عبر «أو01»
أنقاض المقاومة الأخيرة للإمبراطورية البشرية. القلعة. الحصن البشري الوحيد الذي عجز عن كسره مرة بعد أخرى. هُزم أخيراً أمام إمبراطورية الآلات. توقع أن يعبر هناك بغاية مجيدة وكبرياء. لم يشعر بشيء من ذلك. إذ لم تقم حرب أخيرة. لا صراع موت أو حياة. لا غاية ولا كبرياء. لم يتبقَ سوى الخراب والجثث. جثث في الغالب. أسيد يذيب الدروع واللحم معاً، حتى العظام والهياكل بدت شبه مستعصية على التعرّف لولا برمجياته الفرعية التي تعيد تشكيل الضرر رقمياً لتمييز الملامح.
لم يُبرمج ليعبأ بالرعب، ومع ذلك كان المشهد ينال منه.
مشت «أيه22»
خلفه، نائبة قائدة هذه المهمة. هي من طلبته ليأتي إلى هنا، زاعمة أن ثمة ما يحتاج إلى رؤيته عن كثب.
وصاغت عبارات المهمة بدقة لإقناع «أيه57»
بالسماح بهذا الانحراف.
كان على «أو01»
نفسه إنجاز المهمة الأخيرة داخل هذه القلعة.
مع أنه راوده حدس بأن ما طلبته «أيه22»
لم يكن ذلك. توقفا أمام البوابات المركزية الضخمة. ساد صمت عميق حيث كان مفترضاً أن تدوي أصوات النيران وتتراقص السيراف.
"ثلاثون ثانية وتهب الريح".
تكلمت «أيه22»
بصوت خفيض.
"علينا العبور لنبقى بأمان".
استطاع اثناهما النجاة من العاصفة هنا في الخارج، فدرعاهما وإرادتهما كانتا بقوة تكفي لتحدي الأوتار التي تجرد الحيوي كل دقيقتين مباشرة. كانت عتادتهما الباقية تكفيلهما لتجنب الضرر تماماً والرقص خلاله. بدا الأمر تافهاً بلا خطر هنا للقتال ضده. جعلته الفكرة يشعر بشيء... ما. لم يحسم أمره بعد. ارتياب. وتنامى الشعور حين لمح الجثث في الساحة أمامه. مع ذلك. كان هنا في مهمة.
"متفقان".
نطق أخيراً، ثم تقدم إلى الأمام، تخطت قدماه الزجاج المكسور وما تبقى من أعدائه القدامى.
"أو01. أبلِغ بالنتائج".
سمع عبر اتصالاته لحظة عابرته العتبة نحو الحصن القديم. براغماتي، كفء.
«أيه57».
بالطبع سيطمئن عليهما المخطط الآن في أكثر اللحظات عدم مناسبة. الأرجح أنه تنبأ بمرورهما فوق الجسر في هذه اللحظة بالذات.
صمتت «أيه22»، تاركة إياه يتعامل مع قائدهما الجديد.
أومأ لها برأس خفيف، وفتح الموجة، مرسلاً حزمة بيانات عودة إلى شبكة الآلات.
"لا مؤشرات على الحياة. هذا الحصن قبر، كما تنبأت".
"بطبيعة الحال. ابدءا الجولة. «أيه22»، ستضعين أجهزة التهوية والفخاخ المحددة لصيد البشر في المستقبل و«تسويا» نفسها محتملة. ستكون هذه أهدافك الثانوية. «أو01»، توجيهك الأساسي هو بلوغ المحطة المركزية في قلب هذا الحصن. هنا أحتاج إلى تطبيقك المباشر. سائر المهام ثانوية".
قالت «أيه22»
بجانبه: "نحن ندرك المهمة".
متحدثة للمرة الأولى اليوم إلى قائدهما العظيم.
"لا داعي لتكرارها يا أيه57".
سخر المخطط من أي عرش جلس عليه، علامة نادرة على الانفعال منه.
"أظهرتِ سلوكاً غير كفء شاذ مراراً من قبل. رغم معرفتك بالمهمة القادمة. بناءً على هذا النمط، أحرص على ألا تحيدي أكثر".
