رحلة الغرب، في الظل الفصل 8 — الصليب الاخضر

اقرأ رحلة الغرب، في الظل الفصل 8 — الصليب الاخضر باللغة العربية على مانجا تايم.

⟦1⌋ 8. الصليب الأخضر. ما إن استعدت للرحيل حتّى حمل مارتيميوس إيليس عبر الجدول. كان ضحلاً هُنا، وتغصّ أطرافه بفروع الأشجار الساقطة، ممّا مكّنه من القفز بخفة من حجر إلى فرع ليعبر ويحافظ على جفافه. لكن ما إن عادا إلى الطريق حتّى أصرّت الساحرة على المشي مُجدّداً. بدا الأمر أسهل لها الآن بعد أن خرجتا من غابة الجنيّات، وبدلاً من السير على جذور الغابة المعقّدة، صارت تطأ بلاط الطريق الأملس.

مع ذلك، اتّكأت بقوة على كتفه، وتمنى مارتيميوس أن تضمّ القرية القادمة نزلاً به غرفة شاغرة. قالت إنّ يوماً أو يومين إضافيين من معالجة كاحلها بالفنّ وتجنّب الوقوف عليه سيصنعان فرقاً كبيراً. لكن بينما كانا يتقدمان وتناقصت الغابة لتفسح المجال للحقول، عرف مارتيميوس أن أمراً ما لم يكن على ما يرام. إن كانت هذه أراضٍ زراعية، فقد كانت مهملة ووحشية، ومن المرجح أن محراثاً لم يلمسها منذ سنوات.

مزارع عادت نصف المسافة إلى البرية، وتغطّتها الحشائش الطويلة وأزهار المروج. عندما طار فليت إلى الأمام ثم عاد وأنشد بما رآه، أظلم وجه مارتيميوس. لم يلبثا أن وصلا إلى أول منزل ريفي، إلا أنه لم يعد منزلاً ريفيّا. لم يتبقَّ سوى هيكل حجري محترق، ملطّخ بالسخام ومتهدم، كومة كبيرة من الركام الأسود حيث ربما كان حظيرة في يوم ما.

همست له إيليس وهي تأمل هذا المنظار: "أتراك تظن أن لوب كذب علينا؟ أهذا فعل الشياطين؟".

هز مارتيميوس رأسه. كانت الشجيرات وبعض الشتلات الشابة الرفيعة تنمو بالفعل بين الرماد وأنقاض الحظيرة. حدث هذا قبل وقت طويل. وكان يعلم، أو يكاد، من فعلها. مرّا بالمزيد من الحقول والمزارع، وكان مصير كل منزل ريفي هو ذاته. احترقت كلها حتى الحجر، واجتاحت الأعشاب الحقول. دروب ترابية، تكاد تخفيها الشجيرات التي لم تُنظف منها لسنوات، تتفرع من الطريق المرصوف بالحجر الرئيسي وتتجه نحو مزارع أخرى، لكن فليت طار وأخبرهما بأن الحال ذاته على مدى البصر.

أُحرقت كل دار ريفية قبل سنين. بدأ مارتيميوس يشعر بضغط يتجمع خلف عينيه، وسار في صمت قاتم. كانت إيليس صامتة أيضاً، ربما لأنها التقطت مزاجه. عرف أن الأسوأ سيكون عند بلوغ القرية ذاتها. لم يأتِ أحد لإعادة بناء هذه المنازل الريفية أو إحياء تلك الحقول. كم يا ترى من البشر لا يزالون يعيشون هناك؟ لكن مخيلته لم تكن لتعدّه لما رآه. لم يتبقَّ شيء على الإطلاق. لم يكن الصليب الأخضر قرية، بل بلدة نمت يوماً لتصبح سعيدة ومزدهرة، ربما بفضل تجارة المسافرين على طول الطرق الكبيرة التي تمتد عبرها لتصل إلى أراضٍ بعيدة.

