أطلق كريفَاكس تنهيدة محبطة وهو ينتظر وصول ممثل التَراك لعقدهما المرتقب. ما إن وصلت الأنباء عن غزو الحشد لِكَاز مودَان، حتى بدأت الأمور تتسارع بشكل جنوني بالنسبة للجميع. قرر الوفد العودة فوراً إلى العاصمة، ولم يُمكثوا في دالاران سوى الوقت الكافي لتسليم إدارة الجيب لأحد الوُزراء القادمين. لم يترك له ذلك وقتاً كافياً لتدبير رسالة مجهولة المصدر إلى كراسوس، لكنه نجح في النهاية.
حتى إنه حظي ببعض الوقت الإضافي لاستئجار أفراد قِلّة من نقابة ستيموِيدل سراً لمساعدته في العثور على شيء بالغ الأهمية. لم يكن يعلم إن كانوا سيُوفقون حقاً، لكن نجاحهم سيمنح كريفَاكس خيارات أوسع ممّا قد يتوافر له لولا ذلك. وما إن بلغوا المدينة، حتى علم أن مجلس الممالك السبع يعقد اجتماعات يومية، ومن واقع ما استشرفه، توقّع كريفَاكس أن يعلنوا قريباً جداً عن تأسيس التحالف.
ورغم أنه لم يصدر أي إعلان رسمي بعد، كانت الجيوش تُجهز في مختلف الممالك استعداداً لوصول الحشد، ويعمل الحدادون ليلاً ونهاراً لصناعة أكبر قدر ممكن من الأسلحة، بينما دأب القادة بلا كلل على ترتيب الشؤون اللوجستية الملائمة. في الواقع، كانت العاصمة خلية نحل دائمة النشاط، وأدرك كل فرد فيها أن الحرب على الأبواب، ولم يكونوا سوى منتظرين لإعلان المملكة الرسمي. توقّع جانب منه أن تتأخر مساعي أزجول-نيروب الدبلوماسية لانشغال معظم دبلوماسيي الممالك الشرقية، لكن بدا أنه كان مخطئاً.
فور وصولهم إلى المدينة تقريباً، أَمَر أنوبريخان كريفَاكس بالانضمام إليه في مفاوضاته الجارية مع التَراك، واصطحبه إلى مبنى ضخم خُصص لأجل سيّد العناكب، بينما توجه باقي الوُزراء للقاء أنطونيداس. يبدو أن سيّد العناكب كان يلتقي باستمرار بأحد نبلاء المملكة لبحث احتمال التنازل عن بعض أراضيهم الواقعة على طول الحدود المشتركة مع سترومجارد. على الورق، بدا ترتيب كهذا ينطوي على فائدة كبرى لكلّ من التَراك وأزجول-نيروب.
فلم تكن الأرض ذات قيمة تذكر لألَتراك فحسب، بل إن فرصة إقامة منطقة عازلة تفصلهم عن عدوهم ستشكل مكسباً ملحوظاً لهم. ناهيك عن حقيقة إقامتهم علاقة وديّة مع دولة قوية مثل أزجول-نيروب، وما قد يُحدثه الاستيطان النيروبي من إنعاش لاقتصادهم عبر التجارة. بطبيعة الحال، أدركوا وجود مخاطرة طفيفة تتمثل في اكتساب أزجول-نيروب نفوذاً غير مبرر عليهم، ولكن ألم يكن ذلك مشابهاً لظروفهم الراهنة؟
كانت التَراك أضعف الممالك البشرية، مما يعني أنها كانت خاضعة بالفعل لأهواء لورديرون. والأدهى من منظور التَراك، أن لورديرون كانت حليفاً مقرباً لسترومجارد. في ظل تلك الظروف، أَيُستغرب إقدام التَراك على المخاطرة مع قوة أجنبية؟ رغم كل ذلك، لم يتقبّل كريفَاكس سارياً اتجاه الأمور. مع أن الصفقة بدت في مصلحة التَراك وأزجول-نيروب على حد سواء، راودت كريفَاكس هواجس كثيرة. أراد لأزجول-نيروب أن تنسج علاقات طيبة مع بقية الأمم، ولم يبدُ هذا الطريق ملائماً لبلوغ تلك الغاية.
