نفخ كريفَاكس ضجراً وهو يقرأ الرسائل المبعثرة على مكتبه الواردة من العاصمة. كان يفضل كثيراً لو أن بقية العالم بقي ساكناً بينما يقضي وقته مستمتاً في مدينة سحرية، لكن القدر بدا أقل لطفاً من ذلك. كان يلمس بوضوح تسارع الأمور ببطء، ولم يعودوا يفصلهم الكثير عن بدء تسارع الأحداث بشكل محموم. ظهرت بعض الأخبار السارة، مثل انتهاء النساجين من تحليل سلع التجارة المحتملة للمملكة الشرقية واكتشافهم أن جذور الحياة تملك خصائص خيميائية قوية وقيّمة، لا سيما لجرعات الشفاء، غير أن معظم الأنباء كانت أقل سروراً بكثير.
قال مسروق مساحباً انتباهه بعيداً عن كتاب التاريخ الذي كان يطالعه: "ما الذي يزعجك يا كريفَاكس؟ أحدث شيء ما في العاصمة؟"
بينما كان حاديكس متسللاً لإنهاء تحقيقاته، وكرينيس منهمكة في وضع لمساتها الأخيرة رفقة أنطونيداس لخلق البوابة التي ستسمح للموجة الأولى من العناكب بدخول دالاران، وُجِد كريفَاكس وحيداً في غرفتهما المشتركة. وهو ما يعني أن مسروق لم يتردد في الشعور بالراحة ومؤانسته.
قال كريفَاكس: "لم يحدث شيء في العاصمة. لكن الوضع في الجنوب ازداد سوءاً بكثير".
سأل مسروق مغلقاً كتابه بعدما تحول الحديث إلى موضوع يثير اهتمامه: "ما الذي يحدث في الجنوب؟"
قال كريفَاكس بوجه عبوس: "يبدو أن الحشد قد بدأ على الأرجح غزوه لكهاذ مودان. تقول تريكسي إن أحداً ليس متأكدأً تماماً مما يجري، لكن الاتصالات باتت غير موثوقة والرسائل الأخيرة لا تترك مجالاً للتفاؤل".
سأل مسروق بحماس: "أيعني هذا أن البشر يستعدون للحرب أخيراً؟"
قال كريفَاكس محتدماً بعد انتهائه من قراءة رسالة تريكسي: "لا، ليس بعد. تولي ممالك البشر اهتماماً بالغاً بالغزو، لكن ألتيراك وجيلنياس ما زالتا صامدتين".
بينما كان كريفَاكس يعلم مسبقاً أن التحالف لن يتشكل إلا بعد أن يغزو الحشد كهاذ مودان بأسرها عدا أيرونفورغ وگنومريگان، ظلت المعاملة مع الأمر واقعياً مزعجة للغاية. كان يمكن للحرب أن تنتهي باكرًا بكثير لو واجهت أمم البشر الحشد بينما كان الأقزام والگنوم يحتفظون بمعظم قوتهم. لم يكن الشيء الوحيد الذي سيحققه ترددهم سوى مزيد من الوفيات غير الضرورية. أدرك مسبقاً أن الجميع سيشرعون في التخبط بعد سقوط كهاذ مودان أخيراً.
بصق مسروق بازدراء: "جبناء. لقد أثبت الحشد بالفعل أنه يشكل تهديداً، فلماذا لا يحاربهم البشر؟"
أردف كريفَاكس وهو يضع جانباً الرسالة المزعجة ويسحب التي تليها: "لا أعلم على وجه اليقين، لكني أظنها مزيجاً من الجشع والأنانية. ألتيراك ضعيفة ولها علاقة عدائية مع سترومغارد، ولو فقدت الكثير من الجنود أثناء الحرب، فإنها تخاطر بالغزو بعد انتهائها. أتصور أنهم يريدون معرفة مدى نجاح أيرونفورغ وگنومريگان في مواجهة الحشد قبل تقديم أي التزامات، آملين في استنزافهما ضد دفاعاتهم".
