ابتسمت الخرافية بعيدة الأثر بلطف لنا جميعا.
"كما ربما أدركتم، يوافق عدد السهام العدد الذي سحبتموه. غير أن مطالبة جميعكم بتفادي أو إسقاط هذا القدر من السهام في مثل سنكم وممركم تبدو... صعبة. لهذا — ولأن هذه الطائفة تؤمن بأن المخاطر الكبرى يجب أن تتبعها جوائز كبرى — تمت الموافقة على منح شيء مميز... مقابل كل سهم فوق العشرة تنجحون في تفاديه أو إسقاطه، تمنح الطائفة نقطة مساهمة واحدة".
أخرجت ورقتي وألقيت نظرة على الرقم ثمانمئة وثمانية وثمانين المكتوب عليها. تبا. كان هذا مغريا أكثر من اللازم. بالطبع، كان هؤلاء الأنادل يحاولون على الأرجح حملي على الاستسلام قبل أن أبدأ الاختبار حتى — وبالطبع، قد يحاولون قتلي عبر إمطارِي بما يكفي من السهام العادية — لكنني عرفت تحديدا ما علي فعله بتلك النقاط الثمانمئة والثمانية والسبعين... إن تمكنت من النجاة حتى النهاية.
أمعنت الخرافية بعيدة الأثر النظر في وجه كل منا.
لا بد أنها لاحظت بضع أطفال لم فكرة لهم عما تتحدث عنه فتابعت قائلة: "داخل هذه الطائفة، يكاد يستحيل الحصول على نقاط المساهمة باستخدام أحجار الروح. لا تُجنى إلا عبر إنجاز مهام الطائفة أو التبادل مع آخرين يملكونها. وهناك أشياء لا يمكنكم شراؤها داخل الطائفة إلا باستخدامها. أشياء مثل حق الوصول إلى أجنحة النصوص المختلفة. ما كان لي أن أضطر لشرح أهمية تلك، لكن لمن لا يعرفها من القلة، فهي أواسر حيث يمكنكم الذهاب لتعلم تقنيات جديدة أو إيجاد طريقة استنبات جديدة كليا تناسبكم بصورة أفضل. يمكنكم أيضا استخدامها لشراء الوقت مع معلم يمكنه مساعدتكم في اختيار مسار يلبي احتياجاتكم على النحو الأمثل. أو الوصول إلى خزائن الكنوز المختلفة حيث يمكنكم إيجاد أدوات روحية لا تنالونها خارج الطائفة ما لم تكونوا جزءا من عشيرة كبرى".
كان ذلك الجزء الأخير أحد الأسباب الرئيسية لقراري بالعودة إلى هذا المكان. بعض الأشياء في هذا العالم كانت القوى الكبرى تستحوذ عليها وحدها. حتى مع معرفتي بالمستقبل، كان المرور عبر الطائفة السبيل الوحيد لأضع يدي عليها. على الأقل إن أردت البقاء على قيد الحياة فترة كافية لبلوغ الصعود الخالد مجددا. وحد ثلث التلامذة الباقين اهتزوا حماسة. وبدا البقية متجهمين. من المرجح أنهم واجهوا عددا مفرطا من السهام.
وبما أن هذا كان من المفترض أن يكون اختبارا عادلا، فلا بد أن أرقام هؤلاء الأطفال تراوحت بين الثالثة والثمنمئة والسبعة والثمانين. عنى هذا أن الكثيرين منهم، مثلي تماما، حملوا أرقاما أعلى.
"بالطبع، أنتم أحرار في الاستسلام في أي لحظة"، أشارت بعيدة الأثر كما لو كانت تساعد الجميع.
ثم بدا أن ابتسامتها الرقيقة تكتسب تلميحا من الحِدّة.
"لكن إن فعلتم، فلن تبلغوا الطائفة الداخلية أبدا طوال حياتكم".
تبا لهذا. لم تكن سوى ثمانمئة وثمانية وثمانين سهما. بوسعي التعامل معها بسهولة... لو كنت أشد ساعدا. في الطبقة الثانية من تكثيف الروح — سيمثل هذا تحديا حتى بالنسبة لي. ما لم أقرر القيام ببعض الأمور التي سترفع بعض الحواجب وتعارض روح التحدي. ما خططت لفعله. من هذه اللحظة فصاعدا، لن أُخفي قوتي بعد اليوم (ليس وكأنني برعت في ذلك أساسا). في الواقع، وجدت دائما أنه بينما قد يساعد إخفاء القوة المرء في أوقات الأزمات، فإن من يُخفي قوته لا ينال دائما ما يريد، ونادرا ما ينال ما يستحقه.