من وجهة نظره، فإن وجود مستوطنة محصورة بين سترومجارد والتَراك سيضع النيروبيين في موضع يعرضهم لخطر الانجرار إلى صراعات الممالك الشرقية الداخلية. لم يرغب كريفَاكس في أن ينتهي بهم المطاف إلى وضع يُهزم فيه الحشد لتندلع حرب جديدة فوراً بين أعضاء التحالف. إلى جانب ذلك، وجد نفسه متحيزاً ضد حاكم التَراك، الملك بيرينولد، بسبب معرفته المسبقة. صَعُب عليه الابتهاج بتقارب أزجول-نيروب مع دولة بشرية وهو يعلم أن ملكهم قد خان، وربما ما زال قادراً على خيانة، كلّ من في التحالف لصالح الحشد.
لكان فضّل كثيراً لو اختارت أزجول-نيروب عقد صفقة مع ستورمويند وبناء مستوطنتها في منطقة نائية جنوب القسَم، بعيداً عن الشمال المكتظ بالسكان. يضاف إلى كل ذلك أن المفاوضات بين أزجول-نيروب والتَراك ظلت ططيّ كتمان عن بقية الممالك الشرقية. أراد الطرفان الاقتراب قدر الإمكان من إبرام الصفقة قبل إبلاغ الدول الأخرى بنواياهما. على ما يبدو، طلبت التَراك انتهاج هذه الطريقة لتفادي تدخل لورديرون أو سترومجارد، ولم ترَ أزجول-نيروب مبرراً لرفض الطلب.
لم يَرى كريفَاكس في إخفاء المفاوضات دبلوماسية سليمة، بيد أنه لم يمتلك شيئاً يفعله حيال ذلك. في نهاية المطاف، كانت أزجول-نيروب مملكة عريقة وقوية لم تحتج قط إلى الاكتراث برأي الأمم الأخرى فيها. مُدركاً أن الاستغراق في هذا الأمر لن يجدي نفعاً، تنحى كريفَاكس بتلك الأفكار جانباً والتفت نحو أنوبريخان. بدا سيّد العناكب هادئاً تماماً في انتظاره لممثل التَراك، ولم تظهر عليه أدنى علامة استعجال.
في الواقع، أدرك كريفَاكس لتوّه أن أنوبريخان قضى النصف ساعة الماضية مُحدقاً بصمت في أحد ذراعيه الشبيهتين بالمنجل...
"أنوبريخان... ماذا تفعل؟"
سأل كريفَاكس، وقد تملكه الذهول فجأة.
"همم؟ أوه، أُحاول استخدام النور لشفاء إصابة،"
أجاب أنوبريخان دون أن يحول بصريّه عن ذراعه.
"شرح لي رئيس الأساقفة فايول كيفية القيام بذلك نظرياً، لكنني لم أحقق نجاحاً يذكر حتى الآن."
ركز كريفَاكس نظره على ذراع سيّد العناكب فلاحظ شرخاً طفيفاً في درعه القاسي.
"كيف أُصبت؟"
سأل كريفَاكس، عاجزاً عن تخيل أي شيء في العاصمة قد يؤذي سيّد العناكب الضخم حقاً.
"أمرت أحد محاربينا بضربي برمحه حتى أصاب بجرح أتدرب عليه. تطلب الأمر ضربات عدة قبل أن يتشقق."
حدّق كريفَاكس في سيّد العناكب للحظات وسط حالة من الحيرة. تجاهله أنوبريخان، محولاً كامل تركيزه إلى ذراعه مجدداً، وفُجئ كريفَاكس برؤية توهج خافت يتشكل فوق الجرح. أدرك أن أثره بالكاد يُذكر، لكنه عجز عن كبح دهشته لرؤية سيّد العناكب يُسخّر النور من الأساس.
"هذا مثير للإعجاب حقاً،"
قال كريفَاكس بصدق.
"أنا مندهش لتعلمك تسخير النور بهذه السرعة."
"تسخير النور يختلف كثيراً عن التناغم مع سحر الغموض،"
قال أنوبريخان بينما خف التوهج ببطء.
