13 شارع مينك الفصل 32 — 13 شارع مينك

اقرأ 13 شارع مينك الفصل 32 — 13 شارع مينك باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت ورشة العمة ماري في القبو تغطّ في صمت مطبق. كانت سيجارة تتوهّج بين أصابعها. وقف العم ميسون عند المدخل، وتثبّتت يده على مؤخرة رقبة ابنه لينت. كان وجه الصبي ملطخاً بالدموع، واعتذاراته تتناثر في دوائر متقطعّة. أما وجه العم ميسون، الذي طالما اتسم باللطف، فبدا مظلماً وجاداً في هذه اللحظة. أخيراً، وكأنه عجز عن احتمال الضجيج أكثر، أمرت العمة ماري: «اذهب لتغسل وجهك. لا تزعج راحة هذه الفتاة الصغيرة.» لقد تخلّف لينت عن المدرسة لينضم إلى المسيرة التي نظّمتها ديليس، الفتاة المهتمة بالبيئة من فاين. هبّ الطلاب المتجمعون نحو محطة توليد الكهرباء المحلية، وأثاروا مواجهة أسفرت عن انقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي في الحي الشرقي للمدينة. وقد أدى ذلك الانقطاع إلى تعطيل عملية جراحية. والآن، ترقد فتاة صغيرة في دار الجنازات. بدقة أكثر، لم يرتكب لينت خطأً حقيقياً يُذكر. وحتى لو سُحب إلى مركز الشرطة، لكان رجال الشرطة قد اكتفوا بالابتسام وإطلاق سراحه. كانت الحياة مليئة بالحوادث. وربما لم تكن تلك العملية الجراحية لتنجح أساساً. فهكذا أمور تنطوي على مخاطر كبيرة طوال الوقت. ولو أن مولدات الاحتياط في مستشفى هانز عملت بالشكل السليم، أو لو عاد التيار الكهربائي في الوقت المناسب، لما كان لانقطاع الكهرباء أي شأن يذكر. علاوة على ذلك، اقتصر فعل لينت على الوقوف خارج محطة توليد الكهرباء، حاملاً لافطة ويهتف بالاحتجاجات مع جمع غفير. وفي أسوأ الأحوال، كان يلاحق شخصية مشهورة. فهو لم يقتحم المنشأة ولم يخرب شيئاً بنفسه. بيد أن بعض التبريرات لا تصلح إلا لساحات القضاء؛ فهي عاجزة تماماً عن تهدئة الضمير. بعد أن أخبر كارون العائلة بما جرى، عارضاً وجهه الكدمات كدليل، لم يَعْدُ هناك أي أمل في إخفاء أي شيء. كان الكذب سيعني التخلي عن أي أمل في حصول العائلة على تخفيض في تكاليف جنازة الفتاة. وبصفته موظفاً، لم يكن لكارون رأي مباشر في أمور كهذه. وبمجرد انکشاف الحقيقة، أنزل العم ميسون بنطال لينت وضربه بحزام. أما لينت، الذي أدرك أن أفعاله أسهمت في وفات شخص أصغر منه بكثير، فقد اكتفى بالبكاء. لم يصدر عنه أي صوت ألم، ولم يطلب أي رحمة. وما إن انتهى الضرب، حتى قاد العم ميسون الصبي إلى جانب فراش الفتاة ليعتذر. ومع أن هذا التصرف قد يبدو للغرباء بلا جدوى، أو كأنه عرض مسرحي خاوٍ، إلا أنه لم يكن عرضاً البداية. لطالما قدّرت عائلة إيميرز الصرامة والصدق، حتى في أوقات حزنهم. عرج لينت صعداً نحو الطابق العلوي. كانت مينا تنتظره عند بسطة السلالم، وضغطت قطعة قماش دافئة على وجهه. «أختي، لقد كنت مخطئاً...» تمتم. أما مينا، وإذ كانت تعلم