دلف كريفَاكس زحفاً إلى القاعة الإمبراطوريّة للملك تيرِيناس، يتبعه أنوبرِيخان عن كثب، وكلاهما يعقد العزم على إيجاد بقيّة أعضاء الوفد النيروبيّ قبل بدء الاجتماع. بدا لحسن الحظّ أنّ أنطونيداس قد وسّع مساحة القاعة والممرات بسحرِه، ربّما لكي يتّسع المكان لا للسيّد العنكبوت وحده بل وللعدد الكبير من النبلاء الحاضرين أيضاً. كان الملك تيرِيناس حاضراً بالفعل وجالساً باسترخاء على عرشه، يتكلّم بصوت خافت مع بضعة من مستشاريه.
على عكس المرّة السابقة التي بدت فيها الشرفات المطلّة على قاعة العرش خالية، تمكّن كريفَاكس هذه المرة من رؤية العديد من الشخصيات البارزة وهي تتابع المجريات من الأعلى. واستطاع حتى لمح سفير من كويلثالاس، وهو أمر مدهش بالنظر إلى أن الجِزم لم يُبدوا أيّ رأي في الأمر حتى هذه اللحظة.
فكّر كريفَاكس بشيء من المرارة: «لم يرسلوا حتى أحداً للقائنا».
ألقى كريفَاكس نظرة في أنحاء القاعة فرأى حكّاماً من كلّ مملكة يتحدثون إلى دبلوماسيّيهم. وحين التفت لينظر باتجاه ممثلي ستورمويند، لاحظ ساحراً طاعناً في السنّ خمن كريفَاكس أنه لابد أن يكون كادغار، وهو يتحدث إلى أندوين لوثار. كانت هذه هي مرّته الأولى في رؤية الساحر، فحرص كريفَاكس على حفظ ملامح وجهه. ففي نهاية المطاف، كان كادغار رجلاً سيحوز أهمية بالغة لمستقبل أزيروث.
بدا أن الغائبين الوحيدين هم الجيلنيّون. ولعلّ الجميع كانوا ينتظرونهم بالتحديد. أظهرت نظرة ساطعة في أرجاء الغرفة أن بقيّة الوُزراء كانوا حاضرين بالفعل، ويقفون في جزء مخصص للدبلوماسيّين المراقبين، يتحدثون مع أنطونيداس ريثما يبدأ الاجتماع. ولم يكونوا بالصعبة التي تتيح لأحد تخطّيهم وسط الحشد. بعد أن حدد مكان زملائه الوزراء، تقدّم كريفَاكس في جوف القاعة واجتاز طريقه إليهم.
ولاحظ عرضاً أن أحد كهنة المد والجزر في كولتيراس كان يرمقه بنظرة غريبة، لكنّ كريفَاكس قد اعتاد مطوّلاً على النظرات الغريبة من غير النيروبيّين، ولم يكونوا هم وحدهم من يحدّق به، فلم يعر الأمر أيّ اهتمام. حين اقترب، أدرك كريفَاكس أن الوزراء كانوا محميّين بنوع من الحواجز السحرية التي تستحيل معها فهم المحادثة التي تدور بينهم وبين أنطونيداس. ولم تبدُ كلماتهم كطلاسم مبهمة إلا حين عبر كريفَاكس ذلك الحاجز.
—...ناقش هذه المسألة مطوّلاً في وقت لاحق. أمّا الآن، فيتعيّن عليّ الاستعداد للاجتماع القادم.
قال الوزير كرينيس: "بالطبع، أيها الساحر الأعظم"، وبدت أكثر احتراماً ممّا يتذكره كريفَاكس عنها.
"سنعرض مقترحك على الملك العالي. وأنا على يقين من أنه سيجده مثيراً للاهتمام كما وجدناه نحن".
بدا هاديك راضياً بترك كرينيس تتحدث نيابة عنهما، بيد أنه هو الآخر بدا أكثر اهتماماً ممّا توقعه كريفَاكس. أومأ أنطونيداس برأسه باجلال لكليهما وانصرف، يُفترض أنه لكي يتخذ مقعده ممثلاً لدالاران.
قال أنوبرِيخان فور اجتياز الساحر الأعظم للحاجز: "السلام عليكم، أظنّ أن لقاءكم بالساحر الأعظم كان مثمراً أكثر ممّا متوقع".
ردّت الوزيرة كرينيس وهي تومئ بتحيّة لكليهما: "لقد كان رائعاً حقّاً، أيها السيّد العنكبوت. يبدو أن دالاران ترغب في شراء بعض الآثار التي نستخدمها للسيطرة على وحوشنا. إنهم يريدون استخدامها في حربهم ضد الحورد، وهم مستعدّون لدفع ثمن باهظ لقاء أي مخلوقات قد تفيدهم".
وقال هاديك: "حقّاً، لقد بدا الساحر الأعظم أنطونيداس مسروراً للغاية بعد أن أخبرناه بشأن العناكب المفترسة والتشكيلة الواسعة من العناكب التي تحت تصرفنا".