"رغم وجود قدر من التعلم اللازم، إلا أن النور مدفوع باليقين في المقام الأول. وهو أمر لا أفتقر إليه. وقد أكد لي رئيس الأساقفة أن قدرتي على تسخير النور ستنمو بالممارسة."
أدرك كريفَاكس أنه على حق غالباً، لكنه ما زال يشعر بالانبهار أمام تقدم سيّد العناكب السريع.
"إن كان كل ما تحتاجه هو اليقين، فما الذي يعيقك برأيك؟"
سأل كريفَاكس بفضول. تمتم أنوبريخان مُفكراً للحظات قبل أن يجيب.
"لست متأكداً. أخبرني رئيس الأساقفة أن النور لا يستجيب إلا للأنقياء أخلاقياً، لكن ذلك يبدو... سخيفاً."
"كيف ذلك؟"
علم كريفَاكس من معرفته المسبقة أن سيّد العناكب محق، وأن ثمة أشخاصاً يستطيعون استخدام النور لأفعال غير أخلاقية، مثل الحملة القرمزية على سبيل المثال. بل إن أولئك أنفسهم كانوا يؤمنون حقاً أنهم يفعلون الصواب.
"من منظورى، تبدو مفاهيم الأخلاق والاستقامة مبهمة للغاية."
تابع أنوبريخان.
"أخلاق من؟ استقامة من؟ أهي التي يحكم النور من خلالها على ما يُعد أخلاقياً وما لا يُعد، أم هو مستخدمه؟ إن كان الأول، فمن أين تكتسب أخلاقها؟ وإن كان الثاني، فهذا يعني أن النور قد يُستخدَم لأفعال قد يُصنفها رئيس الأساقفة شريرة."
صمت كريفَاكس، جاهلاً بما يرد به. لقد وافق على ما قاله أنوبريخان، لكنه تفاجأ بمدى عمق تفكير سيّد العناكب.
"هذا منطقي،"
قال كريفَاكس أخيراً.
"طالما امتلك المرء اليقين الكافي بمثله، فسيكون قادراً على استخدام النور بغض النظر عن ماهية تلك اليقينيات."
"صحيح. ومما رأيته من هؤلاء البشر، فإن أخلاقهم ربما تختلف اختلافاً شاسعاً عن أخلاقنا،"
قال أنوبريخان. أصخى كريفَاكس السمع فاستشف نبرة حماس تسلل إلى صوت أنوبريخان، وأيقن أن هذا موضوع يثير اهتمام سيّد العناكب.
"بأي طريقة؟"
حثه كريفَاكس. كان الاستماع إلى أنوبريخان وهو يشارك رؤيته حول الأخلاق والنور أكثر إمتاعاً مما توقع. ناهيك عن فائدة معرفة مدى احتمالية تبني أزجول-نيروب الواسع لاستخدام النور. سيساعدهم ذلك كثيراً في تجاوز الأخطار القادمة، لا سيما حين يحين وقت قتال ملك الوتد وأمواته الاحياء.
"على سبيل المثال، أعتقد أن حماية شعبنا صحيحة أخلاقياً على الدوام، بغض النظر عن الأفعال التي يتوجب عليّ ارتكابها لتحقيق ذلك،"
قال أنوبريخان بيقين قاطع.
"مع ذلك، يبدو أن معظم الأساقفة الذين تحدثت معهم يعتقدون بوجود أمور لا ينبغي فعلها، بغض النظر عن الظروف. وأنا أختلف معهم."
استطاع كريفَاكس تخيل بعض الأفعال المروعة التي قد يُقدم سيّد العناكب على ارتكابها حمايةً لأزجول-نيروب، وعلم أن معظم النيروبيين يشعرون بالمثل. إن كان من أمر واحد تعلمه على مر السنين فهو أن النيروبيين مجتمع ذو نزعة جماعية متأصلة، ومخلصون بشدة لحماية مجتمعهم لدرجة تقارب التعصب. لقد جسدوا حقاً الاعتقاد القائل بأن مصلحة الكثرة تعلو على مصلحة القلة. بالنظر إلى الأمور من هذه الزاوية، أدرك كريفَاكس كيف يمكن للنور أن يكون ملائماً لهم تماماً.
