بحقّ العقل، كان حريّاً بي توقّع هذا عوضاً عن ذلك. دخلتُ وأنا أظنّ أنني سأسمع مناجاةً، ولربّما تحاول مطالتها بالحديث، ومِن ثَمّ ترتيلاً مشؤوماً يسبق بدء عرض الليزر. ظننتُ أنني سأكون الصارم الذي يتوجّه مباشرةً إلى لبّ الموضوع.
بدلاً من ذلك، وجدتُ شخصاً يختلف عن «توسيفيت»
التي عرفتُها. متوحّشة. تلك أفضل كلمة يمكنني وصفها بها. متوحّشة تماماً وبشكل مطلق. كان الخوف في عينيها جليّاً وواضحاً ومكشوفاً لدرجة أذهلتني حقّاً لحظة التفتت فرأتني.
وهي أيضا آخر ما رأيتها عليه إذ انطلق شعاع من «فيذر»
التي واضحة لم تعد تلعب بأي قواعد فرضتها على نفسها أسرع مما استطعت رد الفعل مباشرة عبر رأسي. اختفيت من الوجود عائدًا على متن الطائرة الطائرة.
«تبّاً لهذه الخردة».
سألت «ريث»
عبر الاتصالات: «كيث؟ لقد قفز معدل ضربات قلبك. ماذا اكتشفتَ؟».
«أظنّ أنَّ أختكِ تمرّ ببعض المشاكل العائلية. سأحاول التفاوض أكثر قليلاً».
ألقيت نظرة سريعة على ساحة المعركة، متأملاً مقدار الوقت الذي يمكنني إهداره في محاولة إقناع «توسيفيت»
بأي شيء.
أظهرت شاشة «جيرني»
أن الطائرة الطائرة لا تزال تحتفظ بكميات جيدة من الذخيرة، وكان أحد الفرسان يجري في الداخل، ويجذب الرصاص من الأسلحة المعطلة، ويعيد تذخير الصالحة منها. كان المدفعيون ما زالوا يطلقون سيولاً من النيران نحو المدى، ليمنعوا حشد الغزاة من الوصول إلينا. تبقّى تسعة صواريخ، وكانت الفتحات قد شُقَّت بأكملها.
قالت «كاثيدا»
بينما اكتشفت الدرع المكان الذي تتجه إليه عيناي وكانت «كروسيدر»
قد ربطت بيفها باقي الخيوط بنفسها: «فرّاشة تحميص المارشميلو المفضلة لديك لها أجنحة مزودة بشفرات خفية على طرف كل ريشة».
«لقد قامت بغارة خاطفة بينما كانت تستدرج طلقات ليزر احتياطية. لا يزال تينيسنت والقائد في الميدان، في قلب المعركة».
تلقى «الأب»
بعض الضربات على دروعه، لكنها كانت تعيد شحنها باطراد.
وبقي القائد «سجريوس»
عند مئة بالمئة. تحركت نقطته على الخريطة بشكل أبطأ بكثير. أظنه لم يكن عازماً على تكبد عناء تفادي أي هجوم. كان الوضع تحت السيطرة. بالكاد. قد تتغير الأمور إن نفدت ذخيرتنا، أو تقارب بقية جيش الآلات على هذه الجبهة.
حاولت مدّ مجسّ نحو «سوبرير»، لكنه كان قد اختفى.
لا يزال في الخارج يحاول اختراق القشرة. حسناً، ليكنني أسرع إذن، فالدبلوماسية كانت دوماً أقوى نقاطي. الجميع أحبّوني.
«توسيفيت».
ناديتُ هابطاً على غرين البيانات خلفها من جديد: «لقد جئتُ لأساوم».
هذه المرة نجحتُ في تفادي ثلاثة من أشعتها قبل أن تقطعني سبعة أخرى إلى أشلاء.