لم يستطع كريفَاكس إلا أن يشعر بصدمة طفيفة بعد أن شرحا الموقف. كان هذا النوع من التطور أمراً لم يتوقعه البتّة، وهو ما يلمّح إلى احتمال تورط النيروبيّين في الحرب بصفتهم... تجّار أسلحة من نوع ما؟
وتلك "الأسلحة"
المزعومة هي بالطبع مخلوقات مميتة تم التلاعب بخصائصها البيولوجية بالسحر.
قال أنوبرِيخان وبدامن نبرته سرور بالغ: "هذه أخبار سيرة. ستتيح لنا اختبار بعض وحوشنا على نحو لم يحدث منذ آلاف السنين. ولعلّه إذا ثبتت فائدة هذه المعلومات للقيادة، يسمح لي الملك العالي بأن ألهو ببعض الأوركات بنفسي".
قيل الجزء الأخير بنبرة حانِنة أوضحت بجلاء مدى رغبة السيّد العنكبوت في اختبار نفسه ضد الأوركات.
سأل كريفَاكس بفضول: "وماذا عرضوا في المقابل؟"
أجابت كرينيس، وبصوتها لمحة جشع: "عرضت دالاران تبادل كميات ضخمة من المكوّنات السحرية الفريدة، وهي تتجاوز بكثير قيمة الوحوش من الذهب. ليس لدي أدنى شكّ في أن مجلس الوزراء سيضغط بقوة لإتمام هذه الصفقة. فهي ستتيح لنا صناعة العديد من العناصر المسحورة أكثر ممّا استطعنا لولاها".
سرّ كريفَاكس أن الأمر كان شيئاً عملياً. فالأسلحة والدروع المسحورة تتطلب موارد لصناعتها، وستحتاج أزجولنيروب إليها بالتأكيد في المستقبل. ومن المأمل أن يساعد إمداد التحالف بالمخلوقات لقتال الحورد في إنهاء الحرب بوقت أقرب وبخسائر أقلّ. وعلى حدّ علمه، كان الأمر ربحاً للجميع. أراد كريفَاكس الاستفسار عن مزيد من التفاصيل، لكنّه تشتت بغتة حين لاحظ الجيلنيّين يقتحمون القاعة الإمبراطوريّة.
بدا الملك غرايمن متجهم كعادته وهو يخطو نحو مقعده، دون أن يبدو عليه أدنى شعور بالندم لإبقاء الجميع منتظرين. فور أن جلس، لم يتردد الملك تيرِيناس في بدء الاجتماع.
سأل تيرِيناس، رغم أنه كان يرى بوضوح أن الأمر كذلك: "هل اجتمعنا كلنا إذن؟ حسناً. الوقت ضيق، فمع كل لحظة نعجز فيها عن حشد جيوشنا الخاصة، يقترب الحورد أكثر. لقد استولوا بالفعل على خاز مودان، وما جمعناه من معلومات منذ ذلك الحين يظهر أنهم لا يبدون أيّ عجلة لوقف زحفهم شمالاً. لقد تفاوض مجلس الممالك السبع بلا كلل منذ اتضاح خطر الحورد لنا، ونجحنا في التوصل إلى عدة اتفاقيات، رغم بقاء بضع أمور تتطلب الاتفاق عليها".
عند كلمات الملك، أومأ كلّ من الملوك الآخرين موافقاً، ممّا جعل كريفَاكس يشعر بفضول طفيف حيال النقاط التي نجحوا فعلاً في الاتفاق عليها. لحسن الحظ، بدأ تيرِيناس بالإجابة عن ذلك بعد لحظات معدودات.
قال تيرِيناس: "لمواجهة خطر الحورد، اتفقت ممالكنا على تشكيل قوة موحدة لكي يتسنى لنا قتال الحورد معاً"، ممّا دفع عدداً من الحاضرين الذين لم يكونوا على علم بمدى تقدم المفاهيم إلى إطلاق همس.
لم تكن الممالك البشرية متحدة منذ تفكك الإامبراطورية الأراتورية، لذا كان هذا بالتأكيد لحظة تاريخية.
"واتفقنا أيضاً على أن دالين بروديمور، لورد أميرال كولتيراس، سيعمل كأميرال أعظم لقواتنا البحرية الموحدة".
حول كريفَاكس بصره نحو الكولتيراسيّين، فلم يرى سوى الأميرال بروديمور وهو يحافظ على جمود تام. كان الاختيار منطقياً وربما قراراً اتُّخذ بيسر. فكولتيراس هي القوة البحرية الأبرز في الممالك الشرقية، ولم يكن هناك فرد واحد من الممالك الأخرى يقترب من حجم الخبرة التي يمتلكها بروديمور.
قال بروديمور ونبرته القوية تتردد في أرجاء القاعة وهو يومئ برأسه باحترام للملك العجوز: "شكراً لك، الملك تيرِيناس. أنا ممتنّ للثقة التي وضعتها في شخصي وحكّامي الزملاء. إن أراد الحورد السفر إلى أيّ نقطة أبعد شمالاً من خاز مودان، فسيتعين عليهم إما المرور عبر امتداد ثاندول أو الغزو بحراً. أقسم لكم جميعاً بمملكتي وداري وشرفي، إن أيّ بحرية بدائية يحاول الحورد حشدها ستُرسل إلى قاع البحر".