أن جسد الفتاة الصغيرة يرقد أسفل أقدامهم مباشرة، فلم تجد كلمات تقدمها. فأي محاولة من هذا القبيل كانت لتتعثر وتستعصي. «كيف ستتعاملين مع الرسوم؟» سأل العم ميسون زوجته. «لقد طلبا الحزمة باء.» في وقت سابق، وبينما كانا لا يزالان في عربة الموتى، أشار رون إلى طراز سيارة العائلة، مبيناً مدى ربحية عمل كهذا في الغالب. وحين تطلب الحزمة باء، كانت العمة ماري تخطو بخفة أكبر لبعض الوقت. أما الليلة، فلم تكن هناك خفة كهذه. «تحدثتُ أنا ووييني،» وتابعت حديثها: «سنؤدي الخدمة كاملة، ولكن غداً، حين نكتب الفاتورة الرسمية، سنمنحهما تخفيضاً كبيراً.» «أه،» قال العم ميسون. «أهذا كل شيء؟» أبعدت العمة ماري شعرها عن وجهها وأطلقت تنهيدة. «هذه المرة، لا أود أن نحقق أي ربح. لن يتحمل خسارة طفيفة.» «حسناً.» لان وجه العم ميسون. فالربح من هذه الجنازة بالذات لن يقدم أي سلوان، بينما قد تجلب الخسارة البسيطة قدراً من السكينة. «سأذهب لاتصال بالموردين.» كانت هناك سلع جنائزية معينة، مثل النعوش الخاصة، التي يجب طلبها في اللحظة الأخيرة. فلم تحتفظ عائلة إيميرز إلا بالأساسيات في المتناول، وكان عدد العملاء لديهم يفوق الموردين في نهاية المطاف. «الوقت متأخر.» هزت العمة ماري رأسها. «افعل ذلك غداً.» لوحت لزوجها ليذهب، طالبة القليل من العزلة. غادر. وبقيت العمة ماري وحدها لتشرع في تنظيف جسد الفتاة الصغيرة، وكانت حركاتها رقيقة وغير متسرعة. وما إن نظّفت الطفلة، حتى ألبستها العمة ماري ملابس داخلية جديدة. ثم جذبت مقعداً مستديراً إلى نهاية الطاولة، وجلست، وبدأت تدلك رأس الفتاة بيديها. في الحقيقة، إن معظم الطقوس والإجراءات التي تتضمنها الجنازة مخصصة للأحياء. ولم يكن هذا التدليك استثناءً. فقد رحلت الفتاة الصغيرة بالفعل، ولم تكن لتشعر به بحال من الأحوال. ورغم أن الجسد الواقع تحت يديها كان للطفلة، إلا أن قلب العمة ماري هو الذي استرخى ببطء. وما إن انتهى تدليك الرأس، واصلت المرأة العناية ببقية الجسد، مكررة الحركات العناية ذاتها. وبعد استكمال سلسلة كاملة، شرعت العمة ماري أخيراً في عملية التحنيط. وفي يوم وداعها، ستتمكن الفتاة من لقاء عائلتها باقية على طبيعتها، وبأكبر قدر ممكن من السلام. تلك كانت مهمة الحنوط، الحفاظ على كرامة الموتى ورباطة جأشهم من أجل رحيلهم. وهناك غرض آخر كذلك، يتمثل في منح عائلة الميت وأحبائه وجهاً يمكنهم تذكره حقاً. عندما يتذكر الناس شخصاً آخر، غالباً ما يرتسم في الذهن صورة واحدة جامدة، كصورة فوتوغرافية مجمدة في الزمن. فلماذا تُعد «رؤيتهم للمرة الأخيرة» أمراً بالغ الأهمية؟ ولماذا يتحول تفويت تلك اللحظة إلى ندامة أبدية؟ يرجع ذلك إلى أنه في الحياة اليومية، نادراً ما يأخذ الناس وقتاً للنظر حقاً إلى وجوه المقربين منهم، أو لحفرها في الذاكرة. وكلما كان الشخص أقرب، كان تجاهله أسهل، انطلاقاً من الاعتقاد بأنه سيكون هناك دائماً المزيد من الوقت معهم، وقت أطول بكثير. وحينئذٍ، يحل الفراق دون إنذار. وعندها فقط يدرك المرء أن الوجه الذي يحتفظ به في ذاكرته، والصورة المحفوظة في عقله، قد عفا عليها الزمن، وباتت ضبابية وتتلاشى ملامحها. لا ينتج الخوف عن مجرد الفقد، بل عن عدم القدرة على مسامحة المرء لنفسه على النسيان حين يكون التذكر هو الأهم. وُجد عمل العمة ماري ليحول دون تلك الندامة، أو ليدفعها قدر المستطاع على الأقل. لم تكن تنوي الراحة، رافضة أن تمنح نفسها تلك الرفاهية. بل عزمت على استغلال ما تبقى من الليل لرؤية كل تفصيلة أخير من ترتيبات الفتاة الصغيرة مكتملة. لقد مضى وقت طويل منذ أن عملت بمثل هذا المستوى من العناية، والتركيز، والتفاني. في الثالثة صباحاً، وبعد أن غفت ثم استيقظت مرة أخرى، أحضر كارون إبريق قهوة إلى القبو ووضع كوباً أمام العمة ماري. أخذت رشفة عميقة، متذوقة السكر الثقيل، وشعرت برضا هادئ؛ فقد فهم ابن أخيها أساليبها. جلس كارون بجانب المرأة، متربعاً على مقعد مستدير آخر. كانت الفتاة الصغيرة على الطاولة الفولاذية الباردة ترتدي الآن فستان باليه وردياً. بدا رقيقاً وساطعاً، وانتعلت قدماها خفين أبيضين جديدين. «كان والداها ينويان تقديم هذه لها هدية بعد العملية... لو سارت الأمور على ما يرام.» «أحقاً؟» سالت العمة ماري بنبرة رقيقة. ومضت لتصفيف شعر الطفلة، مستخدمة مكواة فرد الشعر بعناية استثنائية، متحركة كأن أي زلة طفيفة قد تحرق الفتاة. عرف الجميع أن العمة ماري، التي قلما اتسمت بالصبر، كانت تستخدم أحياناً موقد غاز لإزالة شعر الجثث الأخرى، بيد أن رقتها في هذه اللحظة كانت لا تُعادل. كانت تتحرك بدقة مؤلمة. «أهي جميلة؟» سألت العمة ماري. أومأ كارون. «طفلة فاتنة. يقولون إنها كانت تحب الباليه؛ وتدربت بجد كل يوم.» «لم يكن ذلك سهلاً.» «لا، لم يكن كذلك.» التفتت العمة ماري لتنظر إلى كارون. «وجهك؟» «إنه بخير.» هز كارون رأسه. «لقد أهملتك. كان حريّاً بي أن أعالجك أولاً.» «ليس الأمر شيئاً مهماً؛ مجرد جرح من جروح الحياة. فهذه الأمور لا مفر منها.» وبينما استمرت في تجعيد شعر الفتاة الصغيرة، راحت العمة ماري تُقلّب تلك العبارة في ذهنها. «جروح الحياة...» توقفت لبرهة. «كارون، أتساءل حقاً في بعض الأحيان، أأنت في الخامسة عشرة حقاً؟ أم أن مرضاً خطيراً يغير المرء إلى هذا الحد؟» «سأبلغ السادسة قريباً.» «لم تفعل بعد،» وافقت الرأي. «لكن قريباً. يجب أن نحتفل بالمناسبة كما ينبغي.» «ليست محطة مهمة. لا داعي لذلك.» «إن سمحت الحياة بذلك، فلا تتنازل ما لم تكن مضطراً لذلك،» أعلنت العمة ماري بهدوء. «وإلا، فكيف يمكنك تبرير كل الألم الذي تتحمله؟» أومأ كارون. «حسناً، عمتي.» كان عمل الليلة حادثاً عارضة. وحتى لو ذهب العم ميسون