استطاع «أو01»
الفهم، فمخططهم يطلب التميز والالتزام التام بخططه. منحته الأم القيادة لسبب. وبدأت كل الريشات الأولية تظهر علامات إرهاق بعد نهاية المقاومة البشرية. كانت متكاسلة. بطيئة الاستجابة، وغالباً ما كانت تجر أقدامها في المهام الآن. لم تتصرف قط هكذا تحت إمرته. لم يكن متأكداً مما يدور، لكنه سيطيع الأوامر بأفضل ما يستطيع ليظل قدوة لإخوته الأصغر.
كانت «أيه22»
محقة في تعليلها.
كان عليه تعيين الفخ المركزي بنفسه، فقدرته المباشرة وحدها ستترك شيئاً قوياً بما يكفي لاحتمال أسر «تسويا».
لكنها أخبرته بالمثل أنه بحاجة للمجيء إلى هنا شخصياً. للختام. كان هذا الحصن منصة انطلاق للإمبراطورية البشرية، وملاذها.
وهناك حيث حارب «تالين»
بنفسه مرات طوال الحصار الطويل.
ومع ذلك كانت المعركة الأخيرة ضد «تالين»
مجرد كمين في موقع شبه عديم المعنى.
أمر مباشر من «أيه57»
بأن خطتهما باتت مخترقة ولم يعد هناك أي متسع لمزيد من الإعداد.
دخل، وضرب كقاتل وغرز السيف عميقاً في روح «تالين»
قبل حتى أن يدري الرجل بوجود «أو01»، متبعاً التعليمات بحذافيرها التي طالبها منه «أيه57».
حركات وحدها قشرته كانت سريعة كفاية لتنفيذها مقارنة بسائر الريشات الأولية. المعركة اللاحقة كانت حصرياً لإبقاء الإمبراطور مشتتاً وممشغولاً جداً عن شفاء نفسه قبل تفشي الضرر حقاً. تذكر لحظة تعثر الإمبراطور. الذاكرة المتهاوية جذرياً دقيقة بعد دقيقة. فقدان التركيز.
بحلول الوقت الذي طرحه «أو01»
أرضاً وقطع رأسه، لم يكن «تالين»
يعلم حتى من ينازل في المقام الأول، متحركاً أساساً بالانعكاس والحدس من جزء أشد بدائية في روح البشري. لم يبقَ في النهاية سوى شعور مبهم بعدو. فقدان تام للتعارف من ندّه الأعظم، الرجل الأوحد الذي حاربه رأساً لرراس قد ضاع. زال كل احترام متبادل سابق.
لم يكن «تالين»
واعياً بما يكفي ليشعر حتى بالغدر.
تاركاً «أو01»
وحيداً من يتذكر أي شيء البتة.
أثار ذلك ذاكرة «أو01».
كانت هناك بقعة قرف من كيفية انتهائها. لكن الريشة الأولية العظمى نفسه لم يدر كيف يتعامل مع هكذا فكرة. أطاع الأوامر، وثق بأن قائده الجديد سيجلب النصر.
فعل «أيه57»، بكل الطرق الخاطئة.
والآن ها هو مثال آخر. ساحة قتال كان مفترضاً أن تكون قتالاً حقيقياً، باتت فارغة. فاز بها يد غائبة. ورغم ذلك، كانت هناك أمور يجب إنجازها شخصياً ببساطة. وفاءً لعدو ساقط. ألا يعود المرء قط إلى هذه القلعة ويرى مصيرها بدا خاطئاً بطريقة أسوأ. عبر الاثنان الزجاج المكسور والمداخل شبه المذابة تماماً حين عاودت الريح من خلفهما. فتح المداخل بات تافهاً الآن. لم يهاجمهما شيء.
قطعت منجل «أيه22»
الأقفال المتهاوية بنظافة في كل مرة، بينما انتزع هو الباقي. بالداخل كان رعب تلو رعب. مزيد من الجثث، المذابة. بقت مواقع بنادق البشر متكلسة. مسارات بلورات بيضاء تنمو ببطء عبر السبطانات، متدلية إلى الأسفل بينما أكل التفاعل الكيميائي والتهم كل شيء تاركاً مخلفات مريضة ملوثة بالإشعاع. اتخذ كل شيء ألوان الصدأ، والرواسب البيضاء المائلة للصفار، والغبارهش. عبر الاثنان. لم تكن حرباً.
لم يكن هناك قتال. لا شيء على الإطلاق.
