رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 103

اقرأ رحلة نيروبي: البقاء في أزيروث الفصل 103 باللغة العربية على مانجا تايم.

سخر ماليكوس بازدراء وهو ينشئ شعاعاً من السحر الخفيّ يخترق أحدث موجة من الموتى الأحياء التي حاولت منعهم وألكسترازا من التغلغل أكثر في عرش الرعد. كان ليقضي عليهم بسطهة ذيله عادةً بدل تكبد عناء إلقاء تعويذة، لكن هذه القاعات كانت أصغر من أن تحتمل هيئته الحقيقية. كان تحويل عرش الرعد إلى أنقاض خياراً محتملاً، لكن فعله سيستغرق وقتاً طويلاً للغاية. بُنيت القلعة على عقدة خطوط طاقة مستخدمة مواد مسحوبة من منشآت التايتن المحلية المتضررة أثناء الانشقاق.

كانت دفاعاتها متينة لدرجة أن ماليكوس وألكسترازا سيواجهان صعوبة في تدميرها دون تعطيل الأجهزة المغذية لحمايتها أولاً. علاوة على ذلك، كان من مصلحتهما الاستحواذ على هذا المكان سليماً بغالبيته، كي يتسنى لهما معرفة أكبر قدر ممكن عن أنشطة الكاش. ولسوء الحظ، تعنى هذه الحالة أن ماليكوس عالق بالمشي ببطء عبر القلعة بهيئته الفانية، مواجهاً عدداً لا يحصى من الموتى الأحياء والفخاخ السحرية.

وما زالا هما وألكسترازا يشقان طريقهما عبر الأفنية الخارجية لعرش الرعد، ورغم ذلك واجهوا دفاعات كبيرة بالفعل. شملت هذه ثعبان سحاب ميتاً حياً بطول مائة قدم يفيض بسحر البرق، وست مسوخ نحاسية ممزقة نصبت لهما كميناً في مدرج عملاق، ومئات من الأشباح المتجولة التي حاولت امتصاص جوهر حياتهما ذاته. وجب على ماليكوس الاعتراف بأن الكاش أنجز عملاً مبهراً إلى حد ما في تحصين عرش الرعد ضد الهجوم.

لكان جيش تقليدي قد تكبد خسائر عبثية في مهاجمة قلعة بمثل هذه القوة. لكن… لم يستطع الكاش تحقيق أكثر من مجرد إعاقة جانبين. حتى بدون مساعدة أسرابهم، المخصصة لتأمين المناطق المدمرة التي خلفها ماليكوس وألكسترازا وراءهما، كانا يحرزان تقدماً ثابتاً. لكان الأمر أسرع لو قاتلا حقاً جنباً إلى جنب مع أسرابهما، لكن أياً منهما لم يكن مستعداً للسماح بالموت غير الضروري الذي سينجم عن قرار كهذا.

من الأفضل أن يمثلا هو وألكسترازا رأس الحربة للهجوم بينما ينظف بقية عشيرتهما وراءهما.

قالت ألكسترازا وهي ترفع يدها وتطلق موجة من النيران المشبعة بالحياة التهمت الممر أمامهما تماماً، مطهرة الطريق أمامهم من الموتى الأحياء: "أرى غرورك يتزايد بالفعل يا أخي. تذكر أنه ليس من الحكمة أن نستهين بالكاش. مهما بلغت قوتنا، فمن المؤكد تقريباً أن لوردات الرعب الذين يشيرون على أعدائنا قد أعدوا فخاخاً لنا".

سأل ماليكوس وهو يستحضر عبثاً حاجزاً ضد حشد الفخاخ التي غمرت الممر بأقواس البرق: "أهذا مافترض أن يقلقني؟ جل ما يرجونه هو تأخيرنا".

أخذ ماليكوس لحظة لتبديد الفخاخ السحرية التي خلفها الكاش بعناية. كان هناك آلية تفعيل ثانوية خلف الأولى تفلت من أغلب السحرة وتفجر انفجاراً قوياً إلى حد ما، لكنها سرعان ما غدت غير ضارة تحت لمسته الخبيرة.

أنذرت ألكسترازا وهما يتوقفا لفحص الطريق أمامهما: "قد يكون الأمر كذلك، لكن يجب أن نضع في اعتبارنا احتمال اضطرارنا لمواجهة را".

بعد أن فرغا أخيراً من تطهير الأفنية، كانا يقفان أمام ممر كبير يؤدي إلى بوابة القلعة الضخمة بشكل مثير للإعجاب.

"هذا المكان حصين للغاية بتكنولوجيا التايتن، والتي يجيد الحارس استخدامها إن هو انقلب علينا".

على قدر ما قد يرفض ماليكوس الاعتراف، فقد علم أن ألكسترازا محقة في توخي الحذر. لم يكن يخاف أشياء كثيرة في هذا العالم، لكن تكنولوجيا التايتن كانت إحدى الأمور القليلة على أزيروث التي أقر برغبته بأنها تفوق قدراته. وجد الكثيرون عبر آلاف السنين ممن عبدوه وأشقاءه كملوك تقريباً، لكن ماليكوس لم يسمح لنفسه قط بتصديق ألقاب كهذه. ليس عندما رأى السيادة الحقيقية في هيئة التايتن.

وما إن عبرا الممر وكان ماليكوس على وشك الإقرار بحكمة شقيقته، حتى استوقف انتباهه فجأة تجمع للطاقة السحرية فوقهما مباشرة. والصادم أن الحاجز الذي استحضره ماليكوس استجابةً بعد نصف ثانية بالكاد استطاع الصمود أمام صاعقة البرق السحرية الهائلة التي هوت عليه وألكسترازا. كان الهجوم بقوة محا فيها الممر تماماً ودفع بهما عشرات الأقدام في جوف الأرض جراء قوة صرفة. وما إن انقلى الدخان والركام، أدرك ماليكوس أنّه وألكسترازا صُدما فعلاً محطمَين في نظام كهوف تحت الأرض ممتلئ عن آخره بالموتى الأحياء.