تساءل مسروق بعد لحظة من التأمل الصامت: "وجيلنياس؟ لماذا هم بهذا القدر من النفور عن التعاون مع بقية البشر؟"
استغرق كريفَاكس لحظة للتفكير في سؤال مسروق. إن كنت أتذكر جيداً، السبب الوحيد المذكور في التراث هو أن غرايماين لم يكن سوى أحمق متكبر ظن أنه لا يحتاج إلى مساعدة.
أجاب كريفَاكس أخيراً بعدما عجز عن إيجاد تفسير: "لا أعرف. حسب ما قيل لنا، تمتلك جيلنياس جيشاً قوياً إلى حد ما وجغرافية قابلة للدفاع، وهم لا يحملون المخاوف ذاتها التي تعاني منها ألتيراك. قرأت أنهم انطوائيون للغاية، لا يختلفون كثيراً عن أزجول-نيروب. ربما يعتقدون أن بوسعهم صد الحشد حتى لو أتى من دون مساعدة، رغم أنني لا أستوعب ما يكفي من سياساتهم لأقدم تخميناً جيداً".
قال مسروق بنبرة جادة تماماً: "ممم. يجب أن تعود إلى العاصمة وتقنعهم".
التفت كريفَاكس ليواجه رفيقه، وقد اعتراه الارتباك التام.
سأل كريفَاكس مستطلعاً سبب رفيقه: "ما الذي يجعلك تظن أنني قد أفلح في إقناعهم حين أخفق أفضل دبلوماسيي لوردارون؟"
رد مسروق بثقة: "أنت كريفَاكس. تستطيع إقناع أعراق السطح بأي شيء".
لم يستطع كريفَاكس سوى الحدّق في مسروق لبضع لحظات صامتاً بدهشة. أه، لقد فهمت.
قال كريفَاكس بعد أن أخذ لحظة لتهدئة نفسه: "أنا سعيد لأنك تحظى بهذا القدر من الثقة بي يا صديقي، لكني لا أظن أنني قادر على فعل ما عجز عنه دبلوماسييو لوردارون. السبب الوحيد لنجاحي في دفع الناس لفعل الأشياء هو أن تلك الأشياء كانت تصب بوضوح في مصلحتهم الخاصة".
نفخ مسروق بتمرد وتمتم بشيء تحت لبده، لكنه لم يكلف نفسه عناء مجادلته. فيما طالع كريفَاكس الرسالة التالية، تمنى لو أنه كان قادراً حقاً على إقناع الناس بفعل ما يريد بالقدر الذي تصوره مسروق؛ فمن المؤكد أن ذلك كان سيجعل التعامل مع هذه المسألة المستجدة أكثر سهولة. بدا أن أمر الملك الأعلى القاضي بتقييم كيفية تفاعل الممالك بحذر مع إنشاء مستوطنة للعناكب بدأ يؤتي ثماره. فقد اقترب دبلوماسيون من ألتيراك وستورمويند سراً من أنوبّريخان وأعربوا عن اهتمامهم باحتمال التنازل عن بعض أراضيهم لقاء ثمن محدد.
في الظروف العادية، كان هذا النوع من التطورات سيدفع كريفَاكس لسعادة تغمره… لولا حقيقة أن صفقة ألتيراك تفوق صفقة ستورمويند بأشواط. المشكلة تتمثل في أن حاكم ألتيراك الحالي هو أيدين بيرينولدي، وهو ملك جبان وانتهازي لا يبرز في التراث سوى بخيانته للتحالف لصالح الحشد، ظناً منه أن تلك هي الوسيلة المثلى لإنقاذ مملكته. ولم يكن كريفَاكس يود حقاً معرفة ما قد يؤول إليه حال شخص كهذا إن نجح في تأمين تحالف مع أمة بقوة أزجول-نيروب.
بينما كانت ستورمويند تعرض أراضي أكثر من ألتيراك، كانت تطالب أيضاً بتورط أزجول-نيروب مباشرة في الحرب، وهو أمر أدرك كريفَاكس أن الملك الأعلى لن يستسيغه. وبالمقابل، بدت ألتيراك مستعدة للتنازل عن جزء من أراضيها مقابل قدر من الكنز وضمانات دبلوماسية بعدم مهاجمة ألتيراك أو السماح لسترومغارد بالعبور عبر أراضيها. ستشكل جبالهم مواقع مثالية لمدن الأعشاش، ومن المرجح أنها تضم موارد يسهل تعدينها بأيدي العناكب لتكون ألتيراك المستفيد الأول منها، كما أن وجود إامبراطورية قوية تقف أمام المملكة سثبط بجدية مناوشات سترومغارد المعتادة معهم إن لم يوقفها تماماً.
