رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 58

اقرأ رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 58 باللغة العربية على مانجا تايم.

أنصت الملك تيريناس ميليثيل باهتمام إلى مستشاريه وهم يعرضون تقريرهم حول الوضع الراهن للحرب. وعلى الرغم من قتامة الموضوع، فقد فضّل سماع الأخبار المتعلقة بالحرب على الاستماع إلى الأنباء عن شح الغذاء الوشيك في لورديرون. وكان يأمل بشدة أن تنتهي الحرب قريباً لعدم قدرة مملكته على إطعام هذا العدد الهائل من اللاجئين لفترة أطول. عانى شعبه بما فيه الكفاية جراء قسوة الحشد، وما كان أحد يريد مواجهة المجاعة بحال من الأحوال.

ولحسن الحظ، بدا واضحاً أن دفة الحرب مالت بشكل حاسم لصالحهم بفضل مشاركة أزجول-نيروب.

وقال المارشال وايتهول مختتماً تقريره: "باختصار يا مولاي، تشير كافة الدلائل إلى فقدان الحشد القدرة على الحفاظ على قوة مقاتلة خلال الأشهر القليلة القادمة، بشرط استمرار معدلات الاستنزاف الحالية".

وسأل تيريناس: "تفترض تلك التقديرات استمرار قوات أزجول-نيروب في الانتشار بمعدل ثابت، أليس كذلك؟".

فقال: "نعم يا مولاي".

وأطلق تيريناس همهمة متبرّمة وهو يتأمل حلفاء البشرية المخيفين في المعركة ضد الحشد. وعندما أعلن النيروبيون لأول مرة عن نيتهم شن الحرب على الحشد، شعر بخيبة أمل عندما علم أن البوابة الواصلة من نورثريند إلى دالاران عاجزة عن نقل القدر الذي يفضله من القوات. وكان من الممكن إنقاذ أرواح كثيرة لو تمكن أزجول-نيروب من نشر قوته الضخمة -التي تبيّن أنها تفوق كل تصور- ضد الحشد.

ومع ذلك، وبدء شعورهم بأن الأسوأ قد مرّ، لم يستطع تيريناس إلا أن يقلق من امتلاك مملكته لمشاكل أخرى تكفيها وتزيد عن مجرد الحشد. وقبل الحرب، قدر محللوه قوة أزجول-نيروب لتعادل قوة كويل'ثالاس، إن أُخذت ادعاءات مملكة العناكب على ظاهرها. وافترض عدد من مستشاريه مبالغة النيروبيون في تقدير قدراتهم، لكن اتضح جلياً الآن بطلان هذا الظن. سواء أكان ذلك بسبب قدرتهم على إلغاء المزايا الدفاعية للأعداء بسهولة عن طريق حفر الأنفاق السريعة، أو إثارة لوردات العناكب للرعب والرهبة في ساحة المعركة، أو افتقارهم الغريب لحفظ الذات، بدأ الناس ينظرون إلى النيروبيون بمزيج من التوجس والاحترام.

ولم يساور تيريناس أدنى شك في تنامي هذه المشاعر بشكل كبير بمجرد انتهاء الحرب، لكنه لم يعتبر القدرات العسكرية لأزجول-نيروب هي ما يقلقه حقاً. كلا، بل تمثلت غاية قلقه حيال شعب العناكب في علاقتهم الوثيقة بشكل غير متوقع مع دالاران. وقضى تيريناس الشهور القليلة الماضية في الاستماع إلى تقارير تفيد بعقد مجلس الستة اجتماعات سرية مشبوهة مع الدبلوماسيين النيروبيين، وعجز كافة جواسيسه عن معرفة موضوع نقاشاتهم.

واعتاد طويلاً فرط سرية الكيرين تور في تعاملاتهم، غير أن شيئاً في الأمر أثار قلق تيريناس وحده. ولم يُساعد الأمر في كون مجلس الستة هم الوحيدين الذين التقوا بالملك الأعلى النيروبي. وكان تيريناس قلقاً بشكل خاص إزاء توصل أزجول-نيروب ودالاران بطريقة غير مففهومة إلى اتفاق لدراسة سحر الظلام ونكرومانسيا وتكريس قدر كبير من الموارد لتحقيق ذلك. وحاول تيريناس يوماً الإنصات عندما سعى ساحر بلاطه لشرح الفروق بين سحر الظلام ونكرومانسيا واستدعاء الشياطين، لكنه عجز عن استيعاب المصطلحات المعقدة.

وفي النهاية، توصل ببساطة إلى استنتاج مفاده أنها كلها سحور شريرة لا ينبغي العبث بها. وبدت دالاران دائماً مشاركةً إياه الرأي ذاته، لكن عاملاً مجهولاً دفعها لتغيير رأيها بسرعة، ولم يستسغ تيريناس جهله بماهيته. وعلمته التجربة أن المواضيع الأقل إلماماً بها هي التي تثير أكبر المشاكل. وعلى الرغم من شدة خطورة الحشد وخطر المجاعة، إلا أنه كان بالإمكان التخطيط لهما على الأقل.

وعزم تيريناس على مطالبة رئيس جواسيسه بآخر المستجدات حول تحقيقاتهم في أنشطة دالاران، لولا مقاطعته فجأة بأصوات جلبة خارج حجرته الإمبراطورية. ودرى حرّاسه عدم السماح لأي كان بإزعاج خلوته مع مستشاريه، لذا وجب أن يكون المتسبب في الفوضى شخصاً ذا شأن خطير. وتأكدت ظنونه تماماً عندما اقتحم الأرشيماج كراسوس من مجلس الستة باب غرفة العرش وخطا إلى الداخل بملامح وجه جادة.

وتحرك عدد من حرّاس الملك على الفور لاعتراض الأرشيماج، فحاول الواقف خارج الحجرة تبرير الجلبة بالقول: "أبلغ اعتذاري الشديد يا مولاي، لقد حاولنا إيقافه، لكـ..."