ألقى ماليكوس نظرة واحدة على العدد الممل من الأعداء أمامه وقرر إلقاء تعويذة طيران على نفسه وألكسترازا. لم تكن لديه أي رغبة بتاتاً في إضاعة مزيد من الوقت في التعامل مع أتباع بلا عقول أكثر من اللازم.

قالت ألكسترازا بتهكم وهما يطيران عبر الثقب الهائل الذي شُق في الأرض: "حسناً، أظن أن هذا يمثل تأكيداً قاطعاً. تلك الدرجة من القوة تفوق تماماً ما كان بوسع الكاش حشده بمفرده".

قال ماليكوس وهو يفحص بدقة حركة السحر في محيطه بينما فتحت ألكسترازا بسهولة البوابة التي تزن عدة أطنان والمؤدية إلى أعماق القلعة: "أيتها الشقيقة، أقدر ألا تلعنينا مستقبلاً بمثل هذه التحذيرات الدقيقة زمنياً".

لولا سرعة رد فعله، لتعرض كلاهما لإصابات غير ضئيلة قبل مواجهتهما لرا، مما كان سيضعهما في وضع حرج. وما إن وطئت قدمه وألكسترازا داخل عرش الرعد، حتى أُصيب ماليكوس بالخرس لحظة جراء المنظر أمامه. تمثال ضخم لما لا يمكن أن يكون سوى لي شين، الإمبراطور الفاني الذي أسر را وبنى هذه القلعة، وقف ويداه فوق عمودين من صنع التايتن ينبعث منهما قدر كبير من الطاقة. لقد أُعجب بالفعل ببناء عرش الرعد، لكنه أُذهل الآن حقاً بجرأة الفانيين اللذين بَنيَا هذا المكان.

فكر ماليكوس لنفسه وهو يدرس محيطه: تفوق سيطرتهم على تكنولوجيا التايتن توقعاتي بشكل كبير. هذا لا ينبئ بخير. ما هي أنواع الأهوال التي تمكنوا من صنعها بالقطع الأثرية التي اكتشفوها في أعماق المنشأة؟ ماذا تمكن الكاش من إنجاز بينما سيطروا على هذا المكان؟

قالت ألكسترازا بإلحاح، وقد وصلت على الأرجح إلى النتيجة ذاتها مثله: "يجب أن نندفع للأمام ونجد را. كلما أسرعنا في تأمين هذه القلعة، كان ذلك أفضل".

حذر ماليكوس وهو يخطو بجانبها بخطى متناسقة: "لا شك في أنه سيختبئ في الغرفة الأكثر تحصيناً في هذا البناء، وربما وُضعت الفخاخ بالفعل استعداداً لوصولنا. سيكون ذلك الخيار البديهي. إلى جانب وفرة من الدفاعات لإرهاقنا على طول الطريق".

وكما توقع، تثبت نبوءة ماليكوس بسرعة حين واجههم الكاش بتيار ثابت من الموتى الأحياء أقوى من أولئك الذين خارج عرش الرعد. وكان أسوأهم أرواح جنود لي شين النخبة، الذين عرفوا القلعة أفضل من أي شخص آخر وقاتلوا بحماس متعصب حتى في الموت لصد أي غزاة. جعل هذا ماليكوس أكثر امتنانّاً من أي وقت مضى لكونهما يمهدان الطريق بمفردهما، سيما حين بدأت سحابة من الضباب الملوث تملأ المراتب.

لقد تقلص سحر التنين الأزرق أساساً بما يكفي من سوء الإدارة لآلاف السنين؛ لم يكن ماليكوس بحاجة لمضاعفة شعوره المستمر بالذنب برؤية عشيرته تموت جراء طاعون.

أنذر ماليكوس شقيقته وهو يحلل في الوقت ذاته الطاعون السحري الذي حاول إفساد لحمه: "هذا المرض أشد فتكاً من أي مرض رأينا الكاش ينشره من قبل. علينا إيجاد مصدر هذا الضباب وتدميره قبل أن ينتشر خارج عرش الرعد. الضباب الكثيف لا يكفي أبداً للتغلب على سحرنا الفطري، لكن أسرابنا ستجد نفسها تخنق بسرعة على هذا البلاء الملعون".

قالت ألكسترازا وهي تقبض عرضاً على نصل محارب موغو الشبحي وتغمر الروح بالنيران، حيث سمح لها قفازها المسحور بلمس الكيان الأثيري: "إنه ينبعث من الجناح الشرقي للقلعة. أستشعر طاقات حياة قوية، ملتوية بطريقة غير طبيعية وهي أشد إزعاجاً حتى من الموتى الأحياء الهائجين".

ومع تحديد وجهتهما، شق الاثنان طريقهما بسرعة عبر الممرات الملتوية لعرش الرعد، متوقفين أحياناً للتعامل مع المسوخ الشنيعة التي تركها الكاش وراءه. مع ذلك، كانت تلك المسوخ أقل إززعاجاً بطريقة ما من برك الأنيما المتحركة المتجمدة التي حاولت قتلهما. كانت الوحل مخلوقات نادرة لكنها معروفة في أزيروث، وعادة ما كانت نتيجة تجارب كيميائية طائشة أو عند اندماج أنواع متعددة من السحر في منطقة معينة.

كان سحر الفراغ معرضاً بشكل خاص لتوليد كائنات كهذه، ولهذا كان دم كيانات الفراغ القوية يميل إلى التحرك وقتل أي شيء قريب. إن معرفة أن هذه المسوخ كانت غالباً دماء الحارس الأعلى را، المحصودة كرهاً من جسده على مدى آلاف السنين، أضفت نوعاً خاصاً من الرعب على الموقف. في المرة الأولى التي حاولت فيها ألكسترازا غمر المخلوقات بنيرانها المشبعة بالحياة، ندم كلاهما فوراً حيث امتصاص المخلوقات لسحر جانب الحياة القوي وتضخمت حجماً.