لم تكن هناك طريقة لمعرفة ما كان يمثل حرفة هذا المكان وعصب حياته، لأنه سُوّي بالأرض وخُرّب بإتقان تام لم يترك أي أثر لحياة أهله. لم يعودوا يعرفون حتى اسمها إلا لأن مارتيميوس عثر على لافتة منهارة ومحترفة بنصفها وسط الحشائش الطويلة ولا تزال تحمل ترحيباً قديماً بطلاء أخضر باهت. مشيا وسط شوارع فارغة، وتراءت الهياكل المتفحمة للمباني المدمرة على الجانبين. حيث كان المبنى خشبيّاً، لم يبقَ سوى أكوام من الفحم المكسور، وحتى حيث استُخدم الحجر في البناء، كان غالباً ملقىً مقلوباً أو متشققاً بفعل الحرارة.

إن كان قد بقي أي شيء نافع في تلك البقايا، فلا بد أنه التُقِط منذ زمن بعيد. بدأت النباتات تنمو في الأنقاض هنا أيضاً، وإن لم تكن بكثافة ما تنبته الحقول المحيطة. لا يزال المكان يفوح برائحة دخان الخشب والموت، حتى الآن.

قالت إيليس، بصوت لا يزال خافتاً: "أنا... هذا المكان ضخم".

ربما كانت لا تزال تعتقد أن الشياطين هي من فعلت هذا.

"لا أعتقد أنني حلمت يقط برؤية هذا العدد الهائل من المباني في مكان واحد. أي شيء كان ليصنع هذا؟".

حدث مارتيميوس نفسه: "ليست بلدة بهذا الحجم".

ربما أطال التفكير في هذا لينفي ثقل ما حدث. حقيقة ما عرفه، في أعماقه، لا بد وأنها تجلت هنا.

قال بصوت أجش ثم تنحنح وطرف بعينيه: "الملكة البيضاء. هذا من فعلها يقيناً".

سألت وهي تقطب جبينها عندما رمقها بنظرة حادة: "الملكة البيضاء؟".

"ألم... ألم تسمعي بها قط؟".

يا لها من نعمة لو كانت كذلك. أن يعيش المرء في مكان لم يمرّ فيه اسمها الملعون على شفاه أحد.

أجابت إيليس: "أظنني سمعت الاسم".

وأدرك مارتيميوس فجأة أن الساحرة كانت تحدق فيه باهتمام شديد.

"لكنني لم أسمع يوماً عن أفعالها أو من كانت".

توقف مارتيميوس ملقياً نظرة على الخراب والدمار، واعوجّ قلبه لدرجة اضطرته لإغماض عينيه برهة.

تابع بصوت خشن: "كانوا يدعونها الملكة البيضاء، أو الوردة البيضاء. عرفتها بوصفها ساحرة الغرب. هي..."

أخذ نفساً وابتلع مرارته ليتمكن من سرد الأمر بساطة: "كانت ساحرة وفاتحة وجلّادة. أنزلت العواصف الثلجية على أعدائها، وترك خدمها الموت هكذا أينما حلّوا. وفي النهاية، كما يُحكى، جُنّت حقاً، وجلبت الخراب حتى على الموالين لها. والآن، هي ميتة".

ليس بالسرعة الكافية. لكان خيراً لو خُنِقت في مهديها.

قالت إيليس بلطف: "مارتيم".

وشيء ما في نبرتها أخرج مارتيميوس من عاصفة الأفكار المظلمة في رأسه. كانت الساحرة تنظر إليه بغرابة، ولكن بلا قسوة، وأدرك أن ذراعيه كانتا ترتجفان وعينيه مبللتان. مسح بقسوة طلائع الدموع بينما اخترقته ومضة ساخنة من العار.

قال بحدة: "لنحاول إيجاد مكان نلجأ إليه هنا".

على الرغم من أنه كان ليراهن بقرش نحاسي على أن أياً من المباني لم يبقَ قائماً. لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها مخلفات من عانوا غضب الملكة البيضاء. كانت هذه أراضيها، أو ما زالت تعتبرها كذلك أيام حياتها، ومع ذلك لم يكن هناك شك في عقده أن جيوشها هي من فعلت هذا. مشيا إلى قلب البلدة، إلى ما منح الصليب الأخضر اسمه؛ الطريقين المرصوفين اللذين يلتقيان في ساحة كبرى في المركز، أحدهما يمتد من الشمال إلى الجنوب وقد دخلا منه للتو من غابة الطريق الواحد، والآخر يمتد من الشرق إلى الغرب.