فصاح الأرشيماج كراسوس متخطياً احتجاجات الحارس: "ليس هناك متسع لكل هذا. أيها الملك ميليثيل، يجب إخلاء هذه المدينة فوراً، وإلا فسيموت مئات الآلاف من الناس!"، مما أدى إلى تجمد الجميع في مكانهم من الصدمة.

وكان تيريناس أول من استعاد صوابه فأمر حرّاسه بسرعة بالتراجع والسماح للساحر بالكلام، فقال: "ما معنى هذا أيها الأرشيماج؟ آمل أن تدرك مدى خطورة ادعاءاتك".

فأجاب الأرشيماج: "أدرك ذلك، وما كنت لأفعل هذا لولا قسوة الظروف. أرجوك، امنحني دقيقة واحدة لأشرح".

وتأمل تيريناس الرجل للحظات قبل أن يمنحه الإذن بالكلام بإيماءة من رأسه.

"شكراً لك يا مولاي. قبل نحو عشرين دقيقة، أبلغ عدد من سحرتنا عن استشعارهم طفرة هائلة في سحر الظلام في مكان ما غرب العاصمة".

وأطلق تيريناس همهمة متبرّمة قبل أن يقرر استغلال الفرصة لاستجواب عضو في مجلس الستة للحصول على إجابات، فقال: "أهؤلاء السحرة من بين أولئك المكلفين بالعمل مع أزجول-نيروب لدراسة سحر الظلام؟".

وإن تفاجأ الأرشيماج كراسوس أو استاء من استجوابه في مسألة كان من المفترض أن تكون سرية، فلم يُظهر ذلك.

وقال: "هذا صحيح يا مولاي. فور تلقي تقاريرهم، نظرت في الأمر بنفسي على الفور واكتشفت كارثة متجهة نحو العاصمة. ورغم خطورة استطلاع مصدر المشكلة مباشرة، إلا أنني أستطيع خلق وهم له لتدركوا حجم الخطر الذي يهدد شعبكم".

ومع تقديم شرحه، لم ينتظر الأرشيماج كراسوس إذنًا لإلقاء وهم أطاح بالحجرات الإمبراطورية تماماً واستبدل بها حقولاً فارغة تضم مخلوقاً هائلاً يصعب النظر إليه دون الشعور بضغط غريب يضغط على عقله. ورأى تيريناس الكثير من الأهوال خلال عقود حكمه، لكن شيئاً في الكيان الوهمي ملأه بإحساس غريب بالرهبة عجز عن وصفه. لم يقتصر الأمر على ضخامة الكوح لتجاوز أسوار العاصمة الخارجية، بل شعره...

مناقضاً لكل حياة عرفها تيريناس. وبناءً على ملامح الذعر والاشمئزاز على وجوه مستشاريه، لم يكن الوحيد الذي شعرت بذلك. شعر تيريناس فجأة: إنه شعور معاكس تماماً لما أجده بحضرة النور.

وسأل المارشال وايتهول وقد بدا عليه من الاضطراب ما لم يره تيريناس قط: "بحق النور، ما هذا الشيء؟".

فقال الأرشيماج كراسوس بعبوس وهو يبدد الأوهام: "وفقاً لسجلاتنا، إنه وحش قديم وُلِد من سحر الظلام يُعرف بالـ(سي'ثراكس)، وسيصل إلى أطراف العاصمة في غضون ساعة ونيف. وعند وصوله، سيبدأ الوحش في ذبح كل من في المدينة وتحويلهم إلى مسوخ عمياء بلا عقول".

وعلت نبرة تيريناس الحادة وهو يستدير لينظر إلى السحر قائلًا: "إن كان الوضع بهذه الخطورة فأنا بحاجة إلى معلومات حقيقية أيها الأرشيماج! هذه المدينة هي الأكثر اكتظاظاً بالسكان في الممالك الشرقية! لا يمكنني اتخاذ قرار بإخلاؤها بناءً على كلمة ساحر أجنبي فقط، وساعة واحدة لا تكفي أبداً لإخراج الجميع حتى لو حاولنا! من أين أتى هذا المخلوق ولماذا يهاجم العاصمة؟".

ومضت ومضة إحباط على ملامح الساحر، لكنه استنتج على ما يبدو أن الإجابة عن أسئلة تيريناس هي أسرع الطرق لإنجاز أي شيء.

فقال: "نجحنا في تتبع مساره حتى بحر في أقصى غرب أراضي تيريسفال جلايدز. لست متأكداً تماماً من سبب اختياره لمهاجمة العاصمة بالذات، لكنني أرجح لكون هذه المدينة الأكثر اكتظاظاً في المنطقة وفي الوقت ذاته شديدة الهشاشة".

وبدا شيء ما في الوضع الحالي مريباً للغاية بالنسبة لتيريناس، واستغرق منه الأمر لحظات لتحديد سببه.

فقال: "لماذا تنقل أنت هذه الأنباء وليس أنطونيداس؟ لا أذكر أننا تحدثنا شخصياً في أكثر من مناسبة معدودة أيها الأرشيماج كراسوس".

وقال الأرشيماج وبدت ملامحه شديدة الإحباط: "يا مولاي، لست متأكداً من إدراكك الكامل لمدى إلحاح الوضع الراهن. كل لحظة تقضيها في استجوابهي هي لحظة أخرى يقترب فيها السي'ثراكس من مدينتكم! وكلما بكرنا في بدء الإخلاء، أنقذنا أرواحاً أكثر".

فقال تيريناس بعناد: "إذن أقترح أن تشرح بسرعة. اشرح لي سبب وجودك هنا بدلاً من الماجوس الأعظم، ولمَ أنت مصرّ على عجزنا عن الدفاع عن أنفسنا أمام هذا المسخ؟ صحيح أن المدينة عرضة للهجوم حالياً بإرسال معظم قواتنا إلى الخطوط الأمامية، إلا أن حاميتنا بمساعدة سحرة دالاران قادرة على هزيمة ذلك المخلوق. أم أن مجلس الستة لا ينوي الوفاء باتفاقه للمساعدة في دفاع عن مدينتنا أوقات الحاجة؟".