كانت المخلوقة الناتجة مقرفة وقوية لدرجة أن ماليكوس انتهى به المطاف بنقلها آنياً إلى الكهوف تحت القلعة بدل بذل الجهد لتدميرها. منذ تلك اللحظة، لم يسمح ماليكوس بشكل قاطع لألكسترازا بتقديم مساعدتها بينما جمد كل وحل أنيما منهجياً في كتل من الجليد. وكلما توغلا، أصبح تركيز الضباب أكثر كثافة وسمية، حتى اضطر ماليكوس لإلقاء تعويذة عليهما معاً كي يتمكنا من الرؤية. وما إن وصلا أخيراً إلى مصدر الضباب، حتى أُصيب كلاهما بالخرس للحظة جراء المشهد أمامهما.

في وسط غرفة ضخمة كان هناك وعاء هائل، يفيض بالضباب الملوث النابض. ومُتصلة بالوعاء أنابيب طويلة متعددة تؤدي إلى حاويات أكبر حجماً ممتلئة بدماء الحارس الأعلى را على طول الغرفة. كان ما لابد أنه أعظم مصدر للأنيما في العالم خارج أولدوار يُستخدم بوضوح حصرياً لتجارب مسخية وكمكون أساسي لطاعون الكاش. شعر ماليكوس بامتنان أكبر من أي وقت مضى لأنه تحذر مسبقاً من الكاش على يد كريفَاكس.

وإلا، فلن يتخيل الأهوال التي كان ملك الكاش قادراً على صنعها لو سيطرت الفيلق المحترق بلا منازع على هذا المكان لعدة سنوات. لم يكن ماليكوس متأكداً تماماً من قدرة حتى هو وأشقائه على التغلب عليها. وما إن همّ بالتوصية لألكسترازا بالتوقف لتطهير هذا المكان، حتى تردد صدى صوت عميق ورنان لم يسمعه كلاهما لآلاف السنين في أنحاء الغرفة.

"تحت هذه الغرفة، في سجن لي شين السري، انتظرت في الظلام لآلاف السنين. لم يخرق الصمت سوى الفانين الذين عذبوا وحرفوا جوهر حياتي في تجاربهم التدنيسية لكسب قوة لا يستحقونها. صليت طوال الوقت لكي يحررني زملائي الحراس أو الجوانب أو حتى التايتن القتلى بأي طريقة من أسري. ورغم ذلك تمر العصور، ولا تصلون إلا الآن، عندما فوات الأوان بكثير".

كان الشخصية التي خرجت من الظلال أشبه بقشرة ملتوية مقارنة بالحارس الموجود في ذاكرة ماليكوس. فعلى طول ما ينبغي أن يكون جسداً غير قابل للتدمير تقريباً صُنع من فولاذ التايتن بواسطة التايتن أجرامار نفسه، كانت هناك جروح وندوب مخيفة، كاشفة عن تدفق تيارات الأنيما. وما زاد الطين بلة هو أقواس البرق الخضراء المريضة المنبعثة من جسده والشعور الواضح بسحر الفيل الذي تغلغل في الهواء حوله.

لم يتفاجأ ماليكوس بذلك. فقد وجد الكاش الحارس الأعلى را بوضوح في حالة شديدة الضعف، وكل ما عرفه عن سحر النكرومانسية أخبره أن الحراس غير العضويين سيكونون مقاومين لتأثيراته. كان منطقياً تماماً أن يقوم لوردات الرعب بتشريب الحارس بسحر الفيل اللحظة التي وجدوه فيها. مع ذلك، فقد تمنى أن يكون را قادراً على المقاومة لفترة أطول مما فعل. تبادل ماليكوس نظرة قلقة مع ألكسترازا وأشار خلسة لتشتيت انتباه الحارس الساقط.

لم يكن عادة منخرطاً في محادثة مع عدو قبل القتال، لكنه استشعر أن حاجزاً سحرياً قوياً ومعقداً بدأ ينتشر عبر القلعة بأكملها اللحظة التي دخل فيها را الغرفة. احتاج ماليكوس إلى وقت إن أراد معرفة مدى الفخ الذي أعده الحارس لهما.

قالت ألكسترازا وصوتها هادئ ومليء بالتعاطف وهي تحدث الحارس كأنه حيوان جريح: "أيها الحارس الأعلى را، لو كنا نعلم ما يحدث لك، لكنا جئنا أبكر بكثير. أرجوك، لم نكن هنا من قبل، لكننا هنا الآن. لا تسمح لفساد الفيل بأن يحولك ضد أزيروث والتايتن. دعني أطهرك من دنس الفيلق المحترق".

كان ذلك بوضوح الأمر الخاطئ ليقال، إذ جاء رد الحارس الأعلى را سريعاً ومملوءاً بالغضب.

تحدث الحارس بعاطفة أكبر مما رأها ماليكوس قط عندما كان غير فاسد: "حتى قبل أن يجدني الكاش، كنت قد رأيت الحقيقة. أزيروث ملتتوية وفاسدة لدرجة لا تقبل الخلاص. وسواء كان الأمر يتعلق بالفيلق المحترق أو الملوك القدامى، فلا أمل في هذا العالم الهالك. تحدثني عن الانقلاب على الصانعين، لكنهم رحلوا وسارجيراس هو التايتن الوحيد الباقي".

كان هذا كل ما احتج ماليكوس سماعه ليدرك أنه لن ينتج أي شيء مثمر عن التحدث إلى الحارس، لذلك تجاهله وألكسترازا مركزاً على سبر الدفاعات السحرية لعرش الرعد. لم يكن الحارس الأعلى را يبالغ حين ادعى أنه سُجن في زنزانة مخفية تحت هذه الغرفة بالذات. الحواجز السحرية اللازمة لسجن حارس لفترة طويلة يجب أن تكون معقدة بشكل مستحيل وكانت بوضوح نتاج تكنولوجيا التايتن لعرش الرعد. كانت هناك علامات على نقل شبكة تدابير الأمان من السجن وانتشارها عبر القلعة.