لكنني حققتُ بعض التقدم مع «توسيفيت»
في جعلها تتحدث على الأقل! أعني بذلك أنها كانت تصرخ بشكل غير مفهوم هذه المرة. أي تقدم هو تقدم جيد. حتى وإن متّ متأخراً عن استخدام تلك الألواح المسروقة ضد جيش الآلات هنا، فإن امتلاك ليزر بمستوى مدمرات العصور الذهبية في جيبسي سيكون مفيداً لشيء ما.
قالت «ريث»
بينما خرجتُ من المحطة الطرفية مجدداً: «كيث؟ هل تحتاج إلى مساعدتي؟ قد أتمكن من التحدث إلى أختي مباشرة إن استطعت إرشادي إليها».
كنتُ أستخدم مساحة محطة العثّ الطرفية للتنقل والعثور على «توسيفيت»، وهي ليست فكرة رائعة عموماً للآلات.
العثّ مليء بالبرمجيات الفوضوية ونظريتي الشخصية هي أن السحر الأسود تسلل باسترخاء إلى تطورها حتى أصبحت تميل إلى السحر أكثر من البرمجة. ولهذا السبب حذرني كل برنامج صادفته في رحلاتي من مساحة العث والمحطات الطرفية.
لقد نجت «ريث»
نفسها بصعوبة على الجانب الآخر من الجدار عندما ذهبت تطلب المساعدة.
وهو ما يجعل الأمر أكثر غرابة في أن تبدو «فيذر»
مثل «توسيفيت»
محاولة التواصل معهم.
أرسلتُ إلى «ريث»
ملخصاً سريعاً لما وجدته من أختها، وكان لـ«ريث»
رأي غريب في الوضع.
قالت: «الفرّاشات ليست مبرمجة أبداً للاعتقاد بأن الأم ترغب في موتهن. هذه المعرفة وحدها تزعزع استقرارها على الأرجح. إن كنت تحاول إقناع توسيفيت بالانقلاب على المتخلّية، فربما تحاول زعزعة استقرارها أكثر وصولاً إلى حالة ذهنية تجبرها على التكيف بطرق لا تستطيع الفرّاشات القيام بها».
«أشعر أن لديك اقتراحاً».
«لديّ. تعلّم سيد العشيرة أتيوس طرق القتال ضد توساعار، ولم تكن الناجحة تتضمن استخدام نصله لمارعته».
تذكرت القتال.
ما ألمّ حقّاً بـ«توساعار»
لم يكن قطع يده. بل كانت التبعات. أنه خُدع، وتفوق عليه أحدهم بالدهاء. أنه لم يكن خارج مستوى أتيوس، بل كان في متناوله تماماً. وأن سيد العشيرة قد تحداه وهزمه في شيء ما.
لقد جعل أتيوس «توساعار»
شبه مشلول لمدة نصف دقيقة لمجرد تلميحه بأنه لا يرقى إلى مستوى اسمه ولقبه.
لم أستطِع فهم ذلك تماماً ولا سبب أهميته البالغة بالنسبة لهم، لكنني لم أكن أيضاً «فرّاشة»
مدفوعة باتجاه معين مع حب داخلي للدراما.
«ما معنى اسم توسيفيت مرة أخرى؟».
أخبرتني «ريث»، وبات واضحاً جداً الآن سبب انهيارها الحقيقي.
«دعني أمنحها محاولة أخرى أولاً»، قلت مفرقعاً رقبتي قبل أن أمدّ يدي نحو المحطة الطرفية.
«يمكنني الوصول إليها. ما هي احتمالات نجاحي؟».
قالت «ريث»
فخورة بي لأسباب خاطئة تماماً: «أُقدر أنه ما من أحد سواها سيثير جنونها أكثر منك».
وجدتُ نفسي مرة أخرى عند السفينة الغارقة (أو الصاعدة؟). هذه المرة، وبدل الهبوط على الأرض لمواجهة خصمي بشتى الطرق، أخذت بضع ثوانٍ لأستشفّ ما تفعله. كانت الشجرة التي جثمت فوقها أشبه بجذر مقلوب. شيئاً ينمو على الجانب الآخر من المحطة الطرفية هنا. ويمكنني رؤية آثارها في كل مكان عندما فكرت في الأمر من تلك الزاوية. كان الكثير منها مدفوناً في الطمي عند قاعدة هذه المنطقة، لكنني استطعت رؤية براعم دقيقة في كل مكان تقريباً.
