اثنا عشر ميلاً في الأسفل الفصل 101 — عالم جديد

اقرأ اثنا عشر ميلاً في الأسفل الفصل 101 — عالم جديد باللغة العربية على مانجا تايم.

استغرقت إبادة عشائر السطح ثانيتين فقط. واصلت القلعة اندفاعها المجنون فوق المدار وألقت شعاعها في اللحظة ذاتها لتشق هوّة في العالم بعرض أميال عدة. وتلاشى شعب بأكمله واحترق حتى تجاوز الرماد، وانصهرت الأرض حتى أمطار المعدن المتبخر قطراتٍ وتجمدت صلبة فوراً. ثانٍ. استمر الشعاع أمامي دقيقتين. دقيقتين كاملتين من القوة الخالصة تنغرز في بقعة واحدة. ثم تعززت بتكبير غامضي صممه أعظم عقل في العالم، وبإرادة مسيطرة تطالب بحرق أي روح يبتلعها الشعاع، لا المادة وحدها.

راقبت المشهد عن قرب لا يسمح لأحد سواي بالنجاة. إن ألقيت بأي شيء في المعركة فقد أهدم كل شيء. قد أقطع سلسلة أو أجبر الغضب على فقدان التركيز في التوقيت الخاطئ تماماً وأترك المتخلية تفر. لذا لم أتحرك للهجوم ولم أحاول تغيير القدر بل أبقيت درعي الغامضي أمامي معتمداً على خبرة تالين لقيادته تلقائياً. احترق العالم أمامي وأصابني الخدر. خدر وبرودة تامان لا غاية بعدهما. خط واحد من ضوء ساطع يرى من على بعد مئات الأميال يقطع السرطان من هذا العالم.

ومعه يقطع الغضب بالقدر ذاته. لم أسمع كلماتها الأخيرة. في المنتصف وحين تشبع الشعاع تماماً بالطاقة الغامضية بدأ يخترق دفاعات تالين. تسلت الحرارة وتجاوزت الأجزاء الأخيرة من خوذة رحلة العالقة واجتاحت أنظمة الاتصال داخلها. احترق جلدي لكن شظية المرونة المعززة بالعزم في أعماق روحي أبقتني حياً. لم أكن تحت الشعاع مباشرة وكنت أبعد من الجانب بقدر يمنع التبخر الفوري. لكن الدرع اضطر للتراجع إلى داخل شظية روحه مختبئاً عن العالم الآن.

أظن أن هذا هو السبب الوحيد الذي دفعني لرفع درعي وقرار النجاة عوض الاستسلام وترك الضوء يبخرني رفقة الغضب. هذا إلى جانب تعلق خفي بالدرع الذي رافقني في كل ضراء وسراء. مددت يداً إلى الأمام أشحن دفاعات أورس المتتالية، وأمسكت باليد الأخرى حطام درع صدري حماية إضافية. لكن ثمة سبباً ثالثاً. كان علي رؤية هذا حتى النهاية. حتى إذا نجت المتخلية بمعجزة شيطانية أكون هنا لأحقن جسدها المحطم وأنهي التهديد.

حتى لا تذهب تضحية الغضب سدى. ما كان لها أن تذهب سدى. تصاعد الصقيع من حولي وأنا أترقب النهاية. اصطدمت القوى الغامضية أمامي في صراع محموم. جدار دفاع أورس أمامي صد دفقة الطاقة وتكسرت طبقاته لتعود كالأسنان القرشية وتندفع الواحدة تلو الأخرى. انقضت دقيقة. ثم أخرى. ثم انقطع الشعاع دفعة واحدة. لم أدر أكان ذلك بأمر أم لأن المحطة نفدت طاقتها أخيراً. لم أفكر في رفع نظري. تركز بصري حيث رأيت الغضب لآخر مرة.

محبوسة في يد ذلك الوحش وقد تجمدا معاً. الآن لم يبق أمامي سوى ثقب متوهج وحيد. محفور بعمق شديد ستحتاج الحشرات لسنوات لإعادة البناء عبر الطبقات المشقوقة. لم يعد هناك شيء. اختفت المتخلية. كنت أبعد من أن أرى بوضوح عبر بصر الروحي لكن لم أثر لغلافها خلف الثقب. وبعيداً بات جيشها ساكناً. انبعث أزيز ورعد من الأعلى، وحين رفعت نظري أخيراً لأرى القادم رأيت القلعة تخترق آخر السحب المتبقية.