إلى مستشفى هانز بدلًا من كارون، لما تغيرت النتيجة. هكذا كانت الحياة تسير ببساطة؛ هادئة على السطح، ولكنها تخفي صخوراً حادة تحت الماء. «أنت لا ترتاح،» قالت العمة ماري. «هناك ما يشغل بالك. لقد شعرت بذلك لحظة عودتك. ارتكب لينت خطأً، وعاقبه عمك.» «أنا أعلم.» حدث ذلك الضرب في الطابق الثاني، لكن كارون سمعه بوضوح تام من الطابق الثالث. وبعد لحظة، قال: «لكن بصراحة، لم يرتكب لينت خطأً حقيقيّاً.» لربما استشاطت أم أخرى غضباً من تعليق كهذا، لكن العمة ماري اكتفت بالإيماء. «هذا صحيح، ولهذا السبب كان يحتاج إلى الضرب.» لو لم يُضرب لينت، لظل يشعر بالقلق. ولشعر كبار السن، أولياء أمره، بسوء أكبر. إن اتباع الحشود عمياء ليس خطيئة جسيمة دائماً. وحين تتوزع المسؤولية، غالباً ما يغض القانون الطرف. بيد أن المرء إن لم يتعلم أبداً كيف يشعر بالندم، أو لم يتوقف أبداً ليتأمل أفعاله، فسيتبعهم بالعمى نفسه في المرة القادمة. ومع أن فعل كهذا قد لا يكون جريمة، إلا أنه كان حماقة. «نحن نخفض رسوم الجنازة،» قالت. «سنتحمل الخسارة هذه المرة.» «شكراً لكِ، عمتي.» «أنا والدة لينت. وهذه مسؤولييتي. لو استطعت، لركعت مع لينت وعمك أمام والدي هذه الفتاة.» تنهدت. «لكن ذلك لن يعني شيئاً، سوى تخفيف شعورنا بالذنب. ولن يكون له أي معنى بالنسبة لهما. بل قد يشعران بالاضطرار لتجرع اشمئزازهم ومواساتنا بدلاً من ذلك.» هزت رأسها. «الأمر أشبه بمراقبة تساقط الثلج من خلال نافذة. من الداخل، يبدو ناعماً وجميلاً. ولا تدرك مدى برودته حقاً إلا حين يتسلل ندفة ثلج إلى داخل يقتك وتجمد جلدك.» «عمتي.» «نعم؟» «ظننت أنني كان يجب أن أعتاد على كل هذا الآن؛ الجثث، والنعوش، والأكاليل، والستائر السوداء. على كل شيء.» توقفت لبرهة. «لكن هذه المرة، اهتزت مشاعري. لم يكن ذلك بسبب لينت وحده، بل بسبب شيء شعرت به اليوم، هناك في ممر المستشفى.» تذكر رؤيته للفتاة الصغيرة تُدفع أمامه، وكيف أدارت رأسها لتبتسم له بخجل. للحظة، تساءل عما إذا كان مفرطاً في العاطفة. لقد رأى أموراً أغرب بكثير، وأكثر رعباً بكثير، ومع ذلك، كان هناك اليوم حزن هادئ ومستمر يثقل كاهله. «هل يجعلنا القيام بهذا العمل قساة القلوب؟» سأل. «أنه نصبح باردين؟» «ليس هذا ما تسأل عنه،» أجابت العمة ماري. «أنا أعلم،» قال كارون. «لكن فكر في الرسامين. إنهم يرسمون كل يوم، مراراً وتكراراً، بحثاً عن عمل يحركهم حقاً. فمن يقول إن رساماً يفقد كل عاطفته لمجرد أنه لا يتوقف عن الرسم؟» انتهت من تجعيد شعر الفتاة ووضعت أدواتها جانباً. وأثناء إشعال سيجارة، عرضت العمة ماري العلبة على كارون. كهز رأسه نافياً. وبينما كانت تنفث الدخان، قالت برفق: «نحن معتادون على الموتى، لا على الموت نفسه.» وقفت، وأشارت إلى الفتاة الصغيرة المسجاة أمامهم: «يا لها من طفلة جميلة؛ وفستان رائع