ومضت أضواء خافتة للغاية في جميعها.
كانت النقطة التي ركعت بجانبها «توسيفيت»
هي الأكبر بين هذه الجذور. شبيهة بالزجاج، كأنها تصلبت بفعل الماء هنا، لحماية العث الداخلي المتحرك كعمال المستعمرات.
كانت يدا «توسيفيت»
تمسكان بالزجاج، وهي تتمتم بصوت خافت. كانت تحاول فعل شيْء ما لكنه لم يكن ينجح. بقيت في العوارض الخشبية، مركزاً على السحر، وجعلت صوتي يتشتت عبر المحطة.
«أقل درامية بقليل بالنسبة لفرّاشة، ألا ترين؟ ألا ينبغي أن يكون هناك شعر أو ترنيمة قبل أن تحاولي ققتلتي؟ يبدو سخيفاً بعض الشيء أن تهاجميني مباشرة بالطريقة المثلى منذ البداية. أليس هذا أقرب لطريقة قتال بشر يائس محشور في زاوية؟».
أطلقت ليزرها نحو السقف، ممزقة فجوة هائلة عبر المحطة الطرفية وإلى داخل البحر. سُحبت برمجيات صغيرة إلى المياه المفتوحة، حيث انطلقت البرمجيات الأكبر التي كانت تتوارى خارج الهيكل وبدأت في التهامها. انستلت برمجيات أخرى شبيهة بالسرطانات نحو حواف الفجوة، وجلبت جميعها قطعاً مختلفة من الخشب، ووضعت إياها في الأقسام المدمرة. بدأت الأضواء تتوهج عند الحواف، وقامت كتلة السرطانات بإصلاح المدخل ورتقه ببطء بينما بدت البرمجيات الأصغر وكأنها تتجمع.
كانت تخرج عمداً إلى الخارج، وتجلب شيئاً من هناك، وتندفع عائدة إلى الداخل بمجرد أن تحقق أهدافها. أدركت الآن لماذا قد تحاول السباحة هناك حيث ستكون طعاماً للأسماك.
لا أعرف بالضبط ما الذي كانت تجلبه، لكن النظام البيئي هنا كان حيّاً على الأقل ومستجيباً دفاعياً ضد «توسيفيت».
«اقتلني مرة، فالخزي عليك. اقتلني مرتين، فالخزي عليّ. اقتلني ثلاث مرات وعليّ أن أكون غبيّاً حقّاً لأدع الشيء نفسه يستمر في مفاجأتي»، قلتُ، فحاولت مجدداً تسليط ليزر على قسم آخر من الهيكل.
كان هناك المزيد من الصراخ غير المفهوم، ويمكنني سماع بعض اليلهات أيضاً، كأن الليزر كان يكلفها طاقة جسدية للاستخدام. غريب. أم أن تركيزها هو ما كان يتعرض للشد؟
«كم طلقة يمكن لهذه المحطة الطرفية أن تتحمل قبل أن تنهار أسفلها؟ ربما لم يكن ليزرك أفضل سلاح هنا، ربما يجدر بك محاولة ضربي بعصاك؟ كما تعلمين، حافظي على الطريقة التقليدية».
«سأخنقك أيها البشري».
هِستْ بها. آها! انتزعتُ منها بعض الكلمات!
«الآن هذا يجعلني أشعر بالحنين حقّاً! إذن، ما الذي أرعبك هكذا؟ مشاكل مع أمّك؟».
انطلقت مجموعة أخرى من الليزرات.
«لن تشوهي السيدة الشاحبة!»
ضاعفت «توسيفيت»
من شراستها.
