شاهد الفصل 2 — استشارة للمختلين

اقرأ شاهد الفصل 2 — استشارة للمختلين باللغة العربية على مانجا تايم.

حاولت ضبط يدي قدر المستطاع وأنا أكتب على الورق المصفر. خلّف التوتر في جسدي خطاً يكاد يكون مقروءاً بصعوبة، لكنه سيضطر للإيفاء بالغرض. الاسم: ثيودور إس. تشاتود الجنس: ذكر العمر: ثلاثة وعشرون عاماً الطبيب النفسي: الدكتور إدوارد بريسكوت الاعتلالات: الفصام. الأرق. أخرى ذات صلة وضعت الورقة بعدها داخل صندوق جمع الرسائل لتقرأه الممرضة متى بدا لها ذلك. كان الإجراء السليم يقضي بالانتظار حتى تأذن لي، لكني ترددت على المؤسسة من الكثرة بحيث لم أعبأ بالانتظار قبل أن أفتح البابين المتأرجحين وأكشف عما وراءهما من غرفة انتظار. كانت الجدران بلون اللافندر الصامت، والأرضيات من خشب الجوز القديم. عادة ما كانت زياراتي الصباحية تتسم بالهدوء والكآبة، لكن الأمر لم يكن كذلك في ذلك اليوم. وراء صفوف المقاعد غير المريحة، كان هناك رجل منكمش في زاوية على الأرض. أخذ ينتحب وحده بينما يفرك يديه على جسده، كأنه يحاول إبعاد شيء ما. لم يكن عندي الوقت ولا النية لمساعدته، فوقفت هناك ببساطة بينما استمر في الارتجاف والتمسّح. كان الرجل يرتدي معطفاً أسود كبيرًا وبنطالاً أسود مغبرًا. لم أستطع رؤية الكثير من وجهه أو أي شيء آخر لاغرقانه في وضعية الجنين، عدا شعره المتمزق والشائب، المبعثر والمنفوش. وسط نحيبه المكلوم، سمعت الرجل يهمس بشيء في أنفاس ضحلة. كان صوته خشناً وخافتاً، كأنه كان يصرخ أو يصيح قبيل حالته الحالية. "تلمسني... تلمسني..." في حالتي أحادية التركيز لم أكن واعيًا بالباب من خلفي وهو ينطبق بهدوء، لكن الرجل المخبول كان مدركًا تمامًا لمثل هذا الإزعاج. تحول فورًا من الانكماش إلى التيبس التام حين انغلق الباب بصوت نقرة. نظر إليّ بعينين واسعتين وهو يصرخ. "أيدي! لن تتوقف!" حدقت برعب في وجهه المكشوط. كانت عيناه محقونتّين بالدم، ووجهه منتفخًا وأحمر وينزف من خدوش عميقة تملؤه. امتدت أظافره الطويلة وملهما غير المهذبة بغير إدراك نحو ذقنه حيث حفر عميقًا في جرح. بينما ظلت عيناهما متصلتين، زحف الرجل أقرب على ركبتيه. اكتسب زخمًا ببطء، وبعد نقطة معينة صار بوسعي الكلام متجاوزًا الغصة في حلقي. "ابـ... ابق هناك... يمكنك البقاء هناك..." مع ذلك لم يستمع، وبعد قليل من التثاقل على ركبتيه، بدأ الرجل ينهض على ساقيه كلتيهما. تحسست مقبض الباب لأهرب، لكني وجدته بطيئًا للغاية. كان الرجل الآن على بعد بوصات معدودة مني، وما زالت يداه تفركان وجهه النازف. "تلمس! الأيـ..." لم يكمل فكرته مع ذلك، فقد رفعت يدي غريزيًا وأمسكت بمعصمه. بمجرد أن حدث التلامس، ارتد بعنف كأنه لُثم بحديدة محماة. بصرخة، انتزع نفسه وأمسك ذراعه ألمًا. متعثراً إلى الوراء، اصطدم الرجل بالعديد من المقاعد في الغرفة وسقط على الأرض، محدثًا ضلبة مدوية مع تهاوي مقاعد عديدة معه. انكمش الرجل مجدداً في كرة بينما فُتح باب مكتب