رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 40

اقرأ رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 40 باللغة العربية على مانجا تايم.

عبر توراليون أروقة القصر الملكي في العاصمة بيسر وليد خبرة طويلة. قادته خطاه حيث ينبغي له بلا تفكر بينما شرد ذهنه بعيداً. طالما جاب هذه المرابع مع أبيه في صباه، ثم بتردد أكبر حين صار كاهناً في كنيسة النور المقدس لأسباب تخص عمله، مثل اليوم. عمل بلا كلل لأسابيع، شأنه شأن كهنة الكنيسة أجمعين، لإعانة جموع لاجئي ستورمويند ممن فروا من هدم الحشود لموطنهم هنا في لورديرون.

بصفته أحد أجلّ كهنة الكنيسة وتلميذاً خاصاً لرئيس الأساقفة، قاد بنفسه معظم مساعي الكنيسة بينما شارك معلمه في مجلس الممالك السبع. كان ذلك أشق عمل واجهه وأعظم اختبار لقدرته القيادية، لكنه خاضه بعزيمة تامة لإنفاذه، لأن أهل ستورمويند احتاجوا إليه. استقرت مساعيهم أخيراً بما يكفي للاستغناء عن إشرافه الدائم، وصار بمقدور مسؤولي الكنيسة الآخرين تسيير الأعمال اليومية ليتفرغ هو لمعاونة معلمه هنا أثناء المباحثات.

تمتع اللاجئون المحتاجون للشفاء والرعاية بصحة جيدة، ووفرت مأوى مؤقتاً يضم غالبيتهم، إن لم يكن في رفاهية، ففي يسر على الأقل. نال الجميع كفايتهم من أكل وشرب، وجرى تدارك أخطار العنف أو تفشي الأوبئة بسبب التدفق البشري الهائل على العاصمة. لا يُقال قط إن الكنيسة عديمة العدة أو الموارد أو العزم لإغاثة طالبي حضن النور، وتلك حقيقة يفاخر بها. ورغم ذلك تمنى لو بوسعه فعل المزيد، سيما حين يضمد الجراح البدنية والنفسية للمحتاجين.

مع ذلك، منحه النور قوة سيحرص على تسخيرها للآخرين كما علمه معلمه. لهذا حين سمع صوت نواح في طريقه إلى قاعة المجلس، قادته خطاه تلقائياً إليه، وتصرف جسده من تلقاء نفسه لإنجاد الآخرين. تبين مصدر النواح سريعاً في هيئة شاب، الأمير فاريان رين من ستورمويند، منطوٍ في كوة غير بعيدة عن قاعة المجلس. إنه لمنظر اعتاده توراليون كثيراً في الأيام الأخيرة، لذا تصرف كمن فعل ذلك مئات أو آلاف المرات من قبل.

قال توراليون برفق معلناً حضوره، مما جعل الأمير الشاب ينتفض فزعاً: "ما بك يا بني؟ أعذر اقتحامي يا صاحب السمو، لكنك تتألم وبصفتي خادماً للنور، أرغب في العون بأي سبل أملكها. ما الذي يحزنك هكذا؟"

بدا الأمير فاريان عازفاً عن الكلام، مكتفياً بدفن رأسه بين ركبتيه.

حاول توراليون سبيلاً أخرى: "أعلم أن قومك سيلقون كرباً شديداً إن علموا بحالك وقعدت عن نصرتك. أنا واحد من كثر عملوا بجد لتفريج كسيّدهم، ويجمع كلهم على حب أميرهم الذي حماهم، وهرب بهم إلى بر الأمان، ويزور مخيماتهم حتى الآن ليمنحهم الطعام وجميل القول في هذه العتمة حالكة السواد. حقاً ليتمنون المثل لك..."

بدا أن كلماته بلغت الأمير إذ رفع رأسه ورمق توراليون بملء عينيه، وقد احمرتا واختلطت بوجنتيه آثار الدموع.

هتف الأمير فاريان أخيراً بغلبة شعور جارف: "إنهم قادمون... إنهم قادمون وستتكرر المأساة بأسرها! أحرقوا مملكتين أخريين و- ونحن لا نزال مكبلين! بل إن غيلنياس وألتيراك تهددان بالانسحاب من المحادثات برمتها! ألا يدركان وجوب تعاوننا؟! ألا يعلمون أن السكوت سيجعل كل بقعة نسخة مطابقة لستورمويند، بلا مهرب هذه المرة؟!"

طوال هذا ظل الأمير فاريان يبكي، وانصدع صوته تحت وطأة الأسى والغضب، غارقاً في اليأس.