«أنت تدركين حقّاً أن أي مقدار من الكلام المعسول لن ينفع أبداً مع المتخلّية، أليس كذلك؟ إنها تريدك ميتة الآن، وقد أرادتك ميتة طوال هذا الوقت. كنت مفيدة لها إلى أن بطل مفعولك فتم التخلص منك كأداة».
«ستسامحني الأم على أي تعدّ. عليّ فقط نيل رضاها مجدداً».
«قيلت كأي ابن عشر سنوات واجه يوماً مشاكل مع أمّه وأبيه. هل نجحت يوماً في تاريخ البشرية؟ على الأقل في العشيرة، حين يتم تفكيك الآباء، لا شيء يفعله الطفل يمكنه إصلاح ذلك. يجب أن يأتي التغيير من الوالد أولاً، أتعلمين؟».
ولم أكن أعتقد أن المتخلّية كانت ضمن ذلك أو تهتم بتغيير أي شيء.
صرخت «توسيفيت»، لذا ظننتُ أن ذلك يعني أنها كانت تعلم.
وقامت أيضاً بتسديد الليزر لفتح عشرات الثقوب الأخرى في الهيكل. كنتُ أتوغل داخلها حقّاً، استطعتُ شعور ذلك في الهواء. الكثير من الالتئام يحدث هنا. احتجت فقط لليّ السكين أكثر قليلاً.
«ما معنى اسمك مجدداً؟ أه صحيح، تذكرت الآن! توسيفيت - التي تخطو بأناقة أعمق نحو التأليه. الآن، ما الذي تفعلينه تحديداً طوال الطريق هنا في وسط العدم، متخفية تحت صخ—».
تعقبتني ليزرات بطريقة ما، فالتئمت جميعها وأطلقت النار مباشرة عبر مخبئي. أدركت كيف تعقبتني في اللحظة الأخيرة، لكن ذلك كان متأخراً للغاية بالنسبة لي لأتدحرج وأتخلص من الطريق. استيقظت عائدة إلى داخل هيكل الطائرة الطائرة.
«أنا أقترب حقّاً»، قلتُ لـ«ريث».
«إنها غير مستقرة حقّاً الآن. ما التالي؟».
«أعتقد أن حاجتها للارتقاء إلى هويتها الشخصية أقوى من برمجتها الأساسية لخدمة المتخلّية. الهوية عنصر ثابت يُسعى ورائه، بينما خدمة السيدة عنصر عابر».
«لديك فكرة أخرى، أليس كذلك؟».
«لديّ. سألقاك في محطة الطائرة الطائرة الطرفية. تينيسنت، هل يمكنك تولي تنظيم فرقة الإطفاء؟».
نقر «الأب»
عبر الاتصالات: «لم يُظهر العدو أي محاولات للتشويش على الترددات. طالما ظل الأمر على هذا النحو، يمكنني قيادة جبهة الحرب من هنا».
مع كون «هنا»
غارقاً حتى الأذنين في خطوط العدو، مسبباً دماراً شاملة.
كانت «ريث»
أفضل في الاستراتيجية من «الأب»، لا سيّما في الحروب واسعة النطاق، لكن قتالاً أصغر محتدماً كهذا مع عشرة فرسان للقيادة لا يقع خارج نطاق قدرتها تماماً.
قالت «ريث»
بينما حلقت نقطتها عائدة إلى الطائرة الطائرة الساقطة على شاشتي: «سأحاول أن أكون سريعة».
تفادت شريط ليزر واحد، وغاصت هابطة، لتستقر بقوة على الأرض قبل أن تنطلق مباشرة نحو الأعلى بمروحة من الأجنحة حتى حطّت بجانبي.
داخل الكسير الروحي الخاص بها، وقف الفارس «هايجويند»
حارساً بجانب السجن. ومض لي برأسه بينما مررت بجانبه، ليحيطني علماً بأنه سيبقى مترقباً لأي وضع متغيّر هناك في جبهة الحرب، وسيقوم مجسّ روحي منه بنكزنا على الكتف إن أصبحت الأمور مزرية.