عند تلك الكلمات، انطلق العديد من المراقبين في تصفيق استحسان، واثقين تماماً على الأرجح بأن الأميرال سيوفي بوعوده. إذا نجحت رسالتي إلى كراسوس بالفعل في منع أليكسسترازا من الوقوع في الأسر، فقد يفعل ذلك حقّاً. ففي نهاية المطاف، لم يفلح أسطول غزو الحورد قط في هزيمة قوات اللورد أميرال وتجاوزها في النسخة الأصلية إلا بفضل دعم التنانين. وإن خلا الحورد من أيّ تنانين، فإن بحرية كولتيراس تتفوق عليهم بشكل كامل ومطلق.
قال الملك تيرِيناس فور أن بدأ التصفيق يخفت: "لقد توصلنا أيضاً إلى اتفاق بشأن أمور الإمداد اللوجستي، مثل حجم الدعم الاقتصادي والعسكري الذي تستعد كل مملكة لتقديمه".
لاحظ كريفَاكس أن الملك لم يقدم تفاصيل محدّدة حول ما تقدمه كل مملكة فعلياً. وكان بوسعه التخمين بأن بعض الممالك الأقل حماسة، مثل جيلنياس وألترال، تقدم دعماً أقلّ بكثير ممّا ينبغي لها.
"الأمر الوحيد الذي تبقى علينا الاتفاق عليه قبل أن نتمكن من إضفاء الطابع الرسمي على تحالفنا هو اختيار من يتولى القيادة على جيشنا الموحد بصفته القائد الأعلى. ليس من باب التفاخر القول إن لورديرون هي أضخم الممالك، لذا أعتقد أنه من المعقول أن نقود الجيش. وهناك العديد من الفرسان العظام تحت رايتي ممن يمكنهم قيادتنا نحو النصر"، قال تيرِيناس.
قال الملك ترولبين بثقة ودون تردد في طرح نفسه فور انتهاء الملك من الكلام: "مع كامل الاحترام، الملك تيرِيناس، وفي حين أعلم يقيناً أن لورديرون تمتلك جنرالات أكفاء، إلا أنني أؤمن بأن الخيار الأفضل لقيادة قواتنا هو أنا نفسي. ليس لدي فقط أكبر قدر من خبرة القتال بين حكّام الممالك الشرقية، بل إن أراضيّ هي التي يحتمل أن يغزوها الحورد أولاً. دعوا شعب سترومغارد يقود البشرية مجدداً وهي متحدة!"
قاطعهم الملك بيرينولدي مسرعاً: "أنت واهم إن ظننت أن أياً من رجالي سيصغون إليك، يا ترولبين. إن رجلي الخاص، الجنرال هاث، يتمتع بخبرة تضاهي خبرتك وأكثر اعتياداً على القتال ضد احتمالات مستحيلة. ما نحتاجه أكثر من أيّ شيء آخر هو قائد داهية يمتلك وفراً من الحكمة، لا قبضة همجيّة".
لم تكن اللفظة مبطنة على الإطلاق، فأطلق ترولبين نظرة شزر نحو الرجل بسببها. راقب كريفَاكس الحكّام وهم ينفجرون في نقاشات حادة، ورغم معرفته بما يعلمه حول من سيختارونه في النهاية، تساءل كم من ذلك كان حقيقياً وكم منه كان مسرحاً سياسياً. وما إن كادت النقاشات تبلغ ذروتها حتى نهض الأسقف فاؤول من مقعده، ممّا أدى فوراً إلى هدوء القاعة.
قال الأسقف فاؤول بهدوء، مستحوذاً على انتباه الحاضرين أجمعين: "بينما تظلّ كنيسة النور المقدّس ملتزمة بدعم هذا التحالف، بغض النظر عمن يقود جيوشه، فإنني أودّ طرح توصيتي الخاصة لمنصب القائد الأعلى".
وحتى إن لم يمتلك جيوشاً خاصة به، فقد عرف الجميع أن الأسقف شخصية نافذة للغاية وأن توصيته ستؤخذ على محمل الجد.
وأردف الأسقف وهو يحول بصره إلى أندوين لوثار: "لا يوجد هنا سوى شخص واحد يمتلك أكبر قدر من الخبرة في قتال عدونا الحالي، والذي يستحق أكثر من أيّ شخص آخر فرصة قيادة قواتنا ضدهم".
إن كان هذا مسرحاً سياسياً، فإن نظرة وجه لوثار كانت كافية لتأكيد كريفَاكس بأنه لم يكن على علم بالأمر.
"لقد خدم أندوين لوثار بإخلاص بصفته بطل ستورمويند لسنوات عديدة، وهو آخر سليل حقيقي لسلالة أراثور العريقة. لقد قاتل الحورد بشجاعة لعدة سنوات، دون مساعدة، وأنقذ أرواحاً لا تحصى عبر تنظيم عملية إخلاء حين عجزت ستورمويند عن القتال بعدُ. لا أستطيع التفكير في شخص آخر يكون أكثر أهلية لخدمة منصب قائدنا الأعلى".
