لم يكن سام متأكداً مما يجري تماماً، لكن نظريته الراجحة الآن كانت أنه ينتظر الخروج من بيضة بعد موته وبعثه من جديد. أدلتُه على هذا؟ كان يفقد وعيه ويستعيده منذ فترة زمنيّة مجهولة، ويستطيع الإحساس بغلاف صلب يحيط به ويصغر حجماً كلما استيقظ. بدا جسده مختلفاً عن جسد البشر أيضاً، وصار تفكيره يسهل عليه بالتدريج. نأمل أن يكون أفراد نوعه الجديد المولدون حديثاً أقدر من مولود بشريّ جديد.
لم يرغب سام في التخبط بلا فائدة لسنوات. آه، وتذكر موته أيضاً. كانت تلك جزئية من الأدلة المهمة إلى حد ما. تمثلت إحدى حسنات ظروفه الحالية في أن لديه متسعاً من الوقت لمعالجة مشاعره أثناء فترة حضانته. لقد بكى ويئس بالفعل، وحتى إن لم يتصالح تماماً مع موته، فقد تقبله بوصفه شيئاً لا يستطيع تغييره. الآن، تركز جل اهتمامه على محاولة تحريك جسده الجديد والافلات من سجنه، لكنه لم يدرك المدة التي سيستطيع بعدها الفقس.
استطاع إدراك أن لديه أطرافاً إضافية، لكن تعذر عليه تخمين النية التي بُعث فيها. تمنى سام لو كان مخلوقاً مذهلاً، كتنين مثلاً. قد تكون تلك الأطراف الإضافية أجنحة، أليس كذلك؟ حين كان سام مستيقظاً، كان يقضي وقته عادة في اختبار حدود سجنه إلى أن ينفد وقته ويستغرق في النوم مجدداً. وفي خضم هذا الروتين شعر بشيء ينخس سجنه من الخارج، مما بث خيطاً من الذعر في نفسه. أرجو ألا أُؤكل من قِبل أي مفترس قبل أن أبدأ مغامرات التنين الخاصة بي.
وحين بُقرت بيضته ورأى شيئاً غير الظلام للمرة الأولى في هذه الحياة، تمثل شعور سام الأول في خيبة الأمل لعدم كونه تنفيناً. لقد عرف أنه ليس تنفيناً لأن التنانين لا تملك ثمانية أعين. أما شعوره الثاني فكان الرعب لأنه كان مراقباً من وجه بغيض لمخلوق عملاق شبيه بالعناكب. شعر سام بتجمد أوصاله من الخوف بينما رُفع من بيضته — ولا يزال سائل لزج يقطر من جسده — وتلاعب به الوحش العملاق صعوداً وهبوطاً.
وبعد لحظات بدا أن المخلوق قد اكتفى، فوضع سام على الأرض لينتقل إلى بيضة أخرى. ومع تحول انتباه المخلوق إلى مكان آخر، هدأ سام بالتدريج عندما اتضح أن الوحش لا ينوي أكلَه. التفت حوله، فوجد نفسه في كهف مظلم ممتلئ ببيض كبير بلون العنبر يبدو مغطى ببثور غريبة وملفوفاً بشباك. وقف عدد من النسخ الصغيرة الأخرى للمخلوق الشبيه بالعناكب حول المكان مستكشفة محيطها أيضاً. نظر سام إلى يديه فلم يلبث أن تأكدت مخاوفه حين رأى أن لديه ثلاثة مخالب مخيفة وذراعاً مغطاة بالكيتين.
حسن... هذا سيء للغاية. لماذا لم أُبعث في هيئة شيء آخر غير نوع من وحوش العناكب القبيحة؟ لاحظ حقيقة أن وحوش العناكب المولودة حديثاً بدت أكثر وعياً بمحيطها مما سيكون عليه مولود بشري حديث الولادة. كما تمكن سام من التحرك بقدر مقبول من الرشاقة رغم عدم اعتياده امتلاك هذا العدد من الأطراف. ما لم تكن عناكب الصغار الأخرى كائنات مبعوثة هي الأخرى، بدا أن مواليد هذا النوع أذكياء وقادرون جسدياً منذ لحظة ولادتهم.