وبدا الأرشيماج كراسوس في غاية الاستياء وهو يجيب عن أسئلة تيريناس: "يتعامل مجلس الستة والعديد من أرشيماج دالاران مع مسألة تتعلق بالشخص الذي أشك في مسؤوليته عن إطلاق هذا المخلوق. أشك بصدق في عودة المجلس بالسرعة الكافية للمساعدة في الدفاع عن المدينة".

وأدق تيريناس النظر بغضب نحو الساحر للحظات قبل أن يلتفت إلى رئيس جواسيسه، الذي أومأ بسرعة مؤكداً عدم قدرة الساحر المرسل لاستطلاع دالاران على الاتصال بالمجلس فور اقتحام كراسوس لحجرته.

وتوسل الأرشيماج كراسوس: "أرجوك يا مولاي. أدرك غرابة هذا كله، لكن هذه التفسيرات ستضطر للانتظار حتى وقت لاحق. يجب أن نتحرك الآن".

وأمعن تيريناس النظر في الرجل بعناية وهبط قلبه وهو لا يرى سوى الصدق في عينيه. ومع افتقار الوضع للكثير من المنطق، أخبرته حدسياته بصحة كلام الأرشيماج وبدء المسخ المرعب في مهاجمة مدينته وشيكاً. ليحفظنا النور...

وأمر تيريناس بعجالة: "مارشال وايتهول، اذهب إلى القابتن فالريك واعرض عليه أي مساعدة ممكنة لبدء إخلاء المدينة. وجهّز مدينة الأعماد لاستيعاب من تعذر إخراجهم بالسرعة الكافية. أرسل بضعة رجال لمرافقة عائلتي والأمير فاريان إلى الموانئ للإبحار بهم نحو دالاران بأسرع ما يمكن. ضع حامية المدينة في حالة تأهب قصوى وأرسل فرسان الجريفون لاستطلاع مكان المخلوق".

وأدى المارشال وايتهول التحية فوراً ثم غادر لتنفيذ الأوامر بلا تردد. وانفجر القصر بأكمله كخلية نحل بينما وزع تيريناس سيلاً من الأوامر.

وعقب الانتهاء من تفويض المهام، اقترب منه الأرشيماج كراسوس مجدداً وقال: "يا مولاي، عليك إخلاء المدينة برفقة عائلتك. لا تستطيع لورديرون تحمل خسارة ملكها في مثل هذا الوقت العصيب من التاريخ".

فقال تيريناس بحزم: "ولا تستطيع لورديرون تحمل ملك يفر كالجبان ويترك شعبه يواجه الكارثة وحده. فطالما بقيت العاصمة صامدة، فلن أتخلى عنها أيها الأرشيماج".

"أحثك بصدق على إعادة النظر يا مولاي. فالعالم يعج بالفوضى بالفعل. لا يمكن تخيل ما قد يحدث إن حُكمت ستورمويند ولورديرون من قِبل أوصياء".

واستطاع تيريناس تخيل ذلك جيداً. فستبدي كل من ألتيراك وجيلنياس اهتماماً بالغاً باستغلال الوضع، لكن ذلك لم يغير اختياره قيد أنملة.

وقال تيريناس بنبرة حاسمة: "لقد اتخذت قراري أيها الأرشيماج. وأعتقد أن جهودك ستُصرف بشكل أفضل في مكان آخر، بدلاً من محاولة تغيير رأيي".

وللحظة، بدا الأرشيماج كراسوس كمن يستعد لمواصلة جداله، لكن شيئاً في ملامحه أقنع الساحر بعقم محاولة إقناعه بالمغادرة. واكتفى الأرشيماج بالإيماء وتوجه مغادراً الحجرة. وما إن اختفى، حتى أخذ تيريناس لحظة لترتيب أفكاره قبل أن يبدأ مسيره سريعاً لزيارة عائلته لما كان يرجو ألا يكون اللقاء الأخير. ولم تكن لدى تيريناس أي نية للموت ميتة عبثية، لكنه إن فعل، فآمن بقدرة لورديرون على تجاوز التحديات القادمة دونه.

ففي النهاية، لم يقتصر الأمر على ثقته بشعبه فحسب، بل شمل ثقته أيضاً بقدرة زوجته على حماية آرثاس كوصية وتربيته ليصبح ملكاً استثنائياً.

تنهّد كراسوس بضيق وهو يغادر نطاق حماية القصر، ثم انتقل آنياً إلى قلعة البنفسج.

وبصفته العضو الأرفع رتبة في "كيرين تور"

داخل المدينة، فقد كان مسؤولاً عن إعداد دفاعات دالاران. بينما كان كراسوس يوزّع المهام على مرؤوسيه، كان يعلم أن هذه قد تكون آخر مرة يفعل فيها ذلك. ليس فقط لاحتمال موته في قتال الكثراكس، بل لأن الجميع سيعرفون حقيقة هويته بحلول نهاية اليوم. لم يكن كراسوس ليغفر لنفسه إن لم يقاتل المخلوق بكل قوته، ولم تكن هناك طريقة لفعل ذلك دون الكشف عن كونه تنيناً. سيترتب على ذلك...

عواقب سياسية وخيمة مستقبلاً، لكن هذا أمرٌ سيقلق بشأنه لاحقاً.

"لم أتوقع حقاً أن تجري الأمور هكذا..."

طرد كراسوس هذه الأفكار جانباً، وقرّر التركيز على ما هو أكثر إلحاحاً. لم يكن لقاؤه بالملك مينيثيل سيئاً تماماً، لكنه كان يمكن أن يكون أفضل بكثير. ومع نبْل قرار الملك، كان العالم ليكون في حال أفضل لو اختار الملك البشري أن يكون أكثر أنانية بقليل. مهما أمعن التفكير، لم يكن كراسوس واثقاً بقدرته على إنقاذ العاصمة من الكثراكس. كان بصيص الأمل الوحيد هو أن المخلوق بدا مصاباً، وأن أزجول-نيروب عرضت المساعدة في صده.