أحيانا يكون استعراض القوة السبيل الوحيد لتوصيل الفكرة اللعينة. أجل، بالطبع، كان هناك ذلك المثال حول كيف أن المزارعين يقطعون دائما ساق القمح التي تنمو أعلى من سواها، لكن ذلك لم يأخذ بالحسبان ساقا كانت من الصلابة أو المرونة بحيث تستعصي حتى على القطع. تلك كانت فصيلة القمح التي تنمو نحو السماوات. كنت مثل ذلك القمح! ... أو ربما أشبه أكثر بتلك القرعيات العملاقة الحائزة جوائز والمستنبتة بعناية.
أيا يكن.
* * *
في المجموعة الثانية المؤلفة من عشرة تلامذة، نجح نحو النصف في الاختبار. وسقط النصف الآخر بطرق شتى. في المجموعة الثالثة، لم ينجح سوى ربعهم تقريبا. في الرابعة، لم ينجح أحد. واستسلم اثنان بالكامل. وفي المجموعة الأخيرة قبل مجموعتي. لم ينجح سوى شخص واحد، الرقم أربعمئة وستة وستون... لأنه دفعته للمحاولة مستخدمة بضع عشرات من أحجار الروح. مسكين ذلك الفتى إذ عجز عن المتابعة فور تلقيه سهما في ركبته وسقوطه عن الجسر.
مع تقدم كل شخص، قضيت وقتي في دراسة الأنماط التي تهاجم بها السهام واستنباط الطرق المختلفة التي يمكن لتلك السهام توسيع تلك الأنماط بها نظرا للثمانمئة وثمانية وثمانين سهما المتوقعة.
"الخرافية لين. الرقم ثمانمئة وثمانية وثمانون. دورك التالي".
تقدمت نحو الخط، سحبت مشبكي وأحلته سيفا. عندما سمع الأطفال عبر الهوة رقمي احتشدوا حول الجرف. استشفلت من لغة جسدهم صدمتهم حياله. أخرجت تعويذة حماية أخرى ولصقتها بذراعي.
"إن كنتم تتوقعون مني مواجهة ثمانمئة وثمانية وثمانين سهما بلا سلاح أو حماية..."
"أتعلمين"، قاطعتني بعيدة الأثر بابتسامة بدت رقيقة ومتعالية في آن، "لا عار في الاستسلام حين تعلمين أنك لا طاقة لك بأمر ما".
رفعت سيفي ليستقر على كتفي كمنحرفة والتفتتُ إليها.
مرتدية أكبر ابتسامة مليئة بالأسنان استطعت تجميعها قلت: "ألا ترين أن ثمانمئة وثمانية وثمانين رقم محظوظ؟ تخيلي فقط كل نقاط المساهمة تلك!"
سعلت.
"ولكن ألست خائفة؟ مواجهة هذا العدد الهائل من السهام في الطبقة الثانية من تكثيف الروح وحدها؟"
ضحكت. ربما بدت ضحكتي شريرة. أو مجنونة. بصراحة، حتى بعد كل تحليلاتي، شعرت ببعض الجنون لمواجهة هذا العدد في مستواي هذا.
"لأجعل الجميع في الطائفة ينادونني طوعا بـ(الخالة القتالية الكبرى)، يجدر بي — على أقل تقدير — أن أكون قادرة على التعامل مع هذا القدر".
حينها، واصلت ضحكي وخطوت خطوتي الأولى. ربما ضمت هذه الطائفة بعض الأشرار لكن اختباراتها ظلت تخضع لقواعد التزمت بها. اكتشفت مبكرا أن إحدى تلك القواعد حالت دون إطلاق السهام في آن واحد. كان ثمانمئة وثمانية وثمانين سهما عددا أكبر من أن يُطلق على أحدهم من منتصف الحبل، لذا شرع ما يتحكم بهذا الاختبار في إطلاق النار علي فورا. مستخدمة حسّي السماوي، استطعت رؤية كل سهم يتشكل داخل الضباب، ثم يطير نحوي.
منحني هذا أفضلية كبرى. أزحت سيفي عن كتفي وأسقطت السهم الأول. ثم أبعدت بضربة أخرى جاءني من الجانب المقابل. ثم التالي، فالتالي. جاء سهم حتى من الأسفل. لويت قدمي حول الحبل وجذبته لأصدّه. بصراحة، مع هذا الكم الهائل من السهام القادمة نحوي، شعرت تقريبا كأنني ألعب نسخة زيانكسيا من... ما كانت تلك اللعبة من حياتي السابقة السابقة؟ ثورة رقصة رقص السهام؟ أيا يكن. شابهت ذلك نوعا ما...
باستثناء أن السهام هنا كانت حادة، وقادمة من كل اتجاه، وربما تحاول قتلي. في إحدى اللحظات أُرسل نحوي خمسة سهام شبه متزامنة. بدت تموضعاتها كفخ ينتظر قتلي فور قيامي بأي حركة خاطئة. كان مؤسفا لمن خطط لهذا أنني عرفت سلفا كيف أتعامل مع هكذا موقف. ثنيت ركبتي وقفزت ملوية جسدي في منتصف الهواء. طارت السهام متجاوزة إياي وهبطت برشاقة مجددا على الحبل، ملوحة بنصلِي لأسفل كي أقطع السهام الثلاثة التالية.
