راقبناهما يتلاشيان وهما تصغران كلما ابتعدتا. هذه المرة غادرا ببراعة وتخفٍّ يفوقان رحلتي الخاصة إلى هناك بكثير. وإن كان من الإنصاف لرحلتي السابقة إلى هنا، فقد قُذفت خارج غرفة المعادلة وضُممت إلى حقيبة وسيف وقيل لي أن أبحث عن الطريق في عاصفة ثلجية. ولم تقربني وجهتي أيضا من أراضي المتروكة على الإطلاق، لذا حتى من منظور البحر الرقمي، لم يكن أي من روبوتاتها ليرسل تقريرا بذلك إلى الديار نظرا لكون الأمر لا يعدو كونه تفصيلا تافها.
الكثير من البرامج الضخمة تتحرك في الأرجاء، وكل ما كان يعينها هو أي منها يتحرك باتجاهها. مثلما يفعل الرمز والقناعة الآن. وهو ما ترك البقية منا وقوفا داخل المحطة الخالية بانتظار.
"إذا، أممم، هل من شيء يمكننا فعله في هذه الأثناء؟"
انساب أورس من خلفي عابرا الماء في صمت.
قال: "الآن نثق بأننا وجدنا الحلفاء المناسبين وننتظر. إن نجحوا، فسأرى اتصالا معادا تأسيسه مع البنية التحتية لتسويا ومسارا واضحا نحو إطلاق المرسوم الأخير."
جلس الأب فحسب على هيئة تأمل فرسان السطح المعتادة. وجلس الفرسان الآخرون بدورهم خلف الأب. ينتظرون جميعا في أماكنهم ريثما يتغير العالم.
تساءلت: "برأيك، ما هي فرص نجاحهم؟"
قال أورس ببساطة: "سيحققانها. قد تكون القناعة ظلا لـ أ 0 1، غير أنه بالتاكيد قوي بما يكفي لتمحيص عدة ريش من جيلكم نظرا لمقاييس قوتهم. على أي حال، لو لم يكن يحاول الموت في معركة مجيدة، لكان قادرا بالتأكيد على هزامتي."
نظرت غضب إلى البحر الرقمي البعيد في الأعلى وبدت ملامحها عابسة. أمدت يدها نحوي شبه ساهية، فمددت يدي لأقبض عليها بدورنا. راقبنا كلانا البحر الهائج في الأعلى، آملين أن ينجح حلفاؤنا الجدد الذين لم يُختبروا بعد.
جدران بيضاء كالمرمر، وأرضيات من الجرانيت، تفضي كلّها إلى بوابة ضخمة. لم تعنَ السيدة الشاحبة كثيراً بهندسة المكان، رغم علمها بأن الطلاسم ستزداد قوةً كلما استغرقت وقتاً أطول في صنعه. لكنها كانت مثقلة بالمهام. ستتولى ريشاتها الأمر. عشرٌ هنا وعشرٌ هناك، نثرتهنّ في الأرجاء كما يُنثر الحصى الشائك. وغطت البقية بأسراب من كل برنامج تملكه. تطلق الآلاف منها كل ثانية. وقف توهادريال في أحد تلك الممرات، يقود التوسع هناك.
يراقب البحر وهو يُستولى عليه ويُجبر على النظام. هياكل مرمرية، كمعبد واحد ضخم يمتد في كل اتجاه تحت قوة الأم الحقيقية. لم ينجُ شيء أمام نظرتها. القوي، الضعيف، الذكي، السريع؛ حيث بُنيت هياكلها، سُوي كل ما وقف في الطريق بالأرض. فمرة أخرى، كانت السيدة الشاحبة، والليل نفسه، والموت ذاته، في طريق الحرب، ولسوف يتذكر العالم لماذا دمرته عشرات المرات من قبل بكل سهولة. كان منظراً مجيداً.
كان حريّاً به أن يكون هناك، في العالم الحقيقي، يتقصى أثر الخالدين المعترضين طريقه. عوضاً عن ذلك، حُدّد له ولبقية الريشات مهمة حراسة هذا الممر. أكثر مكان عشوائي يمكنه تخيله. يفضي بكامله إلى بوابة مقفلة، مشفرة بقوة منحها مسحاً سريعاً فوجدها عصية لدرجة لا تقوى سوى الأم وحدها على فتحها.
قال تويولاث، ضاحكاً لنفسه من جانبه: "إنها في غضب عارم. إنها تسيطر على المحيط الرقمي بأسره من وراء ونحن هنا نحرـ".
