بعد وجبتنا وبضع ساعات من التم, كان كل من اجتاز الاختبار قد فرغ. تجمعوا معنا في منطقة الراحة. كوّن البعض صداقات جديدة بينما نظر آخرون إلى الجميع بريبة وتواروا في زوايا نصف خفية مكتظة بالأشجار. برز لفافة اللحم الباهت فجأة من الضباب المحيط بمنطقة الانتظار. بدا وكأنّه يقف في الهواء الطلق فوقنا جميعاً.
قال: "ربما اجتزتم التحدي الأول جميعاً لكن لا تعلّقوا آمالاً كبيرة. إن أبليتم بلاءً حسناً بالقدر الكافي في الاختبارات التالية, فيمكنكم الفشل في دخول طائفتنا".
خرجت زهرة الإجاص من خلفه.
قالت: "قررنا أن نقوم بالأمور بشكل مختلف قليلاً في هذا الاختبار".
لم أستطع إلا أن أُضيّق عينيّ نحوهما. كنا في تلك النقطة من الاختبار حيث كان يفترض بهم نقلنا إلى ساحات الاختبار المختلفة بناءً على تمسّكنا والصدفة البحتة. مهما كانت الفكرة التي توشك على طرحها فستختلف عن الجدول الزمني الأصلي.
قال: "كما ترون, الحظ مهارة".
وما إن تلفظ لفافة اللحم الباهت بذلك حتى انطلقت آلاف الطيور الملونة من الأشجار المحيطة بمنطقة الانتظار. رفرفت فوق رؤوس الجميع. رفعت نظري لأحصي نحو مئة وخمسين طائراً فوقي مباشرة وهي تنزلق ببطء شديد وكأنها تنتظر أن تُقطف من الهواء. قفز صبي بالقرب مني والتقط طائراً قبل أن يفرغ المضيفان من حديثهما. وما إن لامست أصابعه طائر الحب الأحمر الصغير حتى تلاشى ليتحول إلى قطعة ورقة صغيرة كُتِب عليها اسم ورقم.
قالت زهرة الإجاص الذكية: "قضى سيّدي أيّاماً عديدة في صنع هذه الطيور الجميلة خصيصاً لاختبار حظكم. ما عليكم سوى إمساك أحدها ليُظهر لكم اسم مجموعتكم والرقم الذي تمثلونه داخل تلك المجموعة".
"فور حصول الجميع على أوراقهم سننقلكم إلى اختباركم التالي".
"أتمنى أن تشعروا بأنكم محظوظون".
غطت زهرة الإجاص فمها بكمّها وأطلقت ضحكة خبيثة قبل أن تختفي عن الأنظار. كان ربيع الصغير على وشك القفز لكني أمسكت بكتفه.
"الخريطة لين؟"
"هذا ليس اختباراً للحظ. إنهم يستخدمون هذه الطريقة لبذر المرشحين الواعدين".
توقّدتُ مؤكدةً كلامي.
"من المرجح أيضاً أن يستغلوا هذا كفرصة لوضعنا في موقع غير ملائم".
بصراحة جعلتني هذه الإضافة غاضبة للغاية. لم تكن اختبارات الطائفة عادلة قط لكنها اتّبعت على الأقل نهجاً وسط جنونها. إن أدى هذا إلى تعطيل سير الأمور الطبيعي فقد يفسد ذلك قبول الأفراد الموهوبين ممن لعبوا أدواراً ثانوية لكنها ضرورية في مستقبل الطائفة. كنت غاضبة أيضاً لأني لم أستطع التفوه بحرف واحد بشأن هذه الإضافة. كان عليهم أن يؤمنوا بأنني لا أملك أدنى فكرة عن أن هذا لم يكن جزءاً عادياً من اختبارات الطائفة وإن ذكرت ذلك فسأبدو مشبوهة للغاية...
حسناً, أكثر ارتياباً مما تبدوت عليه بالفعل. لذا لم أستطع إزالة هذه الإضافة الغبية. كان عليّ فقط أن أمل العاملين ضد الفصيل الراغب في رؤيتي أخسر أن يستبدلوا شيئاً جيداً بالسماح لهم بفعل ذلك.
"كيف يمكنك معرفة أن هذا ما يحاولون فعله؟"
"ألا ترين كيف يحصل كل من حولنا على أوراق تحمل أسماء وأرقام؟"
أشرت إلى عدة أطفال قريبين ممن لم يخفوا أوراقهم بعد. أومأ ربيع الصغير برأسه.
"والآن انظري إلى أولئك الأبعد عنا. التنين اثنان وأربعون, الأسد عشرة, الأرنب اثنا عشر... ثم قارني بين من هم بالقرب منا. التنين اثنان, التنين سبعة, التنين تسعة. الأرنب ألف وثلاثة, الأرنب ألف وأربعة وعشرون, الأرنب ألف ومئة وأحد عشر. أترين نمطاً؟"
تألقت عيناه.