ولم يساعد الأمر في شيء أن ألتيراك تقع في موقع قد يحولها وبكل جدارة إلى ملتقى طرق للتجارة بين مختلف الممالك إن تم استغلاله بالشكل الأمثل. تمنى كريفَاكس لو كانت لديه طريقة لإقناع القيادة باختيار ستورمويند، لكنه أدرك ضيق ما يمكنه فعله. ورغم أنه الشخص المسؤول عن قيادة العناكب نحو الممالك الشرقية، بدأ كريفَاكس يشعر أكثر فأكثر بأنه منجرف في خضم أحداث يعجز عن التحكم بها.
جعله هذا يتمنى مجدداً أن يكف الجميع عن فعل أي شيء وأن يسمحوا له بالاستمتاع بوقته في دالاران. وكأنما للتدليل على سخافة تلك الأمنية، أدى الصوت المفاجئ لشخص يطرق الباب بقوة إلى إطلاق كريفَاكس تنهيدة محبطة. فمنذ النزال، تواجد سحرة عشوائيون حاولوا لقاء حاديكس لسبب أو لآخر. وعادة، كان حاديكس يلوذ بهم فارين باستعراض مهدد لسحره، لكنه لم يكن هنا الآن مما سحتِّم على كريفَاكس تولي الأمر بنفسه.
بإلقاء نظرة خاطفة على مسروق، شق الاثنان طريقهما صامتين نحو الباب وفتحاه، كاشفين عن امرأة قزمية تنتظر في الجانب الآخر. خرج كريفَاكس إلى الفناء الخارجي لمقر إقامتهم دافعاً المرأة إلى الوراء، وأغلق الباب خلفه فور خروج مسروق. لم يكن كريفَاكس يعرف هوية المرأة، لكنه لم يستطع السماح لأي شخص خارج الوفد بملاحظة غياب حاديكس عن المكان المفترض لوجوده.
سأل كريفَاكس المرأة التي كانت تُتمتم بغضب بعد دفعها جانباً: "أيمكنني مساعدتك؟"
بدت المرأة كأنها تأخذ لحظة لتجميع شتات نفسها قبل أن تتكلم: "نعم، أظن ذلك. أأنت الوزير حاديكس؟"
قال كريفَاكس وهو يستعرض إلقاء نظرة تفحصية على القزمية: "لا، أنا الوزير كريفَاكس، تلميذ الوزير حاديكس. إنه مشهول جداً الآن وقد طلب ألا يزعجه أي شيء سوى مجلس الستة أنفسهم. وأنت لست واحدة منهم".
قالت القزمية نافخة نفسها بغضب من جراء الإهانة: "لعلمك، أنا ميرفِدا سمرفول، تمرّذة المعلمة لاندرا داونستريدر، وقد جئت في أمر هام!"
سأل كريفَاكس بتعب وهو يعلم الإجابة سلفاً: "أجئت بصفتك ممثلة عن كويلثالاس؟"
"حسناً... لا. لقد جئت ممثلة لــــ"
قال كريفَاكس بحزم وهو يستدير مبتعداً ليعود إلى الداخل: "إذن أخشى يا تلميذة أن الوزير حاديكس ليس مهتماً البتة بالتحدث معك في الوقت الراهن".
امتلك من الخبرة في التعامل مع مواقف مماثلة ما يكفي ليدرك أن اللطف لن يوصله بعيداً. ولكن للأسف، كانت التلميذة سمرفول أشجع قليلاً من المعتاد ولم تتردد في الإمساك بردائه لتمنعه من الرحيل. لاحظ كريفَاكس انتفاض مسروق ومدّه يده نحو سلاحه، لكنه أوقف رفيقه سريعاً بإشارة من يده.
"هذه مسألة في غاية الأهمية!"
