رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 21

اقرأ رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 21 باللغة العربية على مانجا تايم.

بينما كان الحراس يرافقون مجموعة الغرباء خارج الغرفة، ركّز الوزير هاديكس اهتمامه على مزاج الحاضرين. وضح جلياً أن ترتيب تقديم الغرباء إلى قادة المملكة كان القرار الصائب. مع أن أصواتاً كثيرة بدت مائلة لعزل أزجول-نيروب عن الممالك الشرقية، فإن قطاعاً واسعاً من القيادة أبدى اهتماماً بالفوائد المحتملة من الأراضي الجديدة. تيقّن هاديكس تماماً أن لولا جهود التنظيم الكبيرة في توجيه أعضاء أساسيين من القيادة نحو سياسة أكثر انفتاحاً، لكانت تلك النسبة أصغر بكثير.

ومع ذلك، كانت هذه بداية مبشرة، واثقاً من أن المملكة ستصل إلى استنتاج مفاده أن مصلحتها تكمن في إرساء موطئ قدم لها في الممالك الشرقية. ألقى هاديكس نظرة سريعة نحو أحد وزراء قسم الأبحاث التقنية، وأومأ برأسه إيماءة شبه خفية حين التقت عيناه به. لم يكن مناسباً أن يدفع هاديكس علناً نحو أجندته نظراً لارتباطه بالمبتدئ المسؤول عن اكتشاف الممالك الشرقية أصلاً، إن أراد تفادي لفت الانتباه غير المرغوب فيه.

وكان حريصاً جداً على تفادي ذلك. لذا، فقد... أقنع وزيراً لا يبدو مرتبطاً به ليتبنى أجندته نيابة عنه. انتفض الوزير كريال بوضوح حين أومأ إليه هاديكس، لكنه تحرك طائعاً لتنفيذ الأمر الصامت.

قال الوزير كريال، مسكتاً الحشد بينما التفت الجميع نحوه: "أيها الملك الأدنى كوكاراك. أظنني أتكلم باسم زملائي في قسم الأبحاث التقنية حين أقول إن من مصلحة مملكة أزجول-نيروب إقامة حضور دبلوماسي في الممالك الشرقية، ولنستقِ ما نستطيع من أهلها".

وافقه الوزير سياس: "ويؤيد قسم الأبحاث السحرية هذا أيضاً لما يتيحه من إمكانيات لتوسيع قاعدة معرفتنا السحرية بإدخال عناصر ورؤى جديدة"، مفاجئاً هاديكس بسرور لأنه لم يحتاج إلى حثّها على ذلك.

وغالباً يرجع السبب إلى ترقّب قسمها فوائد العلاقة مع السطح فيما يخص الكواشف السحرية الجديدة المجمعة من غابات لوثالور وطمعه بالمزيد. أصجى هاديكس سمعه للردود المحيطة.

"سنظفر بمعرفة وافرة من هذه الأراضي الجديدة..."

"أتساءل إن كانت في الممالك الشرقية كواشف تصلح لصنع جرعة شفاء أرفع شأناً."

"علينا جعل دراسة تقنية هؤلاء «الغنوم» أولوية."

"من الحكمة أن ترقب المملكة هذه الأراضي بحذر تحسباً لأي تهديدات محتملة."

ترددت أصوات شبيهة في أرجاء الغرفة، وكانت أغلبها إيجابية أو محايدة على الأقل، ولم يعترض صراحةً إلا نفر قليل. جاءت ردود الفعل أرجح إيجابية ممّا توقّع هاديكس، رغم إدراكه أن كثيرين يضمرون آراء مغايرة ولم يجهروا بها. فقد تصادم فضول الوزراء الفطري ورغبة النساجين في تداول سلع تخدم حرفهم المتنوعة مع طبيعتهم المنعزلة.

"سخف."

صمتت النقاشات فوراً على وقع صوت عنكبوت لورد العميق المنبعث من بلورة العرافة في نيزاناك.

"أيبرر لنا الارتباط بمخلوقات دنيئة؟ ما عساها تقدم لنا؟ أبلغ بالوزراء عجز عن التعلم من الغرباء؟ أبلغ بنا الوهن لنستجدي عون غيرنا كي ننال ما تبتغيه مملكتنا؟"

قال الملك الأدنى أنوبيسيت باستهزاء. وبدأ كثيرون ممن التزموا الصمت يؤيدونه بالهمهمات.