"في حين أن الأرقام الأقرب إلينا لا تزال مختلفة للغاية فهي إما أرقام منخفضة أو مرتفعة بناءً على اسم المجموعة!"
أومأت برأسي.
"هذا صحيح".
كناظريّ رأيت التروس تدور في رأسه.
"... أيريد سيد زهرة الإجاص الذكية إبعادنا عن الطائفة؟"
"يمكننا افتراض أنهم جزء من جماعة قوية للغاية تفعل ذلك".
إن كان هذا ما خططوا له فلا عجب أنهم سمحوا لنا بالمرور عبر الاختبار الأول بهذه السهولة.
"إذن الطيور القريبة منا كلها سيئة. فأين يجب أن نذهب لنلتقط طيوراً جيدة؟"
استراح الشاب تشانغ برفقة رفيقه على بعد عشرين ياردة تقريباً منا. إن افترضنا أنهم أرادوه في الطائفة طوال الوقت فسيكون المرشح الأرجح لوجود الكثير من الخيارات الجيدة تطير من حوله. بدا أيضاً وكأنه يستغرق وقته في اختيار واحد.
"تعال. أظن أنني وجدت هدفاً جيداً".
بما أنني لم أكن واثقة من أن ربيع الصغير لن يضيع وسط هذا الحشد من الأطفال فقد أمسكت بيده وجررته خلفي بينما تحركت نحو هدفي. لاحظت سريعاً وجود أمر غريب فوقي فنظرت بخفاء إلى الأعلى. طائر نورس أبيض وأخرى حمامة سمينة تبدو بلون أزرق وبنفسجي طارتا بقرب مقلق من رؤوسنا. ومع استمرارنا في التقدم بقيتا معنا. لاختبارهما انحرفت عن مساري متخذة التفافاً حول مجموعة أكبر. وحافظ فأرا السماء هذان على خطوتنا.
أعتقد سيد زهرة الإجاص حقاً أنني لن ألاحظ شيئاً بهذه البساطة... حسناً لقد ظنوا أنني طفلة لذا ربما؟ حقاً شعرت بإهانة تكاد تكون تامة. لم أكن متأكدة مما تخططه هذه الجماعة لنا في المستقبل. مهما يكن — حتى إن وقعت في فخهم — كنت واثقة من قدرتي على النجاة. أما ربيع الصغير فقد لا يفعل. لا يزال طفلاً يصغرني بسعام كامل عما كان عليه خلال حياتي الماضية. بما أنني بالغة فقد قررت أن أبدأ أولاً.
أوقفتنا في مكان قريب بدرجة كافية من الشاب تشانغ ليكون ضمن نطاق حظه السعيد. ينبغي أن يكون بعيداً بالقدر الكافي لئلا يلاحظنا فوراً. كان المكان المثالي لصيد طائر. رفعت بصري لأتفحص خياراتي... ومرت تلك الحمامة السمينة بجانب رأسي بوظيفة تبدو غبية على وجهها. ثم انزلق النورس مع إمالة رأسه نحوي بطريقة لا تستقيم إن دخلت الفيزياء الحقيقية في الأمر. بصراحة كان لدي شعور بأن أحد هذين الطائرين الغبيين سيحاول الانقضض وإجباري على اختيار أحدهما.
كان هذان على الأرجح أسوأ الخيارات الممكنة لنا. لكن لم يبدو عليهما أيضاً ما أسميه نظرة الكفاءة. لمغنِ هذا أنني سأستهين بقوة سيد زهرة الإجاص. لذا كان عليّ تجنب فأري السماء هذين أثناء محاولة التقاط طائر آمن. وضعت خطط طوارئ أخرى أيضاً وآمل ألا أضطر لاستخدامها. نظر إليّ ربيع الصغير بنفاد صبر. ربما استغرقت وقتاً طويلاً. لا بأس. ابتسمت له وعبّرت عن تشجيعي بضربة خفيفة على كتفه.
"سأذهب أولاً. تحرك عندما أقول لك".
أومأ. أول ما فعلته هو القفز لمعرفة ما إن تحركت الحمامة السمينة والنورس النحيل أم لا. لم يتحركا. طار النورس في شكل ثمانية صغيرة فوق رأسي بينما كان يحدق بي وكأنني الغبية هنا. ثم حاولت استخدام يد روحية لالتقاط طائر عشوائي لكن الطائفة لا بد وأنها وضعت حظراً يمنع التقنيات الروحية منخفضة المستوى كهذه. عَنى هذا أن عليّ التقاط واحد باليد. اخترت صقراً أحمر أنيق المظهر وقفزت نحوه.