حتى أنه استشعر حاجزاً سحرياً يبنى ببطء حول الجزء الخارجي من البناء، مانعاً أسرابهما من الدخول. سيجد ماليكوس نفسه حتى الآن يجد صعوبة في الانتقال الآني خارج عرش الرعد دون المعاناة من آثار جانبية قد تكون مميتة بمجرد تفعيل الحاجز بالكامل. بل سيكون له تأثير مخفف عليه وعلى ألكسترازا، مما يجعلهما أضعف بشكل ملحوظ. مع ذلك، كان ماليكوس هو جانب السحر وعلم أن لكل نظام سحري نقاط ضعفه الخاصة.

سيكون هناك بالتأكيد آلية تحكم أعمق في القلعة، أو بوسعه تعطيل الحواحز بنفسه إن أتيح له الوقت الكافي لدراستها. وبعد إتمام تحليله، قرر ماليكوس مقاطعة الحوار الجاري بين ألكسترازا والحارس. وبصفته شخصاً دفع إلى حافة اليأس والجنون، فقد استطاع تمييز دفع الحارس الأعلى را بالفعل فوق تلك الهاوية. لا توجد أي كمية من التوسلات العاطفية أو الخطابات المتعاطفة ستساعد هذا الموقف.

ولم يكن ممن يفوتون فرصة، فألقى ماليكوس بصمت تعويذة لتعجيل سرعته بشكل كبير قبل الاندفاع للأمام وإطلاق رشقة هائلة من السحر الخفي المشكل بعناية والتي أرسلت الحارس محلقاً للخلف عدة أمتار. لم يكن الهجوم ليفعل ضرراً حقيقياً، بل استهدف ماليكوس فصل الحارس الأعلى را عن الغرفة التي خطط بوضوح للقتال فيها. حسب خبرته، لم يكن أبداً فكرة جيدة السماح للعدو بساحة المعركة المفضلة لديه.

قال ماليكوس وصوته يحمل تلميحاً من السخرية وهو يتقدم ملاحقاً ويطلق عدداً كبيراً من التعويذات التي دفعت الحارس إلى ممر قريب: "أتمنى ألا تكون ساذجاً لدرجة تصديق أن هذه الحواجز ستكفي لهزيمتنا. إن كان الأمر كذلك، فقد أفسد فساد الفيل حواسك بلا ريب. حتى ونحن ضعفاء ومنفصلون عن أسرابنا، سنظل أكثر من قادرين على قهرك".

لم يكن ذلك تبجحاً فارغاً. الحارس الوحيد الذي يخشى ماليكوس بصدق الاشتباك معه في معركة مفتوحة هما تير وربما أودين. مع ذلك، تفاجأ ماليكوس قليلاً حين فشل الحارس الساقط في التفاعل بالغضب الذي توقعه.

ضحك الحارس الأعلى را وهو ينفجر في انفجار هائل من البرق المعزز بالفيل أجبر ماليكوس على حماية نفسه وألكسترازا خلف حاجز خفي: "قد يكون ذلك صحيحاً، لكني لست أحمق. ولا تيتشندريوس كذلك. لقد عرف أن مدافعي أزيروث سيصلون إلى بانداريا قبل إخضاعها وطلب مساعدتي للتعامل مع الأمر. انظرا خلفكما، أيها الجوانب".

بحذر، أبقى ماليكوس نظره مثبتًا على الحارس لعدة لحظات. وحالما تأكد من عدم نية را الهجوم، نظر مرة أخرى إلى الغرفة خلفه ليرى وعاء الطاعون السحري يهتز بعنف بينما أصبح الضباب المحيط أكثر كثافة من أي وقت مضى. وفجأة، انفجر الوعاء بانفجار مدوٍ دمر الغرفة التي احتوته، مرسلاً الأنيما والغازات المحبوسة الملوثة لتتطاير في كل الاتجاهات. كان الانفجار قوياً لدرجة عدم شك ماليكوس في أنه كان سيدمر قلعة أصغر ويجعل الطاعون ينتشر لأميال عديدة لولا الدفاعات السحرية ذاتها المخصصة لاحتواءه وألكسترازا.

قال الحارس الأعلى را، وصوته مفعم بالخبث المجنون بينما استدارت ألكسترازا صوبه بتعبير مرعوب: "بمعرفتي بالأنيما، تمكن الكاش من تطوير طاعون يفوق قدرة السحر البشري على الشفاء ونشر حاويات مثله عبر بانداريا. كل من موتي وتفعيل آلية الإطلاق سيؤديان إلى عدد لا يحصى من وفيات الفانيين، الذين سينهضون لخدمة الكاش".

بدأ عقل ماليكوس بالعمل فوراً في دراسة الطرق المحتملة للتعامل مع فخ الحارس قبل أن يستقر على تفاوت مهم.

سأل ماليكوس بريبة مقيداً نظراته بالحارس الساقط: "إذن لم لم تفعل ذلك حتى الآن؟ أشك بصدق في أن السبب يرجع إلى أي رحمة متبقية قد تشعر بها تجاه الفانيين".

قال الحارس الأعلى را وبعض جنونه المسرور يفسح المجال للتهيج: "بالتأكيد لا. لقد تجاوزتم في كل منعطف تقديرات الكاش، منظمين جيشاً ومكتسبين وصولاً إلى بانداريا أسرع بكثير مما كان متوقعاً. كمية حاويات الطاعون التي يمكننا نشرها عبر الأرض محدودة، لكن لا بأس. لقد أُحيط ملك الكاش علماً بهجومكم وما تبقى من حاويات قليلة يكفي لإبقائكم هنا".

استوعب ماليكوس استراتيجية را فوراً. حتى لو لم يستطع الطاعون قتل جميع الفانيين، فسوف يقتل عددًا أكبر بكثير مما تستطيع ألكسترازا تحمله. لا تزال يسرا مشغولة بكابوس الزمرد والبدائيين بينما يتعامل نوزدورو مع طفرة في الهجمات عبر الجدول الزمني من قبل عائلة التنين اللانهائي. ومع احتجاز ماليكوس وألكسترازا في عرش الرعد بسبب تهديد قتل عدد لا يحصى من الفانين وإحيائهم كموتى أحياء، سيكون ملك الكاش حراً في الانتقام من فانيي أزيروث دون تدخل الجوانب.