لم يكمل جملته. اخترق مفهوم الانقسام والدمار كيانه، متشكلاً فوق رأسه وقدميه مباشرة، ليقطعه كفكين تنطبقان بقوة. لم تكن لأي منهم فرصة حتى لرد الفعل. حُفظوا في جمود، ومُزقوا إرباً، لا هم بالأموات ولا بالأحياء. محصورين في قبضة محكمة بفعل اهتمام شيء أقدم بكثير وأخطر بكثير من أي كائن من جنسهم. في مقدمة الممر، تقدم شخص بخطى حثيثة، ويده على مقبض نصله، وعيناه مسمرايتان إلى الأمام وهو يعبر بجانب الريشات المحتضرة.
لم تكن هناك رحمة في مشيته. ولا وقت ليضيع في معركة نزيهة. كان العدو ضعيفاً. ولذا سيُسحقون. هكذا بكل بساطة. وراءه، سارت أيقونة النجوم بسرعة تملؤها الخيبة والوجل، كأرنب مرعوب. كانا في قلب إامبراطورية الآلات. على مقربة شديدة من المتخلية، لدرجة أن همساً واحداً قد يبعث بالسيدة الشاحبة إلى هنا، ماثلة أمامهما مباشرة. سار اليقين في منتصف الممر، وتكسرت الصخور من حوله بينما تداعى الهيكل بأكمله تحت وطأة غضبه.
أُنظمتُ الأمن تحت أقدامه تتمزق، والطلاسم المحصنة تتبدد، شأنها شأن أي نظام إنذار قائم. وصلا إلى عتبة البوابة، عابرين بقايا الرواسب الرقمية للريشات الميتة.
قال اليقين دون أن يلتفت: "ستعلم بوجودنا عاجلاً أم آجلاً. وحين يحين ذلك اللحظة، لا تلتفت. ركيزي على التنقيب في شبكة تسويا، واهربي مستخدمة إياها. أفهِمتِ؟".
ركّزت الأيقونة قدرتها المعالجة على البوابة أمامها. فُكت أقفال التشفير في لمح البصر، وارتجت البوابة مفتوحة. تقدم اليقين، وتدفق الطاقة إلى الغرفة التالية. باحثاً عن العدو. كان هذا سابع ممر يعبرانه. وما يقرب من خمسين ريشة لا يزالون عالقين تحت قبضته. لم يحررهم ليتسابقوا نحو سريتهم. ليس بعد. ولكن هذه المرة، بينما فتحت البوابة وأُخمدت الإنذارات بصمت بفعل سرعة الأيقونة ذاتها، لم يكن ما يكمن خلفها جدران مرمرية بيضاء أو أرضية واضحة تماماً.
كانت أقدم. أكثر عضوية. عبرا إلى محراب ملكة ميتة.
قالت الأيقونة: "لدينا مشكلة. لاهناك... ما وراء السببية يتجاوز قدراتي المعالجة هنا".
قال اليقين، مدركاً المخدع أمامه: "صُمِم لتحطيم عقل آلة. قوتك هنا عديمة المعنى. الأرض نفسها بُنيت لتحطيم ملكة أقوى منك".
عمارة أقل، وتقنيات أكثر. عمارة دائمة التغير، بُنيت بطرق شعر اليقين بأن عينيه تزيغان عنها. الأرض ذاتها تتغير وتتحول، جدران من المرايا البلورية تتدفق كالماء في الأمام، وتضطرب كالبحر. السطح، السقف، الجدران؛ لم يكن لأي من ذلك معنى أو إيقاع. كانت الطلاسم كثيفة هنا. إن خطوت خطوة إلى الأمام فسترمي بهما في متاهة لن يجدان منها مخرجاً أبداً. مبنية من مفارقات وفخاخ رياضية تقلب عقل المرء ضده.
بُنيت فقط لتسمح لروح غير عقلانية بالمرور. روح بشرية. رأت المتخلية نفسها الهندسة اللاقيقليدية هنا، والجنون الكامن وراءه، والفوضى التي تحمي منزل تسويا كغطاء؛ وقررت أنه حتى مع فتح جميع المفاتيح والأبواب، فإن المشي في هذا النطاق سيكون الفخ الأخير الذي تركته تسويا. أكثر من مجرد علم. لقد قرأت عقل تسويا وروحها نفسها وعلمت أن الأرض في الخلف بُنيت عمداً لهذا الغرض بالذات.