الدكتور بريسكوت على مصراعيه. بصياح، تفقدنا الطبيب المذعور. بحق الجحيم ما الذي يجري؟! أدركت مدى ما أبدو عليه من عدائية. لا خدش واحد على جسدي، لكن رجلًا طاعناً في السن ومخدوشاً منهار على الأرض مع حشد من المقاعد، ليبدو كأنه دُفع للتو. بتعثر، حاولت الدفاع عن نفسي. لـ... لم أفعل ذلك. هـ... هو أتى إليّ و... سقط..." لم تكن شهادتي مقنعة بالمرة، لكنها كل ما استطعت استحضاره مع هذا القدر من الأدرينالين الساري في رأسي. لم يبدُ ذلك مغضباً للطبيب، مع ذلك. في الواقع، تحول مظهره من الذعر إلى حالة الهدوء المعتادة. "أرى ذلك... حسناً يا ثيودور. لما لا نناقش هذا أكثر داخل مكتبي. أما أنت يا سيد هيوز، فالرجاء أن تأخذ وقتًا أطول لتهدأ." أومأت وبدأت أمشي نحو المكتب بينما أشار لي الدكتور بريسكوت بالدخول. كان الطبيب رجلاً هادئًا ومخلصًا. أظهر وجهه الكرامة النبيلة التي تتطلبها مكانة طبيب نفسي متوج بهذه الجلائل في أوائل أربعينياته. كان شعره مرتبًا ومنكوسًا بمساعدة المرهم، ووجهه حليق الدقة دائمًا. كان يرتدي صدرية مخملية أرجوانية وتحتها قميص سهرة أسود مع بنطال مخملي متطابق، وكانت حذاؤه ملمعة حديثًا وسوداء لتتكامل مع قميصه. دخلنا إلى مكتبه لنجد امرأة جالسة في مقعد المريض، تحدق إلينا بفضول شديد. طمأنها الدكتور بريسكوت وهي تنهض. "لقد كانت جلسة جيدة للغاية يا أنسة مور، لكني أعتقد أن علينا إنهاءها هنا." أومأت وهي تنهض. كان شعرها الأسود مربوطًا بإحكام إلى الوراء، وترتدي فستانًا بنيًا عاديًا بما يبدو أنه زهور مطرزة ذاتياً عند الحافة. ابتسمت وهي تبدأ في الابتعاد بأدب. لم تضع مساحيق تجميل ولا حلياً، لكن وجهها كان مستديرًا ومبهجًا بطبيعته. كانت درجة لون بشرتها أداكن وأدفأ من السحنة الشاحبة الخاصة بي وبكثير غيري في المدينة الرمادية الضبابية التي اتخذناها موطنًا. بدا تكوينها بأكمله أكثر صحة بكثير من الجمهور الهزيل عموماً. بعد أن أغلقت الباب وغادرت، جلست في مقعدي واسترخى الدكتور بريسكوت في مقعده، متجنبًا تمامًا أي حديث عن الرجل بالخارج، مرجعًا ذلك على الأرجح لكون مثل هذا السلوك أمرًا شائعًا في مجال عمله. "إذن يا ثيودور. كيف كان أسبوعك؟ لقد مضى وقت طويل منذ آخر تعديل في جدول وصفتك." تنهدت. بدأت أعصابي تحرر التوتر أخيرًا. "بصراحة، لم أكن على ما يرام البتة. ما إن تأخر موعد أدويتي حتى نمت بالكاد، وكلما نمت حلمت..." تأملت كيف أصف المشاهد غير المبررة والكائنات الغريبة التي شهدتها، لكنني استقررت في النهاية على ترك التفاصيل الدقيقة خارج تقريري. "كنت أحلم أحلامًا مقلقة للغاية..." استعاد الطبيب قلماً حبراً ودفتراً مجلداً بالجلد من مكتبه وبدأ في التوثيق. "هذا ليس غريبًا بالنسبة لك، ومع ذلك فأنت أكثر اضطرابًا بكثير من زياراتك المعتادة. ما الذي تغفل عن إخباري به يا ثيودور؟" أخذت نفسًا عميقًا وتأملت. لم أستمتع قط بوصف الرؤى التي كانت تراودني، سواء لعدم ارتياح استحضار