وعقب قوله هذا، عاد الأسقف إلى مقعده وأصخى كريفَاكس السمع إلى المحادثات التي اندلعت في القاعة. لقد أدرك أن كلّ ملك أراد أن يكون المسؤول، لكنهم كانوا مصممين بشراسة على عدم رؤية أيّ حكّام آخرين في مكانهم يقودون جيوشهم. لم يكن لوثار ملكاً فحسب، ممّا جعله محايداً في صراع السلطة لممالك الشمال، بل امتلك أيضاً سلالة مرموقة جعلته من النبلاء بدرجة لا تشعر أيّ من الحكّام بأنه تعرّض للازدراء.
ذلك، إلى جانب خبرته والمساعدة المحتملة التي قد تقدمها كويلثالاس نتيجة سلالته، جعل من اختياره الخيار البديهي. وسيكون مدفوعاً أيضاً نحو هزيمة الحورد واستعادة ستورمويند فوق كلّ اعتبار. وسرعان ما أخذت المحادثات تميل بشكل متزايد نحو الفكرة، وما لبث الملك تيرِيناس أن سأل لوثار عمّا إذا كان مستعداً لقبول التكليف. بدا لوثار مصدوماً بوضوح، لكنّ تعبيرات وجهه لم تلبث أن استقرت على تصميم شديد.
أجاب وصوته مسموع بوضوح لكل الحاضرين: "أنا أقبل التكليف. سأقود قواتنا ضد الحورد".
سأل تيرِيناس وهو يجول ببصره في أرجاء القاعة: "وهل يوافقني ملوكي الزملاء على هذا القرار؟"
لم يُبدِ أيّ من الحكّام المجتَمِعين أيّ اعتراض، بما في ذلك غرايمن ويرينولدي.
قال الملك تيرِيناس، وباتت تعبيرات وجهه تتسم بالوقار استعداداً لإعلان ما أدرك الحاضرون أجمعون أنه سيخلد في التاريخ: "إذن لم يتبقَّ شيء يتطلب الاتفاق. وعليه، فإنني أنا الملك تيرِيناس منيثيل الثاني، أعلن بموجب هذا تأسيس تحالف لورديرون! سنقف معاً، متّحدين، كما فعل أسلافنا قبل زمن طويل في الإمبراطورية الأراتورية! ومن اللائق تماماً إذن أن يكون قائدنا من تلك النخبة الحاكمة العريقة. نحن، ملوك التحالف، نعيّن اللورد أندوين لوثار، بطل ستورمويند، قائداً أعلى لنا!"
انفجرت القاعة فوراً بالهتافات والتصفيق حين أبدى النبلاء المجتمعون دعمهم الحماسيّ للتحالف وقائده الأعلى. ولم يكد يتبقى أحد لا يساوره القلق بشأن الحورد، لذا سرّ الجميع برؤية خطوة تُتخذ أخيراً.
قال أنوبرِيخان وصوته أكثر مرحاً ممّا سمعه كريفَاكس من سيّد عنكبوت قط: "أخيراً. لقد كنت أنتظر هذا منذ علمنا بأمر الحورد. أتطلع بشوق لنرى ما إذا كان هؤلاء البشر يرقون إلى مستوى بأس أسلافهم الفريكل أم لا".
قالت الوزيرة كرينيس وبوجهها تعبير معقد وهي تراقب البشر المهلّلين: "لو سمعتك تقول مثل هذا الكلام قبل مجيئنا إلى الممالك الشرقية، لعتبتك سخيفاً يا سيّد العنكبوت. ولكني وجدت نفسي مندهشة مرّة تلو الأخرى ممّا رأيته في دالاران. ولعلّ هؤلاء البشر سيفاجئونني مجدداً".
لم يُبدِ هاديك رأيه الخاص، لكنّ كريفَاكس عرف معلمه بما يكفي ليتبين أن رأي الوزير في البشر أخذ يتطور ببطء هو الآخر. لا شيء يقترب من حبهم باستثناء ربما قلة في دالاران اعتبرهم أقراناً، لكنّ كريفَاكس استطاع ملاحظة أنه يحمل قدراً معيناً من الاحترام لهم لم يكن موجوداً من قبل.
سأل تيرِيناس فور أن بدأ التصفيق يخفت: "القائد الأعلى لوثار، أين شيئ تودّ قوله قبل أن نختتم هذا الاجتماع ونشرع في الاستعداد للحرب حقّاً؟"
صمت أندوين لوثار لعدة لحظات بينما وجهت أقوى الشخصيات في الممالك الشرقية انتباهها نحوه أجمعين. لم يعلم كريفَاكس ما الذي يدور في خلد الرجل، وعجز عن تخيل ما يشعر به.