ربما كان التجار ما زالوا يستخدمون هذه الطرق بين الحين والآخر. غير أن ما كان يوماً ساحة صاخبة تلتقي فيها الطريقان، أصبح الآن قلباً مكسوراً للصليب الأخضر، أسود ومدمراً، وكل شيء فيه محترق. نمت شجرة بلوط شاحبة من وسط الساحة، عارية من الأوراق وخانقة بالشواك، شاهداً قاتماً على ما حدث. كل شيء سوى مبنى واحد. برج من الحجر الشاحب، يرتفع بنحافة من بين الرماد والأنقاض المتراكمة على جانبيه، وناجٍ بوضوح من الحريق.

ارتفع عالياً، متجاوزاً على الأرجح عشرة طوابق، وربما هيمن يوماً على وسط البلدة. وعلى الرغم من أن له غرضاً عملياً واضحاً، إذ أحاطت به شقوق السهام وأبرزت أبراج صغيرة، وشرفات متصدعة على طول متاريسها، فإن قمة البرج كانت تتسع إلى spire مدعّم، طويل ورفيع ومستدق، كأن بناة البرج بذلوا جهدهم ليجعلوه يلمس السماء. عرف مارتيميوس لحظة رؤيته أنه بناء أورليكي، وما إن اقتربا منه حتى استطاع هو وإيليس استشعار مسحة الفن فيه.

حكم الأورليكيون هذه الأراضي منذ زمن طويل، من قلبهم المقدس في مانوس أوروم. أقسمت ممالك عديدة بالولاء للتاج الأورليكي، وفي أحيان كثيرة رأى الأورليكيون بناء تحصينات كهذه بين أراضي رعاياهم، ربما تذكيراً لتابعيهم بقوتهم. لقد عرفوا الكثير عن الفن وصناعته، والفن الذي نسجوه في الحجر أبقى مبانيهم صامدة لقرون. والكثير مما يُعرف عن الفن اليوم يأتي مما تعلمه الأورليكيون، أو هكذا يُقال.

لكن ذلك كان كله قبل زمن طويل جداً. تلاشى الأورليكيون وصاروا في طابع النسيان، تاركين وراءهم نصباً وأعمالاً حجرية يحتار فيها الناس. هذا، والقصص التي خلفوها، كل ما تبقى من الأورليكيين هذه الأيام. عرف مارتيميوس بعض التاريخ، أو على الأقل بعض القصص التي تُروى. كان هناك تمرد قاده شخص لا يُعرف إلا برجل الخندق، وهذا ما حطم التتاج الأورليكي. كان هناك من قال إن رجل الخندق كان خادماً للغريب المظلم ذاته، وحملوه وزر كل البلايا التي تلت تحطم التاج.

وقع طاعون وحروب أهلية على الخلافة، وانفرط عقد الولاءات. حتى إن بعض القصص تحدثت عن غزو وحوش. حاول الكثيرون التشبث بادعاءات المجد الأورليكي بأي عذر، حتى بعد أن أظلم بريقه، لكن في النهاية، نُسي ذلك أيضاً. ولم يكن أقدم الرجال الأحياء اليوم ليذكر رؤية راياتهم مرفوعة، حتى من قِبل المدّعين. وماتت معظم الممالك التي أقسمت لهم بالولاء بحلول هذا الوقت أيضاً. كانت إيليس متحمسة للغاية للبرج، ومسرورة بفكرة إقامة معسكر بداخله.

لقد سمعت عن الأورليكيين في القصص بالطبع، لكنها لم ترَ قط شيئاً مما بنوه. أما مارتيميوس، فلم يكن متأكداً شخصياً إن كان أفضل مكان للراحة. اعتقد أنه ربما كان الأفضل التخييم في الحقل، ويفضل أن يكون بعيداً عن أعين هذه البلدة الملعونة والمحطمة. لقد ارتكب الكثير من الموت هنا، وفي أماكن كهذه، قد يغدو العالم رقيقاً أحياناً. لكن الساحرة اضطرت للمشي بعرج لمسافة كافية، وكانت الشمس قد بدأت تغيب في الأفق.