هكذا. ليتها تستطيع النهوض والرقص مرة أخرى.» لم يقل كارون شيئاً. تقدمت العمة ماري ووضعت يدها على كتفه. «عليك أن تتعلم كيف تتخلّى، وكيف تتأقلم، تماماً كما تخبر الآخرين أن يفعلوا. وفي هذا الصدد، أنت تفهم أكثر مني.» «أنا أدرك ذلك، عمتي.» «أتود تناول بعض العشاء؟» سألت. «نعل.» «حسناً. سأعد شيئاً. أطفئ الأنوار عندما تصعد.» غادر العمة ماري الورشة، لكن كارون بقي مكانه. ظل جالساً على المقعد المستدير، يحدق في وجه الفتاة الوادع. وبعد حين، وقف وعبر الغرفة باتجاه آلة الموسيقى، وشغلها. ملأت ألحان «روجا سبريت» الساطعة الغرفة، متموجة عبر البرودة. وترددت كلمات العمة ماري في ذهنه: «يا لها من طفلة جميلة؛ وفستان رائع هكذا. ليتها تستطيع النهوض والرقص مرة أخرى.» إن أردت الرقص، يمكنني مساعدتك. تقدم نحو الفتاة ومد يده اليسرى. وللمرة الأولى، حاول استخدام قدرته بمحض إرادته. وقبل ذلك، لم يتحكم بها حقاً أبداً؛ فكل حدث كان عرضياً ومفاجئاً، لم يكن هادئاً قط، وبالتأكيد لم يكن متعمداً أبداً. وبينما حامت يده فوق الفتاة، غمره شعور غريب. شعر بمشاعرها، وسمع صوتاً لم يعد بوسعها منح الحياة له، واستشعر دفئاً لا ينتمي إلى الموتى. لم يبدو الأمر كهلوسة؛ بل كان كذبة مقنعة لدرجة لم تترك مجالاً للشك. لقد كنت محظوظاً؛ متُّ، وبفضل نعمة تيز، استيقظت مرة أخرى. لكنك لم تكوني محظوظة إلى هذا الحد. أخبريني، أكان ما شعرت به صحيحاً؟ أكنتِ تنادينني، أم أن هذا مجرد شوقي العنيد؟ أتذكرين؟ في ذلك الممر، ابتسمت لي مرتين. ضغط كارون بأصابعه بلطف على رقبة الفتاة. إن كنتِ ترغبين في الرقص لمرة أخيرة، فاسمحي لي بتحقيق أمنيتك. أغمض عينيه. وحين فتحهما مرة أخرى، ببطء شديد، كانت الفتاة الصغيرة واقفة أمامه. ارتدت الابتسامة الخجولة المحمرة نفسها التي رأها من قبل، ونظرت إليه بالطريقة ذاتها التي فعلت بها ذات يوم. لم يلاحظ كارون تلك العروق السوداء الشبيهة بالكروم والتي انتشرت من تحت قدميه. فزحفت نحو الخارج، ملتوية عبر البلاط لتتسرب إلى كل شق في الأرضية. وفي الطابق الثالث، مستلقياً على حافة نافذة، انتفض بوير مستيقظاً. تسببت الصدمة في جحوظ عيوني القط الأسود. «تيز؟» وبعد نبضة قلب، ازداد الذهول عمقاً على وجه السنور. «ليس تيز!» وفي غرفة الدراسة، توقف تيز في منتصف ضربة القلم، فبات قلمه يحوم فجأة فوق الصفحة. حدق في لهب الشموع أمامه، وكان ضوءه يترنح. «النظام؟» مد يده وأغلق كفه حول النار. «لا،» قال بهدوء. «إنه النظام.» *** هذه المرة، لم يتراجع كارون. ولم يغير منظوره، ولم يبتعد أو يقترب. بل مد يده ببساطة، بطريقة طبيعية تماماً. ابتسمت الفتاة الصغيرة، وضغطت بأنانها برفق على شفتها السفلى. تصرفت بخجل، أو ربما بشيء من الارتباك، لكنها عجزت أيضاً عن المقاومة. وفي النهاية، وضعت يدها في يده. لم يكن لها وزن، ولا