى النبي الصغير على ذكره.

لقد استشعر حضور سيندراغوسا في أعماق الجليد، واجتاحته من جديد طعنة الفقدان والشعور بالذنب المألوفة. بحذر، نسج ماليغوس طاقة غامضة داخل الجليد المحيط بجسدها وأمسك به بقبضة التحريك الذهني. وبعد إلقاء تعويذة لتعزيز الجليد الذي يغلف سيندراغوسا، رفعها ببطء إلى الأعلى حتى خرجت من النهر الجليدي بصوت تشقق مدوٍ أرسل شظايا الجليد متطايرة في الهواء. وحين أنزلها بحرص وعاين ما آلت إليه حال أول شخص أحبه على الإطلاق، لم يملك ماليغوس إلا أن أطلق صرخة مجروحة ومفعمة بالألم.

لقد تشوه جزء كبير من هيئتها المهيبة سابقاً بسبب الجروح بينما أصبح الباقي جافاً وواهياً عبر آلاف السنين. ومع ذلك، لا زال ماليغوس يستطيع رؤية التنينة الشرسة والجميلة التي كانت عليها في الحياة.

قال ماليغوس وصوته غليظ بالحزن وهو يتأمل هيئتها المنهكة: "آه، سيندري. لكنتِ كارهة لرؤية نفسك بهذه الحال. أنا... أنا آسف للغاية لاستغرقي كل هذا الوقت للوصول، يا حبيبتي".

طالما اعتزت سيندراغوسا بجمالها كثيراً، وكاد يجب أن تفعل. كلما تشاجرا ورغب ماليغوس في استعادة رضاها، كان يعثر على قطعة حلي جميلة لهيئتها الفانية أو إكسير جديد لتعزيز فتنة حراشفها. كان يتذكر مناسبة حاول فيها صنع زينة سحرية لقرني سيندراغوسا، زينة مسحورة بتعويذة تجعلهما يتوهجان ببريق أثيري. غير أن السحر تعارض مع إحدى حليها الأخرى وحدث خلل في التعويذة، مما جعل قرني سيندراغوسا يصدران صريراً مزعجاً وعالي النبرة بلا انقطاع كلما حركت رأسها.

على الرغم من ثقل قلبه، لم يملك ماليغوس إلا أن أطلق ضحكة خافتة وهو يستعيد تلك اللحظة التي تحطم فيها وقار سيندراغوسا المهيب بسبب الصوت العبثي. جلب الذكرى دفئاً حلواً مرّاً، لحظة فرح تشاركاها وسط حياتهما الجادة في كثير من الأحيان. لم يمض وقت طويل حتى بدأت ضحكاته تتهاوى، وسرعان ما وجد ماليغوس ضحكته تتحول إلى نشيج هادئ. انحدرت الدموع على وجهه، متحولة إلى بلورات صغيرة من السحر الغامض حين لامست الأرض.

قال ماليغوس بصوت مبلل بينما كان يتحدث عبر دموعه: "يا حبيبتي، أنا أفتقدك بشدة. أزيروث ليست كما عهدتها من دونك. أنا حقاً لا أعرف كيف يُفترض بي الاستمرار من دونك، يا سيندري. لقد كنتِ أنتِ من تكبح دائماً أسوأ نزواتي. أنتِ من واجهني حين كنت عنيداً أو قاسياً، والآن قد ذهبتِ".

لم يكن لدى ماليغوس أي أوهام بشأن نوع الشخص الذي كان عليه. حين أخبره النبي الصغير بما كان سيفعله، لم يكن هناك أدنى شك لدى ماليغوس في أنه كان ليخوض ذلك الطريق. لقد كان يعلم أنه قد يكون قاسياً، متغطرساً، وغير مبالٍ في كثير من الأحيان بمعاناة الآخرين. لكن... لم تكن الأمور هكذا دائماً. لقد كان هناك وقت يمكن فيه لألذع جوانب شخصيته أن تلطفها المحيطون به، لكن هؤلاء الأشخاص قد رحلوا الآن.

إما أنهم قتلوا على يد نيلثاريون أو دفعهم ماليغوس بعيداً بنفسه.

قال ماليغوس ضاحكاً بحزن وهو يتخيل رد فعلها: "لو قُدِّر لكِ سماع ما رآه النبي الصغير من مستقبلنا، لصعقتِ واشمأزتِ بالتأكيد يا حبيبتي. لكنتِ وبختني على حماقتي قبل أن تعملي معي على صياغة خططة قادرة على إنقاذ هذا العالم الفاسد. أحاول أنا والملوك الآخرون فعل ذلك الآن، لكن الأمر سيكون أسهل بكثير لو كنتِ هنا. لقد كنتِ دائماً بارعة جداً في ملاحظة الأشياء التي أغفلها".

تنهد ماليغوس بعمق وهو يفكر في العالم الذي كان يمكن أن يكون. عالم يواجه فيه المستقبل مع سيندراغوسا وعائلته إلى جانبه.

تعهد ماليغوس بهدوء، مفاجئاً حتى نفسه باليقين في نبرته: "لا أعرف كيف يُفترض بي المضي قدماً من دونك، يا حبيبتي، لكن... سأحاول. لقد عانى نسلي ما يكفي دون إجباره على رؤيتي أجن وأتحول ضد أزيروث".

لقد مضى وقت طويل منذ أن اهتم ماليغوس بأزيروث أو بواجباته، لكنه أدرك أنه لا يستطيع السماح للعالم بالانزلاق نحو مزيد من الفوضى. إنه مدين لسيندراغوسا وبقية أهله الساقطين ببذل جهد على الأقل لفعل الأفضل... ليكون الأفضل.