"صباح الخير يا بن. أأنت مستعد للبيان الكبير؟"
خطا بن عبر رواق الخيمة عند أطراف المعسكر حيث دعاه دونكان لارتقائه. استقبلته هانا بابتسامة دافئة فور دخوله. طرف بعينيه ونظر من ورائها. توسط الخيمة حوض خشبي استواني كبير مملوء بماء ساخن يتصاعد منه البخار، وبجواره طاولة وكراسي. قطب بن حاجبيه وتنقل بنظره بين هانا ودونكان. وقبل أن يسأل عن سبب وجود حوض استحمام في ارتقائه، مدّ دونكان يده إلى كيسه الجلدي. أخرج دونكان حفنة من بلورات زرقاء خافتة التوهج ورماها على الطاولة.
"شظايا الجوهر. سنستخدم هذه لتشبع نواتك."
حدق بن في الشظايا بوجوم. ثم اختلجت عينه اليسرى. نظر إلى دونكان للتأكد من أنه لا يمزح.
"أتقول لي..."
"نعم؟"
"أن بإمكاني امتصاص الجوهر من بلورات براقة طوال هذا الوقت؟"
حدق بن في دونكان وأشار إلى جسده. اسود وجهه حين أدرك ما يعنيه هذا.
"لأجل ماذا كان كل ذلك العذاب البدني وأكل التراب إذن؟!"
أطلقت هانا ضحكة خفيفة وهي تتقدم وتعيث بشعر شعثه برفق. عبس بن.
"لا تقلي هذا."
لم تتوقف.
"الأمر بسيط في الواقع. لا يمكنك فرض جوهر مركز على شخص غير مستعد له. وعاء بشري غير متدرب، إن صح القول، غير مصمم لذلك تماماً. كانت نواتك خاملة تماماً يا بن. لو أعطيناك حفنة من الشظايا فوراً لتمددت قنوات المانا لديك أكثر من اللازم وفجأة وانفجرت من الصدمة."
فاجأ سماع ذلك بن.
"أنت مجرد فتى قرية، لست لقيط نبيل يتدرب منذ الطفولة. كانت تمارين دونكان القاسية وتلك التمارين التنفسية تهدف إلى إجبار نواتك على النمو وبناء أساس متين لئلا ينكسر جسدك حين يصلك الجوهر أخيراً."
حسناً، هذه صورة ذهنية مخيفة قليلاً. أطلق بن تنهيدة ثقيلة وأرخى ذراعيه بيأس. أمال دونكان كيسه وصب ما لا يقل عن مئة شظاية زرقاء متوهجة في الحوض الخسبي ليملأه تدريجياً. حدق بن وفمه مفتوح. كيف لكل هذا الكم من الشظايا أن يتسع في كيس صغير بهذا الشكل؟
"ماذا؟ ألم ترَ حقيبة حفظ من قبل؟"
سالت هانا بابتسامة مشاكسة. تجاهلها بن منخطف الألباب تماماً بينما بدأ الماء يصدر أزيزاً ويتحول إلى لون أزرق نابض ومتموج مع رقاقات متلألئة كالنجوم في داخله. صنف حقيبة الحفظ الآن كشيء يعالجه لاحقاً.
"من الأسهل بكثير لرتبة الصفر امتصاص الجوهر عندما يكون ممدداً في وسط مثل الماء. وإلا لكنت جالس هنا تحاول مصها حتى تجف واحدة تلو الأخرى لمدة أسبوع كامل."
أومأ بن ببطء لكلمات دونكان وشرع في خلع قميصه. فجأة، خطا دونكان إلى مجال رؤيته ليتحول تعبيره إلى جد تام.
"توقف مكانك واستمع إلي جاية جديّة جداً يا بن."
متجمداً في مكانه، رفع بن نظره إلى الرجل الفارع.
"أولئك الذين يستيقظون، وخاصة أولئك الصاعدين في طريق الصعود عبر الرتب، يواجهون جميعاً ظاهرة محددة. حين تجمع ما يكفي من الجوهر لفرض تغير كيفي، سيسحب وعيك إلى الداخل. ستجد نفسك واقفاً أمام باب."
مال دونكان والتقى بعينيه.
"ستراودك الرغبة في فتح ذلك الباب. إياك أن تفعل."
ابتلع بن لعابه ولمح هانا، ثم أعاد نظره إلى دونكان.
"أفترض أن هذا نوع من المجاز...؟"
"كلا. ليس كذلك. إنه باب حقيقي."
"ماذا يوجد على الجانب الآخر منه؟"
"يختلف من شخص لآخر. لكن لا يهم ما تسمعه أو تعتقد أنك تراه. خلف ذلك الباب لا يوجد سوى الجنون الخالص. وعادة ما تصبح الرغبة خطيرة حقاً بعد الرتبة الثالثة، ولهذا السبب يعلق العديد من الصاعدين هناك إلى الأبد. عند الرتبة الصفر، يجب أن يكون تجاهله سهلاً للغاية. لكني أحذرك على أي حال. إياك أن تفتح الباب."
حسناً. لا تفتح باب العقل المخيف. فهمت. مشات هانا نحو الماء، وجلست، ونظرت إليه مباشرة.
"وهناك شيء آخر."
غمس يدها في الماء واستخدمت نوعاً من المهارات جعله يتوهج لحظة قبل أن يخبو الضوء. ماذا للتو فعلت؟ أراد بن أن يسأل، لكنه انتظرها لتتابع.