لقد بنيت الملكة الذهبية منزلها ليكون سلاحاً يخترق المتخلية أو أي متطفل يتعمق في داخله. إلا... إلا أن اليقين كان يستطيع استشعار المسار المترك خلفه.
همس لنفسه: "ذات يوم، ستففين حيث وقفت، وستفهمين ما فهمت".
رفع نصله. ثم وجهه ببطء إلى الأمام، نحو الفوضى المتلألئة في الأمام. تحول العالم من خلفه استجابة لذلك، متحولة الجدران الملونة إلى نفق فتح على مصراعيه، مشكلاً نفسه على طول مهارات معدة جيداً. كاشفاً عن طريق مباشر إلى الأمام.
سألت الأيقونة بجانبه: "كيف؟".
قال اليقين: "سلفي وقف هنا من قبل. أنا أعرف الطريق".
مدّ يده إليها، باسطاً كفه.
"خذي يدي. نسافر معاً عبر هذا الجزء التالي".
فعلت. ومعاً شغلا السلاح الأخير الذي تركته تسويا. منزلها الراقد. عبرا النفق الملون، وانطوى مغلقاً خلفهما.
رفع أورس بصره كأنّه يتحسّس تغييراً.
قال: "أوجدت شيئاً؟"
كنت إلى جواره. مضت ساعتان منذ غادر الأيقونة واقتناع. السبيل الوحيدة التي علمت بها أنهما ما زالا على قيد الحياة هي أن الكسير الروحي لاقتناع ظلّ محفوراً ومُطاقاً في الطرفية هنا. إن قُتل هناك، فسيعاد خلقه هنا. مع ذلك، لم أكن متأكّداً تماماً من هذا. لم يمتلك العتاد الذي تعمل عليه ألف صفر واحد، لذا شبابه أزتو إلى حدّ ما. قد يكون لاقتناع حياة واحدة فحسب، والموت هنا دائم لمن كان في موضع مثله.
ثمّة الكثير من البحر الرقمي الذي لم أكن أدركه حقّاً. لكن أورس أدركه.
قال: "ثمّة صلة مجدداً. لقد فعلوا".
في أنحاء القبو كلّها، نهض الفرسان موليَن رؤوسهم بإيماءة قاتمة. يستعدّون للمرحلة التالية من الأحداث. مدّ أورس يده إلى البحر في الخارج. شعرت حقّاً بصلة تنعقد، ملتوية وغريبة. كأنّما تراعي الضوء يتكسّر نحو الخارج منشقّاً إلى لا مكان.
قال: "أنا أنفذ المرسوم الأخير".
أُرسلت البيانات.
قال أورس بعد هنيهة: "ثمّة مشكلة".
قال أبي: "دائماً ما تكون. ما الموقف؟"
قال: "الإمبراطورية نفسها. أرى مداها الكامل. كل العناصر المتتبّعة التي أمسكت بها تسويا ذات مرة. توصلها لي الأيقونة مع نصيحتها. نتفق على مسألة واحدة. ليس هناك عدد كافٍ من الرجال لإيقاف المتخلّين. الإمبراطورية ليست قوية بالقدر الكافي".
قال أبي: "هذا يعني فقط أن الوقت المتاح لنا لإعادة تالين أقصر ممّا توقعنا".
قال أورس: "لا، ثمّة بديل. أنا أصوغ الرسالة وستتولى الأيقونة البقية. بمعالجاتها، نمتلك خيارات إضافية عجزت عنها تسويا نفسها".
سألت بفضول طفيف: "... ما الخيارات؟"
قال أورس: "ثمّة ملايين من طرفيات الحاسوب في الوجود. وقدر مساوٍ من الدفاعات المشفّرة خلف كلّ منها. كل موقع حصن بذاته إن جاز التعبير. احتاجت تسويا لتركيز انتباهها على واحد تلو الآخر لتتجاوزها. لذا كان المرسوم الأخير اتصالاً مفتوحاً بلا تشفير".
أدركت إلى أين تتجه الأمور.
قلت: "لكن الأيقونة ذكاء اصطناعي من العصر الذهبي. بوسعها كسر كل شيء، أليست كذلك؟"
أومأ أورس ببطء.
"بوسعها. أكثر من واحد في الموقت نفسه. ملايين على التوازي. ومع صلاحياتي ومفاتيح المضمّنة، مداها... شاسع. ستضخم صوتي. استعدوا، سيأتي تالين إلى هنا منذ اللحظة التي أُرسل فيها رسالتي عبر العالم".
توَهجت يده هنيهة وأرسل حزمة البيانات. تولت الأيقونة البقية.