بدا أنوبريخان راضياً عن مواصلة الحديث بلا مُحفز، "ليس الأمر معلناً بعد، لكن رئيس الأساقفة فايول بدأ الترتيب لتشكيل مجموعة من المحاربين القادرين على استخدام النور في المعارك. أراه حماقة من البشر عدم إقدامهم على تكوين جماعة كهذه مسبقاً، لكنني متحمس لنرى إن كان هؤلاء المحاربون المسلحون بالنور أهلاً لما أتوقعه منهم."
انتفض كريفَاكس فوراً عند سماع كلمات سيّد العناكب. لابد أنه يقصد التنظيم الأول للفارسين، فرسان اليد الفضية!
"حقاً؟ ولم لم يعلن رئيس الأساقفة عن الأمر؟"
سأل كريفَاكس.
"يرغب في فعل ذلك بعد أن تُضفي الممالك البشرية طابعاً رسمياً على تحالفهم. إنه لا يريد أن يُنظر إليه كتهديد من قِبل الممالك، أو أن يبدو منحازاً لدولة دون أخرى."
بدا ذلك منطقياً في نظر كريفَاكس.
فأخر ما أراده رئيس الأساقفة وسط هذه الفوضى هو إخبار الجميع بأن كنيسة النور المقدس تبني جيشها الخاص، سيما وأن اتخاذ لورديرون مقراً رئيسياً لها سيُفسر على أن البلاد تحظى بـ"حظوتها"
في أعين الكثيرين. من المرجح أن يعلن رئيس الأساقفة عن نيته تأسيس الفرسان الأوائل فور قيام التحالف، مطالباً كل مملكة بإرسال فرسانهم للتدريب، ليحافظ على موقف الكنيسة كمنظمة حيادية وتلعب دوراً موحداً.
"أترى أن أزجول-نيروب قادرة على فعل شيء مشابه؟"
سأل كريفَاكس بفضول.
"بلا شك،"
قال أنوبريخان بلا تردد.
"مع ضآلة فرصة أن يلقى النور ذات الرواج الذي يناله سحر الغموض في مملكتنا، إلا أن هناك ميزة تفوق فيها النور أشكال السحر الأخرى. إنها سلامته وسهولة تناوله."
فكر كريفَاكس بالأمر برهة قبل أن يخلص إلى أن أنوبريخان محق على الأرجح. من الأمور التي لاحظها في أزيروث أن مختلف الممالك نادراً ما استكشفت استخدام سحر آخر، رغم علمها بوجوده. كانت دالاران على علم بكل أنواع السحر تقريباً، ورغم ذلك، ظل السحر الوحيد الذي تمارسه بأسلوب مؤسسي هو سحر الغموض.
تعددت الأسباب وراء ذلك، لكنها اختزلت غالباً في كون السحر إما خطيراً للغاية، أو لعدم إتقانهم استخدامه، أو لاعتبار الغموض النوع "الأفضل"
لكونه قابلاً للدراسة والتعلم بيسر مقارنة بالأنواع الأكثر غموضاً. احتمل الأمر أيضاً تأثراً ثقافياً واسعاً من كويلثالاس ساهم في انتشار سحر الغموض وقبوله بعد حروب التُرول، على عكس الطقوس الدويدرية أو الشامانية. إضافة إلى حقيقة أن كل نوع سحري يتطلب عقليات مختلفة لاستخدامه، مما جعل الثقافات المختلفة تميل إلى نوع سحري دون غيره. وكانت أزجول-نيروب على الشاكلة ذاتها. وفقاً لما أخبره به هاديكس، أدرك النيروبيون وجود سحر الموت، لكن استخدامه ظل نادراً وشديد التنظيم لما يخلفه من آثار نفسية خطيرة على مستخدميه.
كما أدركوا الشامانية وسحر الحياة، لكن أي جهد بذلوه لدراسة تلك الأنواع السحرية لم يُثمر سوى نتائج طفيفة. تميز سحر النور بكونه بالغ السهولة في الاستخدام ولم يشكل ذلك الخطر الجسيم الذي تمثله بعض أشكال السحر الأخرى، وليس بصورة مباشرة على الأقل. ولعل ذلك يفسر كونه ثاني أكثر أشكال السحر شعبية بين الممالك البشرية بعد سحر الغموض، وحتى حينها، عزا الأمر بمعظمه إلى ملاءمته الكبيرة للشفاء.