لقد أرسلوا بالفعل العديد من الوزراء عبر البوابة، بالإضافة إلى بضعة من أسياد العناكب والعديد من جنودهم العاديين، وكانوا جميعاً في طريقهم للدفاع عن العاصمة. في الحقيقة، سيدين أهل الممالك الشرقية بدين كبير للنيروبيين بحلول نهاية اليوم. ورغم أن دالاران بذلت جهوداً لرصد أي تقلبات كبيرة في طاقة الفراغ أثناء مواجهة الجوانب لديث وينج، إلا أن الجيب النيروبي هو من لاحظ المشكلة أولاً ولفت انتباههم إليها.

كان كراسوس يأمل بشدة ألا يحدث شيء كهذا، وأن يتمكن من مساعدة محبوبته في قتالها بعد حين، لكن لم يُقدّر له ذلك.

"تباً لك يا ديث وينج..."

رغم أن كراسوس أمضى الثلاثين دقيقة التالية في إعداد دالاران تحسباً لأي دفاع، فقد أرسل أيضاً العديد من قواتهم للمساعدة في حماية العاصمة. كان احتمال أن يتمكن الكثراكس من التقدم نحو دالاران قبل انتهاء المواجهة مع ديث وينج ضئيلاً. وبمجرد حدوث ذلك، فإما أن يكون مصيرهم محتوماً، أو أن الجوانب ستستعيد قوتها كاملة وتتمكن من التعامل مع الوحش بنفسها. شعر كراسوس بالرضا لرؤية عدد كبير من السحرة يتحرقون شوقاً للمساعدة في الدفاع عن العاصمة ضد المسخ القادم.

كان من أكثرهم وعداً ساحر شاب موهوب بشعر أحمر وأنف مكسور، وُضع مؤخراً تحت المراقبة بسبب حادث ما وقع في ميدان المعركة.

"أعتقد أن اسمه كان... رونين؟"

تذكّر الشاب كشخص ماهر، لذا عيّنه كراسوس في دفاعات أسوار المدينة. كانوا بحاجة إلى كل مساعدة ممكنة. قرّر كراسوس العودة إلى العاصمة بمجرد تلقيه نبأ اقتراب الكثراكس لدرجة تمكّن المدافعين من رؤيته بأعينهم. ولدهشة حامية المدينة، انتقل آنياً مباشرة إلى الأسوار الخارجية للعاصمة. تجاهل كراسوس صيحات الجنود من حوله، وألقى تعويذة سريعة لتحسين الرؤية على عينيه، وراح يتأمل الكثراكس؛

ذلك المسخ القديم من الملوك القديمة الذي لا بد أن ديث وينج قد أطلقه على مدينة تعج بالبشر. ورغم أنه رأى المخلوق من قبل حين تحقّق شخصياً من أنه يتجه نحو العاصمة، إلا أن رؤيته للمرة الثانية لم تكن أهون. كان الكثراكس يخطو خطوات واسعة ومضطربة ويتحرك بسرعة غير متوقعة، بينما كان الدم ينزف باستمرار من جراحه ويلوّث الأرض في أثره. حتى لو نجحوا في منعه من قتل شخص واحد في العاصمة، فقد كانت هذه كارثة بالفعل.

فليس فقط دمّر نتاج الفراغ على الأرجح أي مستوطنات في طريقه، بل كان يسبب كارثة بيئية ستكون لها عواقب وخيمة في المستقبل. سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تعود الأرض الملوثة إلى طبيعتها. ولن تنتج أي أراضٍ زراعية في طريق الكثراكس سوى محاصيل فاسدة لسنوات قادمة، كما ستضطر لورديرون للتعامل مع حيوانات برية لوّثها الفراغ أيضاً.

"لا بد أنك الأرشماج كراسوس."

انتُزع كراسوس من أفكاره على صوت شاب يرتدي درعاً مميزاً لجنود حرس الملك في لورديرون.

أومأ كراسوس وقال: "أنا هو".

قال الشاب: "سعدت بلقائك يا أرشماج. أنا القائد فالريك من حرس الملك، وأنا المسؤول عن تنظيم دفاعات المدينة. أعترف أن هذا يتجاوز نطاق معرفتي، لذا سأكون ممتناً لأي رؤية يمكنك تقديمها حول هذا التهديد".

كان البشري أصغر قليلاً مما توقع كراسوس، لكنه بدا هادئاً وثابتاً رغم الموقف العصيب.

قال كراسوس بعد لحظة تأمل: "سيكون من شبه المستحيل قتل الكثراكس بالوسائل العادية. فهو ليس فقط أضخم من أن يواجهه رجالكم مباشرة، بل سيخلق وحوشاً باستمرار في محيطه. لو كان لرجالكم سلاح مسحور قوي لكان الأمر مختلفاً، لكن أفضل استخدام لهم في ظل الظروف الحالية هو حماية المدنيين من هجمات المسوخ الصغيرة أو المساعدة في الإجلاء".

تعلم كراسوس منذ زمن ألا يستهين بالبشر، لكن لم يكن هناك الكثير مما يمكن لهؤلاء الرجال فعله لإلحاق ضرر فعلي بالكثراكس بمواردهم الحالية. لا بد أن القائد فالريك وصل إلى استنتاج مماثل بعد دراسة الشكل المتضخم في الأفق، لأنه اكتفى بالإيماء وأشار لكراسوس بأن يكمل.

"رغم قوته الهائلة، إلا أن المخلوق مولود من سحر الظل، لذا فهو ضعيف أمام الضوء. أوصيكم بشدة بالعمل عن كثب مع رئيس الأساقفة فاؤول ومناشدة كنيسة الضوء المقدس لأي مساعدة يمكنهم تقديمها".

قال القائد فالريك: "لا حاجة لذلك. فقد أقسم الكهنة بالفعل على المساعدة بكل ما أوتوا. آخر ما سمعته هو أن رئيس الأساقفة يساعد في مداواة المصابين جراء الذعر. نحاول إيصال الناس إلى بر الأمان بكل السبل، سواء بالقوارب أو براً أو بحشرهم في المدينة السفلية، لكن الأمر ليس سهلاً وقد أصيب عدد لا بأس به من الناس أثناء ذلك".