أعتقد أن الأمر قد يكون أسوأ. إذا كان هؤلاء القوم أذكياء فلا بد أنهم طوروا نوعاً من المجتمع، وأنا لا أشعر بالتحكم بالعقل لذا فمن المحتمل أنهم ليسوا نوعاً من خلايا العقل الجمعي. ركز سام على تحليل محيطه بأفضل ما أوتي من قوة كي يتجنب التفكير العميق في موته أو جسده الجديد. لقد بذل قُصارى جهده للتصالح مع ظروفه أثناء حضانته، لكن تلقي الواقع القاسي في وجهه لم يكن أمراً لطيفاً.
إذا كان سيُبعث، لفضل سام كثيراً أن يكون كائناً بشري الهيئة إن تعذر عليه أن يكون تنفيناً. نأمل ألا يتبع ناس العناكب هؤلاء الأنماط الشائعة الخاصة بأجناس الحشرات في خيال الأرض. لم يرد سام أن يُعامَل بوصفه مجرد وقود للمدافع يمكن الاستغناء عنه. لحسن الحظ، كانت هناك بعض المؤشرات الإيجابية في هذا الصدد. بدا أن مخلوق العناكب الذي واصل تحرير العناكب الصغار من بيوضهم يفعل ذلك بقدر كبير من العناية.
لو كان سام على وشك الإرسال للموت مثل جندي زيرغ يمكن الاستغناء عنه، لما شك في أن المخلوق سيكون بهذا القدر من الحرص. استطاع رؤية أن البالغ لم يتبق لديه سوى بيضات قليلة لفحصها، لذا قرر سام استغلال ذلك الوقت للتأقلم مع جسده الجديد. مَحركاً كلاً من أصابعه الثلاثة واحداً تلو الآخر، اكتشف سام أن أصابعه لا تزال مرنة رغم تغليفها بالكيتين. كان ذلك غريباً بعض الشيء، لكن سام قرر تجاهله.
كانت هناك أمور كثيرة في هذا الموقف لا منطق فيها، لذا فإن التركيز عليها سيكون مسعى عبثياً. حرك سام أرجله الست جميعها بينما كان يمطّر في دائرة، مندهشاً من مدى طبيعية حركاته. وإذ استبد به الشعور بالشجاعة، قرر تجربة الدوران في دوائر، متسائلاً عما إذا كان جسده الجديد يستطيع تحَمّل ذلك أم لا. بعد لحظات قليلة، قاطعه بصوت خرير مذهول جلب انتباهه إلى شيء العنكبوت البالغ الذي كان ينظر إليه من علي.
تجمد سام ونظر ذهاباً وإياباً بين البالغ وعنكبوت صغير مجاور قرر تقليده بالدوران في دوائر. تمنى سام ألا يؤكل لكونه مصدراً لتأثير سيء. خاض هو والبالغ معركة تحديق قصيرة قبل أن يصدر المخلوق المزيد من أصوات الخرير — وهي أصوات بدأ سام يشتبه في أنها لغة — وحمله. للحظة اعتقد جزء منه أنه على وشك الموت، لكن المخلوق وضع سام بلطف على بطنه الكبير. دفعته غريزتان غريبتان للتمسك بالمخلوق بقوة، وعلم بطريقة ما أنه لن يواجه أي مشكلة في الالتصاق بالبالغ.
وما إن استقر سام في مكانه بالشكل المناسب، حتى وجه العنكبوت البالغ انتباهه إلى باقي العناكب الصغار. حرك المخلوق ذراعيه الأماميتين بحركة غريبة وبعد لحظة بدت يداه وكأنهما تتوهجان بلون أرجواني مائل للبياض بشكل غريب. انتفض سام لشعور مفاجئ وغريب بوجود هجين في عقله. لم تأتِ الرسالة التخاطرية بأي كلمات يمكنه فهمها، لكن المعنى الواضح انتقل بغض النظر عن ذلك.
"اصعدوا جسدي أيها الصغار."
بدا المواليد الجدد مفاجئين تماماً كسام، لكنهم لم يترددوا في طاعة أوامر البالغ. بعد قليل، كان سام يشارك مطيته مع ثمانية وحوش عناكب صغار أخرى، رغم انشغاله الشديد بالاندهش لعرض السحر ليلتفت إلى ذلك. لو أُتيحت لسام فرصة تعلم السحر، لجعل ذلك الولادة مجدداً على هيئة وحش عنكبوت أمراً يستحق العناء بحق. سُحب سام من هذه الأفكار وحول تركيزه إلى الحفاظ على قبضته عندما بدأ البالغ يتحرك فجأة بسرعة لا ينبغي لوحش عنكبوت عملاق تحقيقها.