ذكراها أو للإحراج الكامن في كشف ضعفي في الإمساك بزمام الواقع. مع ذلك، أعلن الدكتور بريسكوت مرارًا وتكرارًا أن الشفاء لا يبدأ حتى يتصالح المرء مع حالته الصحية. "كان هناك... شيء ما. مزيج غير قابل للوصف من الأشكال التي لم يكن لها أي معنى، مع ألوان لم أهبها من قبل تومض منه. هذه الألوان... شعرت وكأنها تستخدمها كنوع من الشفرات للتواصل معي." واصل الكتابة. "أكنت تفهم هذه الشفرة؟" مع هز رأسي، واصلت. "لم أكن أفهمها... لكني شعرت وكأن بإمكاني ذلك لو ركزت على المخلوق لفترة أطول. كان الأمر أشبه برؤية حروف مألوفة غير مرتبة، لا برؤية شيء غريب تمامًا..." بدا الدكتور بريسكوت مفتونًا للغاية، كما اعتاد حين يُحرز تطور جديد. ربما كان فضوله مرضيًا بعض الشيء، لكنه خدم كفاءته كمعالج نفسي حقًا. "الآن يا ثيودور. أعرف أن هذا قد يكون صعب التطبيق، لكني أود حقًا إن شعرت بهذا الحضور يكلمك مرة أخرى أن تحاول معرفة ما كان يقوله. أعتقد أنه سيكون مفيدًا للغاية لفهمي لنفسيتك، وربما يساعدك حتى في التحكم بأولئك الذين تراهم في رؤاك." كانت مهمة مهولة بلا شك للتفكير فيها، لكني اعترفت بالأفكار التي خامرتني في الصباح مسبقًا. "تساءلت في وقت سابق بنفسي عما كانوا يحاولون قوله..." ابتسم الدكتور بريسكوت وهو يسند دفتره فوق أكوام الرسائل على مكتبه. "تلك استجابة طبيعية تمامًا. فنحن جميعًا منجذبون للأشياء الغامضة، بغض النظر عن مدى رعبها أحيانًا. تقبل ذلك، وستجد أن الأمر كله أقل رعبًا بكثير مما قادك عقلك للاعتقاد به." جالت عيناي في أنحاء الغرفة وأنا أتأمل نصيحته. اعتقدت أنه صحيح أن النفس تفرض الأسوأ. ومع ذلك بغض النظر عن الكيفية التي تخيلت بها الأمر، لم تكن هناك أي نتيجة لاجتحام الضباب المظلم حول الكائنات التي رأيتها تعود بالفائدة علي... واصل عقلي التيه مع ذلك، مستغرقًا في تأمل المخلوق الذي رأيته في أحلامي. رائع ومروع في آن واحد بطريقة ما. غريب ولكنه مألوف تمامًا... هندسة كتلته الغريبة معقدة للغاية لدرجة أنني بالكاد أتذكر رؤيتها بدلاً من مجرد استشعار حضورها... لكن بخلاف ملامحه، تذكرت حضوره بوضوح تام... دفع هذا الشعور يداي للقبض على مسندي الكرسي، مفركتين التصميم في النهاية. باحثاً عن أي إحساس يخدر شعور الأنفاس الساخنة على رقبتي. حتى حين حاولت إبعاد عقلي عن الذاكرة، بدا أن شيئًا ما سجنني هناك. محبوساً في ذكرى ضبابية... ما أخرجني من حالتي كان الدكتور بريسكوت، وهو ينهض من مقعده. "ثيودور؟ ثيودور تشاتود؟" أعاد القتام المظلم من حولي بناء نفسه ليصبح مكتب الطبيب. ركزت عيناي على محيطي مرة أخرى أخيراً. مترنحًا، أجبت. "أنا هنا..." أومأت وهو يمد يده إلى أحد أدراج مكتبه ويستخرج قارورة ومحقنة. "هذا جيد بالتأكيد. تذكر، أنا لا أريجك أن تنغمس في هذا يا ثيودور. أرد منك ببساطة أن تتعلم ما تستطيع. إن وقعت في الحفرة، فسيكون من المستحيل تقريبًا إخراجك." أجبت بينما اقترب الطبيب