للأسف، كان الذعر رد فعل طبيعياً في مواجهة قوة وحشية كهذه. سيؤدي هذا إلى إبطاء جهود الإجلاء كثيراً، مما قد يعني الحياة أو الموت حين تُحسب الثواني. لم يكن كراسوس واثقاً من عدد الأشخاص الذين سيتمكنون من مغادرة المدينة في الوقت المناسب، لكنه شك في أن يتجاوزوا ثلث السكان. توقف القائد فالريك للحظة يفكر قبل أن يتحدث مجدداً.

سأل بفضول وهو يحدق في المدافع والمنجنيقات ومقذوفات السهام وأسلحة الحصار الأخرى التي تصطف على السور الخارجي للمدينة: "سمعت عن حالات يبارك فيها الكهنة أسلحة المحاربين لقتل الموتى الأحياء وغيرهم من المخلوقات المدنسة. هل يمكنهم فعل الشيء نفسه بمدفعيتنا؟ إذا كان الوحش ضعيفاً أمام الضوء، فحتى لو كان أضخم من أن يُقتل، يمكننا على الأقل جعله ينزف وعرقلته لأطول فترة ممكنة".

أجاب كراسوس متفاجئاً ببراعة الرجل: "هممم، لا أرى سبباً يمنع ذلك".

ورغم أنه كان ممكناً للكهنة المهرة "مباركة"

السلاح بشكل دائم، إلا أن معظم تلك الأمثلة كانت تشبع السلاح بالضوء مؤقتاً.

"لكن يجب تطبيق البركات على الذخيرة لا على الأسلحة نفسها".

أرسل القائد فالريك أحد رجاله فوراً لمرافقة بضعة كهنة إلى السور ليفعلوا ذلك بالضبط. قضى كراسوس بقية وقته في انتظار اقتراب الكثراكس من المدينة ومناقشة الاستراتيجيات مع القائد حتى أُبلغوا بأن المخلوق صار في مرمى المدفعية. الآن وقد حانت اللحظة، لم يستطع كراسوس منع نفسه من الشعور بشيء من الكآبة على الحياة التي بناها بين البشر والتي كان على وشك فقدانها. بالطبع، يمكنه اتخاذ هوية جديدة في المستقبل، لكنه استمتع كثيراً بوقته كالأرشماج كراسوس.

ومع ذلك، لم يسمح لنفسه بالاستغراق في الكآبة طويلاً. لم يكن لدى كراسوس شك في أن مئات الآلاف سيُقتلون أو يُصابون أو يُعجزون بعد أحداث هذا اليوم، ولم يكن له حق كبير في الحداد على شيء صغير كهوية مفقودة.

قال كراسوس وهو يوجه انتباهه نحو الكثراكس: "القائد فالريك، يبدو أن المعركة على وشك البدء".

وبصفته العضو التالي في الرتبة في "كيرين تور"، كان الأرشماج سيدريك مؤهلاً تماماً لتولي قيادة قوات دالاران في غيابه، لذا لم يعد هناك شيء يعيقه.

"أرجو أن تفهم أنه رغم ما أنت على وشك رؤيته، فإن هدفي هو المساعدة في الدفاع عن هذه المدينة، وما زلت حليفاً يمكنك الاعتماد عليه".

"أرشماج، ما—"

قبل أن يتمكن القائد من صياغة سؤاله بالكامل، كان كوريالستراز قد تخلّى عن هيئته البشرية وأطلق زئيراً مدوياً تردّد صداه في أرجاء المدينة. لم يمض وقت طويل حتى أجابته زئيرات أخرى، وتحرك كل تنين في المدينة للانضمام إلى كوريالستراز في دفاعاتها. كان معظمهم قد عُيّنوا في المدينة بعد أن اكتشفت فصيلتهم هوية دافال بريستور، لكن بضعة منهم كانوا يعيشون حياة بشرية والآن باتوا مستعدين للقتال لحماية ديارهم.

لم يكن أي منهم مقاتلاً مدرباً مثله، لكن مساعدتهم ستظل مفيدة. بعد أن أطلق نفخة اشمئزاز من رائحة فساد الفراغ في الهواء، التفت كوريالستراز لينظر إلى القائد فالريك المذهول.

"افتحوا النار على المخلوق في أسرع وقت ممكن. من الضروري أن نلحق به أكبر قدر ممكن من الضرر".

بهذه الكلمات الأخيرة من النصح، جمع كوريالستراز عزيمته وحلّق في اتجاه الكثراكس. حدق المخلوق فيه بغضب وهو يحلق فوقه، لكن زحفه نحو المدينة لم يتباطأ أبداً. بعد لحظات، انضم إلى كوريالستراز ستة تنانين أخرى حمراء وزرقاء، كان جميعهم أصغر منه بكثير.

أمر كوريالستراز حين أصبحوا على مسافة قريبة: "ابقوا في الجو وهاجموا المخلوق من بعيد. يمكنه التحرك بسرعة تفوق توقعاتكم. إذا اقتربتم من مدى مخالبه، فسيقتلع أجنحتكم ويكسر أعناقكم قبل أن تدركوا ما يحدث".

سرَت قشعريرة جماعية بين التنانين، لكن أحداً منهم لم يبدُ عليه أي نية للتراجع.

قال أكبرهم: "نعم، أيها الرفيق كوريالستراز. نحن نفهم".

لم يجد كوريالستراز سبباً لمزيد من التأخير، فحلّق مباشرة فوق الوحش وبدأ في إعداد هجومه. استجمع كوريالستراز طاقة الحياة الكامنة في كل تنين أحمر، وقوة السحر الجبارة التي صقلها بعناية عبر آلاف السنين من ممارسة السحر، وأطلق نفساً هائلاً من نار بنفسجية فوق الكثراكس. حذت التنانين الأخرى حذوه بعد بضع ثوانٍ، مغطين المخلوق من رأسه إلى أخمص قدميه بنيران التنانين وطاقة السحر الخالص والصقيع.