وبسرعة كبيرة، حُمِل سام خارج الكهوف التي وُلِد فيها، وأخذ لمحة أولى عن المجتمع الذي وُلِد داخله في هذه الحياة. وجد سام نفسه منقولاً عبر كهف عملاق ملفوف بالشباك كلياً تقريباً وممتلئ بهياكل سوداء وذهبية. امتدت هذه الشباك من سقف الكهف إلى أدنى مستوياته، مما سمح لأفراد نوعه الجديد بالتحرك بسرعة خريراً داخل وخارج الأنفاق العديدة المتصلة بالكهف الذي كان أكبر من أن يستطيع سام تقديره.
وعلاوة على ناس العناكب الذين كانوا يهرولون، كانت هناك أيضاً مخلوقات غريبة تبدو كالتزاج بين عنكبوت وخفاش تطير في الهواء ضمن مجموعات. بينما كان البالغ يحمله عبر سلسلة محيرة من الأنفاق، كان سام ينظر إلى محيطه، شاعرين بمزيج من الرهبة والرعب المتصاعد. الرهبة، لأن هذا المجتمع الغريب كلياً كان من أكثر الأشياء إثارة للدهشة التي رأاها على الإطلاق. والرعب، لأن محيطه بدأ يبدو مألوفاً بعض الشيء.
ثم جِيء به إلى كهف أصغر مع ما بدا وكأنه معبد مزخرف مبني في الجدار ومتصل ببقية الكهف بواسطة جسر من الشباك. وعلى جانبي المدخل المسموح بالدخول للمعبد من خلاله كان هناك مسلتان تطفوان فوق نوع من الرموز السحرية المنقوشة على الأرض. كان فن العمارة أشبه بشيء لم يره قط. فبدى مشابهاً لعمارة مصر القديمة أو بلاد ما بين النهرين القديمة عدا عن تأثره البين بوجود السحر وأحجام ناس العناكب الكبيرة.
كانت المنطقة مضاءة ببلورات منقوشة في الجدار توهجت بلون أزرق مخيف، وبُني الهيكل واسعاً ومفتوحاً للسماح لناس العناكب الضخام بالقدوم والمغادرة براحة. كان عدد من ناس العناكب يهرولون داخل وخارج المعبد، لكنهم لم يولوا أي اهتمام لسام والصغار رفقائه ولا لمطيته بينما كان يُحمل إلى الداخل. لاحظ باهتمام أن ناس العناكب داخل المعبد بدا أنهم يرتدون أثواباً من الحرير الأسود والأحمر.
شكل هذا تناقضاً صارخاً مع كل ناس العناكب الآخرين الذين رأاهم من قبل والذين لم يكونوا يرتدون شيئاً على الإطلاق. وفي النهاية، أُحضر سام إلى غرفة يشغلها فرد عنكبوتي ذو مظهر غريب فريد. وفي حين بدا كل ناس العناكب الآخرين الذين رأاهم من قبل وكأنهم نوع من العناكب ذات الأرجل الستة مع ذراعين ورأس شبيه بالعناكب متصل بجذع بشري الهيئة، كان هذا مختلفاً تماماً. كان له رأس شبيه بالعناكب متصل بجذع بشري الهيئة مع أربع أذرع وثلاثة أصابع، تحرك كل منها ببراعة لإلقاء السحر بينما جُلب سام وأقرانه أكثر إلى داخل الغرفة.
وكان نصفه السفلي يملك أربع أرجل فقط، ولكن حيث بدا بقية ناس العناكب كقناطير أطول من أن تكون عالية، وقف هذا شامخاً ومستقيماً ليصل إلى ارتفاع هائل. خفض فرد العنكبوت البالغ الذي كان سام متمسكاً به جسده بحذر وانحنى بينما كان يقول شيئاً بلغه الفرقعة الغريبة. تجاهله الأطول وأنهى إلقاء سحره وغطت علامة سحرية باللون الأرجواني أرض الغرفة بأكملها. لا يزال سام يحدق في السحر بذهول عندما تحدث فرد العنكبوت الذي كان يمتطيه مجدداً.
"مرحباً أيها الصغار."