أردف ببطء: "وعدت أبي وأمي بحماية قومنا... وأنا أنكث وعدي... كان حري بي أن أموت ذلك اليوم، لا هما. لفعلا ما هو أفضل من الجلوس هكذا بلا طائل. لا حول لي ولا قوة، وكل شيء سيتحول إلى رماد بسبب هذا!"

ثم أشاح بوجهه عن نظرات توراليون خجلاً.

وختم بنبرة منكسرة: "لا بد أنهم يكرهونني... على قومي أن يكرهوني... لقد تخلى النور عنا جميعاً".

عند تلك الكلمات، انكسر شيء في داخل توراليون. نهض من جلسته قرب الأمير الشاب، وأمسك كتفه برفق، وتكلم.

قال موجهاً الأمير نحو قاعة المجلس: "تعال معي".

أربك الأمير الأمر المباغت: "مـ... ماذا؟ لم؟"

رد توراليون بعزم وهو يقوده قدماً، متأثراً بطوفان مشاعره وفزعه اللذين سهلا انقياده: "لنلقي بعض العقل في رؤوس أولئك الحمقى".

ما إن بلغا مدخل قاعة المجلس، حتى علت أصوات صاخبة خلف الأبواب الثمينة التي يحرسها نفر من الفرسان.

حاول أحدهما اعتراضه حين اقترب: "قف! المجلس في انعقاد ووحدهم—"

صرح توراليون دون أن يمنح الفارس فرصة للرد، دافعاً إياه جانباً ليفتح الباب بدفعة قوية خلفت صريراً هزا أركان المكان وأذهل الحاضرين بينما واصل تقدمه: "أنا المساعد الشخصي لرئيس الأساقفة وضيف أمير ستورمويند. ستسمح لي بالدخول".

متجاهلاً صيحات الاستنكار من قبيل «ما هذا المعنى؟!»

و«من تجرأ على مقاطعتنا؟!»، طبق توراليون الباب خلفه، وقاد الأمير ليجلس في المقعد الخالي بجانب السير لوثار، ثم صعد أخيراً فوق الطاولة المستديرة التي يلتف حولها المجلس.

تجاهل احتجاجاتهم المذهولة حين لمس حتى معلمه ألونسوس يرمقه بوجوم وحيرة وهو يشرف عليهم جميعاً.

أدار رأسه ببطء حول الطاولة، مطيلاً النظر في ملكي غيلنياس وألتيراك، قبل أن ينطق: "أنتم جميعاً حمقى!"

صرخ، مدعوماً بنور يستعر في جوفه. غضب أشد الغضب بما لم يعهده في حياته، لأن هؤلاء القوم، الحكام المفترضين بالرجاحة والحكمة لشتى بقاع البشر، أوقعوا طفلاً كابد أهوالاً عجز العالم عن احتمالها في الشك بذاته وبعقيدة النور فيه. كان النور حليفاً للجميع، وهو سيبين ذلك.

"جلستم هنا تتهامزون لأسابيع، بينما الحشود تزحف نحونا! تتنازعون في سفاسف الأمور، وتتصارعون على النفوذ، وتنكشون ضغائن بالية وأباطيل شتى، فيما قوة غريبة قوامها الغزو والدمار تدنو خطوة بخطوة! دمرت ستورمويند بالفعل، وتشتت شعبها أو ما هو أσوأ، وأنتم تبددون الوقت في المناورات السياسية بينما حري بنا التكاتف لمواجهة هذا العدو صفا واحد! إن لم تفعلوا فستبباد الممالك وتُحرق المدن تماماً كستورمويند، ويُتّم أطفالكم كالأمير فاريان إن كتب لهم البقاء!"

التفت توراليون للأمير والسير لوثار بنظرة فخر.

"هذان الاثنان نجوا مما لم ينج منه أحد منذ أجيال. حمايا قومهما حتى حين ضاع كل شيء، وأتيا نلتمس العون. ومع ذلك، تقدما لصد الحشود حتى لا يتكبد أحدنا ما قاسياه. لكننا نخذلهما بالقعود عن التحرك الآن بينما يقترب خصومنا."

عاد والتفت إلى المجلس.

"أقزام وجنومات خاز مودان ليسوا سوى ضحية أخرى لتقاعسنا، شعبان لم يلحقا أذى بأحد وكانا جارين صالحين لنا جميعاً. سلبت الحشود أرضهما وتستعد الآن لتكرار الكرة معنا، وأنتم مكانكم لا تبرحون!"

استشعر توراليون وهج النور داخله، رامقاً إياه وهو يشع مرئياً من جسده ليدفع أعضاء المجلس للتراجع قليلاً أمام السطوع، سوى معلمه الذي طالعه‌ای بعينين واسعتين.