دفء، ومع ذلك بدت حقيقية. أشار كارون برفق، مخبراً إياها بأنه حان وقت العودة. نهضت، محلقة نحو الأعلى أمامه، ثم هبطت ببطء لتستقر من جديد، مندمجة مرة أخرى مع جسدها. وهناك على الطاولة الفولاذية، فتحت الفتاة الصغيرة عينيها. لم يكن هناك شحوب، ولا أثر لدم، ولا علامة عنف. بل وُجد الوضوح والهدوء فحسب. جلست ببطء. تذكرت كارون، الغريب الذي لمحته في طريقها إلى غرفة العمليات. لقد ترك انطباعاً كبيراً. نظرت إليه وقالت: «أيها الأخ الأكبر، أنت وسيم حقاً.» ضحك كارون برفق. ومد يده بدافع غريزي، ليربت على رأسها بالطريقة نفسها التي كان يفعلها دائماً مع مينا. ثم تذكر عناية العمة ماري الدقيقة، والطريقة التي رتبت بها شعر الفتاة بهذه الهيئة، فتردد. بيد أن الفتاة مالت إلى الأمام بمحض إرادتها، لفرك رأسها برفق على راحة يده. «يحب أبي أن يربت على رأسي هكذا أيضاً.» «أحقاً؟» ابتسم كارون. «أيفعل؟» كان من المؤسف ألا يكون والداها حاضرين لرؤيتها وهي تجلس مرة أخرى. لم يكن ذلك لأن كارون رغب في إخفاء شيء؛ فلم تكن للسرية صلة بالأمر. بل إن السماح لهما برؤية ابنتهما تنهض من جديد، ثم مراقبتها وهي تستلقي مرة أخرى، لن يفعل شيئاً سوى إجبارهما على تحمل ألم فقدانها مرتين. «روجا سبريت،» قالت الفتاة. «كنت أستخدم هذا دائماً كموسيقى مصاحبة عندما أتدرب على الرقص.» نظرت إليه بترقب. «أيها الأخ الأكبر، أيمكنني الرقص من أجلك؟» «حسناً،» قال كارون. جلس مجدداً على المقعد المستدير. وأمامه وقفت طفلة لطيفة ترتدي حذاء باليه أبيض جديد تماماً وفستان باليه وردي، مع ماكياج موضوع بعناية. بدأت الموسيقى. فرقصت. كانت هناك عيوب. وحتى كارون، الذي كان بلا شك هاوياً، استطاع أن يرى أن الحركات كانت غير ناضجة، وأن تقنية الفتاة لم تكن مثالية. ومع ذلك، كانت كل خطوة تخطوها حذرة، وكل حركة تؤدى بجدية كاملة. لقد رقصت بإخلاص تام. لم تكن الفتاة الحقيقية هي من ترقص. فقد رحلت الحقيقية بالفعل. ومع ذلك، كانت هي أيضاً. لم يكن هناك فرق يمكن تسميته. مراقبة كارون الفتاة في صمت وهي ترقص بكل قلبها. بدا الوقت وكأنه يمتد إلى شيء أبدي، وبقسوة أيضاً، فالخلود غالباً ما يوجد فقط لتمهيد الطريق لما ينتهي قريباً جداً. أخيراً، خفتت الموسيقى. وانتهى الرقص. انحنت الفتاة. شعر كارون وكأنه يستيقظ من حلم حي. وعندما رفع نظره مرة أخرى، رأى أن الفتاة قد عادت بالفعل إلى الطاولة الفولاذية، وكانت مستلقية من تلقاء نفسها، بسلوكها المطيع والوديع. أصبح شعرها أشعث بعض الشيء، وظهرت على الحذاء الأبيض آثار احتكاك خفيفة. وبدا فستان الباليه الوردي مجعداً برفق. وكانت كل تلك التفاصيل شهادة صامتة على ما حدث للتو. شرع كارون في التصفيق. وبعد لحظة، نهض، ومشى إلى باب الاستديو، ومد يده نحو مفتاح الإضاءة. ثم تردد. أخيراً، صدرت نقرة، وانطفأ النور.