تراجع كريفَاكس وأصغى لما تريد القزمية قوله، ولم يفاجأ حين وجد أنها ليست مسألة في غاية الأهمية بتاتاً. على ما يبدو، تأثرت المعلمة داونستريدر بسحر حاديكس إلى حد جعلها تعرض دفع المال للوزير إن هو علمها ما يعرفه. غير أنه وبعد الإصغاء لبضع لحظات، أدرك كريفَاكس أن أي شيء تقدمه المعلمة لا يستحق وقت حاديكس.
ولم يكد الأمر يصل بالتميذة إلى إخباره عن حجم «الفرصة»
التي تتيحها لهم هذه المعاملة لنيل دعم شخصية مهمة بحجم المعلمة داونستريدر حتى نفد صربر كريفَاكس.
قال كريفَاكس وهو ينتزع قبضة القزمية من ردائه: "كما قلت لك من قبل، لا يرغب الوزير حاديكس في أن يُزعج. أرجوكِ غادري".
"عذراً؟! لن أرحل حتى أتحدث إلــــ"
تدخل مسروق قابضاً على رمحه ومتحركاً بتهديد: "سترحلين، أو سيتم إبعادك".
ومثل معظم الأسوياء، ترددت التلميذة سمرفول عند مواجهة رجل عنكبوت عملاق ومدرع بالكامل، لكنها بدت كأنها تجمع شجاعتها حين قُطعت مواجهتهما بانفتاح الباب خلف كريفَاكس.
قال الوزير حاديكس بصوت تبدو عليه إحاطة بالضيق الشديد من الموقف: "لقد سمعتيه أيتها القزمية. غادري".
سألت القزمية متجاهلة نبرة صوت الوزير تماماً: "الوزير حاديكس، على ما أظن؟ طاب لقاؤك، أنا ميرفـــــ"
قطعها حاديكس: "لن أكرر كلامي".
وبدأ السحر من حوله يضطرب في استعراض ينذر بالعنف إن لم تغادر القزمية فوراً. وبدا أن ذلك كفيل باختراق عنادها، إذ أطلقت عويلاً خافتاً من الخلع لتجعل نفسها سرعان ما تتبخر من المكان.
قال حاديكس مستديراً ليتراجع إلى الغرفة: "اترکنا، أيها المبتدئ مسروق".
افترض كريفَاكس أن حاديكس ربما أراد الحديث عن نتائج تحقيقه، لذا تبع الوزير بسرعة بعد توديع سريع لمسروق مغلقاً الباب خلفه. ولم يستغرق الأمر طويلاً ليدرك كريفَاكس أن الوزير كان مضطرباً لأكثر من مجرد قزميات متطفلات.
سأل كريفَاكس متزايد القلق وهو يراقبه يتمشى ذهاباً وإياباً في الغرفة: "الوزير حاديكس، أكل شيء على ما يرام؟"
تابع حاديكس مشيه شارحاً الوضع: "لم أجد تأكيداً بعد، لكني أبدأ بالاعتقاد أن الأعضاء الأرفع رتبة في الكيرين تور يعلمون علم اليقين بأمر الفراغ. بل وراودني الشك في أن أحد أعضائهم، وهو ساحر يدعى أور، يمارس سحر الفراغ نشطاً داخل المدينة".
لم يفاجأ كريفَاكس كثيراً بسماع ذلك؛ فقد كان يعلم مسبقاً من التراث أن سحرة دالاران يمارسون أحياناً سحراً أقل سمعة في الخفاء، حتى وإن لم يتذكر الأسماء المحددة.
سأل كريفَاكس محاولاً افتعال الدهشة بأفضل ما أوتي: "وما عسانا نفعل حيال ذلك؟"
ولحسن الحظ كان حاديكس مضطرباً أكثر من أن يلاحظ.
أقر حاديكس متمماً مشيه السريع بملامح متأملة: "لا أعلم بعد. من الواضح لي أن الترتيب سيتطلب إرساء حضور دائم في الممالك الشرقية. وسنحتاج أيضاً إلى إيفاد بعض من أبناء جلدتنا للانضمام إلى الكيرين تور بأسرع وقت ممكن كي نتمكن من مراقبة المدينة باستمرار تحسباً لفساد الفراغ".