في نهاية المطاف، سادت نظرة نمطية للساحر بوصفه شخصية قوية غامضة تسكن أبراجاً منعزلة وتطلق البرق من يديها، بينما أمكن قصد الكهنة في أي وقت لتقديم العزاء الجسدي والروحي. همّ كريفَاكس بسؤال سيّد العناكب عن الوقت الذي يستغرقه تبني أزجول-نيروب الواسِع للنور حين قاطعه سيّد العناكب.
"ممثل التَراك على وشك الوصول،"
قال أنوبري حقان، محولاً بصره نحو مدخل غرفة الطعام الواسعة، وهي الغرفة الأرحب مساحة لتناسب حجم سيّد العناكب وتستقبل الضيوف في آن واحد.
"حقاً؟ وكيف عرفت؟"
سأل كريفَاكس قبل أن يتمكن من كبح نفسه.
"لقد حفظت صوت نبض قلبه."
...كان جديراً بي معرفة ذلك. توقف عن إثارة الرعب يا أنوبريخان. لم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى انفتح الباب على مصراعيه ووجد كريفَاكس نفسه يتلعثم في تحيته المخطط لها لعدم رؤيته أحداً يدخل. التفت مستفهماً نحو أنوبريخان فلم يظفر سوى بقهقهة مسلية. وحسن الحظ، انقشعت حيرته حين أغلق الباب تلقائياً وبدأ رجل مُهندم في منتصف عمره يتجسد تدريجياً للعيان.
"يا للهول، أعتذر عن تأخري،"
قال الرجل، محتفظاً بخاتم مسحور ظن كريفَاكس أنه المسؤول عن اختفائه السابق.
"هذا المبنى يخضع لمراقبة مشددة للغاية. يجب أن أقول إن الوصول دون ملاحظة لم يكن بالإنجاز الهين."
وما إن تمكن من رؤية الرجل بوضوح، حتى بادر كريفَاكس بتحيته: "لا بأس، يسعدني وصولك سالماً يا سيّد..."
"آه، اغفر لي سوء أدبي. اسمي هارلان دالتون، وأنا الكونت المالك للأرض التي يرغب ملكي في التنازل عنها لكم،"
قال الرجل، مبتسماً بود وهو يقترب من كريفَاكس ويمد يده.
"لابد أنك الوزير كريفَاكس. يسرني لقاؤك أخيراً."
أوه، قد يكون هذا محرجاً. لم يلم كريفَاكس بالكثير عن السياسة الإقطاعية، لكن أبسط معارفه أخبرته أن معظم النبلاء يعيشون على مساحة الأراضي التي يحكمونها ونادراً ما يحبذون التخلي عنها.
"يسرني لقاؤك أيضاً، الكونت دالتون،"
قال كريفَاكس وهو ينحني لمصافحة الرجل.
"أعترف أنني مندهش لاستعدادك التام للتخلي عن أراضيك."
"أتخيل أنك لن تبدو مندهشاً إلى هذا الحد لو علمت ما كلفته تلك الأرض لي ولعائلتي، أو ما أجنيi من وراء التنازل عنها،"
قال الكونت دالتون بسخرية مُرة. لم يتردد الرجل في إيجاد مكان مريح لنفسه على أحد المقاعد القريبة قبل أن يشرع في الإسهاب.
"من جهة، تلك الأرض عديمة الفائدة بالنسبة لي تقريباً؛ صخرية أكثر من أن تصلح لزراعة الفلاحين، وتخلو من دفاعات طبيعية يستفاد منها، ولا تتيح وصولاً ميسراً للموارد الطبيعية لاستغلالها، وباختصار لا توجد مادة حقيقية للعمل دون استثمار طائل مع أمل ضئيل في جني العائدات في مدى زمن معقول. كما أن المنطقة موقع شائع للمناوشات بين مملكتي وسترومجارد، لذا فإن ما يُبنى فيها من منشآت يُدمر بانتظام جراء القتال."