أحاطت بمدخل البرج وجوه عديدة منحوتة في الحجر، بعضها يضحك، وبعضها يبكي، وبعضها يتهكم، وبعضها يعتصره الغضب. عرف أن هذه لم تكن وجوه حقيقية بل أقنعة. أولى الأورليكيون اهتماماً غريباً بالأقنعة وغالباً ما استخدموها للزينة. وفي حين أن الفن ربما نجح في حماية أعمال الحجر للبرج نفسه من النيرات، فإنه لم يستطع فعل شيء لإنقاذ المفروشات في الداخل. بدا أن أي شيء كان بالداخل قد نُهب أو أُخذ منذ أمد بعيد، ولم يكونا أول من استخدم البرج كمخيم أيضاً؛

فقد جلست حلقة صغيرة من الحجارة على أرضية البرج العارية حول كومة صغيرة من الرماد الأبيض. ارتفعت درجات حجرية دائرية في حلزون على طول الجدار الداخلي للبرج، مؤدية إلى الـ spire المظلم. اندفع فليت إلى الأعلى، كشعلة حمراء، ليرى إن كان أحدهم يختبئ بالداخل، وتبعه مارتيميوس ليرى ما في الطوابق العليا، فلم يجد سوى حجر عارٍ أينما نظر، فقد نُظّف تماماً حقاً. لا شيء سوى هياكل عظمية للجرذان، وأكوم من الريش المتساقط من طيور تعشش في spire.

رحل كل شيء، رحل منذ أمد بعيد، وفي يوم ما سيتلاشى الفن في هذه الحجارة أيضاً، وعندها سينهار البرج ويزول بدوره. عاد فانضم إلى إيليس في الطابق الأرضي، وأشعل ناراً صغيرة ليتشاركاها. تقاسما ما تبقى من لحمهما، ولا يزال لديهما بعض الأرنب، وخرج سيسيل ليجوب المكان لكنه عاد بلا صيد. بينهما، احتارا في التعاويذ الأورليكية المنقوشة على الحجر. استطاعا استشعار ما صُنِع بالفن، لكنه كان أبعد عن أي شيء عرفاه؛

كعقدة معقدة لا يستطيعان معرفة كيف يحلانها أو يقلدانها. ربما كان الأمر يفوق قدرة أي ممارس مفرد للفن. بحين أعادت إيليس لف كاحلها، وطبقت المزيد من شفائها عليه، خيم الظلام على الهياكل العظمية للصليب الأخضر. كانت تلك الأنقاض المتهكمة مزعجة في الغسق، وظلالها الطويلة تمتد نحوهما عبر الساحة، لذا افترشا فراشيهما بعيداً عن المدخل بحيث يتعذر رؤية الخراب في الخارج. لكن شيئاً لم يستطع إيقاف صوت الريح من الوصول إليهما، وصوت أنينها الطويل في تلك الشوارع الفارغة كان ما أغلقا عليهما عينيهما.

===***=== استلقت إيليس غافية في أحد أركان البرج، وذراعاها ملتفتان حول سيسيل، وقدمها الجريحة مرفوعة على كتلة من الحجر، وليس تحتها سوى ثوبها لفراش. بدت لها قدرة ملحوظة على النوم في أي مكان، فكر مارتيميوس؛ كان لديه على الأقل رداؤه وملابسه القديمة ليفترشها، لكنه تمنى لو أن هذا المكان يحوي أوراق شجر أو عشباً ليكدسه وليلين الحجر. الحق يقال، حتى لو كان مستلقياً على فراش حقيقي، ناعم ودافئ، لما استطاع النوم.

وقف الآن في مدخل البرج، ناظراً عبر الساحة والأنقاض. عصر الأسى قلبه وهو ينظر إليها، فضلات المرض والجنون. كم من البشر فقدوا أرواحهم هنا، عبثاً، عبثاً، وبلا أي معنى على الإطلاق؟ قبضت عليه، كالسم في عروقه، وتسربت إلى رأسه لتملأه بأفكار مظلمة. خطا خارج المدخل إلى الساحة، في الليل الأسود. ألقى قمر شاحب ونحيل ضوءاً شبحيّاً ليرى على هديه. شيء ما ناداه، من هناك. حيث أنتمي، فكر في نفسه، ولم يعلم من أين أتت تلك الفكرة.

استقرّت وحشة غريبة عليه، مشوشة لأفكاره؛ فلم يستطع سوى التفكير في أولئك النفوس البائسة، وكل من ماتوا هنا بهذه العبثية، واليأس من أن أمراً خاطئاً كهذا قد حدث. لم تكن المرة الأولى التي يرى فيها خراباً كهذا. ولا المرة الثانية عشرة. ظن أنه قد قسى على رؤية تلك المناظر، وبدا أحياناً أنه فعل. لكن في كثير من الأحيان، بدا كل تذكير بالحرب كأنه يسممه أكثر. يا له من جنون مروع ومغضب.