سأله كريفَاكس مقترحاً الحل الذي بدا له الأكثر بديهية: "إذن... ألن يكون أفضل لو انضممت إليهم بنفسك؟"
وشعر بالارتياح لرؤية معلمه الرزين عادة يهدأ تدريجياً، إذ أزعجه توتره. لا بد أنه يكره الفراغ حقاً...
رد حاديكس بنبرة عملية: "لا. وقتاي ومهاراتي أثمن من أن أهدرهما في أمر كهذا. علاوة على ذلك، كان الترتيب حكيماً لدرجة تضمين بعض أعضائه ضمن المجموعة الأولية القادمة إلى دالاران. بعد فتح البوابة وتوفير العون لي من زملائي، لن يمضي وقت طويل حتى أنتهي من تحقيقي، رغم وجود أجزاء من المدينة لن أتمكن من الوصول إليها بسهولة".
سأل كريفَاكس مندهشاً: "حقا؟ أليس تحصين دالاران أسوأ بكثير من تحصيناتنا؟"
لم يكن ينبغي أن يفاجأ هكذا بوجود أماكن في المدينة تعجز يد حاديكس عن بلوغها، لكنه رأى بنفسه بعض التعاويذ التي طورتها الجماعة للتسلل في كتاب التعاويذ الذي أتاه به حاديكس. لقد برعوا حقاً في ارتياد الأماكن التي لا تخصهم والبقاء خفيين أثناء فعل ذلك. وهذا، مجتمعاً مع قوة حاديكس الشخصية، أفضى بكثير بكريفَاكس للاعتقاد بأن لا شيء يستطيع ردع معلمه عن الذهاب حيثما شاء.
شرح حاديكس مطلقاً فحيح ضجر خافت: "التحصينات الحامية للمكتبة الكبرى متصلة مباشرة بشبكة خطوط طاقة المدينة. وحتى لو كانت حواجزهم أدنى بكثير من حواجزنا، فمن المستحيل تقريبا تجاوز تحصينات مرتبطة بمثل هذه الكميات الهائلة من الطاقات الغامضة، خصوصاً دون أن يلاحظك أحد".
راقب كريفَاكس معلمه بصمت لدقائق عديدة بينما شرع الوزير يتمتم لنفسه، غارقاً في أفكاره على ما يبدو.
قال كريفَاكس حين بات جلياً أن حاديكس لن يواصل الحديث بلا حث: "لا داعي لأن نتخذ أي قرارات الآن، أيها الوزير حاديكس. ما زال لدينا بعض الوقت قبل أن يحتاج الوفد للعودة إلى العاصمة. فوجودنا سيكون مطلوباً لمساعدة الجيب في ترسيخ أقدامه بدالاران؛ فليس هناك الكثير من العناكب المتحدثة باللغة المشتركة في نهاية المطاف".
لم يكن كريفَاكس متلهفاً لقضاء مزيد من الوقت في حل سوء التفاهم الثقافي، لكنه بدا أمراً ملائماً حقاً أن يظل جزء وفدهم في المدينة لفترة أطول. عنى ذلك ثقته بامتلاكه الوقت الكاف لمعالجة أهدافه الشخصية قبل مغادرته. ووفقاً للجدول الزمني الذي أتاه به أنطونيداس، لن يُبرمج كراسوس لتدريس حصة إلا بعد أسابيع قليلة أخرى على الأقل.
أقر حاديكس مكارهاً: "همه. قد تكون محقاً. ينبغي أن يتسع وقتي لختام تحقيقي قبل أن نغادر وعرض استنتاجاتي على النظام. تخبرني غريزتي أن هؤلاء القوم يخفون شيئاً هاماً، لذا سأوصي بجعل التحقيق في أمر الكيرين تور أولوية للنظام".
أه، أيها الوزير حاديكس، لا علم لك بشيء. تمنى كريفَاكس لو تواجد هناك ليشهد ردة فعل حاديكس حين يعلم بشأن الفيلق المحترق، تلك القوة التي تمثل تهديداً لا يقل ضراوة عن الملوك القدامى. سيكون أمراً رائعاً ألا يكون الوحيد في الغرفة الذي يفقد صوابه بصمت حيال تهديدات تدمير العالم المستمرة المحدقة بآزيروث.