"إن سمحنا لهؤلاء الغرباء بالعودة إلى الممالك الشرقية، ستعج أرضنا بالدخلاء عاجلاً أم آجلاً بغض النظر عن رغبتنا! علينا قتل هذه المخلوقات وتدمير وسيلة انتقالها قبل فوات الأوان!"

لم يتكلف هاديكس عناء كبح سخريته. كان جلياً للجميع أن نيزاناك الأقل استفادة بين المدن الحاضرة من الروابط الدبلوماسية مع الممالك الشرقية، نظراً لتركيز المدينة على إنتاج المحاربين لا الوزراء أو النساجين. والأرجح أن اعتراضات لورد العناكب صدرت عن هذه الحقيقة لا عن معارضة مبدئية حقيقية. ولم يكن هاديكس وحده من فطِن لهذا، ومن المؤكد تقريباً أن الملك الأدنى سيواجه معارضة.

وكما توقع، ترددت ضحكات ساخرة من بلورة العرافة في إنكيلاه فور فراغ الملك الأدنى أنوبيسيت من كلامه.

"أمرتعب إلى هذا الحد يا أنوبيسيت؟"

قال الملك الأدنى نافيرسيت بصوت مشحون بالسخرية.

"أعجز محاربوك عن مجابهة بضعة مخلوقات دنيئة تستكشف أرضنا حتى تظن وجوب اختبائنا كفراخ ولدت لتوها؟ يبدو جلياً للجميع أن خير المملكة في معرفة المزيد عن هذه الأراضي عوض التواري كجبناء."

لم يكن نافيرسيت أقل مصلحة ذاتية من أنوبيسيت نظراً لتركيز مدينته النسبي الكبير على إعداد وزراء أكفاء. وستجني إنكيلاه مكاسب طائلة من المعرفة الجديدة المحتمل اكتسابها.

"من تعني بالجبان يا نافيرسيت؟! أشك في تحليك بهذا البأس لو خاطبتني وجهاً لوجه!"

ردّ الملك الأدنى نافيرسيت بسخرية: "لدي ما هو أجدى من النزاع مع أحمق. الأحرى بنا مناقشة تشكيلة الوفد الدبلوماسي المرسل إلى الممالك الشرقية".

وبّخه الملك الأدنى كوكاراك: "كأننا اتخذنا قراراً بالفعل. أمّا أنا، فلا تزال تراودني تحفظات بهذا الشأن".

بذل هاديكس قصارى جهده لتوجيه الملك الأدنى كوكاراك نحو سياسة خارجية أكثر انفتاحاً، لكن نجاحه اصطدم بحضور التنظيم المحدود نسبياً في كيلاهكوك. كان كوكاراك يلين تدريجياً لفكرة تعزيز التواصل مع الغرباء بفضل منافع تجارة التوسكار لمدينته، غير أن قروناً من العقائد تصعبزحزحتها.

قالت الملكة ميلراس بينما ناولها أحد الزواحف سلطعوناً: "أوافق الملك الأدنى نافيرسيت. لدينا الكثير لنغتنمه من دراسة هذه الأعراق الجديدة، والسلع التجارية التي أبدى الإنسان اهتمامه بها سهلة المنال. تنتج المملكة وفراً من الخامات وليس هناك شح في الحرير منخفض الجودة لنقايضه بسلع ثمينة. ففي نهاية المطاف، الأحرار من الحرير السحرى عالي الجودة هو ما سنقيد تداوله".

استطاع النساجون إنتاج ضروب من الحرير عالي الجودة ذي الخصائص الخيالية التي ترفض المملكة وقوعها بأيدي الغرباء. لاحظ هاديكس استرخاء العديد من النساجين الظاهرين أمامه إثر كلمات الملكة ميلراس. فقد أظهر كثير منهم حرصاً شديداً على حريرهم الأقوى، ومن الطبيعي معارضتهم لتداوله مع الدخلاء. تواصل النقاش هكذا برهة، واشتد جدال قادة بارزين متمسكين بمواقفهم في كلا الجانبين. وسرَّ هاديكس نجاح الوزير كريال في توجيه الدفة نحو إقامة تواصل دبلوماسي عبر تكرار التنويه بمنافعه كلما اعترض معترض.