استولى على قلبه وشعره كأن جسده لم يعد ملكه. تساءل إن كان يحلم. عبر الساحة في هذا الضباب، وجد نفسه واقفاً أمام الشجرة التي توسطتها. بلوط شاهق، وإن بدا ميتاً، فخلا من الأوراق تماماً قبل وقت طويل من إسقاط الخريف لأوراق أي شجرة أخرى رآها. ألقى فروعها الملتوية والمتداخلة ظلالاً متشابكة على الحجر. وحول قاعدتها، صعوداً على جذعها وإلى أغصانها، نمت كروم من الشوك الأسود القاسي، منقطة بزهور حمراء صغيرة لم تذكر سوى البثور.

لم يره قط من قبل شجيرة شوك كهذه، ولم يكن له اسم يعطيه إياها. لاحظها للمرة الأولى في الحقول الزراعية المهجورة في طريقه إلى الصليب الأخضر، مخنقة للأرض، لكنه لم يلقِ لها بالاً. أما الآن، ورؤيته لها تزحف على بلوط الساحة، فقد بدت له غريبة. نسجت نفسها بأنماط بدت كأن لها تصاميم، وبدا عقدها الخشن جميلاً وصادقاً و...

"مارتيم".

تجمد مارتيميوس. هبت ريح باردة عبر الساحة. أتى الصوت من على بعد خطوات قليلة خلفه. امتلاءت عروقه بالجليد، وبدت ساقاه كالرصاص. عرف ذلك الصوت. لم تكن هناك طريقة لوجود هذا الصوت هنا.

"التفت وواجهني، مارتيم".

أغمض عينيه. عرف ما سيراه إن التفت. ذلك الوجه المحطم، نصف الشاحب ونصف الملطخ بالدماء الحمراء. تلك العين المحدقة والراجية.

وسمس بصوت جاف كالتراب: "لا".

صمت. ثم وثب قلبه إلى حلقه عندما تحدث الصوت مرة أخرى. صار أقرب الآن. قريب بما يكفي ليلمسه صاحبه.

"أتريد أن ترى؟ ما حدث هنا".

لم يجب مارتيميوس. لم يستطع. وعندها، حاصرتته النيران. ألسنة لهيب هادرة، عارمة، استهلكت المباني التي أحاطت بالساحة، تلتهم الخشب، وتشق وتسود الحجر، وانبعث دخان كثيف منها لدرجة علق في السماء كسحابة، تتلألأ أسفلها باللون البرتقالي من النيران التي ولدته. كان الهواء مثقلاً بالصرخات، رغم كثرة الموت حتى إنه لم يستطع تخيل من لا يزال حياً ليطلقها. اصطفت أكوام من الجثث المتراكمة كالحطب على طول الساحة، وبينما كان يراقب، كان جنود المشاة في دروع الحلق وخوذ الغلايات يلقون بالمزيد، تباً لأعينهم، بالمزيد فالمزيد من الجثث فوق الأكوام.

كان الجنود جميعاً طوالاً ونحافاً، قساة الوجوه، سود الشعور بعيون رمادية تبدو كزجاج، مسطحة ومحدقة، كأنهم لا يرون ما يفعلونه، وحملت ردائهم وردة بيضاء على حقل أزرق. بدا وكأنهم نصف حقيقيين، يتحركون كأنهم في حلم، يتلاشون ويغيبون. لم يعد البلوط الواقف أمامه ميتاً، بل كانت أغصانه مثقلة بالرعب، ثقيلة بجثث متدلية منه بمشانق، وأوراقه ذابلة من حرارة النيران. لا، ليست جثثاً، ليس كلها.

لم يُشنق هؤلاء البشر بشكل صحيح لتنكسر رقابهم وتمنحهم موتاً سريعاً. لا، بل رفس بعضهم بأقدامهم، وراحت أيديهم تخمش رقابهم، ووجوههم أرجوانية ومنتفخة، محاولين عبثاً تحرير أنفسهم، واستنشاق أنفاس ممزقة ومتقطعة. وكان بعض المعلقين صغاراً للغاية. كانت وجوههم متورمة ومنتوية لدرجة بدا مستحيلاً معها أن يكونوا بشراً يوماً. وأمام الشجرة كان فارس، ومطيهه حصان حرب أسود، درعه مصقول حتى يلمع.