قال أندوين لوثار وعميق صوته يتردد في القاعة الصامتة لولاه: "أيها الرجال والنساء الزملاء في التحالف، أقف أمامكم اليوم كرجل متواضع أمام ثقل الواجب والثقة اللذين وُضعا على عاتقي. كما تعلمون، تتعرض أراضينا وحياتنا للخطر على يد عدو شرس وهمجي، وهو الحورد".
توقف لوثار، وبدت تعبيرات وجهه مشحونة بالعواطف.
تابع لوثار وبدأت نبرة غضب تسري في صوته: "لقد وصلوا إلى ستورمويند قبل عدة سنوات وباشروا فوراً اقتحام أراضينا وخريب بيارنا وذبح شعبنا، وقوبلت كل محاولة للدبلوماسية ازدراء وعنفاً. وما هي إلا سنوات قليلة حتى علمنا أن هؤلاء... المخلوقات أتت من عالم آخر دُمّر بسحرهم الدنيء. لا يمكن أن يكون هناك سلام في أراضينا ما دام الحورد موجودين، وإلا فإن عالمنا سيشهد نفس مصير عالمهم الخاص".
استطاع كريفَاكس رؤية كلمات لوثار وهي تبدأ في إزعاج العديد من النبلاء المجتمعين. فلم يرغب أيّ منهم في تصديق أن أراضيهم قد تنتهي مثل ستورمويند، أو أن الحورد قد يشكلون خطراً على العالم بأسره.
صاح لوثار ممّا أثار حماسة الجمهور: "منذ وصولهم، دأب الحورد على الدفع شمالاً، لكن ليس بعد اليوم. لن ننكمش خوفاً بعد الآن. ولن نغضّ الطرف عن المعاناة التي تلحقها هذه الوحوش بهذا العالم! أقف اليوم أمامكم بصفتي القائد الأعلى للتحالف، وأتعهد لكم جميعاً بأنني سأبذل كل ما في وسعي للدفاع عن أراضينا وتدمير الحورد".
حيث كان القلق حاضراً حيال الخطر القائم، بدا وكأن كلمات لوثار باتت تبث الحيطة والنشاط في نفوس السامعين. وبدا النبلاء من شتى الممالك البشرية المتجمعة مصرّين ومتحمسين، بل وربما متلهفين لمواجهة الشرّ الأعظم في عصرهم.
"أعلم أن هذه لن تكون مهمة سهلة. فالأوركات خصم هائل، ولن يتوقفوا عند شيء لرؤيتنا نسحق تحت أحذيتهم. لكننا نحن التحالف! وكما عجز التراول عن أمل هزيمة البأس المشترك للبشرية، فلن يحظى الحورد بمصير أفضل! لن ترتاح جيوشنا حتى نؤمن الأمان لشعبنا والنصر للتحالف!"
حين انفجرت القاعة في هتافات وتصفيق صاخب، لم يستطع كريفَاكس إلا أن يشاركهم، متجاهلاً استياء معلمه الطفيف. وأدرك أن هذه كانت لحظة سيتذكرها غالباً طوال بقية حياته.
طار كوريالستراش بأقصى سرعة ممكنة وهو يقترب من موقع محبوبته. لو كانت محتويات الرسالة الغامضة صحيحة، فإنهما يقتربان بسرعة من النقطة التي نصب فيها العفاريت كميناً لها مستخدمين روح التنين. لم تمنحه الرسالة موقعاً دقيقاً، لكنهما كانا قريبين من غريم باتول لدرجة جعلت كوريالستراش يشعر بالقلق والغضب يلتهمان كيانه. لحسن الحظ، بدا أن أليكسسترازا ورفاقه الأزواج قد توقفوا للاستراحة على أحد الجبال التي تتألف منها المرتفعات.
وبينما كان يطير، أبقى كوريالستراش عينيه مفتوحتين بحثاً عن أي عفاريت يحملون روح التنين، أو دستوينغ نفسه، وليحمي الملوك من الشر. لن يكون الأمر جيداً لو نجح في الوقوع بالأسر بسبب لحظة غفلة عابرة. لم يدْرِ كوريالستراش ما سيصنعه لو اصطدم بجانب التنين الأسود، لكنه أمل أن يتمكن على الأقل من جعل موته صاخباً بما يكفي لتحذير ملكته. وعندما سمع زئير تنين يتردد صداه عبر المرتفعات، اعتقد كوريالستراش لفحظة أن أسوأ مخاوفه تتحقق.
ومع ذلك، بمجرد أن هدأ أدرك أن النداء صادر من إيلوراش، الزيجة الأصغر الثانية لمحبوبته. لم يبدُ الصوت صادراً عن ألم أو غضب، لذا كان مرجحاً أن رفيقه قد لاحظ اقترابه فحسب وبادر بتحيته. لم يتردد كوريالستراش في إطلاق ندائه الخاص رداً على ذلك، نداءً مفعماً بكل القلق الذي استبدّ به منذ اللحظة التي تلقى فيها الرسالة. لعل هذا كان سبب انتظار ملكته وزملائه الأزواج له بتعبيرات قلقة بمجرد أن حلق فوق الجبل الفاصل بينهما.