أو شظاياها بالأحرى. أُطلق المدفع لفترة تفوق طاقته بكثير حتى مزقت المحطة نفسها. اصطدمت قطع هائلة بالأرض حتى أطل الهيكل الأوسط فوق رأسي كهيكلاً عظيماً محترقاً ومحطماً. شعرت بسلام غريب وأنا أقف تحت الموت المحقق مباشرة. توهجت دروع أورس. امتلأ عالمي من جديد بالضوء والنار حين اصطدم جثة ملك ميت بالعرض بسرعة النهاية. بدا وكأن ساعات مرت وأنا أقف وسط دوامة النار والمعادن المنهارة وأشعر بخدر في العمق قبل أن ألحق بالسطح المجمد يستعيد سيطرته على النيرات.

ظلام وأضواء حمراء خافتة لمعدن يبرد سريعاً هي كل ما حاط بي الآن. لم يسمح السطح للنار بالبقاء طويلاً في أي مكان. زحفت الحرارة كغطاء لتخنق جثة محطة تسويا الميتة. بخدر أدركت أن علي التوجه إلى المركز. للتأكد من انتهاء الأمر. بنبضة غامضية تشقق المعدن فوقي وانفتح كشرنقة وارتفعت لأعلى لأراقب العالم من الأسفل. ظل عمود فقري ضخم لقلعة تسويا طافياً على حافة الثقب المحفور في العالم، بينما استقر الكثير منها مسطحاً على الأرض لتغدو تلك القطعة جزءاً يسيراً من القلعة المدمرة الهائلة.

تناثرت القطع والحطام في الفوارغ حول الثقب المركزي بعيداً. وأدركت انتصارنا قبل حتى أن أبحث عن علامات حياة قرب ضربة المركز. بعيداً قرب قلعة الآلات استدارت كتائب الآلات وعادت نحو الجدران. وجدت الثقوب والهوة لتتسلل نازلة مجدداً. تاركة الجيش البشري المتهلل خلفها دون أذى. تهاوت روح القتال من كل واحدة منها. ولن تسمح المتخلية بحدوث هذا أبداً. ولا حتى في الأحلام. مما يعني غيابها عن تمزيقهم إرباً لمغادرة ساحة المعركة.

لقد ماتت إذن. موتاً حقاً وتاماً. نجا العالم. في الخلف ظلت أكبر قطعة من القلعة المدمرة مقوسة لكنها صامدة. طوابق مسحوقة فوق بعضها بارزة في الهواء وتتجمد بسرعة. تناثرت الأسلاك المكشوفة والبضائع للخارج. بدت وكأنها تنعم بالسلام. انسكبت أحشاؤها في أرجاء العالم والتفتت حول الثقب الهائل في القلب تماماً. هبطت ببطء فوق الحطام وبدأت أسير نحو مركز التحطم. وبشكل حتمي ودون وعي مني بلغت نهاية رحلتي فوق أطلال طوابق مُمزقة، وممرّ مؤقت ممتد فوق الثقب المركزي المحترق في أعقاب الكارثة.

لم يرك بصر الروحي شيئاً. لا أثر سوى طاقة تبددت. لا حياة في أي مكان. لا شظية روح تائهة في زاوية وكل ما هناك حديد منصهر وأسلاك مقطوعة. لقد رحلت. ومعها المتخلية. عجزت الأرواح الاصطناعية أصلاً عن الصمود لأي وقت بعد شظية الروح، وقد ضرب الشعاع برغبة ميتة في اجتثاث كل شيء ومعها الإرادة المطلوبة لتنفيذها. لن ينجو حي. ركعت هناك وبدأ الثلج يتراكم فوق ظهري محاولاً دفني مع بقية الأطلال.

سمعت عواء وهتافات بعيدة. انفجارات. ألعاباً نارية. وبالنظر لتفاوتها أدرك جزء بعيد في عقلي أنها صُنعت محلياً من معدات متروكة جلبها الفرسان. قنابل وأشباهها. ربما باستعمال نانوسربات دروع الآثار المتحررة كلياً لصياغة بقية المواد لعرض أفضل. تلتها تفجيرات غامضية أكثر تنوعاً في ألوانها مع انضمام الخالدين والسحرة بين جنود الجيش إليها. كانت بحراً من الألوان في الأفق ليس في الهواء فحسب بل في الأرض كلها حيث التفت فرسان العالم لبعضهم البعض يعانقون ويقفزون ويهتفون ويطلقون الرصاص في الهواء.

يتحركون كبحر متلاطم بينما يبحث الكثير منهم عن أقرب أخوة وأخوات السلاح. ليروا من بلغ النهاية معهم. همس جزء مني بضرورة السير إلى هناك. العثور على عائلتي واحتضانهم بقوة والاحتفال بالنهاية. جلّ ما في لم يرغب بالتفكير ببساطة. تسلل الصقيع ببطء مع كل نفس أخذته. بقيت هناك فوق تلك المظلة المنحنية، فوق سطح هندسي بعيد. أغطي بالثلج والجليد سريعاً. أمام الفوارغ البيضاء وبعيداً عن احتفالات وألعاب جيش البشر كانت الحركة ما زالت قائمة.