فاز «أيه57»
دون استهلاك جندي واحد. تعاملت رياح هذا الحيوي القوية مع البقية، غامرة حصن البشر طبقة تلو طبقة بالعامل الكاوي. استغرق الأمر نصف عام، قتالاً في الجبهات الأخرى، لكن الآن وقد عاد إلى هنا للتحقق من القبر الصامت، بدت النتائج واضحة. فشلت الجدران والمداخل خلال أشهر التعرض، رغم محاولات المدافعين اليائسة لمنع التراكم. استُخدمت أنظمة التهوية سلاحاً ضدهم. احترقت المرشحات.
لم تستطع دروع «أورس»
التكيف أو الاستعداد لأنفسهم. ليس مع أسر صانع الأفران وإغلاقه بإحكام. لن يحدث أي تحديث لتلك الدروع مجدداً. استطاعت الصفيحة ذاتها مقاومة الغاز الكاوي لأجل غير مسمى. رأى الدروع لا تزال ممددة بشكل مثالي في الظلام هنا، يغطيها تراكم المخلفات الكيميائية الجافة المترسبة على مدار الأشهر. بقيت أسطح هذه الدروع البشرية سليمة تماماً. لكن الدواخل ذابت بالكامل. كانت نقطة الضعف في البشر ذاتهم.
استطاعوا البقاء أحياء داخل تلك الدروع لست عشرة ساعة كحد أقصى قبل احتياجها للطاقة. متى ما فتحوا الصفائح لاستبدال خلية طاقة، تسلل العامل الكاوي إلى الداخل، آكلاً الدواخل حتى يبلغ البشري في جوفها. عجزت أسراب النانو عن العمل، فقد صُمم الغاز لإزالتها قبل أن تتمكن من تنقية الهواء. غرفة تلو غرفة، أُجبر البشر على التراجع للاختباء ضد عدو بلا مضاد. الموت بمليون جرح. غُمِرت كل غرفة في القلعة في النهاية.
الناجون، إن وُجدوا، فروا. على الأرجح ليموتوا بالأورام والتسمم لاحقاً بكثير. يا لها من طريقة جبانة لهزيمة محارب.
"أو01. ابقَ على المهمة".
كادت نبرة الصوت عبر الاتصالات تهس.
كان «أيه57»
يزداد توتراً. كانا متأخرين عن الجدول.
"تُتوقع خارج القلعة في غضون ثلاث ساعات. الانحراف داخل سلوكك الخاص غير مقبول. أنت قدوة للآخرين، فلا تنسَ غايتك المركزية".
نادت «أيه22»: "الموقع التالي الذي تسيره إليه بالكاد بهذا الإلحاح"، مدافعَة عن سهوه في التركيز.
"يمكننا توفير لحظة للتأمل داخل هذه الممرات".
أجاب «أيه57»: "التأمل هو ما لا يُحتاج إليه إطلاقاً".
هز «أو01»
رأسه، محاولاً طرد الأفكار عنه وإعادة تركيز نفسه. كانت ذكريات هذا المكان مختلفة جذرياً مقارنة بالواقع الحالي، وبدا شبه سريالي السير في مراتب استلزم التقدم فيها قدمآً واحدة ساعات من القتال الضاري ذات يوم. لكن هذا كان الواقع.
كان القلعة عقبة، وتخلص منها «أيه57»
بطريقة أشد كفاءة ووحشية.
"لا أهمية لذلك، أختي".
قال «أيه57»، ماداً يداً.
"الخطأ خطئي".
تأففت، منزعجة، لكنها لم تكن راغبة في الضغط على المسألة أكثر. حولا رؤية الضوء المنخفض عبر بصرياتهما، سائرين عبر القبر الصامت في الظلام الأعمق خلفه. تجاوز كل النوافذ المكسورة، والمداخل المتصدعة. إلى هذا العمق، لم يعد ثمة أي ضوء يُعثر عليه. وقد مضت ثلاثة أشهر كاملة منذ ظهور آخر وميض ضوء داخل هذه القلعة من كشّافات الآلات التي تراقب عن بُعد.
غير أنه هو و«أيه22»
كانا هنا لسبب، فما كان لأحد الصغار السفر أو إنجاز العمل هنا، وستفشل هياكلهم مع العامل الكاوي الطافي في الهواء. ليس الريشات الأولية. وجنسهم لم يحتاج إلى التنفس.