ورغم ذلك، لم يشغل كوريالستراش بملك بأي من هذا، لأنه وما إن رأى أن محبوبته بأمان ولم يقع العفاريت في أسرها، حتى طار إلى جانبها واحتضنها. كان معظم التنانين الآخرين ليطرحوا أرضاً من قوة الاصطدام، لكن هيئة أليكسسترازا الحقيقية ظلت دائماً أكبر بكثير من هيئته الخاصة.
"كوريالستراش؟ لماذا أنت هنا ولسنا في دالاران؟ ما الأمر؟"
سألته أليكسسترازا بصوت ينم عن قلق عميق. وأظهر تيليناستراش، وروستراش، وإيلوراش قلقهم أيضاً وهم يحيطون بهما. أراد جزء منه الاستمرار في الاستمتاع اللحظة، لكن كوريالستراش أدرك أنه لا يستطيع. لو وُجد أي احتمال لوجود دستوينغ بالقرب حقاً، فلن يتحمل تأخير إخبار ملكته ولو للحظة واحدة.
"مولاتي، أنا هنا لأن أحدهم أرسل لي رسالة مجهولة المصدر تتضمن معلومات وجدت... أنها مقلقة للغاية"
قال كوريالستراش. شرع بسرعة في شرح تسلسل الأحداث الذي دفعه لمغادرة دالاران ومطاردة ملكته، مستخدماً ذاكرته المثالية لسرد محتويات الرسالة كلمة بكلمة. عندما بدأ كوريالستراش الحديث أول مرة، لم يبدُ أن رفاقه الأزواج أو محبوبته يصدقونه أو يأخذون الأمر بجدية تامة. ولكن عندما اتضح أن الرسالة التي تلقاها تحتوي على معلومات لا ينبغي لأحد سواهم معرفتها، بدأت تعبيرات وجوههم تتخذ طابعاً جاداً.
وبعد أن انتهى من شرح الموقف برمته وما يخطط دستوينغ والعفاريت لفعله بأليكسسترازا بمجرد أسرها بروح التنين، كان الشيء الوحيد الذي يمنع التنانين المتجمعة من الهياج هو خطر احتمال وجود دستوينغ بالقرب.
"أتملك أي فكرة عمن أرسل هذه الرسالة؟"
سأل تيليناستراش، أول الأزواج هدوءاً.
"لا أعرف على وجه اليقين، لكني أعتقد أنها جاءت على الأرجح من النيروبيين"
قال كوريالستراش فوراً.
"هم الوحيدون في دالاران الذين يمتلكون سحراً لا أعرفه، رغم أنني لا أستطيع البتة تخمين كيف توصلوا إلى معرفة روح التنين".
"يعيش النيروبيون بالقرب من معبد ويرمريست، لكنني لا أتوقع منهم معرفة هذا القدر"
قالت أليكسسترازا، محاولة السيطرة على نفسها بعد سماع أن دستوينغ قد لا يزال على قيد الحياة.
"أسف الآن لأننا لا نملك أحداً يعيش في مملكتهم".
"ألم تفكر في أن الرسالة ربما أُرسلت من أحد أفراد قبيلة التنانين السوداء؟"
سأل إيلوراش.
"من المحتمل أن يكون أحددهم قد نجح في الإفلات من فساد الملوك القدامى".
"لم أكن لأفعل، لكنه أمر سأضعه في الحين لاحقاً"
أجاب كوريالستراش.
"أما الآن، فأعتقد أن من الأفضل أن نتعامل مع الأمور القائمة. يجب أن نتحقق مما إذا كانت محتويات الرسالة دقيقة أم لا".
"كيف تنوي فعل ذلك؟ لا يمكن التجسس على روح التنين، ولن أسمح لأي منا بالمخاطرة بالاقتراب من غريم باتول إن وُجد أدنى احتمال لوقوعنا في الأسر"
قالت أليكسسترازا بحزم قبل أن تستطرد بحزن.
"إذا كان ما تقوله صحيحاً فقد فقدنا أوستراش بالفعل ولن أسمح لك بإضاعة حياتك فقط لحمايتي".
سنفعل جميعاً على أي حال، لم يستطع كوريالستراش إلا أن يفكر لكنه لم ينطق بها. كانت محبوبته تهتم لأمرهم كثيراً، وتلك كانت أسوأ نقاط ضعفها وأعظم نقاط قوتها في آن واحد.
"الأمر بسيط، حتى وإن تعذر علينا التجسس على روح التنين، فإن تجسست على منطقة عامة وكانت روح التنين داخلها، فستكون حماياتها المضادة للتجسس واضحة للعيان"
قال كوريالستراش بثقة. لقد كانت نقطة ضعف معروفة للسحر المضاد للتجسس أنه لا يستطيع حماية شيء تماماً إذا كان الساحر الذي يقوم بالتجسس يعرف موكعه. ولهذا السبب احتاج السحر إلى بذل جهود إضافية للتأكد من أن المواقع المادية التي تُخفى فيها القطع السحرية القوية تظل سرية. كانت معظم الحمايات تجعل الشيء يبدو كنقطة مفقودة في أي صور تنتجها عملية التجسس. وحتى أكثر الحمايات تطوراً، التي تجعل الشيء يبدو وكأنه يندمج مع محيطه، تترك وراءها أثراً على تعويذة التجسس يمكن لساحر ذي خبرة ملاحظته.