التفت حاديكس ليواجهه لأول مرة منذ بدء الحديث: "في الوقت الحالي، ينبغي أن نشرع في شق طريقنا نحو الوزير كرينيس. تلقيت مؤخراً أنباء تفيد باستعدادهم لفتح البوابة. وجودنا ضروري للترجمة لأولئك الذين لا يتحدثون المشتركة".
رد كريفَاكس مؤوماً بحماس ومتحركاً صوب الباب: "بالتأكيد. لنبدأ المسير إلى هناك الآن".
وحتى إن علم بما سيجلبه ذلك عليه من صداع مستقبلي، فسيكون رائعاً جلب المزيد من العناكب إلى دالاران وبدء تشييد جيبهم. فبعد العيش في أزجول-نيروب طويلاً، بات من الصعب عليه الاعتياد على العيش فوق الأرض مجدداً. ولم يتطلب الأمر طويلاً من الوزيرين ومرافقهم المحارب لاجتياز شوارع دالاران وبلوغ وجهتهم؛ مبنى شديد الحراسة بالقرب من حراسة الحرس الرئيسية للممدينة. حتى ولو لم يكن الأمر متعلقاً بالحارسين المرتديين طقماً كاملاً من الدروع المسحورة والواقفين عند مدخل المبنى، لأدرك كريفَاكس أهمية المبنى ببساطة من خلال صفوف الحواجز الكثيفة المغطية لكل شبر منه.
ولم يفاجئه أخذ دالاران أمن الموقع بهذا القدر من الجدية، نظراً لكونه المكان الذي سيفتحون منه بوابة نحو إمبراطورية قوية لا يعرفون عنها القليل سوى النزر اليسير. السبب الوحيد وراء تفكيرهم بالأمر هو ثقتهم المطلقة بقدرتهم على ضمان أمن مدينتهم، وكان الحراس والحواجز جزءاً من ذلك. لم يبدُ أن الوزير حاديكس يشاركه الاهتمام بأمن المبنى، إذ مر بسلاسة متجاوزاً الحراس بلا أي تردد، مما أجبر كريفَاكس على اللحاق به سريعاً من خلفه.
من الواضح أن الحاجة لإظهار الهوية لم تكن كبيرة. وبينما تبع كريفَاكس حاديكس عبر الممرات الملتوية وشديدة الحراسة، اتضح له أن هذه لم تكن المرة الأولى للوزير في هذا المبنى. وقريباً جداً، اقتفى كريفَاكس أثر معلمه عبر ممر آخر غير مميز ليجد نفسه داخل قاعة ضخمة تتوهج حرفياً بطاقات غامضة. كانت الوزير كرينيس تقف في مركز القاعة متحدثة مع كبير السحرة أنطونيداس بينما أشار الاثنان إلى الرموز الغامضة المنتشرة عبر الأرضية.
وانشغلت عدة فرق من السحرة بتفحص سلسلة معقدة من الحواجز المشيدة حول ما افترض كريفَاكس أنه موقع البوابة الفعلية.
نادته الوزير كرينيس عبر الغرفة فور رؤيتها إياهم: "الوزير حاديكس! جيد، لقد جئت. أرجوك أخبر هذا البشري أن هذا الجزء من الطقس غير ضروري بالمرة. فرييته ستجعل هذه البوابة أقل كفاءة بكثير مما ينبغي لها. لمَ نحتاج لبلوغ هذا المدى المفرط لتبديد طاقة البوابة الغامضة المحيطة؟"
رد أنطونيداس بهدوء: "أدرك أن الأمور قد تختلف حيث أتيت، لكن هذه المدينة تمتلك لوائح تخص مقدار الطاقات الغامضة المسموح بها قانونياً في مساحة صغيرة كهذه".
قالت كرينيس رافعة صوتها بسخط: "هذا ما قُلته، لكنك رفضت تفسير سبب اللوائح، بغض النظر عن عدد مرات سؤالي!"
سمح أنطونيداس لتلميح من الضيق بالتسرب لصوته: "إذن ربما عليك التوقف عن السؤال. لا تحتاج لفهم كافة قوانيننا، بل يلزمك إطاعتها فحسب. سيعمل الطقس بشكل جيد، بغض النظر عن هذه التعديلات".