بالطبع، لن يسمح ماليكوس لنفسه بالموت بغض النظر عن عدد حياة الفانيين المعلقة بخيط رفيع، ولن يفعل بتهور ما يفاقم سوء الموقف. طالما احتفظ را بهذا التهديد فوق رؤوسهما، فلن يتمكنا هو وألكسترازا من مغادرة عرش الرعد. ومع ذلك، امتد هذا الموقف بالاتصالين. فطالما تواجدا هنا، لن يستطيع الحارس الساقط تفجير حاويات الطاعون دون فقدان كل نفوذه.

قال را بابتسامة قاسية وهو يرفع يده ويطلق صاعقة هائلة من برق الفيل تاركة وراءها أثراً من الحجر المذاب أثناء اندفاعها نحوهما: "والآن بعد أن فهمتم سبب عدم قدرتكم على قتلي أو مغادرتي، لا أرى سبباً للامتناع عن مشاركة جزء من العذاب الذي عانيته معكم".

كان الحارس بوضوح لا يكبح جماحه، واُضطر ماليكوس إلى رمي نفسه وألكسترازا بعيداً بالحركة الحركية بدل محاولة صد الهجوم. استغرق ماليكوس لحظة أطول فقط للنظر في عشرات السيناريوهات المختلفة وقرر أن مسار العمل الأفضل هو تجاوز حواجز عرش الرعد سراً وإرسال رسالة تخاطرية عما يحدث إلى الخارج. سيكون إنجاز هذا مستحيلاً لأي شخص آخر، لكن أعداء ماليكوس نادراً ما استطاعوا توقع كل ما سمحت به سيطرته على السحر.

قال ماليكوس تخاطرياً لألكسترازا قبل أن يشاركها خطته بسرعة بينما تجنبا على عجلة وابلًا آخر من هجمات را الغاضبة: "أيتها الشقيقة، ساعديني بتشتيته".

أومأت ألكسترازا بحزم قبل أن توجه نظرة غاضبة إلى الحارس. ألقى ماليكوس تعويذة لتعجيل سرعة شقيقته قبل أن تقفز ملكة التنين للأمام بكامل قوتها نحو الحارس الأعلى را. مع موت نيلثاريون، كانت ألكسترازا بفارق كبير التنين الأكبر وبالتالي الأقوى جسدياً حالياً، وانتقلت كل ذرة من تلك القوة إلى هيئتها الفانية. اعتبر ماليكوس نفسه ونوزدورو شخصياً الجانبين الأكثر فتكاً في القتال، لكن كان هناك ما يثير الرهبة في رؤية قوة كافية لتدمير جبل تُركز في ضربة واحدة لا تُقهر.

بدا عرش الرعد بأكمله يهتز بينما اندفعت ألكسترازا للأمام بسرعة كافية لكسر حاجز الصوت واصطدمت برا، وجسدها بأكمله يتوهج بنيران قرمزيّة. أُخذ الحارس الأعلى را على حين غرة بوضوح حيث أرسلت ملكة التنين كليْهما محلقين عبر ممر تلو الآخر. حاولت العديد من جثث الموتى الأحياء التي لا تزال تعج بالقلعة التدخل، لكنها ابتلعت قريباً إما بالبرق أو النار بينما اشتبك اثنان من أقوى الكائنات في أزيروث.

شعر ماليكوس بامتنان شديد فجأة لاختيار ألكسترازا مرافقته، ولم يكن لديه أدنى شك في امتلاكه مساحة كافية لإرسال رسالة خارج القلعة. ومع ذلك، سيتطلب الأمر وقتاً طويلاً جداً حتى يتسنى فعل شيء. ولن تكون هذه مشكلة لا له ولا لألكسترازا، إذ كانت هناك أوقات أثناء حرب الأقدمين تقاتلا فيها أسابيع ضد موجات لا تهتز من الشياطين. مع ذلك، فهذا يعني اضطرار الفانين للدفاع عن أنفسهم حتى ذلك الحين.

فكر ماليكوس بينما ركز في الوقت ذاته على اختراق دفاعات عرش الرعد ومساعدة ألكسترازا: أظن أن علينا الوثوق بالاستعدادات التي قمنا بها. بعد كل ما فعلناه لتعزيز التحالف، أتمنى أن يرتقوا إلى مستوى الحدث.

عاد كريفَاكس من مهمّته وتواصل مع قوّات دفاع الحلفاء ليجدها في حال من الهلع. تطلّب الأمر معظم اليوم لإنهاء مهمّة أسر مالْ‌غانيس. وكان يخطط لقضاء وقته في إرسال بعثة دبلوماسية رسمية إلى السّلستيين الأغاوست. تبخّرت كلّ تلك الخطط حين اكتشف أنّ ملك الخواتم بدأ مهاجمة الأصول البحرية للمملكة الشرقية أثناء غيابه. كان ذلك وحده احتمالاً مذهلاً بالنظر إلى امتلاك ملك الخواتم سلحفاة عملاقة ميتة حيّة قادرة على قضم نصف سفينة بينما تظلّ تحت الماء.

غير أنّ الموتان امتلكوا قوات تفوق ما توقعوه. بدا أنهم تحالفوا بطريقة ما مع الكفالْدير؛ وهي مجموعة من الفيكول الموتى الأحياء المخيفين الذين يشنّون غارات مروعة على المدن الساحلية تحت غطاء من الضباب السحري. عرف كريفَاكس من معرفته السابقة أنهم يعملون لصالح هيليا؛ مراقبة تيتانية سابقة منتقمة تحكم مستوى هيْلهايم الذي تُزَفّ إليه أرواح الفيكول غير الشريفة قبل أن تتحول إلى كفالْدير.

لا بدّ أنّ ملك الخواتم وعد هيليا بشيء كبير لتشتيت انتباهها عن أودين، وغالباً مساعدة في ثأر ضد الحارس. لسوء الحظ، لم تكن هناك سوى القليل من المعرفة السابقة التي يمكن أن تساعد الحلفاء في التعامل مع الهجمات الساحلية التي يشنّها عمالقة موتى أحياء بطول اثني عشر قدماً يظهرون بلا إنذار ويقتلون كل ما يقع في مجال الرؤية. السبب الوحيد لعدم تفاقم الوضع هو استعداد الحلفاء مسبقاً لإخلاء طارئ لقراهم الساحلية.