وإذا كان هناك شيء واحد يملكه كوريالستراش بغزارة، فهو الخبرة. بعد شرح استنتاجه، وافق الجميع وسرعان ما ألقى كوريالستراش تعويذة تجسس تلقي نظرة داخل غريم باتول. تجسدت على الفور صورة لعفاريت يسكنون القلعة القزمية في الهواء أمامه. تجاهل كوريالستراش العفاريت وهو يمسح غريم باتول بسرعة، منتبهاً بسحره إلى أي علامة تدل على تأثره بتعويذة مضادة للتجسس. صلى كوريالستراش للملوك كي تكون محتويات الرسالة مجرد كذبة مريضة وألا يجد أي شيء يستحق الاهتمام داخل القلعة.
لحسن الحظ، أم لسوء الحظ، لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى اتضح لهم جميعاً أن الرسالة لم تكن كاذبة.
قالت أليكسسترازا وصوتُها ينبض بذعرٍ متصاعد: "توقّفْ هناك يا كوريالسترازا. ذلك الأورك. فيه شيء مختلف".
وجّه كوريالسترازا تعويذته نحو الأورك الذي أشارت إليه ملكتُه، وهو يبدو أصغر سحنةً ويخطو باسترخاءٍ داخل القلعة. لم يتبين كوريالسترازا أيَّ اختلافٍ في هذا الأورك تحديداً، لكنّ ذلك لم يستمر إلّا حتى توقف الأورك فجأةً والتفت ليطالع الأعلى، مباشرةً نحو تعويذة الاستطلاع.
صاحت أليكسسترازا مذعورةً: "يا كوريالسترازا، أنهِ التعويذة الآن! ليس ذلك بأورك، بل إنه ديثو—"
لم تكمل أليكسسترازا كلامَها إذ رفع الأورك يديه فجأةً فامتلت الصورة المعروضة بحلكةِ سوادٍ بهيمٍ زرعتِ الرهبة في قلب كوريالسترازا. انفتحت عدة مجسات ضخمة من ذلك الظلام وألقت بنفسها نحو كلٍّ من التنانين بسرعةٍ لم تمنح كوريالسترازا فرصةً للرد. ولم يدرك أنها كانت مغطاةً بأفواهٍ تعجُّ بأسنانٍ حادّةٍ كالشفرات إلّا بعد أن التفاَّ أحد المجسات حول أحد جناحيه. لو لم تحرق محبوبتُه تلك المجسات بعد لحظاتٍ بأنفاسها النارية، لتيقّن كوريالسترازا من أنه أُصيب بجرحٍ سيجعل الطيران عليه شاقّاً.
سألت أليكسسترازا فور زوال تعويذة الاستطلاع الملوّثة وآخر مجسٍ: "هل أصيب أحدٌ منكم؟"
قال تيراناسترازا: "أُصبتُ بجرحٍ طفيفٍ في ساقي، لكنّني أظنّني بخير".
قالت أليكسسترازا بإلحاحٍ: "جيد، يمكننا مداواته لاحقاً، لكنّ علينا مغادرة هذا المكان فوراً. لم يكن ذلك أوركاً، بل كان ديثوينغ. لأعرفنّه في أي مكان. يجب أن نرحل قبل قدومه، فهو أقوى بكثيرٍ من أن أهزمه بلا عون بقية الجوانب".
ما اعترض أحدٌ منهم، وكلُّهم شوقٌ للابتعاد عن هذا المكان بأسرع ما يمكن.
قال كوريالسترازا، وهو يبدأ في تلاوة التعويذة: "سأنقلنا من هنا بالانتقال الآني. لن أستطيع حملنا خُماسيّاً لمسافةٍ بعيدة، لكنها ستكفي ليصعب على ديثوينغ العثور علينا بسهولة".
وحين اختفت ملكة التنانين وأزواجُها في وميضٍ من ضوءٍ بنفسجيّ، غمرت كوريالسترازا مشاعرُ متداخلة. لقد سرّه أنه أنقذ محبوبتَه من مصيرٍ مروعٍ، غير أنّ الرعب أتاه من إدراك أن ديثوينغ لا يزال على قيد الحياة وبحوزته روح التنين. مادام الجانب الملوّث محتفظاً بسيطرته على الأثر الوحيد الكفيل بضمان انتصاره على بقية الجوانب وسائر التنانين، فكيف لهم أن يأملوا في هزيمته؟
فور غلبت سحر أليكسسترازا المألوف على تعويذته، غلى ديثوينغ بغضب صامت. ولم يكلف نفسه عناء إضاعة وقته في مطاردة الجناح الهارب، إذ كان يعلم أنها ستكون قد اختفت بحلول وقت وصوله. وفي هذه اللحظة، كان جلّ ما يهمه هو معرفة كيف اكتشف سرب التنانين الحمراء خططه. فلن يكون هناك أي سبب يدفعهم للتجسس على غريم باتول وإلا! وكان ديثوينغ يتجول للتو داخل القلعة متنكراً في هيئة أوركي، متخيلاً بشغف اللحظة التي توتّر فيها خططه ثمارها، ويجرُّ الأورك ملكة التنانين إلى السجن الذي أعده لها.