كان كريفَاكس ذكياً بما يكفي لتخمين أن الأرض ربما لم تكن ذات قيمة كبيرة، لكنه فوجئ بإقرار الكونت بذلك أثناء مفاوضات.
"بينما أنا ممتن لصدقك يا كونت دالتون، إلا أنني لا أملك إلا أن أجد الأمر... مدهشاً،"
قال كريفَاكس بتردد. أطلق الكونت دالتون شخيره ملوحاً بيده بإيماءة استخفاف.
"أعتقد أننا جميعاً أشخاص أذكياء هنا. لا داعي لأن أهدر الوقت متظاهراً بأن الأرض ذات قيمة كبرى بالنسبة لي، تماماً كما لا داعي لأن تتظاهر أنت بأنك لا تريدها. أعلم أنكم أيها النيروبيون ستجعلونها أكثر إنتاجية بكثير متى حفرتم عميقاً وعثرتم على عروق الموارد التي استحال علينا بلوغها ما لم نستأجر طواقم كاملة من الأقزام لاستخراجها. هذا ما تدفع ثمنه في النهاية."
شعر كريفَاكس ببعض الارتباك من صراحة النوبلي، لكنه سرّ بوجودها. لقد اعتاد كثيراً على محاولة الأفراد انتزاع كل فائدة ممكنة أثناء المفاوضات، لذا عُدَّت هذه إشارة طيبة رفعت من شأن نبلاء التَراك لديه إن كان المزيد منهم مثل الكونت دالتون هنا.
"علاوة على ذلك، أشك في إمكانية كونكم جيراناً أسوأ من سترومجارد، وإن بلغ بهم الحمق حد مهاجمتكم فستجدوننا خير أصدقائكم،"
قال الكونت دالتون بابتسامة خبيثة.
"ذلك إلى جانب توافر صفقات أخرى كثيرة يمكننا إبرامها في المستقبل."
حسناً... ربما كان القليل من التحفظ أمراً مستحسنأ. نسيت أن أهل التَراك مزيج مخيف من الجشع والدهاء والطموح. إضافة إلى ما يحملونه من ضغينة ثقيلة ضد معظم الممالك الأخرى.
تجاهل كريفَاكس قهقهات أنوبريخان المستمتعة وهو يرد على الكونت: "إن كان الأمر كذلك، فأتخيل أننا سنتمكن من إنهاء هذه المفاوضات بسرعة إلى حد ما."
كان أنوبريخان قد أحاطه علماً بموقف الملك الأعلى من عدة مواضيع طرحتها التَراك، وأدرك بقاء قضايا معدودة فقط للتفاوض. أما البقية فقد سُوّيت طوال الأسابيع القليلة الماضية. استبعد كريفَاكس أن يكون قد جُلب إلى هنا لمواهبه الدبلوماسية حصراً. والأرجح أن سيّد العناكب ضجر ببساطة من الحديث مع بشر لم يثيروا اهتمامه فقرر إلقاء البقية على عاتقه فور عودته إلى العاصمة. وتأكد كريفَاكس من تفضيل أنوبريخان محادثة رئيس الأساقفة أو التدرب على النور في الوقت الراهن.
"حسب ما أُبلغت به، ترغب التَراك في التفاوض حول حق المرور عبر الأجزاء السطحية لمستوطنتنا، أهذا صحيح؟"
سأل كريفَاكس، متخذاً وضعية مريحة وهو يستعد للمحادثة المرتقبة.
"وكما تعلم، تبدي أزجول-نيروب تردداً في الموافقة على ذلك خشية أن يستغل شعبكم أرضنا لإشعال فتيل صراع مع سترومجارد."
"لا نحمل مثل هذه النوايا. إن بدأ شعبكم في التجارة مع دول الممالك الشرقية، فستتحول المستوطنة إلى ملتقى للنشاط الاقتصادي. كل ما نطلبه هو حرية الوصول لتجارنا."