"إن عجزت البشرية عن التكاتف كتكاتف أسلافنا ضد العوائل فسنخلد في الذاكرة كقوم استطاعوا إنقاذ أثيروث لولا كبرياؤهم الذي حال دون تنحي أطماعهم السياسية جانباً. لكن إن قامت للبشرية قائمة فنستطيع تغيير مجرى التاريخ لنغدو حماة أثيروث في وجه الحشود، بل وأي خطر محتمل! هناك أراض وشعوب تفوق شواطئنا الطيبة استحقاقاً للحماية كما ستورمويند! عوالم أخرى ترقد وراء عالمنا تحوي من الخير والشر ما ينبغي الاستعداد له! ومن يدري ما يكمن خلف المدارك!"

بدا النور متوقداً في توراليون عندئذ، لكنه عوضاً عن إعماء الحاضرين، اجتذبهم إليه مع تواصل حديثه: "فهلم نتكاتف لنثبت لكل بقعة عتمة وشر في الكون أن قوى الخير بالمرصاد متى ظهرت نوايا الموت والدمار! أن الأبطال سينهضون للذود ودحرها! وأننا إذ نسعى للنزاع طلباً للسلام، فلنحيا أبنائنا وننشأ بأمان!"

تراءى توراليون كجذوة نار، وانسالت الكلمات من منبع عصي على التفسير لكنه تيقن وجوب نطقها: "لنتحد من أجل الجميع! لنتحد باسم النور! لنتحد لنغدو التحالف الذي أيقنت قدرتنا عليه! والأهم من هذا..."

استعر توراليون كنجفة، واختبر دفء عناقها.

"لنتحد لنطرد أولئك الأوغاد!"

على أثر تلك الكلمات، انبعث دفق من النور ليعم الحكام المجتمعين، مفجراً قاعة المجلس بالتصفيق وهتافات الموافقة. لم يبد الأمير فاريان أثراً لأسى أو شك سابقين، مكتفياً بابتسامة عريضة وهو يهتف لتوراليون. صفق غريمان بيرينولد، المعارضان الأشرس لقيام تحالف لاختلاف غاياتهما، وهتفا كأن الأمر برمته لم يعد يعنيهما. حتى معلمه وقف على قدميه يصفق ويهتف لتوراليون بادياً من الفخر ما لم يره قط على رئيس الأساقفة.

ومع خفوت التصفيق والهتاف، بادر الملك مينيثيل رافعاً يده: "أحسنت القول، الأب توراليون... إن أردنا طي صفحة اليوم فسنحتاج لاستعادة طاولتنا مجدداً"، قال الرجل بابتسامة ماكرة.

أوه... لقد نسي توراليون حقاً أمرها غداة خطابه الحماسي.

ومع الإدراك، خبت هالة النور فجأة ليشعر بحرارة وجهه: "معذرة، صاحب السمو"، انحنى توراليون باحترام منسحباً عن الطاولة، ليمنحه الملك ترولبين تربيتة قوية على ظهره حين ترجل قرب العاهل.

"حسناً... أظن هذا أوان ملائم لطرح السؤال مجدداً"، نطق الملك مينيثيل.

"كل المؤيدين لتحالف عسكري يضم الممالك البشرية قاطبة، فليقولوا موافقون".

"موافق!"

هتف الملك ترولبين بحماس.

"موافق"، قال الملك بيرينولد بإيماءة وابتسامة.

"موافق"، تمتم الملك غريمان.

"موافق"، قال اللورد برودموور بابتسامة عريضة.

"موافق"، أردف رئيس الأساقفة ألونسوس باعتزاز.

"موافق/موافق!"

نطق السير لوثار والأمير فاريان معاً، وبدا الأخير محرجاً حين أدرك حماسته المفرطة، لكن العجوز اكتفى بإيماءة وبابتسامة وضعت يداً على الكتف.

"موافق"، قال رئيس السحرة أنطونيداس بنظرة رضا تحيط عينيه.

"وقد أُقترع بالأغلبية"، أعلن الملك مينيثيل.

"ليُعلم منذ اليوم عن ولادة حلف لورديرون، كمضيف لهذه الفعالية. وبهذا التأسيس نعمل يداً بيد لرد الحشود إلى الجحور العفنة التي خرجت منها، وأياً ما هدد أراضينا. وليكن كذلك".

"ليكن كذلك!"

هتف الحاضرون أجمعون. رغم احتواء الأمر على تفاصيل جمة تلزم المراجعة قبل البيان الرسمي، لم ينكر أحد صنع التاريخ اليوم. وُلد حلف لورديرون.

* * *

"حقاً، لم أترقب ذلك اليوم"، تعذر على ألونسوس كبح ضحكته لدى عودته برفقة تلميذه إلى خصوصية مكتبه بالمكاتب الكنسية.