بخلاف ذلك، أخذتُ يد «ريث»
وتحركنا معاً عبر المحيط الرقمي بينما كنت أقودها عبر محطة العث الطرفية والخروج. كان شعوراً غريباً التحرك عبر المحيط مستخدمين نقطة بداية العث عوضاً عن شبكة الآلات التي اعتدت عليها، لكن المحطة الطرفية هنا لم تكن غريبة لدرجة رفض بصمتها.
عندما وصلنا مرة أخرى، كانت «توسيفيت»
لا تزال تحاول فعل شيء ما مع العث. ولم يكن ذلك ينجح. قُطعت بضع فروع زجاجية، لكن الأطراف كانت قد ذابت على نفسها بالفعل. كانت تنفد منها المحاولات، وقد تقلصت شجرة الزجاج بشكل ملحوظ بين ذلك الحين والآن.
توصلت أنا و«ريث»
إلى خططة.
بدأت «ريث»
بصوت يتردد صداه عبر المحطة: «أختي. ليس عليك فعل هذا».
شعرت بنفس محاولة تثليث موقعنا التي استخدمتها في المرة السابقة، فقمعت المحاولة في الهواء.
ردت «توسيفيت»
بفتح النيران في كل مكان، ودون تمييز. ومضت صورة مرآسية سحرية في المقدمة، واثبة ومؤدية شقلبات في اتجاهات عشوائية.
رأت «توسيفيت»
ذلك، وركزت بشدة. انتهى الأمر في تلك اللحظة. بالأحرى، انتهى لحظة أن وجهت هجومها بعيداً عن الخطر الحقيقي، وحاولت ضرب هدف بعيد في الاتجاه المعارض.
لم تستطع رؤية ذلك، لكنني تعلمت من «إيه 22»
كيفية صنع غطاء رقمي. لوحة خشبية كبيرة واحدة، عُدلت بحيث لا تظهر سوى ما يقع خلفها مباشرة تقريباً.
لو كانت «توسيفيت»
تنتبه جيداً، للاحظت أن شيئاً ما لم يكن على ما يرام. لكنها كانت تحاول بدلاً من ذلك مطاردة صوري في الأمام.
حتى فات الأوان، وركلت «ريث»
اللوحة للأسفل في الوقت ذاته الذي وثبت فيه فوقها وهبطت للاصطدام بأختها بمروحة من الأجنحة. كان قتال فرّاشتين إحداهما للأخرى وجهاً لوجه منظراً يستحق المشاهدة.
لكن رغم خبرة «توسيفيت»
وعمرها، كانت «ريث»
ببساطة أفضل في كل جانب عندما تعلق الأمر بالقتال عن قرب. كانت عاصفة من اللكمات والطعنات الشبيهة بالسكاكين، وبات واضحاً من سيخرج منتصراً من هذا القتال.
في غضون عشر ثوانٍ، كانت «ريث»
قد أسقطت العصا من يدها وركلتها بعيداً.
وفي غضون العشر ثوانٍ التالية، نجحت في الإمساك بيد «توسيفيت»، وأجبرتها على الاستدارة، ولفّت يديها بإحكام حول ظهرها، مقفلة كلا ذراعيها في حضنة دب.
انتهى الجنون. بدا وكأن شيئاً ما انكسر داخل الفرّاشة في نبضة القلب التالية، واستنزف كل قتال منها فوراً.
داخل حضنة «ريث»
المغلقة، توقفت «توسيفيت»
عن القتال تماماً.
سألتُ هابطاً في الجوار ومقترباً: «حسناً، هل هدأ الجميع أخيراً؟ لأنني شخصيّاً لا أسترعي شعوراً بالترحيب مع كل عرض الأضواء هذا».
هِسّت «توسيفيت»: «ماذا تريدين؟ لمَ تطاردينني حتى هنا؟ لقد فزتِ بالفعل. الأم تكرهني. تكرهنا جميعاً، وقد شعرتُ بذلك».
نظرت «ريث»
إليّ، فأومأتُ لها برأسي.