سمع كوريالستراز المخلوق يئن من الألم، وراقب الأشجار الصغيرة التي نمت حوله بسبب طاقات الحياة الخاصة به وبتنانينه الحمراء وهي تفسد فوراً بفعل الفراغ. تدفقت سيول من الدم من جراحه على الأرض، ملوثة إياها ومخلفة وراءها مسوخ فراغ صغيرة ذات عيون ومجسات كثيرة اندفعت نحو أسوار المدينة. ورغم ذلك، لم يسمح الكثراكس للألم بإبطاء تقدمه ولو للحظة، واضطرت التنانين المتجمعة في النهاية إلى وقف هجومها بعد أن خارت قواهم.

"يا للجوانب، بالكاد تأذى الوحش!"

تضخم تقدير كوريالستراز لقوة المخلوق حين أدرك أن تنينه المرافق كان محقاً. فبينما كانت هناك المزيد من الجروح تملأ جسده، تجاهل الكثراكس الهجوم وواصل تقدمه بلا هوادة.

"واصلوا الهجوم. احذروا من استنزاف طاقتكم، وكونوا مستعدين لأي هجمات مضادة مفاجئة".

قُضيت الدقائق التالية في إغراق المخلوق بنيران التنانين بشكل متقطع، وهو ما لم ينجز أكثر من إضافة بضعة شقوق أخرى على درعه. حاول كوريالستراز والتنانين الزرق أحياناً إبطاءه بتعويذات الجليد، لكن جهودهم كانت عقيمة إذ تجاهلها الكثراكس ببساطة. انقطع نمط الهجمات هذا أخيراً بصوت دويّ المدافع في الأفق. تطايرت قطع صغيرة من المخلوق حين اصطدمت قذائف المدافع المشبعة بالضوء بجسده.

انضم سحرة دالاران بقيادة الأرشماج سيدريك بوابل من تعويذات السحر والصقيع والنار، لكن البشر كانوا بنفس القدر من عدم الفعالية في إبطاء اقترابه. في الواقع، لا بد أن الكثراكس قرر قطع المسافة الأخيرة بأسرع ما يمكن بمجرد دخوله مرمى المدفعية، لأنه بدأ فجأة في الاندفاع نحو سور العاصمة بسرعة لا يحق لمخلوق بكل تلك الإصابات أن يمتلكها. حاول كوريالستراز فعل كل ما بوسعه لإبطاء اندفاعه، لكن الكثراكس حطّم أقوى حواجزه كأنها لم تكن، واصطدم في النهاية مباشرة بالبوابة الغربية للعاصمة.

كان كوريالستراز يأمل بصدق أن تصمد دفاعات المدينة الخارجية لفترة أطول، لكن لم تتطلب سوى ضربة واحدة من الكثراكس لتدمير البوابة وإرسال بقايا الحجارة والخشب متطايرة داخل المدينة. ثم حوّل المخلوق انتباهه إلى المدافع التي استمرت في إطلاق النار عليه، وقذف كرة من الفراغ المركز نحو الأسوار. قُتل العشرات من الجنود والكهنة والسحرة على الفور، وترك الباقون يصارعون من أجل حياتهم بينما انبثقت حشود من المسوخ الغريبة من نقطة الارتطام وانقضت عليهم.

سأل أحد التنانين الحمراء بعجز بينما كان الكثراكس يزيل العوائق المتبقية عرضاً ويبدأ في شق طريقه داخل المدينة: "الرفيق كوريالستراز، إنه قوي جداً! ماذا يمكننا أن نفعل؟"

قال كوريالستراز مشجعاً وهو يفحص بجراحه الحادة جروح المسخ: "لا تيأسوا، المخلوق ليس غير متضرر كما قد يبدو".

ورغم أنه لم يكن يتباطأ مع زيادة إصاباته كما تفعل معظم المخلوقات، إلا أن الكثراكس كان بلا شك في حالة أسوأ مما كان عليه عندما بدأوا بمهاجمته. لسوء الحظ، لم يكن لديه أدنى فكرة عما إذا كان الكثراكس سيستسلم لجراحه قبل أن يتمكن من ذبح المدينة بأكملها.

قال كوريالستراز بعد لحظة تأمل: "سأحاول تشتيت انتباه المخلوق عن مهاجمة البشر بمواجهته من مسافة قريبة. البقية منكم استمروا في إنهاكه من بعيد".

بعد إعطاء أوامره، حلق كوريالستراز إلى ارتفاع كبير مباشرة فوق الكثراكس قبل أن يطوي أجنحته ويغوص نحو ظهر المخلوق بسرعة فائقة. ولأول مرة منذ أن بدأوا بمهاجمته، أُجبر الوحش على التوقف عن مسيره حين ارتطمت أطنان من التنين به وبدأت تمزق جسده بمخالبها وأنيابها. تفاعل الكثراكس أخيراً وأمسك فوراً برقبة كوريالستراز بمخالبه الكماشة الضخمة، مما أجبره على التراجع لمنع المخلوق من قتله.

رغم أن كوريالستراز كان سعيداً بنجاحه في جذب انتباه الوحش بعيداً عن البشر، إلا أنه لم يستغرق وقتاً طويلاً ليدرك أنه متفوق عليه في اختبار القوة البدنية. لم يكن الكثراكس أكبر منه سناً فحسب، بل بدا أنه يمتلك ثروة من الخبرات القتالية. مزّق كوريالستراز جسد المخلوق كلما استطاع، لكن الضرر الذي ألحقه كان ضئيلاً، واضطر مراراً للمراوغة ثم الانتقال آنياً أحياناً بعيداً عن ضربات لم يكن ليتجنبها لولا ذلك.