بقيت قضايا شتى للمجلس، غير أن جلها خرج عن نطاق ما تقواه الكنيسة. أكد ألونسوس على دفع الحرب المرتقبة كل امرئ لأقصى طاقاته من مهارة وجرأة وعزم، واثقاً بمؤازرة النور المقدس. منح مباركته للحلف المنشأ والتزم بتسخير الكنيسة لدعم قضية الحلف بشتى الطرق. ووعد بالمعونة لجمع تبراعات تعمير ستورمويند حال تدارك الأزمة.

اعتذر توراليون بشدة لمعلمه: "أعتذر بعمق عن تصرفاتي وعن الإحراج الذي سببته للكنيسة، يا صاحب القداسة".

"أحقاً تفعل؟"

تساءل ببساطة. عم الصمت لحظات.

اعترف توراليون: "...لا، أنا لا أعتذر بحق".

أثنى ألونسوس على تلميذه: "جيد. فعلت ما وجب، وما صح، وبدا جلياً موافقة النور ومعونته إياك في مسعاك الجريء الأبله".

حاول توراليون التهوين من فعله: "لقد قلت ما كان يجب أن يقال".

استرسل ألونسوس بابتسامة فخورة: "تحركت حين أبصرت بلوى غيرك، ومضيت بلا تردد للصواب، فكافأك النور على جهدك بإلهام كل من سمع بحقيقة مقالك. ما زال هنالك عمل عظيم وجهد لتطييب الخواطر حال زوال أثر نعمة النور، لكني أتيقن سهولة الأمر حال إدراكهم للمخاطر. أنجزت اليوم لتمثيل جوهر الكنيسة ما عجزت عنه طوال ولايتي كرئيس أساقفة".

حاول توراليون معارضة معلمه: "يا صاحب القداسة! ما كان لي أن أقول قط—"

استدرك ألونسوس بابتسامة ماكرة: "حسناً... ربما قل بضع الشيء إن تفكرت مطولاً".

تبدد قلق توراليون فوراً عند تلك الكلمات، مستبدلاً به مرحاً ضحك عليه الرجلان بصوت عال. خفت الضحكات سريعاً، محتلة مكانها مجدداً شعور بالواجب والعزم.

ذكر ألونسوس تلميذه: "ستكون هذه الحرب مغايرة لما واجهته البشرية منذ حروب التورال، وربما أشد هولاً. الكنيسة واهنة العتاد لمثل هذا التحدي... كما خبر إخوتنا في دير النور الشمالي للأسف، فليرعهم النور".

أجاب توراليون: "ليقُد النور أرواحهم. بيد أن للكنيسة مزايا أخرى، ما كنا يوماً محاربين بل شفاة لكل محتاج".

"أجل، نكون، لكن تحين أوقات يمتشق فيها الشافي السيف لحماية هؤلاء المحتاجين. يحثنا النور على النمو والترقي، وحتى التبدل تماماً إن دعت الحاجة. يستطيع المحارب ابتهال النور ليرعاه في معركته، فلمَ لا يصح الأمر واقعاً؟"

تساءل ألونسوس بصوت جهوري.

استفسر توراليون بفضول: "يا صاحب القداسة؟"

شرح ألونسوس قبل التوجه لمكتبه والتقاط لفافة مرسومة: "أجريت محادثات منيرة مع صديق مستجد أبدى اهتماماً كبيراً، ومقدرة إن شئت، في استمداد النور. لعله والنور ساقهما القدر هنا لغاية ما. لا أجزم يقيناً، لكنني أرجو ذلك. لقد أفضى ذلك إلى... فكرة شاطحة قد تغير الكنيسة دهراً، لكنها حتمية برأيي. أنوي طرحها على القائد الأعلى، وإن جهلها الآن، بعد إعلان الحلف رسمياً. ومن ثم... من يدري، لكني أوقن مؤازرة النور لنا".

بادر توراليون بالسؤال: "أي فكرة، يا صاحب القداسة؟"

أوضح ألونسوس: "أرجو مشاركتك فيها يا بني. أنت وأمثالك ممن تسيرهم الحقائق والصواب".

لم يحتج توراليون مزيداً من الكلمات ليقتنع.

أجاب بإخلاص: "ستجد دعمي كاملاً".

قال ألونسوس مازحاً بخوف مصطنع: "على الأقل اسمع فكرتي قبل الموافقة العمياء! أتخوف على كيس نقودك وأنت تعبر السوق كل يوم؟!"

رد توراليون بابتسامة ماكرة: "فقط إن طلبتها ابتسامة جميلة".

ضحك الرجلان ثانية، متأنسين بحضور بعضهما وبكنف النور. فلأجل مثل تلك اللحظات ناضل توراليون.