وتحدث الوزير سيلفوس أحياناً مؤيداً، لكنه لزم الصمت جل الوقت.

وقال الصوت الهِرم للعجوز نادوكس، أحد أنفذ الوزراء سياسياً في أزجول-نيروب والمستشار الموثوق للملك الأعلى أنوباراك: "وهناك أيضاً مسألة طوفان الموت الموعود. سيعزز ذلك أمن مملكتنا بقوة إن قدر لشعبنا الانتشار في قارة أخرى".

على وقع كلمات الوزير، توقف النقاش فجأة وشعر هاديكس برغبته في الضحك طرباً. فرغم أن نادوكس لم يكن عضواً في التنظيم، إلا أن تلميذه الرائي إكسيت كان عضواً فيه، وبذل وسعه لإقناع الشيخ بضرورة توسع المملكة نحو الممالك الشرقية إن أرادت البقاء.

فكّر هاديكس بابتهاج: "يبدو أن مساعي إكسيت أثمرت".

لم يشأ أحد معارضة الشيخ، نظراً لسطوته السياسية وقلقهم حيال الكارثة المجهولة التي استشعر مقتربيها العديد من رُماة المملكة. وسماع الشيخ نادوكس يخبرهم بأن أمن مملكتنا سيتضاعف بالتوسع في قارة أخرى جلب لجلّهم شعوراً بالاضطراب. وما إن بدأ الصمت يكتنفه حرج، حتى شقّ الغرفة صوت يألفه تقريباً كل قائد في المملكة.

قال الملك الأعلى أنوباراك بنبرة لا تقبل جدلاً: "حسبنا. ستُرسل مملكة أزجول-نيروب وفداً دبلوماسياً للانضمام إلى الغرباء وهم يرتدون إلى الممالك الشرقية. يجب أن يكون هذا الفريق قادراً على إرساء رابطة بوابة دائمة بين المملكة وهذه الأراضي الجديدة إن ارتئينا أن مصلحتنا تكمن في ذلك. وستُعالَج شؤون التجارة حالة بحالة. سننتقل الآن لبحث تفاصيل هذا الوفد الدبلوماسي وتشكيلته".

وبهذا، انطوى ملف النقاش حول جدوى الاختلاط بالممالك الشرقية. ورغم تمتع مدن المملكة المختلفة بقدر كبير من الاستقلالية، لم يجسر أحد على معارضة أوامر الملك الأعلى صراحة في مسألة خطيرة كهذه. لم يفاجأ هاديكس بتدخل الملك الأعلى. فعلى الرغم من نزعة المملكة الانعزالية الشديدة، بدا جلياً أن من مصلحتها إقامة قدر من التواصل مع هذه الأراضي المكتشفة حديثاً، ولو لمجرد مراقبتها.

مع ذلك، ظلت طبيعة ذلك التواصل ومداه قابلة للتفاوض. والرجح أن الملك الأعلى يبتغي جمع الوفد الدبلوماسي لمعلومات إضافية عن الممالك الشرقية كي يتخذ قراراً أوعى في وقت لاحق. ثمة حمقى قصيرو النظر يفضلون إبادة جميع الغرباء وتدمير سفينتهم وعدم الاكتراث بهم أبداً، لكن لحسن الحظ، كان أنوباراك حاكماً كفؤاً نوعاً ما. عمّ الصمت برهة أخرى قبل أن يبدأ الحشد بجدل بطيء حول من يُبعث مع الفريق.

أرادت كل مدينة إرسال رجالها ليمرروا أجندة مدينتهم. أمضى هاديكس وقتاً يستمع ثم قرر التقدم حين اقترح الملك الأدنى أنوبيسيت بلا خجل إرسال أحد مرؤوسيه المباشرين مع الوفد الدبلوماسي الذي عارضه سابقاً. ارتأى التنظيم أن سفره هو الأنسب إلى الممالك الشرقية ليشرع في استكشاف هذه الأراضي الجديدة رصداً لأثر الكائنات القديمة. ففي نهاية المطاف، سهلت علاقته المباشرة بالمبتدئ وراء اكتشاف الممالك الشرقية تبرير انضمامه إلى الوفد الدبلوماسي.