أضيف إلى ذلك الاستجابة السريعة التي أتاحتها بوابات كيرين تور وفرق قوات دفاع الحلفاء سريعة الانتشار. ومع ذلك، تركهم ذلك في مواجهة الهجوم الرئيسي لملك الخواتم.

سأل كريفَاكس بينما كان يتابع هجوم ملك الخواتم المستمر على مدينة بورالوس عبر مرآة استطلاع وُضعت في غرفة القيادة الرئيسية لمقر قوات دفاع الحلفاء: "أمتيقنون نحن من أن الموتان ينوون تركيز هجومهم كلياً على عاصمة كولْ‌تيراس؟ سيكون الأمر منطقياً للغاية من الناحية العقلانية إن ارادوا شلل أقوى قوة بحرية للحلفاء، لكنه هدف صعب أيضاً. كولْ‌تيراس أجهز من أي دولة ساحلية أخرى للدفاع ضد هجوم من البحر".

كانت بحرية كولْ‌تيراس تحافظ على موقع دفاعي قرب الميناء تحت حماية القوات الجوية للحلفاء المتنامية بقوة. حلّقت أعداد لا تُحصى من طائرات الغنوم، وطيّاري النيروبيين الطائرين، وفرسان صقور التنين الإلف، وأقزام وايلْدْهامر فوق الغريفين في السماوات لإزعاج أي ميت حي تجرّأ على الاقتراب من المدينة. بالإضافة إلى ذلك، أنشأت كيرين تور عدة حواجز قوية لصدّ أي قصف بعيد المدى من الموتان.

كان عرضاً دفاعياً مهيباً من الحلفاء، مع أن ملك الخواتم بدا مصراً على مجاراته. ازدحمت السماء بسرب من الطيور الميتة الحية، وثعابين السحب، والكوواتل. وعبّت البحار بسفن الكفالْدير الطويلة، والناغا، وعمالقة البحر الذين أطلقوا موجات هجمات مستمرة على دفاعات الحلفاء. بل وهناك ثلاثة كراكن تحاول تطوير سفن كولْ‌تيراس بمجساتها الطويلة. لحسن الحظ، أُحبطوا عندما ركّز الحلفاء عليهم كلّما صعدت وحوش البحر الميتة فوق مستوى سطح البحر.

سُرّ كريفَاكس لرؤية أن كلّ استعدادات الحلفاء لم تذهب سدى، مع أنه تمنّى لو امتلكوا طريقة ما للتعامل مع معقل الموتان الأساسي. بدا شينْ-زينْ سو مهيباً أكثر بكثير ممّا توقع.

كانت السلحفاة الميتة الحية ضخمة بحق، وتستحق بجدارة لقب "الجزيرة الهائمة".

بلغت من الضخامة حدّ أنها أشبه بسلسلة جبال طافية لا بمخلوق حقيقي. تغطّى الصدفة الشاسعة بطبقة سميكة من الجليد والثلج، مع هياكل ضخمة للموتان بُنيت فوقها. باجودات شاهقة، ومنشآت عسكرية، ومقابر ضخمة تقدم مؤشراً على الحجم الهائل للموتان المتمركزين هناك. كان المخلوق العملاق يسبح بإيقاع في حركة دائرية لخلق سلسلة من الأمواج بارتفاع ثلاثين قدماً تتكسر مراراً وتكراراً على دفاعات بورالوس الساحلية.

لولا كيرين تور، لغُرقت المدينة تماماً بمياه البحر.

أجاب روماث وبصره مشدود من التوتر المستمر وهو يناول عدة وثائق: "لقد اتخذنا كل سبل التأكد من عدم هجومهم في أي مكان آخر. لا تُظهر محاولات الاستطلاع في الأماكن الأكثر ترجيحاً أي علامات على نشاط للموتان. لا تبلغ غنومريغان عن أي شيء غريب في البحار الأخرى عبر غواصاتها العجيبة، ولم تكن ثمة محاولات لتعطيل نظام اتصال الحلفاء".

كانت تلك كلها حججاً مقنعة تماماً، لكن كريفَاكس عجز عن طرد شعور بأن الأمر بسيط للغاية. قادته انطباعاته عن الشياطين المرعبة إلى وضع كولْ‌تيراس في ذيل قائمة الأهداف المحتملة، رغم كونها أحد الخيارات الأكثر ربحاً إن ظفر الموتان بالنصر. توقع شخصياً أن يقصد ملك الخواتم ستورمويند بالنظر إلى عزلتهما النسبية وتجاوزهما البطيء لآثار الحرب الثانية. مع ذلك، أشارت كل الدلائل بالفعل إلى مهاجمتهم كولْ‌تيراس في المستقبل القريب، ولم يمتلك كريفَاكس ترف إبطاء إرسال فرق قوات دفاع الحلفاء تأهباً لهجوم.

وبينما كان يراقب، وقع طاقم إحدى سفن كولْ‌تيراس تحت وطأة مجموعات صعود الكفالْدير وتدهورت الواجهة البحرية تدريجياً.

أمر كريفَاكس مباغتاً إدارياً غنومياً اختاره عشوائياً: "أنت، أرسل كل فريق إلى بورالوس لم يُرسل بعد. باستثناء فريق رونين. سيبقون في حال تأهب تحسّباً لأي هجمات غير متوقعة في مكان آخر من أزيروث".

أومأ الغنوم برأسه سريعاً، ومدّ يده لتدوين بعض الملاحظات قبل أن يهرع خارجاً.

فرك روماث صدغه وبدت عليه أمارات الإحباط واضحة: "لا يعجبني هذا. بغض النظر عن مدى قوة قواتنا، يصعب على الحلفاء الدفاع ضد عامل معقّد مثل شينْ-زينْ سو دون مساعدة المظاهر. أمتيقنون نحن من استحالة انتزاعهم من عرش الرعد؟"

ألقى كريفَاكس نظرة خاطفة على التقرير الذي تلقاه من دبلوماسي طيران التنانين لدى الحلفاء قبل أقل من ساعة.