استمرت التنانين الأخرى في مهاجمة الكثراكس، لكنها اضطرت لتوخي حذر أكبر الآن بعد أن أصبحت داخل المدينة لتجنب إيذاء البشر القريبين. كان كوريالستراز يسمع أصوات البشر المذعورين من حوله مع تقدم معركتهم داخل المدينة. كان قد تم إجلاء جزء كبير من أقصى غرب المدينة، لكن الكثير من البشر قُتلوا حين علقوا تحت الأقدام بينما كان الوحش يدهس الشوارع ويدمر مبانٍ بأكملها بضربة واحدة من ذراعيه أو وطأة قدميه.

طوال الوقت، كانت أي إصابات ينجحون في إلحاقها بالكثراكس تؤدي إلى انسكاب دمه في الشوارع، ملوثة أي بشري سيئ الحظ يلامس هذه المادة القذرة ومولدة مسوخاً ملتوية. قاتل حرس الملك وحامية المدينة بشراسة لمنع هذه الوحوش من الانتشار في المدينة أو دخول المجاري لقتل من يلوذون بالفرار إلى المدينة السفلية. استدعى رونين والعديد من السحرة الآخرين عناصر مائية وألقوا حواجز سحرية قوية لدعم الجنود.

لكن جهودهم كانت محدودة، لأن تدفق الوحوش المولودة لن يتوقف إلا بهزيمة الكثراكس نهائياً.

"يجب هزيمة هذا المخلوق القذر قريباً وإلا فلن تبقى مدينة لإنقاذها"، فكّر كوريالستراز في نفسه وهو يرى الدمار الذي تخلفه معركتهم في المدينة.

على الفور تقريباً، وجد كوريالستراز نفسه معاقباً على تشتت انتباهه حين وجه الكثراكس ضربة إلى جانبه كسرت العديد من ضلوعه وقذفته محطماً عبر عدة مبانٍ. بعد قضاء لحظات لاستعادة توازنه، نظر كوريالستراز للأعلى في الوقت المناسب ليرى الكثراكس وقد فقد صبره على ما يبدو من هجمات التنانين، حيث أطلق موجة انفجارية هائلة من طاقة الفراغ. شاهد كوريالستراز برعب كل تنين وهو يُقذف من السماء، لا يعلم أأصيبوا فحسب أم ماتوا، بينما دُمر الجزء الغربي من العاصمة بالكامل تقريباً في لحظة.

لم تكن لديه أدنى فكرة عن عدد البشر الذين فشلوا في الإجلاء في الوقت المناسب، لكنه لم يشك في أن هجوم الوحش قد قتل عدة آلاف من الناس. بينما كان كوريالستراز يبدأ في فقدان الأمل في قدرتهم على منع تدمير بقية المدينة، جذب انتباهه فجأة صوت صرير يبعث القشعريرة في الأبدان ويتردد صداه في أرجاء المدينة. وحين حوّل نظره نحو الشرق، ذُهل كوريالستراز لرؤية عنكبوت ضخم حقاً مع نيروبيين يتشبثون ببطنه يتسلق أسوار المدينة.

كانت أزجول-نيروب قد أبلغته بأنهم سيرسلون أقوى مخلوقاتهم للمساعدة في قتال الكثراكس، لكنه كان أضخم مما توقع.

وبينما كانت العنكبوتية على ما يبدو عنكبوتاً عملاقاً غير ناطق يشيرون إليه باسم "مايكسنا"، وجد كوريالستراز صعوبة في تصديق أنه لا ينظر إلى ملك بري.

لم يشك في أنها ستكون قادرة على قتل معظم التنانين بسهولة، وشعر فجأة بامتنان حقيقي لأن أزجول-نيروب كانت حليفاً لا عدواً. ومع تجدد أمله، تجاهل كوريالستراز احتجاجات جسده ورفع نفسه عائداً إلى الجو تماماً حين بدأت مايكسنا في الاندفاع عبر المدينة. حاول الكثراكس إنهاء المعركة سريعاً بضربة نحو رأس العنكبوت، لكن مايكسنا قفزت فوراً إلى الجانب وعادت نحو المسخ في استعراض لخفة حركة استثنائية.

وبينما غرست مايكسنا أنيابها السامة في جانب المخلوق اللحمي، قفز العديد من النيروبيين المتشبثين ببطنها على الكثراكس وبدأوا في تمزيق جسده بكل ما أوتوا من قوة. وانتباهاً لإصاباته، ساعد كوريالستراز النيروبيين بضرب المخلوق انتهازياً من مسافة بعيدة وتشتيت انتباهه عن العنكبوت كلما استطاع. كان سم مايكسنا يعمل بوضوح، حيث بدأت جروح الكثراكس في الاتساع وبدأ أخيراً في إظهار علامات التباطؤ.

حاول المخلوق قذف كرات من طاقة الفراغ نحو مايكسنا عدة مرات، لكن العنكبوت أثبتت تميزاً في القفز بعيداً ولف أطراف الكثراكس بخيوط حريرية قوية أو بصق السم في وجهه. لم تدم الخيوط طويلاً، لكنها كانت كافية لمنح كوريالستراز الفرصة لجرحه بحرية بضع مرات. حتى أن بضعة سحرة انضموا وألقوا صواعق الصقيع والسحر على جوانب الوحش مع تقدم معركتهم داخل المدينة. وفي استعراض لما كان إما غلاً خبيثاً أو محاولة لكسر معنوياتهم، بدأ الكثراكس في قذف صواعق الفراغ في أرجاء المدينة.

وحيثما اصطدمت، انفتح تمزق صغير في الواقع وبدأت مخلوقات وحشية تتدفق فوراً. كان كوريالستراز يسمع صرخات الرعب تتردد في المدينة بينما ضربت هجمات المخلوق الميناء والكاتدرائية والقصر. كانت كل تلك المواقع مكتظة بالسكان، ولم يرد كوريالستراز التفكير في عدد القتلى بحلول نهاية هذا كله. بدلاً من ذلك، ألقى بنفسه مجدداً في المعركة بشراسة أكبر. لم يكن كوريالستراز متأكداً كم من الوقت مضى وهو يقاتل حين لاحظ فجأة الكثراكس يلتفت نحو أنقاض البوابة الغربية ويلوّح بمجسات وجهه المتبقية في ذلك الاتجاه.