وكان يريد حقاً أن يكون في القلعة ليشهد لحظة تقييدها بالسلاسل بعينيه. وكان كل شيء يسير وفق الخطط تماماً عندما شعر فجأة بأنه مراقب عبر تعويذة تجسس، وأحس بحضور أليكسسترازا على الجانب الآخر! وكان يعلم أنه لا توجد أي إمكانية لأن تكون ملكة التنانين قد عجزت عن التعرف عليه، لذلك لم يتردد في تدمير التعويذة وإرسال هدية مرتدة إليهم. وأمل ديثوينغ بشدة أن يكون قد نجح على الأقل في قتل أحد قرنائها المثيرين للشفقة، رغم أن أي شعور بالبهجة حيال هذه الفكرة قد قُمِع بغضب عارم مما يعنيه هذا كله.
فقال أحدهم: "أنت! ماذا تفعل واقفاً هكذا فحسب؟ لقد أمر الزعيم الجميع بـ..."
وأسكت ديثوينغ الأورك المثير للشفقة الذي اقترب من خلفه غارزاً قبضته في رئتي المخلوق بسرعة تجاوزت استيعاب عقله البشري. واستغرق الأمر ثانية واحدة فقط ليُستدعى ديثوينغ لهب الظل، محرقاً المخلوق حتى العدم في لحظة واحدة مؤلمة. وأتاح قتل الأورك لديثوينغ أن يهدأ بالقدر الذي يمكنه من التفكير على الأقل، رغم أنه ظل غاضباً تماماً. وإذا كانت أليكسسترازا تعلم بوجوده هنا، فإن أي خطط قد تراوده لاستخدامها كفرس تككاث وإخضاع سرب التنانين الحمراء لسيطرة الحشد ستُدمّر كلياً وجزئياً.
ولن يمتلك الحشد أي تنانين حمراء لاستخدامها في تدمير الممالك البشرية، وستحشد أسراب التنانين مواردها لقتله بمجرد أن تدرك عودته. ورغم ذلك، وطالما أنه يمتلك روح التنانين، فلن يكون بمقدورهم فعل الكثير بشكل مباشر، فبينما لم يكن يستطيع استخدامها بنفسه، كان بإمكان أتباعه ذلك. وعلى الرغم من أن قدرتهم على استخدامها مقارنة به ستكون ناقصة تماماً، إلا أنه كان لا يزال من الممكن استخدامها لإسقاط أحد الأجنحة إذا ما أبدوا من الحماقة ما يجعلهم يظهرون، ولم يكن بإمكان أي تنانين أخرى مجاراته بشكل مباشر.
وتأمل ديثوينغ خياراته بغضب لعدة لحظات قبل أن يصل إلى استنتاج. أظن أن خططي ستحتاج إلى التغيير، رغم أنه إذا كانت أسراب التنانين قد اكتشفتني، فلا حاجة بعد الآن للتحلي بالدقة. وكانت هناك باردة موارد تخلّص منها ديثوينغ لكي لا يثير الشكوك من حلفائه السابقين، بما في ذلك المخلوقات التي تعيش تحت القلعة ذاتها التي كان يقف فيها حالياً. ويمكنه جلب أطفاله الضالين لخدمته بشكل مباشر أكثر الآن أيضاً، وإخراجهم من الحفر التي اختبئوا فيها منذ هزيمته قبل آلاف السنين.
بل إنه يجب عليهم شكره، لإخراجهم من مخابئهم للضرب مجدداً ضد أسراب التنانين التي طاردتهم منذ اختفائه. ومع ذلك، كان سرجه متراجعاً للغاية، وكانت رفقائه أضعف من أن ينجو ليمنحوه المزيد من الأطفال منذ تعزيز قوته. وبغض النظر عن الشخص الذي يستدعيه، فلن يكون هناك عدد كفي من التنانين ليستخدمها الحشد... ما لم... ربما سيمتلك دراغونو ما تنانينهم بعد كل شيء... وتلوى فم ديثوينغ في ابتسامة شريرة بينما كان يدرس خياراته المتاحة الآن.
ومع ذلك، وقبل أن يتمكن من فعل كل ذلك، كانت هناك أشياء قليلة يحتاج ديثوينغ لفعلها أولاً في لورديرون قبل أن تُكتشف هويته البشرية. ولن يكون ذلك فرصة جيدة له لجمع المزيد من المعلومات حول تحالف البشر فحسب، بل احتاج ديثوينغ أيضاً لمعرفة كيف تُدمّر خططه الموضوعة بعناية. ولحسن الحظ، كان أسياده عالمين بكل شيء، وقد وجهته همساتهم نحو العاصمة. وكانت لديه حدس حول السبب.