راقب كريفَاكس من الجانب بينما فحص حاديكس جزء الرموز المعنية قبل أن يرمق أنطونيداس بنظرة. وأدرك كريفَاكس أنه ربما الفرد الوحيد في الغرفة الذي يعرف حاديكس بما يكفي لرؤية تلميح الريبة في عينيه.
قال حاديكس أخيراً بعد فترة صمت طويلة: "هذه ليست مدينتنا، الوزير كرينيس. وإن أصر كبير السحرة أنطونيداس على هذا التعديل، فسنذعن لرغباته".
قالت كرينيس وقد بدا غضبها وكأنه انطفأ حين أدركت أن زميلها لن يدعمها: "أف. حسناً إذاً. سنستخدم صيغة تعويذة البشري غير الفعالة".
من هناك بدا كل شيء متحركاً بسرعة فائقة بينما استعد السحرة لفتح البوابة. راقب كريفَاكس بينما تحقق أنطونيداس شخصياً من وظائف كل مجموعة حواجز قبل إعادة التحقق من الرموز الغامضة بحثاً عن أي عيوب. ومتيقظاً للفضول حيال نظام أمن البوابة، لم يتردد كريفَاكس في سؤال حاديكس بشأنه.
شرح حاديكس بصبر: "ليس هناك نظام أمني واحد لأشير إليه. تستخدم دالاران طبقات متعددة من الدفاع لحماية البوابة من الاستخدام غير المصرح به، وقليل منها فقط يمكن رؤيته من هنا. أنا متأكد أن الكثير من آليات دفاعهم أسرار لا تعرفها سوى الطبقات العليا لحكومتهم".
سأل كريفَاكس بفضول: "حسناً، ما الذي يمكنك رؤيته من هنا؟"
بدا أن حاديكس يتدبر السؤال للحظة قبل أن يشير إلى جزء معين من الرموز.
تحدث حاديكس بنبرة الصوت ذاتها التي يستعملها كلما درّس تلميذه: "هناك. ذلك الجزء من التعويذة يحدد الوجه التي تفتح البوابة نحوها. ألاحظت أي اختلاف بشأنه يا كريفَاكس؟"
حدق كريفَاكس في الجزء الذي أشار إليه حاديكس لبضع لحظات قبل أن يدرك ما يُفترض به ملاحظته.
أجاب كريفَاكس مذهولاً من قدرتهم على ربط أجزاء مختلفة من التعويذة ذاتها بمصادر مختلفة من السحر: "إنه لا يستخدم شبكة خطوط الطاقة كمصدر للطاقة".
"صحيح، من المرجح أن مصدر السحر المحافظ على ذلك الجزء من التعويذة محفوظ في موقع سري وشديد الحراسة. وإن تعرض للتدمير، سيجد أي شخص حاول استخدام البوابة نفسه في مكان غير متوقع، هذا إن كتب له النجاة".
أمضى حاديكس الدقائق التالية في الإشارة إلى تدابير أمنية مختلفة، متضمنة حاجزاً سيسمح للساحر باستطلاع منطقة صغيرة على الجانب الآخر من البوابة وحاجزاً يمنع أي شخص من العبور ما لم يُخفَض. لكان استمر في ذلك، لولا إنهاء الوزير لشرحه حين بدا أنهم باتوا مستعدين لبدء فتح البوابة.
قالت كرينيس بشماتة: "لن تجد شيئاً أيها البشري. فعندما يتعلق الأمر بالسحر المكاني، فإن عملي لا تشوبه شائبة".
حرف أنطونيداس انتباهه عن الرموز ليركز على أحد سحرته، قائلًا: "لا يمكن للمرء التأكد قط. أيها الساحر سباركلكرانك، أظل معدل تدفق شبكة خطوط الطاقة ثابتاً؟"
أجاب ساحر قزم عجوز: "نعم، أيها الساحر الأكبر".
"ومستويات طاقة الغلاف الجوي الغامضة؟"
"ضمن الحدود المقبولة، أيها الساحر الأكبر".
قال أنطونيداس مقترباً من موقع البوابة المحدد: "جيد إذن. سأبدأ بفتح البوابة. وليبدأ البقية بالتحضيرات للترحيب بضيوفنا".