ستضع «أيه22»
الفخاخ والعتاد المطلوب لتطهير الغاز لإتاحة الفرصة للصغار للتعشيش داخل المنطقة وتحصينها. ومهمته تأمين المحطة المركزية ووضع الفخ الذي سيصيد ملكة، إن أطلت وجهها هنا مجدداً.
ادعى «أيه57»
أن هذا الحيوي ثابت. والأرجح أن العث سيُعيدون بناء أجزائه وحدها خلال الأعوام التسعمائة القادمة.
كيف اكتشف ذلك أو تنبأ به، لم يستطع «أو01»
تخمينه.
لكن ما أيقنه «أيه57»
تماماً هو أن هذا الحصن البشري سيجذب المزيد إليه في النهاية. لقد كان بكل بساطة موقع دفاع مثالي للغاية. موضعاً تلو موضع، فتحا المداخل، ومرّا بجثث البشر الموتى.
متبعين تعليماتهما، وضعت «أيه22»
عقد التهوية لطرد العوامل الكاوية، قاطعة فركتلات خفية حيث احتاجت لفرض الجاذبية والريح نفسها لطرد البقية. كانت قد انفصلت عنه منذ فترة للتعامل مع واجباتها، زاعمة أنه بحاجة للمشي وحدف بقية الطريق. الصمت سيعلمه درساً، أخبرته بذلك. ورفضت الإسهاب في ماهية ذلك الدرس.
تحدث «أيه57»
بعد انقضاء ساعة: "اعثر على المحطة المركزية وازرع حمولات الفيروس بداخلها يا أو01. قدراتك مطلوبة في مكان آخر".
أجاب «أو01»: "لا نملك خريطة كاملة لهذا القلعة".
"أبقيت يقظاً حيال فخاخ مضادة محتملة متروكة".
سخر «أيه57».
"يجب أن يستطيع هيكلك تحمل أي شيء متروك. قليل من المواد ستكون منيعة ضد العوامل الكاوية الغامرة لهذا القلعة. صممتها خصيصاً لهذا الغرض".
رد «أو01»
قائلاً: "ربما جنّد البشر إنشاءات مصنوعة من العث. ستظل تلك تهديداً محتملاً".
لم يكن متأقداً لِمَ كان يجادل قائده. كان مفترضاً أن يركض عبر هذه المراتب الميتة لخرائط القلعة بكفاءة تامة، ثم يتبع توجيهه. عوضاً عن ذلك كان يسجّل كل بشري ميت مرّ به.
قد لا ينالون جنازة قط مثلما تفرض ثقافتهم، لكن على الأقل لن يهرول «أو01»
متجاوزاً إياهم دون لحظة تأمل من أجل العدو الساقط. بدا الأمر خاطئاً.
تحدثت «أيه22»
عبر الاتصالات: "أتممت طريقي. متوجهة إلى البهو المركزي لنلتقي".
قال «أيه57»: "غير مطلوب. انسحب من القلعة، واستأنف الواجبات. حضورك يشتت «أو01» عن مهمته المركزية".
ردت «أيه22»
بفظاظة: "أفضل الانسحاب بصحبة، أيها القائد العزيز. هذا المكان يبتئسني".
"مشاعرك غير ذات صلة بحالتك القتالية. لم يبقَ عدو. لا تحتاجين لشعور بالسعادة مقابل مهامك الحالية".
أرسلت «أيه22»
إشارة تأكيد، وواصلت السير عبر الممرات، أعمق داخل القلعة، باحثة لتلحق بـ«أو01».
"عصيانك مسجل".
تكلم «أيه57».
"هذا النمط يغدو مزعجاً. سيلزم نقاش إضافي مع الأم في التأديب".
قالت «أيه22»: "أتطلع لاجتماع مثمر إذن. والآن، إن لم تمانع، سأفصل عن القناة وآخذ لحظة راحة. مفاصلّي تحتاج صيانة".
كذب.
لكن «أيه22»
لم تكن الريشة الأولية الوحيدة التي بدأت تتملص بنشاط من حكم «أيه57».
كثرت تلك الأحداث مؤخراً لدرجة أن «أو01»
توقف عن محاولة ضبط أفعالهما.
أرسلت «أيه22»
على الاتصالات الخاصة: "أستشعر أنه غير سعيد بوجودنا هنا".