استطعت الآن تخيل أولئك العجائز في منطقة المراقبة وهم ينهضون مذهولين. بحلول الآن، أدركوا على الأرجح أنني لست تلميذة عادية. الجحيم، حتى معلم روح ناشئة قد يواجه عناء سحب هذا الهراء حين يُختزل إلى الطبقة الثامنة من تكثيف الروح لا غير. لكنني كنت معلمة كبرى بلغت الصعود الخالد. كان هذا تحديا عسيرا. لكنه لم يكن مستحيلا. ليس بالنسبة لي. لم يعنِ هذا أنه سيكون يسيرًا. حين فرغت من دحر مئة سهم، أحسست بتغير ما.
حدث توقف مفاجئ كأن الاختبار بأكمله أخذ نفسا. خطوت بضع خطوات بلا عائق. ثم، في الأفق، سقطت موجة من الخطوط السوداء نحوي. مئة سهم. أُطلقت كلها تقريبا في آن واحد. أظنني أغضبت أحدا ما. جيد. مواههاهاها! رفعت سيفي ولوحت به مرسلة قوسا واحدا بديعا من تشي السيف نحو تلك السهام. ولأجل تلك التي اخترقت، تعاملت معها عرضا باستخدام حركات جسد بريئة. كانت هذه المرة الأولى التي أضطر فيها لاستخدام تشي السيف في هذا الاختبار.
حدث توقف آخر كأن الشخص أو الروح المتحكمين بهذا الاختبار صُدما لنجاتي. حينها أرسل رامي السهام الماكر ذاك مئتي سهم نحوي شبه متزامنين. نصفها من اليمين والنصف الآخر من اليسار. انقضتا علي كأسراب طيور سوداء على وشك خوض وقت سيء للغاية. تسارع خفقان قلبي. وشدّ وخز الموت المحتمل فروة رأسي. لم أستطع منع نفسي. ضحكت. كان هذا... ممتعا للغاية! هذه المرة ضربت جهة اليسار بـ(الضربات المئة)، ثم فعلت كرة أخرى جهة اليمين.
انقسمت السهام، مخلفة كومة ضخمة من الحطام تذكرني بذلك الوقت الذي ظن فيه الربيع الصغير أنني انتقمت من شجرة. سقطت معظم شظايا الخشب بعيداً قبل بلوغي، ومع ذلك، احتفظت بضعة أجزاء صغيرة بزخم كافٍ للمتابعة. اصطدمت برداءائي. بل وخدش أحدهم ظهر كدي. ونزفت قليلاً حتى! بالنظر إلى مستوى استنبات جسدي وحقيقة كون هذه السهام عادية لا سهام قتل... حسنا، كان على أحدهم تقديم تفسيرات ما فور بلوغي نهاية هذا الاختبار.
خطوت بضع خطوات أُخر لم يهاجمنا فيها شيء. أخيراً، بلغت منتصف الجسر بعد أن دمرت أربعمئة سهم مجتمعة. بالتأكيد، أدركوا بحلول الآن قدرتي على استخدام (الضربات المئة) بصفتي ممارسة لتكثيف الروح. ربما فقدوا صوابهم من الصدمة. أراهن أنهم لم يتوقعوا وصولي إلى هذا الحد. تطلعت نوعاً ما لمعرفة ما يخططون له تالياً. وما إن خطوت خطوة تجاوزت المنتصف وشرعت أصعد الحبل، حتى عاودوا إطلاق سهام مفردة نحوي.
عُدنا مجدداً للعب ثورة رقصة رقص السهام. ربما حاولوا ببساطة رصد نقطة عمياء لي. كانوا يحاولون عبثاً! مستنبتة قادرة على توظيف الحس السماوي بمثل كفاءتي، بلا نقطة عمياء لديها! أو ربما أرادوا التيقن مما إذا كنت مصابة ليوظفوا ذلك ضدي. عرفت أولئك الأنادل. رائعون إن كانوا في صفك، مروعون إن وقفوا ضدك. السبيل الوحيد للفوز كان تفوقي عليهم. بلغت النقطة التي لم يتبقَ فيها سوى ربع الحبل (إلى جانب نحو ثلاثمئة وأربعين سهماً) لعبوره قبل بلوغي النهاية.
حينها، انطلقت تقريباً كل المقذوفات المتبقية نحوي. أتت من شتى الاتجاهات وسدت مسارات الهروب المعتادة. جعل هذا تدميرها جميعاً بشيء مثل (ألف ضربة) أمراً عسيراً ومبذراً للغاية (وما زلت أحتفظ بها كاحتياط). بصراحة، حين رأيت هذا تقيأت دماً — مجازياً —. بالنظر إلى السهام المتقدمة التي قذفوها نحوي... كان هؤلاء اللعناء يحاولون قتلي حقاً!