وبعد أن تعلم ألا يقترب من الوحش وهو مشتت الانتباه، حلق كوريالستراز بعيداً عن متناول المخلوق قبل أن ينظر ليرى ما جذب انتباهه، ليرى مشهداً جعله يتساءل عما إذا كان قد نُقل فجأة إلى حكايات الشعراء. من الغرب، كان رجل مدرع يمتطي جواداً يتجه نحو المدينة حاملاً مطرقة ضخمة تشع بالضوء أكثر من أي شيء رآه كوريالستراز في حياته.

مطرقة تشبه إلى حد كبير تلك التي كان يحملها أقوى الحراس، "تير"، الذي يتذكر سماع قصص عنه حين كان جرواً...

ولأنه لم يملك وقتاً ليتساءل متى بالضبط انزلقت حياته إلى الأساطير، صرخ كوريالستراز فوراً بالأوامر لكل من يقاتل الكثراكس: "لا تسمحوا للمسخ باعتراض البشري القادم من الغرب! أعيقوه بأي ثمن!"

إذا وصلت تلك المطرقة إلى يدي مستخدم ماهر للضوء، فقد تكون لديهم فرصة حقيقية لإلحاق الضرر بالوحش بما يكفي لإبقائه طريحاً. وصل إيقاع المعركة فوراً إلى ذروة خطيرة جديدة حيث قاتل الكثراكس بتهور، باذلاً قصارى جهده لقتل الجميع حتى يتسنى له توجيه كامل انتباهه نحو التهديد المقترب. تدفق الدم المدنس في الشوارع، وحملت كل ضربة من ضرباته كميات هائلة من طاقات الفراغ. انبثقت مجسات ضخمة من الأرض وحبست إحدى أرجل مايكسنا، مما سمح للكثراكس باقتلاعها في حركة واحدة.

كان جسده يشع موجات مستمرة من الفراغ تمزق النيروبيين الذين يمتطون جسده. بعد صمت دام حتى تلك اللحظة، بدأ الوحش يزمجر بلغة غريبة غامضة مزقت عقل كوريالستراز وتسببت في صراخ العديد من البشر القريبين ألماً. فجأة، انتهى ذلك الألم حين انتشر الضوء فوق ميدان المعركة وطرد الفراغ من عقولهم.

التفت كوريالستراز نحو مصدر الضوء ورأى الرجل المدرع من قبل يقف بجانب رئيس الأساقفة فاؤول، الذي كان يقبض بإحكام على سلاح "تير"

الأسطوري، اليد الفضية. كان كوريالستراز قد التقى برئيس الأساقفة في أكثر من مناسبة بهيئته البشرية، وعرف دائماً أنه رجل طيب القلب بعيد كل البعد عن العنف. ومع ذلك، كان الغضب المطلق على وجه الرجل العجوز كافياً لإخافة حتى كوريالستراز للحظة.

"أيها المسخ القذر المولود من الظل! كيف تجرؤ على مهاجمة هذه المدينة، والتسبب في كل هذا الدمار، وإفساد الكثير من الأرواح! ستجيب أمام الضوء!"

بينما تحدث رئيس الأساقفة بقناعة غاضبة، دفع الضوء المتدفق عبره وعبر المطرقة ضد الفساد الذي سببه الكثراكس، قاتلاً على الفور العديد من الوحوش الصغيرة المحيطة به. لم يترفع المخلوق عن الرد على اتهامات رئيس الأساقفة، بل أرسل ببساطة شعاعاً مركزاً من طاقة الفراغ في اتجاهه. حاول كوريالستراز وعدد من السحرة استدعاء حواجز لحماية الكاهن، لكن أياً منها لم يصمد لأكثر من ثانية قبل أن يتحطم.

لحسن الحظ، لم يكن عليهم عناء ذلك. تصاعد الضوء حول رئيس الأساقفة كمنارة في الليل ودفع الكثراكس في استعراض مبهر للقوة. استمتع كوريالستراز بالألم في صوت المخلوق وهو يصرخ ويحاول حماية نفسه بالفراغ. شهد كل من في العاصمة استعراضاً سيخلد بلا شك في الأساطير، حيث تصارع الفراغ والضوء بشراسة ضد بعضهما البعض. بعد لحظات طويلة، انتهى الاستعراض أخيراً حين اخترقت موجات الضوء درع الفراغ الذي يحميه وأحرقت اللحم عن جسد المخلوق.

تنهّد كوريالستراز بارتياح حين استسلم الكثراكس أخيراً لجراحه وانهار. كان يعلم أنه لم يمت حقاً، وأنه إذا لم يُفعل شيء فسيقوم مجدداً في الوقت المناسب. أما الآن، فقد صار عاجزاً ولن يبدأ حتى في الحراك لأسابيع. كان ذلك أكثر من كافٍ للجوانب لاستعادة قواهم وإنهاء مواجهتهم مع ديث وينج. بينما نظر كوريالستراز حوله إلى الجنود والسحرة والكهنة والنيروبيين الواقفين بين الأنقاض، كان النصر مراً وحلواً.

لقد مات الكثير من الناس، وقبعت أجزاء كبيرة من أكثر مدن الممالك الشرقية سكاناً في الأنقاض، لكن كوريالستراز كان سعيداً فقط لأن الأمر انتهى أخيراً.

"رئيس الأساقفة!"

انتُزع كوريالستراز من أفكاره على صرخة مذعورة، والتفت إلى مصدرها ليرى رئيس الأساقفة فاؤول ينهار على الأرض. كان البشر من حوله يبكون بحرقة ويحاولون تقديم المساعدة، لكن كوريالستراز استطاع أن يدرك أن الرجل العجوز لم يعد يتنفس. لقد سكب قوة حياته وروحه في الهجوم الأخير ضد الكثراكس، مضحياً بنفسه لإنقاذ الكثيرين غيره. في تلك اللحظة، ذُكّر كوريالستراز مجدداً بالمدى الذي يمكن أن يبلغه البشر، رغم هشاشتهم، من أجل الآخرين.