قال جالباتاً انتباه الجميع إليه: "يا قادة مملكة أزجول-نيروب، أنا الوزير هاديكس من قسم أبحاث السطح في كيلاهكوك".

وأشار هاديكس بيد واحدة نحو كريفاكس مراقباً توتره مع التفات الحشد نحوه.

"أنا مرشد المسؤول مباشرة عن اكتشاف هذه الأراضي الجديدة، المبتدئ كريفاكس. وأود ترشيح نفسي والمبتدئ كريفاكس والمبتدئ مسروق لنكون أعضاء في هذا الوفد الدبلوماسي بحكم خبرتنا في التعامل مع أعراق السطح".

قال الملك الأدنى نافيرسيت بريبة طفيفة: "أتفهم أمرك يا وزير هاديكس. بل ولعلني أتفهم إرسال مبتدئك رغم حداثة عهده. لكن لمَ نبعث بمبتدئ في هذه البعثة؟"

لأنهما متلازمان كالشظية وأنا لا أطيق التعامل مع تذمر الفتى إن حاولت تفريقهما. لم يكتفِ المبتدئ كريفاكس بإبداء موهبة نافعة في الدبلوماسية مع السطح، بل كره هاديكس ترك المبتدئ الموهوب لقمة سائغة في يدي مالاس. لذا، كان اصطحاب المبتدئ إلى الممالك الشرقية خيراً من تركه وراءه ليتبدد أو الأسوأ من ذلك.

قال الوزير هاديكس: "أمضى المبتدئ مسروق وقتاً أطول من غيره على السطح. وأثبت كفاءة في التواصل مع الأعراق الأخرى وسيكون مكسباً نافعاً. كما قاتل صفاً لصف وضد أعراق السطح، مراقباً تفاصيل قتالهم، وهو أمر أعتقد أنه سيكون بالغ الأهمية عند دراسة هؤلاء الغرباء في ديارهم".

لم يكن مبرره الأمتن، لكنه بدا مقنعاً بما يكفي لكي لا ينازعه أحد عليه. طال النقاش طويلاً، وتعقد أكثر بسبب ضيق المساحة على متن سفينة الغرباء الخشبية، لكنهم توافقوا في النهاية على تشكيلة الوفد الدبلوماسي. سترسل إنكيلاه وزيراً بارعاً في التقنيات وخبيراً في إنشاء بوابات دائمة. وستبعث أزجول-نيروب نساجين على إحاطة تامة بحاجات المملكة من المواد ويمكنهم الإسهام في أي مفاوضات تجارية محتملة.

وستوفر نيزاناك المحاربين لتوفير الحماية لبقية المبعوثين وتقييم الأراضي الجديدة رصداً للتهديدات. وستوفد كيلاهكوك الوزير هاديكس لإدارة أي مفاوضات دبلوماسية ضرورية، على أن يرافقه المبتدئ كريفافكس والمبتدئ مسروق. وفي إحدى اللحظات، انحدر النقاش إلى مجادلة محمومة حول جدوى إرسال لورد عناكب ليتولى حماية رأس الفريق، مشيرين إلى أن سفينة الدخلين لم تكن تتسع براحة لنقل أحدهم.

صحيح أن أزجول-نيروب لم تملك تقاليد بحرية خاصة بها، لكن الوزراء أذكياء بالقدر الكافي ليدركوا أن لورد العناكب سيضطر للمكوث على السطح ويواجه صعوبات جمة خلال رحلات البحار الطويلة. مع ذلك، رأى كثر ضرورة إرسال لورد عناكب ليكون درعاً وعرضاً للقوة أمام أعراق السطح. واستقر الرأي أخيراً على إرسال لورد عناكب بعدما اقترح بعض وزراء إنكيلاه تثبيته في السفينة بحرير مقاوم للماء وتنويمه بجرعة لدرء السأم.