"ليس في القريب العاجل. علينا وحدنا التعامل مع الموتان حتى ذلك الحين. لحسن الحظ، سيستطيع الحلفاء صدّ أي هجمات برية للموتان على كولْ‌تيراس، وسيستغرق الحصار البحري وقتاً طويلاً لكسر دفاعات الجزيرة. يقلقني أكثر احتمال هجوم في مكان آخر بينما تنشغل قواتنا".

على الرغم من كون السلحفاة العملاقة الميتة الحية وحشاً مخيفاً، كان ثمة سبب وجيه لبقاء الموتان بعيدين بشينْ-زينْ سو بدلاً من زجّه في المدينة. امتلك الحلفاء سبلًا كثيرة لوصول أقوى قواتهم إلى ظهر المخلوق إن اقترب بما يكفي، ما يجعل ملك الخواتم عرضة للهجوم. سيتكبد الحلفاء لا محالة خسائر لا تُحصى، لكن الأمر يستحق لتدمير الشيء الوحيد الذي يُبقي الموتان تحت السيطرة. استمر كريفَاكس في فعل ما بوسعه للمساعدة عبر مواصلة تنسيق الإغاثة لكولْ‌تيراس، لكن القليل جداً بقي لفعل قوات دفاع الحلفاء بعد نشر فرقها كافة.

كاد يتمنى لو يقاتل مباشرة عوضاً عن تقييده بالمهام الإدارية، لكن أحدهم كان عليه تولي الأمر. علاوة على ذلك، لم يكن الأمر كأنّ شيئاً مهماً لا يتطلب انتباهه. بعد نحو خمس عشرة دقيقة من قراءة التقارير ومتابعة المعركة الجارية، تلقى كريفَاكس أخيراً الرسالة التي انتظرها.

قال إداري إلفي وهو يدخل الغرفة: "لقد وصلت وفدة الكالدوراي وتنتظرك، أيها الوزير كريفَاكس".

أحسّ كريفَاكس بالحماس، فترك الماجستير روماث في القيادة وأسرع نحو الغرفة التي خصّصها لاستجواب مالْ‌غانيس. كانت الخطة المبدئية إجراءه بمساعدة ماليفوس، لكنهم لحسن الحظ أخذوا بالحسبان احتمال انشغال المظهر ورتبوا بديلاً. تكاد تكون بعض معلومات مالْ‌غانيس مرهونة بالوقت، لذا امتّن كريفَاكس لاستجابة الكالدوراي السريعة. خصوصاً بالنظر لمن سيحلّ محل ماليفوس تماماً في استدعاء روح الشيطان المرعب من وعائها واستجوابها.

وحين دخل كريفَاكس الغرفة، استقبله مشهد إيرونايا بهيئتها الأنثوية القزمية وهي تفحص موقع طقوسي بينما تحوم جوهرة الروح فوقه متألقة بطاقة داكنة ومبذورة بالشؤم. وإلى الجانب، وقف عديد من حراس إلف الليل متبادلين النظرات بريبة بين الطقوس والسجين الذي رافقوه إلى هنا. بدا غريباً بعض الشيء رؤية إيليدان ستورمرايج محروساً بخفة نسبية، لكن المفاوضات المستمرة بين كريفَاكس وقيادة الكالدوراي خففت الشكوك إلى حد بعيد.

وأسهم كثيراً أيضاً إثبات ملك الخواتم نفسه تهديداً رئيسياً ومشاركة إيليدان المسبقة في خلق جوهرة الروح بلا حوادث.

قال كريفَاكس لقائدة كتيبة إلف الليل: "تحياتي، الحارسة ستارصونغ. شكراً لمرافقتك إيليدان إلى هنا بهذه السرعة".

قالت الحارسة ستارصونغ ونبرتها محايدة بعناية لإخفاء مشاعرها حيال الأمر: "تعتقد الكاهنة الكبرى تيراند واللورد سيناريوس معاً أنّ الوضع خطير وبإمكان الخائن تقديم نفع. استخلاص المعلومات من شيطان مرعب فرصة أثمن من أن تُهدر".

عادة ما امتلك كريفَاكس المزيد ليقوله، لكن بدء الاستجواب بأسرع وقت ممكن كان الأهمّ بكثير.

سأل كريفَاكس محولاً انتباهه إلى السجين: "أمتعد أنت للبدء، إيليدان؟"

قال إيليدان وبنبرته لمحة من الحنين وهو يتأدرس الموقع الطقوسي: "لقد مضت دهور منذ أن مُنحتُ حرية وضع معرفتي بالسحر الغامض موضع الاستخدام اللائق. وكونها ستُستعمل خدمةً ضد الفيلق المحرق يزيد هذه اللحظة إرضاءً. أنا مستعد".

بلا تعليق إضافي، بدأ إيليدان عملية تحضير الطقوس. تحرك ببراعة في أرجاء الموقع، وتخطّ أصابعه رموزاً متوهجة في الهواء استقرت ببطء حول جوهرة الروح. وبدت عيناه المتوهجتان بنور أخضر شيطاني أشد حدة من أي وقت مضى وهو يركّز على مهمته. اعتقد أغلب الناس إيليدان متعلقاً بالسحر الشيطاني وحده، لكن قلائل في أزيروث من يجارون براعته في السحر الغامض المعروضة حالياً. فور استقرار كل شيء، شبك إيليدان يديه وبدأ يردّد تعويذة بالكالدوراي.

نابضت الإشارات وكركر الهواء بالطاقة بينما شرعت جوهرة الروح تلقي ظلالاً مخيفة في الغرفة. ثقل الجوّ وغمر إحساس بالشؤم كل زاوية في الغرفة. ثم بلغت الطقوس ذروتها بكلمة أخيرة ورنّانة من إيليدان. بدأت هيئة شبحية داكنة تتكاتل فوق جوهرة الروح، وتلوي شكلها وتتخبّط كأنها في عذاب. وتسللت خيوط من الظلال حولها، وانفتحت عينان مشتعلتان تفوران بالخبث تحدقان نحو آسريهما.