"فور أن ترتقي رسمياً، عليك اتخاذ خيار. لم نذكر ذلك من قبل لأنه كان سيجعلك تفكر بلا داعٍ، بينما هو قرار بسيط في هذه المرحلة من رحلتك. ستحتاج إلى تخصيص كل الجوهر الذي جمعته نحو تعزيز جسدك على طول مسار محدد."
أشارت هانا إلى الحوض المتوهج وتابعت.
"لديك بالضبط مئة بالمئة من جوهرك لتنفقها. هناك أربعة مسارات رئيسية للجوهر: مسار القوة، ومسار الرشاقة، ومسار البنية، والذي يُسمى غالباً مسار الجسد، ومسار المانا. في الرتبة التالية، تصبح تلك النسبة المخصصة التي تختارها معدلاً خفياً يطور جسدك بشكل دائم نحو ذلك المسار ويحسن كثيراً جميع مهاراتك المرتبطة به منذ ذلك الحين."
طرف بن ببطء وهو يحاول استيعاب كل ذلك. إذن هذا هو المسار؟ كان لا يزال يحاول استيعاب كل هذا حين تحدثت هانا مجدداً.
"يقسم معظم الصاعدين جوهرهم بالتساوي إلى حد ما بين مسارين مترابطين للحفاظ على التوازن. أو يضعون قدراً أكبر قليلاً في مسارهم المفضل. على سبيل المثال، قد يخصص محارب في مسار القوة ستين بالمئة من جوهره للقوة وأربعين بالمئة للبنية. لكن الخيار الأخير يرجع إليك. تذكر فقط أن مسارك المختار سيغير جسدك بفاعلية، مما يجعل من الصعب جداً على المسارات الأخرى التأثير عليك. وهذا كل ما في الأمر تقريباً."
"أهذا ما قصدته بلا مسار يا دونكان؟ ألا تتبع تقنية التدوير أيّاً من هذه المسارات؟"
سأل بن.
"نعم ولا."
"ماذا؟"
"إنه معلومة غير ضرورية. ركّز على الحاضر."
تنهد بن وهو يدرك تماماً أن دونكان لن يغير رأيه الآن. أسقط قميصه على الأرض دون تفكير ثانٍ. تسلق الحافة الخشبية وأرخى نفسه في الماء الأزرق المتوهج الساخن بشكل مزعج. جلس بجمود تام وانتظر السحر الموعود ليبدأ. خطت هانا نحو حافة الحوض ووضعت يدها بإحكام على جبهته.
"خذ نفساً عميقاً يا بن. سأقوم بتشغيل الدورة الدموية."
أومأ بن. انطلقت صدمة كهربائية حادة عبر رأسه. لاهثاً أغلق بن عينيه بسرعة بينما تفعّلت نواته وبدأت بتدوير المانا من تلقاء نفسها. لأول مرة، استطاع الشعور بها. كان عليه تذكر هذا الشعور ليمكنه فعله مجدداً لاحقاً. بدا الأمر وكأن مكنسة ضخمة وغير مرئية قد بدأت لتوها داخل صدره. تدفق الجوهر في الماء إلى داخل جلده، ماملئاً نواته بحرارة حارقة ومسكرة. فقداناً لكل إحساس بالوقت، توقف جسده المادي ببساطة عن الوجود في عقله.
لم تكن لديه أي فكرة على الإطلاق عن كمية الطاقة التي يسحبها إلى نواته. كل ما عرفه أنه يستطيع امتصاص الجوهر، لذا اتبع نصيحة دونكان وبدأ بتنقيحه. متخيلاً ما فعله لا تعداد له من المرات، جرب أيضاً بعض الأمور التي ظن أنها قد تساعد. مثل محاولة ضغط الجوهر. حين نجح الأمر، أراد القفز من الفرح لكنه كبح نفسه وواصل ضغط الجوهر حتى أصبح بما يمكنه افتراض أنه ذو جودة أفضل. ثم، بحذر، امتصاص المزيد.
لكن بعد حين، توقف الاحتراق الشديد تماماً. هاه، ماذا حدث؟ لم يستمر طويلاً. سرعان ما شعر بالمزيد من الجوهر حوله مجدداً. كحيوان جائع، ابتلع كل شيء. ثم، في ظلام عقله، ظهرت رونيّات وواصلت تغير شكلها قبل أن تستقر في نص مقروء. بدء التطور... حساب الجوهر... تحذير: تجاوز الحد... جاري التعديل... جاري التعديل... فشل. طلب صلاحية أعلى... مسموح. أترغب في تخصيص الجوهر لمسار؟ الجحيم نعم. الرجاء اختيار مسار جوهرك:
القوة
الرشاقة
الصلابة
المانا
دون تردد ولو لثانية واحدة، دفع بن بكل نسبة من الجوهر مباشرة نحو مسار المانا. لماذا قد يختار أي شيء آخر في هذا العالم؟ كان في عالم توجد فيه المانا والمهارات والمستويات حقيقة واقعة. اللكم كان لأصحاب العضلات الفارغة. المانا كانت بلا شك أروع شيء وُجد. إذن، لماذا لا يلكم الأشياء بقوة هائلة باستخدام المانا مثل صاحب عضلات حقيقي؟ تم تأكيد تخصيص الجوهر. بدء التطور... تفتت الرموز في لمح البصر وتناثرت شظاياها في كل مكان.
عندما فتح بن عينيه، كان وحيداً تماماً في فراغ مظلم وممتد. لم يكن حوله أي شيء آخر. لا شيء، سوى باب خشبي مرتفع يطفو أمامه. حين أطال النظر إليه، سرى قشعريرة باردة في عمودهِ الفقري.
"ما هذا؟ مستحيل. اللعنة!"
كان الباب مفتوحاً على مصراعيه بالفعل.