انخرط كريفَاكس والكونت دالتون في تبادل أخذ ورد سلس ناقشا خلاله الدقائق الأخيرة للاتفاقية. وقضيا غالب وقتهما في مناقشة موضوع وصول التجار وطلب التَراك قيام النيروبيين بتدريب بعض أفرادهم على سحر الغموض. على ما يبدو، احتكرت دالاران بقوة تدريب السحرة، والممالك الأخرى القادرة محلياً على تدريب سحرتها بانتظام لم تكن تتعدى لورديرون ستورمويند، دون احتساب كويلثالاس بالطبع.
رغم أن لورديرون وحدها كانت قادرة على فعل ذلك حالياً، لأسباب واضحة. كان على بقية الممالك الاكتفاء بإرسال أفرادهم إلى دالاران ليصبحوا سحرة، مما يعني انقسام ولاءاتهم غالباً أكثر مما تفضل الممالك، خصوصاً إن انضموا إلى كيرين تور وانتهى بهم المطاف متأثرين بسياسة دالاران. لم تجد أزجول-نيروب بأساً يذكر في تدريب بعض أفراد التَراك ليصبحوا سحرة، شريطة إخضاع ذلك التدريب لتنظيم دقيق.
لقد مثلت فرصة مثالية لبسط نفوذهم على جارهم المرتقب، وعزموا على الاستفادة القصوى منها. في مرحلة ما، تطرقت محادثتهم إلى مفاوضات مجلس الممالك السبع الجارية، ولم يستطع كريفَاكس إلا أن يسأل الكونت عن موقف التَراك حيالها.
"في هذه المرحلة، حُسم كل شيء. ليس أحد بالغبية ليجاهل التهديد الذي يمثله الحشد بعد غزوهم كاز مودان. لا يفعل الملك بيرينولد سوى ما بوسعه لانتزاع كل مكسب ممكن لمملكتنا، وكيف له ألا يفعل. بصراحة، حتى غرايماين يعلم أنه لا يستطيع الصمود أكثر من ذلك، وهذا الرجل هو أكثر الملوك عناداً على الإطلاق."
استمرت محادثتهما قرابة الساعة مع تدخلات عارضة من أنوبريخان، ومع نهايتها بدأ كريفَاكس يشعر بتفاؤل أكبر حيال تعاون أزجول-نيروب مع التَراك. لقد كانا مثمرين لدرجة جعلت كريفَاكس لا ينزعج حتى عندما قاطعهما فجأة شخص يطرق الباب بإلحاح. وبعد صياحه ليأذن لمن بالخارج بالدخول، خطا أحد حراس النيروبي إلى داخل الغرفة وانحنى بعمق أمام أنوبريخان.
"سيّد العناكب، تلقيت نبأ يفيد بنية مجلس الممالك السبع عقد اجتماع خلال الساعات القليلة القادمة. سيحضر جميع الحكام إلى جانب رئيس الأساقفة فايول، وتتردد شمس في أرجاء المدينة عن نيتهم الإدلاء بإعلان ما."
"حسن، يبدو ذلك مشوقاً،"
قال الكونت دالتون بصوت مشفوع بالرضا.
"ربما يجدر بنا إرجاء هذه المحادثة لوقت لاحق. فليس كل يوم يتيح للمرء فرصة مشاهدة التاريخ يصنع شخصياً على أي حال."
"أوافقك الرأي،"
قال أنوبريخان،ناهضاً بالفعل ومشقاً طريقه نحو المخرج.
"هذا حدث يستحق الشهود. لزاماً علينا إرسال شخص ليطلب من الساحر البشري توسيع مساحة القصر الصغير. أرغب في الحضور."
"سأحرص على تقديم الطلب بنفسي،"
قال كريفَاكس، متتبعاً إياه عن كثب. جاش في صدره شعور عارم بالحماس لنيله فرصة مشاهدة حدث بالغ الأهمية لتاريخ أزيروث كتأسيس تحالف لورديرون، بينما تملكه جانب آخر بالرهبة مما هو آت. أدرك كريفَاكس أنه لن يمضي وقت طويل بعد قيام التحالف حتى تزحف جيوشهم جنوباً وتشتعل الحرب الثانية بكامل أوزارها. والآن بعد أن غير مجريات الأحداث بتحذير كراسوس بشأن ديثوينغ، وجد كريفَاكس نفسه لأول مرة عاجزاً عن التنبؤ بما سيحدث تالياً.