بقي بضع مسائل للنقاش بعد الاتفاق على تشكيلة الوفد، غير أنهم أتموها وختم الملك الأعلى أنوباراك الاجتماع. وما إن أصدر أمره باستعداد أعضاء الوفد لرحلتهم نحو الممالك الشرقية، حتى أظلمت بلورة العرافة الخاصة بأزجول-نيروب وتبعتاها الأخريان قريباً. تنفس هاديكس الصعداء مرتاحاً. سار الاجتماع كما رُسم له وأتت النتائج بمرتجى طيب. والتفت هاديكس نحو المبتدئ كريفاكس، فرآه لا يزال مشدود الأعصاب لكنه يسترخي تدريجياً.

فكّر هاديكس بقرارة نفسه ودون دعابة تذكر: "لم ننتهِ بعد أيها المبتدئ. توشك أن تصبح محط أنظار الحشد للمرة الثانية اليوم".

قال الملك الأدنى كوكاراك لقيادة المدينة: "كما سمعتم، قرر الملك الأعلى إقامة علاقة دبلوماسية مع الممالك الشرقية. لا شك أن هذا سيحدث تغييراً هائلاً في مملكتنا، وعليكم جميعاً توجيه شعبنا خلاله. وأيقن أن لدى الجميع ما يشغل تفكيرهم. إن لم يكن لدى أحد ما يضيفه، فأنتم أحرار. سأرسل رسولاً لإبلاغ الغرباء بقرارنا".

قال هاديكس فيما كان الجميع يستعد للمغادرة: "في الواقع، لدي أمر آخر أود مناقشته. أريد اغتنام هذه الفرصة لأطلب معروفاً من الملكة ميلراس".

سألت الملكة بنبرة مفعمة بالفضول: "أهكذا؟ وما المعروف الذي تبتغيه؟"

وتموج بطنها المنتفخ بينما حولت اهتمامها عن الزواحف الزاحفة على جسدها لتلقمها الطعام إلى هاديكس.

"أرجو منك ترقية المبتدئ كريفاكس إلى طبقة الوزراء قبل إرساله إلى الممالك الشرقية يا ملكة ميلراس".

لمح هاديكس من طرف عينيه توقف المبتدئ كريفاكس تماماً عن الحركة بعد استيعابه لما قيل لتوّه. وساد الغرفة صمت وجيز ومفاجئ قبل أن يعترض أحد الوزراء بصوت صاخب.

"هذا طرح سخفي! هذا المبتدئ ليس سوى فرخ! كيف تظنه أهلاً لمثل هذا الشرف؟!"

لم يشرع وزراء آخرون بالصراخ، غير أن استياءهم من الطرح بدا جلياً. راقب المحاربون والنساجون باهتمام لكنهم لم يكترثوا بالأمر.

قال هاديكس ببرود وهو يرمق الوزير المزعج بنظرة: "الأمر بسيط حقاً. لقد أسهم المبتدئ كريفاكس في هذه المملكة خلال فترته القصيرة كمبتدئ وطالب لي باكتشاف الممالك الشرقية بما يفوق ما سيقدمه الكثيرون ممن في هذه الغرفة طوال حياتهم".

أشعل ذلك إدانات غاضبة بين عدة وزراء، لكن آراءهم لم تعنِ شيئاً فتجاهلهم هاديكس وأعاد بصره إلى الملكة. الملكة ميلراس صاحبة الكلمة الفصل في ترقية من يعلو إلى طبقة أرقى في مدينة كيلاهكوك. والسبب الوحيد في سيطرة دائرة الوزراء عادة على ترقيات أعضائها هو صعوبة لقاء الملكة ذاتها. وحتى إن التقيتها، فنادراً ما يتاح لك رفع الطلبات إليها، لكن هاديكس أحس بأن الموقف هنا مختلف.

فلم يقتصر الأمر على إسهام المبتدئ المعني الجليل للمملكة، بل لكونه موشكاً على الابتعاد في مهمة بالغة الأهمية. لم يكن هاديكس أحمق ليفوت فرصة رفع قيمة مبتدئ وثيق الصلة به. لاسيما مع خططه المعدة للساحري الشاب.

قالت الملكة ميلراس بضحكة: "يا لك من جريء. أتظن حقاً أن مبتدئك يستحق مني عناء ترقيته؟"

رد الوزير هاديكس بلا تردد: "أجل".