حتى إنني مددت يدي. في اللحظة الأخيرة تراجعت. لم يقم فأرا السماء بأي حركة. ربما كنت أبالغ في التفكير؟ حسناً لم يكن الأمر وكأنني لا أملك سبباً لأكون مرتابة. اخترت طائرين مختلفين حلقا إلى حد ما بالقرب من الشاب تشانغ. كان أحدها صقراً ذهبياً والاخر ببغاء ملوّناً بالأحمر والأخضر. قفزت ومددت يدي نحو الصقر بيدي اليمنى. قبل أن أتمكن من لمسه طار النورس النحيل نحو الصقر وأزاحه عن طريقه.
كان مؤسفاً لذلك الطائر الصغير المخادع أنني لم أكن أطمح للامساك بالصقر الذهبي من الأساس. موهاهاها! بيدي اليسرى مددت يدي نحو الببغاء الملون الذي اخترته والذي ذكرني بطائر محبوس في مرآة جلب لمينغ هاو الكثير من الحظ. والتفت أطراف أصابع اللعين السمينة حول... ريش الورق الناعمني لتلك الحمامة اللعينة! تباً. كيف كان ذلك المخلوق سريعاً إلى هذا الحد؟! أعني أن جسدي كان لا يزال في مراحل التكثيف الروحي المكافئة لزراعة الجسد لكنني لم أكن بطيئة!
على الأقل ليس لشخص في ذروة عالمي الحالي. حسناً بما أنني لم أستطع تجنب السمينة وبما أنني أوقفت يدي للتو عن الإحاطة بالنورس النحيل فقد أمسكت به أيضاً. تحولت الحمامة إلى قطعة ورقة في يدي. مع ذلك كافح النورس. قبضت على رقبته الورقية بقوة. لحسن الحظ وبينما كان غبياً وسريعاً فقد عوّض ذلك بكونه ضعيفاً بالقدر ذاته. لم يمنع هذا من استخدام منقاره لعض لحمي.
"أيتها الأخت!"
تجاهلت الألم في يدي وابتسمت لربيع الصغير.
"إن كنت قلقاً إلى هذا الحد فسرع والتقط طائراً لأتمكن من إطلاق سراح هذا اللقيط الصغير".
لم يكلف نفسه عناء الإيمام حتى. ققفز للتو والتقط واحداً وهبط أسرع من أي شخص آخر رأيته بالقرب منا. وما إن تحول طائره إلى ورق حتى رميت النورس الغبي مرة أخرى في الهواء. أطلق نقيقاً استياءً فضحكت. مع النظرة التي رمقني بها كنت متأكدة من أنه كان سيتغوّط عليّ انتقاماً لو كان طائراً حقيقياً. لم يلتفت ربيع الصغير حتى لورقته. أخرج حبة دواء فوراً وسحقها فوق جرحي. ثم أخرج منديلاً ومسح الدم عن بشرتي.
يا له من طفل مراعٍ.
عبس قائلاً: "كان يجب أن تدعيه يذهب عاجلاً".
"كانا أسرعين للغاية. لحسن الحظ كانا غبيين بالقدر الكافي لأمسك بالإضافي. إن لم أفعل لكنت عالقاً في مكان سيء قد لا تستطيع التعامل معه".
"لكنك الآن عالقة بواحدة! ويدُك مصابة!"
ضحكت وألقيت حبة شفاء صغرى في فمي.
"لا تقلق. مجرد جرح طفيف".
كان هناك سبب لتمضية جسدي.
"سيصبح أفضل بحوال حلول دوري".
بدا محبطاً ثم تنهد باستسلام.
"ما هي مجموعتك ورقمك؟"
رفعت الورقة.
"مجموعة العنقاء, الرقم ثمانمئة وثمانية وثمانمانية".
"على الأقل هذا رقم محظوظ".
"قد يكون محظوظاً لكنه موقع سيء أيضاً. وماذا عنك؟"
"العنقاء. نفس مجموعتك لكن رقمي... أربعة".
توقفنا كلانا عند هذا الرقم المؤسف.
كسرت الصمت قائلة: "حسناً نأمل أن يكون الرقم الأصغر موقعاً أفضل".
"ربما يجدر بنا التبادل؟"
"لا طائل من ذلك حقاً".
أشرت إلى عدد قليل من المزارعين الذين كانوا يحاولون تبادل الأوراق. تبادلت الأوراق جيداً لكن الأرقام تغيرت فطارت من ورقة إلى أخرى. بدا ربيع الصغير مندهشاً ومستاءً في آن واحد. ولم ألمه. كان هؤلاء الأوغاد مخادعين وتحتم علينا الاستعداد لأي شيء. جلست متربعة وبدأت عملية الشفاء. بين العلاج الخارجي والداخلي لن يستغرق الأمر طويلاً لشفاء يدي تماماً. نأمل أنني كنت محقة في اعتقادي بأن لدي الوقت الكافي.
إن حاولوا فعل شيء غريب مثل جعلي أبدأ أولاً فقد أطلق صيحة احتجاج.