مني، مجهزًا الإبرة للحقن. "أنا أعلم..." ما تحدث عنه الدكتور بريسكوت كان موضوعًا مألوفًا لي للغاية. أمي وجنونها، كان ذلك كله أعمق في الدرب الذي أُسرت فيه. المنحدر المتلولب ذاته نحو ذهاني غير القابل للشفاء. لكن قطار أفكاري استقر عندما لوح لي الطبيب لأمد ذراعي. كنت قلقًا للغاية لتناول دوائي، وتلاشت كل الأفكار بينما اخترقت الإبرة طرفي المنتظر. بينما كنت أنتظر ببساطة تأثير الراحة ليسري، واصلت تفقد الغرفة كما فعلت سابقًا. كتب. حلي وخرزات منوعة. دفتره موضوعاً مفتوحاً على مكتبه. دفتره موضوعاً مفتوحاً على مكتبه... لم يكن الدفترا نفسه، بل محتوى الصفحات. كانت هناك كتل من الروناس الحبرية المتداخلة. هيروغليفية تكاد تغطي الصفحة بأكملها بالسوداء. رموز غريبة وجداريات عجيبة... كان بصري يغيم. بدأت الأدوية تأخذ مفعولها. كان حاسماً دراسة الورقة بعجلة أكبر... تخذت هذه الروناس أشكالاً لتشكل ما بدا وكأنه وجه. ليس وجه رجل، بل الخطوط العريضة لشيء شبيه بالبشر بشكل غامض... شيء... سريالي... ثم سيطر العلاج علي تمامًا، مموهًا بصري بالكامل. أغمضت عيني بينما أستنشق بعمق، منتقلًا إلى نشوة مفاجئة لكنها عميقة. نعيم. ما إن فتحت عيني، رأيت الدكتور بريسكوت وهو يرتب أغراضه. بيد واحدة أغلق الدرج الذي حُفظ فيه دواءي، وبالأخرى احتضن دفتره. مع أن حالتي الكيانية باتت أهدأ بكثير، إلا أنني ما زلت أتذكر الصورة المزعجة التي رأيتها قبل قليل. بتردد، سألت الطبيب. "أيمكنني... أيمكنني رؤية دفتر ملاحظاتك؟" بقدر متواضع من المفاجأة، رد الدكتور بريسكوت وهو يواصل الترتيب. "ولماذا هذا؟ أنت تعلم أنه ليس مفترضًا بالمرضى رؤية ملاحظات الطبيب النفسي." مع عدم وجود استراتيجية أخرى للنقاش، توسلت ببساطة. "فقط... أرجوك." بتنهيدة، فتح الطبيب دفتره وأراه لي. كانت الصفحة مليئة بملاحظات متصلة متنوعة. كلها مواضيع حميدة مثل مستوى طاقتي، وملخص عن صحتي العقلية، والاعتماد على الدواء. كان الحبر ما زال يلمع في الضوء كأنه وُضع حديثًا على الصفحة. لم يبدُ أي شيء خارج عن المألوف. بعد لحظة جيدة للفحص، تحدث الدكتور بريسكوت. "أيمكنني إعادته الآن؟" أومأت بينما أغلق الكتاب وعاد لعمله. "آسف. أنا... ظننت أنني رأيت شيئًا ما." "أه حقاً؟ وما كان ذلك؟" كان هناك تردد مني. من جهة، رغبت في الحديث عما رأيته للتو. من جهة أخرى، لم أكن أرغب في شيء أكثر من الاستمتاع بشعور السيطرة الذي استعدته مؤخرًا على عقلي. "لا شيء..." بالنظر إليّ، رأى الطبيب صراعي ويأسي. "حسنًا إذًا. ولا تكن كثير الاعتذار. أريدك أن تكون مرتاحًا قدر الإمكان. دع عقلك يسترخي يا ثيودور، وحاول فعلاً الحصول على بعض النوم." اكتفيت بالإيماء مرة أخرى ردًا على ذلك، دافعًا الدكتور بريسكوت للمواصلة. "إنه ببساطة عقلك غير القادر على فهم متى يكف عن بحثه البدائي عن التهديدات. لا تشعر بالتهديد من أمور كهذه يا ثيودور. إنه في عقلك كله، أتسمعني؟ كل ذلك في عقلك..."