هسّت روح الشيطان المرعب: "إيليدان ستورمرايج. بعد الهبات التي منحك إياها سيّدنا سارغيراس، أتجرؤ على خيانة الفيلق المحرق؟ حين نغزو هذا العالم وتُؤسر حتماً، ستتوق إلى الأيام التي كنت فيها مجرد سجين".

عبس إيليدان قبل أن يرفع يده ويفعّل أحد الرموز الغامضة العائمة حول جوهرة الروح. على الفور، شرعت روح الشيطان المرعب تصرخ في عذاب مدقع، وتتلوى هيئتها الشبحية.

قال إيليدان ببرود بينما استمر الكيان الأثيري في التلوّي: "لا وزن لتهديداتك هنا، أيها الشيطان المرعب. أعرف تماماً مقدار الضرر الذي تتحمله روحك قبل أن تتحطم. أجب عن أسئلتنا، وقد أعفيك من عذاب مديد. أو ارفض، ولأعذبنّك ببساطة حتى تضعف روحك بما يكفي لتقييدها".

ولم يكن مفاجئاً ألا ينقاد الكيان العتيق الذي أمضى دهراً في خدمة فيلق شرير غارق في التعذيب من قليل من الألم. لم يبدأ مالْ‌غانيس في التعاون إلا بعد أن استعمل إيليدان ضرباً من السحر الشيطاني لتقييد جوهر الشيطان المرعب قسراً.

سأل مالْ‌غانيس بنبرة مشحونة بخليط غريب من الكراهية والهزيمة: "ما الذي تريد معرفته؟"

قال كريفَاكس بلا تردد في التقدم وطرح المسألة الأشد إلحاحاً: "نريد معرفة خطط ملك الخواتم. ما هدفه في كولْ‌تيراس؟ أثمة أهداف أخرى ينوى مهاجمتها؟"

بدا السؤال مصيباً، إذ شرع مالْ‌غانيس فوراً يتشنّج ضد قيود إيليدان. ومضت هيئة الشيطان المرعب بينما حاول المقاومة، لكن سلاسل السحر الشيطاني أمسكته بإحكام في مكانه.

اعترف مالْ‌غانيس مكارهاً: "لم أستطع سوى التخمين. كان هجومكم غير متوقع وكنت مركزاً للغاية على بانداريا بحيث لم أتفرغ للتخطيط معهم. ومع ذلك، أشكّ أن كولْ‌تيراس هدفه الوحيد. زعم تيتشوندريوس أن غولْ‌دان بات من الصعوبة بمكان السيطرة عليه. ومن الواضح أن ملك الخواتم أصبح مهووساً بنيل الثأر ممن ظلمه في حياته بعد علمه بأمر من ديثيروك".

شعر كريفَاكس فوراً ببرودة تسري في درعه، إزاء كشف هوية ملك الخواتم ونبأ إعادة تشكّل ديثيروك في الفجوة الملتوية ومشاركته بما علمه.

سأل كريفَاكس محاولاً الحفاظ على رباطة جأشه: "أَيسمح تيتشوندريوس لملك الخواتم بمتابعة ثأر شخصي كهذا؟"

قال مالْ‌غانيس بازدراء: "يفهم أي ناثرزين كفء ضرورة التكيف. ومع معرفتي بتيتشوندريوس، سيسمح بهذا ويجد سيلة لاستغلاله في دفع غاياته الخاصة قدماً".

أراد كريفَاكس مواصلة استجواب الشيطان المرعب، لكن إن صحّت أقوال مالْ‌غانيس، فلن يتمكن من إهدار لحظة أخرى. ركّز كريفَاكس على قدرته في استشعار الحياة ومطّها إلى أقصى حدودها فمسح دالاران منهجياً بحثاً عن غياب الحياة المعتاد المصاحب للسحر النيكروماسي أو محاكاته المشوهة المتأصلة في الشياطين. تطلّب الأمر لحظة ليفصل السحر الشيطاني المنبعث من إيليدان ومالْ‌غانيس، لكنه تمكّن أخيراً وبدأ مسح دالاران بأسرعها بحثاً عن شذوذ.

وبعد قرابة دقيقة من البحث العقيم، كاد كريفَاكس يطلق تنهيدة ارتياح ويقرر أن مخاوفه بلا أساس حتى لمس فجأة شيئاً غريباً. اقترب من محور بوابة دالاران المركزية عدة أشكال بدت… غامضة بشكل غريب بالنسبة لحواسه. لو لم يكن كريفَاكس يبحث عن شيء مماثل تحديداً، لشكّ في ملاحظته إياها. مركّزاً على الأشكال، جهد كريفَاكس عبر ما اشتبه بكونه سحر إخفاء ليتبيّن طبيعتها بدقة. وتأكدت أسوأ مخاوفه حين لمح لحظياً أقوى طاقة نكرومانسيّة أحسّ بها في حياته.

قال كريفَاكس بنبرة ملحة وهو يسحب حواسه إلى محيطه المباشر: "الحارسة ستارصونغ، أخشى أني أحتاج لطلب مساعدة إيليدان في أكثر من مجرد الطقوس. أعرف أين ينوى ملك الخواتم الهجوم، وسنحتاج لكل مساعدة نلمّ بها".

إن جُعل غولْ‌دان ملك الخواتم، فلم يكن سوى شخص واحد يمكن أن يشكل هدفاً معقولاً لغضبه. خصوصاً أن مالْ‌غانيس زعم نشوء هذا الهوس إثر معلومة تلقاها من ديثيروك، والمرتبطة حتماً بمعلومات مسروقة من عقل كريفَاكس. ففي النهاية، بينما أنهى ماليفوس حياة غولْ‌دان حقاً، لما عرف مظهر السحر أبداً مكان إيجاده لولا إنذار مسبق. إنذار مسبق صدر عن كريفَاكس عبر رسالة تكشف خطة غولْ‌دان لانتشال قبر سارغيراس من البحر.