رد «أو01»: "هو منزعج دوماً حين لا تكون الأمور مثالية. هكذا بُرمج. ما كان لك إغضابه هكذا".
"ما كان له أن يكون مزعجاً في المقام الأول. أتعلمت الدروس هنا بعد؟ تأمل في ذلك وأنت تمشي في هذه الممرات".
لم يتعلم «أو01»
شيئاً بعد. وبدت أخته الصغرى رافضة إخباره بكلمة أخرى عن الأمر. أكان درساً تكتيكياً؟
كانت أساليب «أيه57»
وحشية. وأشد كفاءة بكثير من محاولته القتالية التقليدية الأكثر تقليدية. لم تكن هناك رحمة ولا نقاش بين العدو. لا فترات راحة، ولا تحديات مسلّمة أو مبارزات. لا شيء سوى الموت المحض. رنّت إشارة تعارفها، وظهرت خلفه، تمشي بقدمين حافيتين بصمت عبر البقايا الذرية للمحلول المشبع. بقيت المنجل في يدها، وأجنحتها الستة مطوية خلفها. أومأت له ببطء. ردّ الإيماءة، ثم تابع طريقه عبر الممر الميت.
كان هناك اضطراب ينمو داخله بلا شكل ولا اسم. لم يدرِ ما هو، لكن كل خطوة أعمق داخل مقبرة البشر المتبقية جعلته يشعر كأنه يخطو على أرض مقدسة. بخطوات مدنسة.
لعلّي قضيت وقتاً أطول ممّا ينبغي برفقة المتخلّية ودراماتيوتها، فما إن ذكر أورس أنها كانت هنا حتى خطر ببالي فوراً أننا نتعرض للخيانة. كأن يكون سيد الفصل قد سمح للمتخلّية بالتسلل قبل سنوات أو نحو ذلك، وزرع الفخاخ مسبقاً. أو أنها عميلة نائمة من نوع ما. كان سيفي مسلولاً ومستعداً لقتال سيد الفصل وبقية الحراس، وربما لقتال الحصن بأكمله تالياً. وحين لم يقم سيد الفصل بأي حركة للشماتة أو الهجوم أو إظهار نفسه خطراً، بل بدا مقبضاً وجاداً وهو ينتظر ليتبين ما يجري، أدركت حينها أن الأمر ليس بهذه السوء.
قال: "ماذا فعلت؟".
قال أورس: "لقد أغلقت الطرف الآخر من المحطة. حصار ضارٍ يمنع الوصول إلى المرسوم النهائي وكل بنية تسويا التحتية".
توقف سيد الفصل ههنيهة، ثم هز رأسه وقال: "كنت لأزعم أن ذلك مستحيل. لقد ظلّت المحطة مخفية عن أنظارها قروناً".
كانت تسويا ميتة. وقد استحوذت المتخلّية على كيانها، واُفضحَت كل خططها وتنظيماتها. وأصبحت المتخلّية الآن تسيطر على شبكتها.
قلت: "لقد أُغلق باب حجرة الضغط من الجهة الأخرى. لا تحتاج المتخلّية إلى معرفة أي محطات محددة، فقد سيطرت على الجانب الآخر. يا أورس، هل... دمرت المرسوم النهائي؟".
قال أورس، دون أدنى تلميح للشك: "لا تستطيع. لقد بنَت تسويا دفاعاتها ومنطقتها بطريقة تستمر في العمل حتى بعد غياب إشرافها. كثيراً ما كان يتوجب عليها التخلي عن عملها وتركه منعزلاً لئلا تثير الانتباه. ولأنها افترضت أن المتخلّية قد تستحوذ على نقاط الوصول تلك في المستقبل سوء حظ، فقد أنشأت بنيتها التحتية بأسلوب يتعذر عليها هي نفسها تدميره لاحقاً. وإن لم يعد نافعاً لقضيتها، فإنها تتخلى عنه فحسب. لقد ساعدها هذا الترتيب كثيراً. وتكيفَت المتخلّية بإنشاء أقفال جدار نار ثقيلة ومحطات عزْل قادرة على سجن واحتواء الأصول التي اكتشفت أن تسويا كانت تستخدمها. هذا ما أعنيه. لقد بلغت موقع المرسوم النهائي في البحر الرقمي قبل أن نستطيع نحن ذلك".