أطلقت سراحها، فانهارت «توسيفيت»
على الأرض. تحركت حافة القبعة العملاقة قليلاً، لكنها بقيت صلبة على رأسها رغم كل شيء.
بدأتُ قائلًا: «قلتُ قبل قليل، لقد جئتُ لأساوم. وكنتُ جادّاً. نحتاج إلى ألواحك، أوقفي تشغيل الأمان هناك، وسنجد طريقت بإنقاذك».
ضحكت بسخرية مريرة: «تريدين مني أن أنقلب على الأم نفسها؟».
«أعني، نجل؟ هل هذا أمر صعب حقّاً للقيام به؟».
مددتُ يدي، وعدّدت الأسباب على أصابعي: «إنها تريدك ميتة، وكانت تلعب بك وتستخدمك طوال هذا الوقت. ولربما لا تعجبها قبعتك حتى. فلماذا لا تفعلين؟ لمَ لا تدعينا نستخدم أسلحتك لإسقاط بعض أغراضها وإحداث فوضى في الأشياء؟».
لم تجب «توسيفيت».
لم تقل لا، لكنها لم تقل نعم أيضاَ.
قالت «ريث»
بلطف: «أختي. لقد كنتِ تحاولين بالفعل فعل هذا على طريقتك، أليست كذلك؟ هنا، في محطة طرفية مخفية، تحاولين الاتصال بالعث. لا يمكنك خطو الخطوة نحو السيادة من جانب الآلة، لذا أنت تحاولين مع العث بدلاً من ذلك. هذا تحوّل ضمني بالفعل ضد الأم. يمكننا مساعدتك في تلك الخطوة على أي حال».
بدا أن ذلك أثر فيها.
بدأت «توسيفيت»: مراراً وتكراراً، حاولت الاتصال بهم.
إجابتهم تحرق رأسي، ولا أستطيع».
توقفت، ملتقطة أنفاسها قبل أن تنفجر باكية بهستيريا: «لا أستطيع، أنا أحاول ولا أستطيع. السيادة الوحيدة المتبقية في الوجود، ولا أستطيع حتى النجو من رؤيتها، فما بالك بخطوها؟».
التفتت إلى «ريث»، «كيف فعلتِ ذلك؟!».
نظرت «ريث»
بمظهر حزين: «لم أحاول الحلّ الوسط. لقد اخترقتُ تماماً إلى الجانب الآخر. حتى كسير الوحدة لم يستطع متابعتي إلى هناك».
«تماما؟»
نظرت إلى يديها، المحترقتين والمفحمتين بنصفهما.
نفس نوع الرماد الذي ذكرني بالمباني المحترقة داخل المشهد العقلي لـ«توسا».
«سأدمر إن حاولت ذلك».
قالت «ريث»: «اعتقدتُ أنني سأدمر أيضاً. لقد فقدتُ شخصاً أهم من أن يُفقد. كنت مستعدة لمنح كل شيء، بما في ذلك حياتي، لأجعل الأمر صواباً. لأصلحه».
قالت «توسيفيت»: «كنتِ يائسة».
ردت «ريث»: «كنتُ كذلك».
«سأموت إن حاولت ذلك».
وافقت «ريث»: «قد تفعلين ذلك».
قلتُ: «حسن، ستوتين على أي حال حين تتذكر المتخلّية أنك موجودة. لا أودّ تعكير المزاج هنا».
قالت «توسيفيت»
بهستيريا تقريباً: «إنها... قد تسامحني لا يزال. إن سلّمتكما، إن هزمتكما، ستسامحني».
نظرت أنا و«ريث»
إليها بشفقة. كنا نعلم جميعاً.
وكذلك فعلت «توسيفيت».
خفضت نظرتها، وبات رأسها يخفي كل ملامحها الآن.
أهمست أخيراً: «سأفعلها. إن تحدثتِ إلى العث نيابة عني، إن ساعدتني في خطو الخطوة إلى داخل نطاقها، فسأفتح الألواح».