كاد سام يسقط على الأرض من المفاجأة، ولولا الخصائص اللاصقة لأطراف جسده الجديد لما استطاع منع نفسه من ذلك. ورغم أن الأصوات التي كان المخلوق يصدرها لم تتغير بشكل مجدٍ، وجد سام هذه المرة أنه يستطيع فهم معناها. بنظرة سريعة حوله، استطاع معرفة أن زملاءه المواليد الجدد مندهشون بشكل مماثل. أصدر المخلوق صوت فرقعة خشن عرف سام بطريقة ما كيف يفسره على أنه ضحك.
"هذا أمر ممتع دائماً. لا تخافوا أيها الصغار. يتيح لكم سحر العراف كوكير فهم لغتنا دون أن تتعلموها. اسمحوا لي بأن أقدم نفسي. أنا الوصي كريلتيس."
لم يكن سام متأكداً مما إذا كان ينبغي له الرد — أو ما إذا كان يستطيع ذلك أصلاً — لكن كريلتيس استمر في الكلام وكأنه لا ينتظر رداً.
"أهلاً بكم في كيلاكوك، وهي مدينة تخص أزجول نيروب. نحن نيروبيون. لا يعني هذا الكثير بالنسبة لكم الآن، لكنكم ستتعلمون كل هذا قريباً بما فيه الكفاية"، قال كريلتيس، متسبباً بلا علم في وصول رعب سام المتصاعد إلى ذروته.
"لقد أحضرتكم إلى دائرة العرافين من أجل مراسم التسمية الخاصة بكم. لقد ألقى العراف كوكير رمز الفهم لتكونوا قادرين على فهم مغزى هذه اللحظة حتى وإن لم تتعلموا بعدُ التكلم بلغة قومنا"، أوضح كريلتيس بينما شرع في إزالة النيروبيين المولودين حديثاً عن جسده واحداً تلو الآخر.
"لا يستطيع العراف كوركير الحفاظ على الرمز إلى الأبد، لذا سنبدأ المراسم فوراً. لقد راقبت بيضكم وحميتها، كما يقتضي واجبي، والآن سأسَمّيكم."
تعذر على سام إجبار نفسه على إيلاء اهتمام كبير للمراسم، رغم أهميتها الواضحة. ففي اللحظة التي علم فيها أن قومه الجدد يُدعون النيروبيين، توقف سام عن الانتباه تماماً. النيروبيون هم عرق حشري من ناس العناكب الواعية في واركرافت، وهي امتياز خيالي ملحمي شهير ابتكره استديو بليزارد إنترتينمنت. ركز عالم واركرافت أساساً على أزيروث — وهي عالم مميت يتعرض للدمار باستمرار بسبب خطط لملوك متعددة شبيهة بملوك لافكرافت وجيش لا ينتهي من الشياطين المدمرة للكواكب بقيادة ملك مجنون.
كان النيروبيون عرشاً يعيش في قارة نورثريند أقصى شمال أزيروث. وقد لعبوا دوراً ضئيلاً إلى حد كبير في تاريخ العالم حتى مُسخت روح شامان أورك يدعى نيرزول من قِبل الرجل الثاني في قيادة الشياطين. دُمِّر شكل نيرزول الفاني ورُبط بسيف وخوذة ملعونيْن، ليصبح ملك الوتش. ثم انطلق ملك الوتش لغزو نورثريند وإنشاء جيش من الموتى الأحياء يمكنه استخدامه لمهاجمة بقية أزيروث. استمرت حرب العناكب عقداً من الزمن، ولكن في النهاية، لم يسترِع النيروبيون النجاة من عدوان ملك الوتش الذي لا ينتهي وتعرضوا للذبح شبه الكامل وتحولوا إلى عبيد موتى أحياء.
استطاع جزء صغير من انتباه سام التغلب على اضطرابه والتركيز على كريلتيس وهو يقترب من سام ليعطيه اسمه.
"لقد رأيت طبيعتك الفضولية أيها الصغار. إن الذكاء في عينيك واضح، حتى وإن لم ترزق بالفقس طويلاً. ربما تنمو ذات يوم لتصبح عرافاً"، قال كريلتيس بجدية.
"أُسمّيك كريفاكس."
انتقل كريلتيس إلى الصغير التالي، تاركاً كريفاكس المُسَمّى حديثاً ليتصالح مع حقيقة أنه بُعث مجدداً في نوع محكوم عليه بالتدمير شبه الكامل. اللعنة...