ليس من الملك الميت المرقد شظايا منصهرة نصف انصهار. بل شيء أصغر بكثير. شخصية وحيدة تركض عبر الأرض متسللة بين الأضلاع المعدنية المتناثرة. وكلما اقتربت أدركت أنها ليست فارساً أثرياً. تسللت الآلة عبر الحطام والأطلال. ولم يلبث الأمر أن خلا إلا من معادن للتسلق والقفز ومتابعة التقدم. فعلت ذلك بعزم لا يلين. لم تكن ريشة. ولم تكن صياداً قاتلاً ولا تنيناً ولا أي نوع من الآلات المتخصصة.

كان عداءً مفرداً. يقصدني مباشرة. تركته يفعل. تسلق الطوابق المدمرة مجتازاً الأجزاء الممزقة ليبلغ السطح المكشوف الذي استقرت فيه. بقيت في مكاني. ولم أحتاج لتحريك بوصة واحدة للتعامل مع عداء مفرد، ففكرة عابرة مني ستقطعه مئة قطعة. ظل الغامض يطوف من حولي وأراني البصر الروحي الآلة المكافحة طوال رحلتها عبر الهيكل. ظل نصل تالين مستقراً بوهن في قبضتي وطرفه مستنداً على أرض الطوابق تحمله بالكاد إصبعان ترقباً لاستخدامه مرة أخرى.

توقف العداء ببطء أمامي وتطأ قدماه المعدن المجمد. استقام ظهره عن خطواته السابقة حتى اصبحت ذراعاه تتارجحان كالبشر. ووقف أطول ماشياً على قدمين حين بلغني. ترك مسافة آمنة لبضع خطوات في الخلف. لم ألمس أي عداء منه.

"لماذا أنت هنا؟"

سألت دون أن أكلف نفسي عناء النظر إليه. لا تزال عيناي مسمارين على الثقب المخلف في العالم.

"أرسلنا لنحدث الإمبراطور البشري. بين جنسينا. عن السلام."

"تكلم."

رددت وصوتي بدا بعيداً حتى لي.

"المتخلية ميتة؟"

"نصّب العرش."

قالت الآلة.

"السيدة الشاحبة ولت. مهزومة. بعض يئس. وكثيرون فرحوا."

أخذت نفساً عميقاً. تذكرة أخرى بأن العالم عاد إلى نصابه. وأن الخطة نجحت. ماتت المتخلية. ماتت حقاً واختفت عن العرش. ما سيحدث لاحقاً عجزت عن حدسه. لكنه سيكون أفضل مما كان عليه العالم من قبل. لم أملك طاقة لفعل أي شيء. أردت فقط البقاء منهاراً على ركبتي والخدر يلفني لوقت. أدركت ثمن هذا النصر.

"أبلغ توردا أنني سأحادمه قريباً."

قلت ناظراً إلى الفراغ الملقى أمامي.

"أحتاج... أحتاج للراحة."

لقرن كامل. لأتجمد هنا بسلام جالساً بين الأطلال. سأنهض لاحقاً. لكن ليس الآن. مال رأس الآلة بخفة شديدة.

"لا أعرف ذلك الاسم. أرسلت من قبل الإمبراطورة."

رمشت.

"الإمبراطورة؟"

أتسيفيت صعدت العرش؟ أومأت الآلة برأسها.

"نعم. السيدة القرمزية. الملكة الحمراء. إمبراطورتنا العظمى. تلك التي تجاوزت تاريخها."

أنا... لم تكن أتسيفيت. لم تكن أتسيفيت. جمدت الفكرة عقلي وأعاد تشغيله. نهضت ببطء عن ركبتي واستدرت لرؤية العداء.

"تلك التي تجاوزت تاريخها؟"

البصر الروحي يدرك أشياء كثيرة لكن مفاهيم الألوان لم تكن ما أركز عليه عادة. بدا العالم أسود وأبيض بالنسبة لي. لذا باغتنني أمر واحد: لم تتوهج الآلة بالبنفسجي. بل كانت عيناها بلون أحمر خافت. نفس الاحمر المستقر بعناد عبر درعي المحطم. أحمر ندبة الشتاء.

"...من إمبراطورتكم الجديدة؟"

سألت حابساً أنفاسي. وقفت الآلة أطول قليلاً وكأن الاسم التالي يتطلب جاذبية خاصة.

"سيدتنا الجديدة. حاكمة كل الآلات. الإمبراطورة العظمى تورث."

رمشت مرة أخرى. وبدا نفسي التالي... دافئاً.