فارس برداء أبيض ثلجي ملطخ الآن بالدماء والرماد. أظهر درعه ثلاث نجوم ترتفع فوق الوردة، وكانت خوذته المجنحة ذات قناع مرفوع، كاشفة عن وجه شاحب ومنهك، بعيون رمادية تبدو غير مركزة. أمام الفارس، ومضغوطاً إلى الرصيف ببساطة جنديين من المشاة، كان رجلاً بديناً وقصيراً بشعر كستنائي مشيب، ملتصق الآن برأسه من العرق. لطخت الدماء شاربه وأسنانه، وكانت عيناه حمراوين من البكاء، لكنه لم يعد يملك دوعاً بعد الآن.

لم يعد فيه شيء. حدق ببلادة إلى الفارس، لكن بدا كأن عينيه لا تريان شيئاً على الإطلاق. حدق الفارس في الجثث المتدلية من الشجرة. نظر حول الساحة، إلى أكوام الموتى، إلى النيران الهادرة، وبدا للحظة مرتبكاً، كأنه غير متأكد كيف حدث هذا كله. ثم هز رأسه وانحنى في سرجه.

قال للرجل العاجز أمامه: "هذا ثمن الخيانة، بيوفار".

بدا صوته متعباً، ولم تكن هناك ضغينة حقيقية فيه.

وأومأ برأسه نحو البلوط: "ما كان يجب أن تحاول مساعدتهم على الهرب. لكان بإمكانهم الحصول على موت أسرع وأنظف من هذا".

سأل بيوفار، مسحباً عينيه عن الأرض: "ألهذا السبب جررتني إلى هنا؟ لأرى عائلتي تُشنق؟".

تحطم شيء ما في داخله، واهتز صدره بضحكة أجشّة، تكاد تكون صرخة، لدرجة بدا معها كأن قلبه يحاول تمزيق طريقه إلى الخروج.

"بصفتك عمدة، كان واجبك ربط هؤلاء البشر بيمينهم للملكة. وبصفتك عمدة..."

تلاشى صوت الفارس، ولم تكن هناك أي قناعة فيه. بدا وكأن التعب غلبه لدرجة تمنعه من الاستمرار. نظر الرجال الذين يثبتون بيوفار إلى ضابطهم بفضول.

قال العمدة بصوت مستوٍ أوضح أنه قال ذلك مراراً من قبل: "إنها ميتة".

ثم ضحك مجدداً، ضحكة من تحطم ويعرف أنه لن يلتئم قط: "إنها ميتة، وأنت تعلم ذلك، أليس كذلك؟".

تراجع الجنود الواقفون عليه، لكنهم لم يطلقوا سراحه. نظروا بريبة إلى قائدهم.

سأل أحدهم: "أيها القائد، أهذا صحيح؟".

لكن الفارس لم يرد عليه.

"القائد رودين! أهذا صحيح؟".

بعيداً عن توبيخ الرجل على نبرته، انهار الفارس في سرجه. ألوح بيد مكسوة بقفاز حديدي بكسل وتجاهل، لكن بدا بالكاد قادراً على حشد الطاقة لفعل ذلك حتى.

قال: "إشاعة"، وكشف صوته المرتجف عن الكذبة.

صاح صوت بيوفار ليرتفع: "إنها ميتة، إنها ميتة، إنها ميتة"، وتطاير اللعاب المدمى من شفتيه، لتعود الحياة بعينيه ببريق محموم: "إنها كذلك، هي كذلك حقاً، أيها الحمقى، لماذا فعلتم ذلك؟".

هزت نصف ضحكة ونصف دموع مسعورة الرجل العجل. خطى الجنود عنه باهتزاز، بينما هوى بصوت عال وطويل لدرجة بدت معها حنجرته على وشك التمزق.

قال في همس أجش وهو ينحني منكمشاً ويشير بإصبع مرتجف إلى الفارس ومرافقيه: "أنت ملعون. سيجرّك العجوز سكراتش إلى هناك بسلاسل سوداء ويسلخ روحك للأبد، وقد فعلتم كل ذلك من أجل امرأة ميتة".