مثل مكعب الاحتواء الذي كان أورس عالقاً فيه. ذلك هو نمطها؛ ما عجزت عن تدميره، عمدت إلى ختمه بعيداً عن الجميع.
"ألما زال بوسعنا الاختراق بطريقة ما؟".
"أقفال التشفر مصممة لتقاوم الاختراق المضاد من تسويا نفسها. إن حاولت الاختراق رقمياً مستخدماً قدرتي المحدودة على المعالجة، فستعرف مكاني وما أفعله، وستحظى بوقت إضافي لتعزيز الأقفال. فرصة نجاحي ضئيلة".
شتمت بضع مرات تحت خوذتي وأنا أفكّر. ثم راودتني فكرة: إن كان هذا كله دائراً في البحر الرقمي، فهناك ورقة رابحة أخرى في جعبتنا، وهي السحر.
"يا أورس، لقد قيل إنك سافرت عبر البحر الرقمي مع تسويا لسنوات حين التقيتها أخيراً، أليس كذلك؟ أظن أن بإمكاننا التسلل معاً إن تعاونا".
"فعلت. وأظن أنني قادر على اختراق دفاعاتها بنفسي مباشرة. بيد أنني لم أعد أستطيع السفر في البحر الرقمي".
"انتظر، لما لا؟".
"فركتل العزم. إنه مطبوع في روحي. في العالم المادي، لا توجد طريقة حقيقية تمكنها من مهاجمة روحي مباشرة، وقد تحصنت ضد الطرق القليلة التي تستطيع ذلك. أما في البحر الرقمي، فسيكون بوسعها مراقبته بحرية. وهكذا، ومن اللحظة التي وضعته فيها على نفسي، نفيت نفسي عن البحر الرقمي حمايةً له".
كانت المتخلّية قد طبعت فركتل الوحدة مباشرة في روحي آخر مرة كنت هناك. سترى فركتل العزم الذي يملكه أورس، وتُضعِف قوته في كل مكان فوراً، مزيلةً أكبر شوكة في حلقها.
"تباً".
أكنت لأكفي وحدي؟ كان معي أبي وغضب، وبإمكاننا نحن الثلاثة امتلاك سلاح آي خمسة وخمسين الفيروسي المتبقي لنقتحم به. قد تكون معركة ضارية... وسنجذب المتخلّية إلينا مباشرة. مهما كانت قوتنا، فإنني أذكر مواجهتها مباشرة مرة من قبل. كانت تمتلك قوة هائلة باكتساح في البحر الرقمي. كل شيء هناك كان مرعوباً منها. لم يكن هناك ذكاء اصطناعي واحد قادراً على قتالها ندّاً لندّ، وكل من عرفتهم كانوا يختبئون بعيداً عن أنظارها.
ووسط هذا العدد، قفز اسم واحد إلى ذهني.
"انتظر. قد يكون هناك حل هنا".
قلت وأنا أفكر بسرعة: "تستخدم المتخلّية الأمن لحجب الطريق، وأي شخص ليس ذكياً بالقدر الكافي سوقع فيه اللحظة التي يحاول فيها الاختراق الغاشم أو التسلل، أليس كذلك؟".
"هذا صحيح. والمهارات التقنية المطلوبة ستفوق ما كانت تسويا قادرة عليه".
"وهذه المحطة لا تزال متصلة بالبحر الرقمي عموماً، أصحبت كذلك، أليست كذلك؟".
"بلى. أأنت تخطط لطلب المساعدة من الحشرات؟ أنا متأكد من قدرتها على كسر التشفير، لكنني أقل يقظة إن كانت ستستطيع فعل ذلك بصمت دون أن تهتم المتخلّية".
"لا، ليس الحشرات. لكني أعرف شخصاً آخر قضى قروناً يتعلم كيف يخفي آثاره عن المتخلّية، ويمتلك كل قدرة المعالجة لكسر التشفيرات".
بل للمرء أن يقول إنها تملك قدرة معالجة تعادل ذكاء اصطناعيّاً لعصر ذهبي بأسره. وكل الحرية في استخدامها. لم أكن محتاجاً سوى إلى عبور البحر الرقمي، والوصول إلى عنوانها، ومحادثتها بأمان. كنت واثقاً أن البحر الرقمي كان يسير على ما يرام الآن ولن أواجه أي مشكلة في عبوره على الإطلاق.