وقد فعل، إذ قبض أنطونيداس على عصاه بإحكام ولم يضيع وقتاً في البدء بإلقاء التعويذة. وتدفق السحر الغامض فوراً من الرجل بمستويات لم يسبق لكريفَاكس رؤيتها قط؛ وكان واثقاً من أن أكثر الأشخاص عجماً عن السحر لكان باستطاعتهم استشعار سحر الساحر الأكبر. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى توهجت الغرفة بأسرها بضوء بنفسجي ساطع، وراحت تمزق شقاً كبيراً في نسيج الفضاء ذاته في مركز الغرفة.
وما إن اكتمل تشكل البوابة حتى تحولت القاعة سريعاً إلى خلية نحل نشطة.
"الحواجز تعمل!"
"محاولات استطلاع الجانب الآخر من البوابة تكللت بالنجاح. يحاول فرد استخدام البوابة. الفرد يطابق وصف المحارب كرال'رال".
"مفهوم. المحارب كرال'رال على القائمة الموافق عليها مسبقاً. السماح بالدخول!"
راقب كريفَاكس برضى بينما خطت أول عنكبوت عبر البوابة من نورثريند نحو الممالك الشرقية. وواحدة تلو الأخرى، جرى تقييم العناكب عبر الاستطلاع والسماح لها بدخول دالاران. وبذل كريفَاكس قصارى جهده للترجمة بين الحراس والعناكب الواصلة بينما حاولوا تنظيم الجميع. لكان أمراً رائعاً لو تذكر أحدهم إلقاء تعويذة ترجمة على الغرفة. ولحسن الحظ، لم يستغرق الأمر طويلاً لبلوغ العنكبوت الأخير على القائمة وشريكه الضخم للغاية.
"فردان يحاولان استخدام البوابة! الأفراد يطابقون وصف مروض الديدان كروت'زوك و... يورمونغار".
"مفهوم. مروض الديدان كروت'زوك ويورمونغاره على القائمة الموافق عليها مسبقاً. السماح بالدخول!"
بينما لم تكن العنكبوت التي عبرت البوابة مختلفة ظاهرياً عن أي عنكبوت أساسية أخرى، إلا أن المخلوق الذي تبعها خلفها كان كافياً لجذب انتباه كل ساحر في الغرفة. كان ما انزلق عبر البوابة مخلوقاً ضخماً شبيهاً بالدودة بصفوف من الأسنان تشبه الأزميل، وجسم مسطح ومفتول العضلات، وأشواك بلورية على طول خاصرتيه. وبدا اليورمونغار أكبر حجماً بسهولة من لورد عناكب، مما اضطر أنطونيداس سريعاً لتوسيع حجم الغرفة بالسحر لاستيعاب المخلوق.
توقف كل ساحر منفرد في الغرفة عما كان يفعله ليراقب بذهول انتهاء اليورمونغار من العبور.
قال أنطونيداس بنبرة صدمة غير معتادة: "حسناً إذن. ظننت أنكم تبالغون في حجم هذه المخلوقات، لكني أرى الآن أنكم لم تفعلوا. رغم أنني أعجز عن إدراك كيف سيعبر مخلوق ضخم كهذا عبر المبنى بأمان".
أخذ كل من سمع ذلك لحظة لتبادل النظرات باحراج قبل الحدق بتبرم نحو الساحر الأكبر. أطلق أنطونيداس تنهيدة مثقلة بالظلم قبل أن يشير بعصاه نحو الممر ويباشر العمل. ألم تكن تعويذة تصغير أو تحول أسهل؟ لم يستطع كريفَاكس منع نفسه من التفكير للحظة قبل أن ينفض الفكرة سريعاً. ومع ذلك، سيساعد وصول اليورمونغار -إن لم يفعل شيئاً آخر- في تسريع تشييد جيب العناكب، ليصبح أول مستوطنة لأزجول-نيروب خارج نورثريند.
كانت بداية جيدة وشيئاً يدعو للفخر. فجهوده الخاصة هي ما جعل هذا ممكناً وكل ما تطلبه الأمر منه الآن هو القلق بشأن... المسائل العديدة الأخرى التي احتاج لمعالجتها... أخذ يراودني شعور غريزي بأن الأمور على وشك أن تصبح مزدحمة للغاية قريباً...