وسألت الملكة ميلراس بعد برهة قصيرة: "وأنت أيها المبتدئ؟ أترى نفسك جاهزاً لتصبح وزيراً؟"

بدا أن السؤال أخرج المبتدئ كريفاكس من ذهوله.

هتف المبتدئ كريفاكس: "أجل يا ملكة ميلراس! أنا مستعد لأصبح وزيراً وأخدم المملكة بأقصى طاقتي!"

فكر هاديكس: "يبالغ في الأمر قليلاً، لكنها تظل إجابة مقبولة على ما أظن".

ولاحظ أن الملكة ميلراس شاركته الرأي فيما يبدو.

قالت الملكة ميلراس وهي تلوح بيدها باهتمام زاهد: "حسن إذن. لا أظنها عبئاً كبيراً، وليس كل يوم يكتشف مبتدئ قارة بأسره. أحضروه لي غداً. العملية ليست سريعة وعليَّ البدء قريباً إن لم ترغبوا في تأخير البعثة".

وبعد قولها، همت الملكة بالمغادرة بلا تعليق آخر، يتبعها سرب حاشيتها من الزواحف عن كثب أو حتى تحت بطنها المنتفخة لمحاولة تخفيف عبئها.

قال الملك الأدنى كوكاراك: "إن لم يبقَ شيء آخر، فأنتم أحرار".

هذه المرة، لم يقاطعه أحد وأخذ الجميع يشقون طريقهم خارج الغرفة متدارسين دلالات كل ما دار خلال الاجتماع. همّ المبتدئ كريفاكس بالمغادرة بدوره —أرجح للقاء الغرباء وصديقه المحارب— قبل أن يوقفه هاديكس بوضع ذراعه على كتفه.

"الوزير هاديكس؟ أتحتاج مني شيئاً آخر؟"

"أجل"، قال هاديكس متنامياً سروره لرؤية وجه الساحر الشاب يزداد توتراً.

"سيتعين على الغرباء الانتظار. لدي ما هو مهم لأريك إياه".

سأل المبتدئ كريفاكس محاولاً بلا جدوى إخفاء وجلّه: "وما هو يا وزير هاديكس؟"

رد هاديكس ببساطة وهو يستدير ليشرع في السير نحو مخرج الغرفة: "سترى حين نبلغ هناك. اتبعني".

بعد لحظات مترددة، سمع هاديكس وقع خطوات المبتدئ الزاحفة فأطلق العنان لفكره متأملاً في الحديث الوشيك مع الفتى. عندما قرر أول مرة تخصيص المبتدئ كريفاكس لقسمه، فعل ذلك لاندفاعه وموهبته. وحين شاهد الساحر الشاب يكرس كامل وقته وطاقته لتعلم السحر، خامر هاديكس ظن بأن ضمه للتنظيم سيكون فكرة سدية بعد بضعة عقود نظراً لسعيه الدائم للتعلم والتحسين. مع ذلك، لم تتنبأ أي من خططه بما حققه المبتدئ كريفاكس في فترة وجيزة كهذه.

حين سمح له بالسفر إلى السطح بغاية التفاعل مع أعراس السطح، لم يظن أن شيئاً مهماً سينجم عن ذلك. كم كان مخطئاً. تغيرت الأمور الآن، وبات من مصلحته أن يعلم المبتدئ كريفاكس بأمر التنظيم قبل رحيلهما إلى الممالك الشرقية. ثمة مجازفة ما، نظراً لذيوع صيت المبتدئ كريفاكس بما يكفي لمنع التصرف معه خفية إن أبدى رد فعل سيئاً. للأسف، كثر أولئك الولاة بوفاء أعمى للمملكة ممن يرفضون علمهم بوجود تنظيم سري للوزراء يمسك بزمام السلطة السياسية خلف الكواليس.

كما أنه صغير، قليل الخبرة في شتى الأمور، وشديد المثالية؛ وتلك صفات عادة لا تلائم التنظيم. مع ذلك، آمن هاديكس بإدراكه الجيد للمبتدئ كريفاكس الآن، وعلِم كيف يلامس الأوتار الملائمة لنيل مراده.