ارتفعت النيران أعلى فأعلى، وانبعث الدخان الأسود بلا نهاية ليشوه السماء، وأمطر الرماد كالثلج. كان من النجاسة رؤية هذا؛ فالمعرفة تحرق الروح. رأى مارتيميوس أعقاب الحرب والدمار، لكن معرفة أن الكثير من الموت أُمِر به لحرب ضاعت بالفعل، من قِبل رجل لم يبدو متأكداً حتى من أفعاله، وقتل الكثيرين بلا غاية تُذكر، كان أمراً أثقل من أن يُحتمل. قتل الكثيرين مع العلم أن كل شيء كان عبثاً.

لم يكن هؤلاء الجنود بشراً، بل طفيليات، كانو ديداناً. كره، كره لدرجة جعله يسقط على ركبتيه، وتحول قلبه إلى خبث حديد ساخن، أفكار مظلمة وساخنة تحفر حفرة في عقله. مد يده نحو الفارس، راغباً فقط في رؤيته يحترق، وفي استدعاء ذلك الجوع الرهيب في لحمه ذاته ومشاهدته يذبل كورقة. بضعف شديد، وباهت جداً، همس جزء منه بأن هذا غريب. فجأة، اختفت النيران، واختفى حرها الرهيب المحرق. الجثث، الصرخات، اختفى كل شيء.

كان منحنياً على أحجار الساحة في هواء الليل البارد، أمام البلوط المخنوق بالشوك، واشتعل الأسى بعنف داخله حتى رغب في الصراخ.

قال الصوت، وبدا وكأنه يهمس في أذنه تقريباً: "لا سبيل لإصلاح ما تم".

سأل مارتيميوس: "كيف أنت هنا؟".

لكنه لم يتلقَ أي إجابة. وحين تحلى بالشجاعة الكافية للنظر حوله، وجد الليل من حوله خالياً. لم يكن هناك أحد. كانت أفكاره مشوشة، فاستلقى هناك على البلاط، متسائلاً إن كان يحلم، متسائلاً إن كان سيستيقظ. الطريقة الوحيدة لكي يكون لأي من هذا معنى كانت عبر حلم. ومع ذلك شعر بأنه منجذب إلى البلوط. كان هناك شيء ما، في جذوره، عميقاً داخل الأرض، في سواد الأرض، وهناك حيث ينتمي. عميقاً في بئر الظلام الذي تغمس شجرة البلوط جذورها فيه.

كان ذلك منزله. لم يعلم مدة استلقائه هناك، ولم تتركه الأفكار الغريبة دفعة واحدة. بدت الريح كأنها تساعد. بدت وكأنها تتلاشى أمام البرد القارص الذي حملته معها، بما يكفي ليصل إليه حتى عبر ردائه، وشيء ما فيها خنق الضباب الأسود في عقله، معيداً إليه الصفاء. أخيراً، جلس لنظر بريبة إلى البلوط. كان مجرد شجرة بلوط الآن، ولم يطارده أي صوت. استقر خوف عميق في جوف معدته. التفسير الوحيد الذي استطاع التفكير فيه هو أنه كان يمشي نائماً.

مهما يكن، كانت تلك الطريقة الوحيدة لتفسير سماعه لذلك الصوت هنا. لكن لماذا؟ هل تلاعب رعب الرحلة بعقله لهذه الدرجة السيئة؟ لقد واجه خطراً من قبل ولم يحدث له هذا. لم يكن الأمر صحيحاً. شيء ما لم يكن صحيحاً. قريباً، سيعرج عائداً إلى البرج، شاكراً الحظ أن الظلام لا يزال مسيطراً، وأنه لم يوقظ أحداً بمشيه النائم. مشي نائماً، نعم. لا بد وأن ذلك كان ما حدث. دون أن يدري أن إيليس استيقظت حين ذهب للمدخل لأول مرة.

أنها تحركت لتتمكن من مراقبته وهو يمشي خارجاً إلى الساحة، ليقف أمام البلوط الأسود، ثم يتجمد ويسقط على ركبتيه. ورغم أنها لم ترَ أحداً في تلك الساحة سواه، إلا أنها رأت الأوراق التي افترشت الأحجار ترتفع نحو السماء، كأنها رفعت بفعل حرارة عظيمة.