رحلة الغرب، في الظل الفصل 1 — دروب الشياطين

اقرأ رحلة الغرب، في الظل الفصل 1 — دروب الشياطين باللغة العربية على مانجا تايم.

نصائح: هذه نسخة قديمة من القصة. إن أردت مواكبة النسخة الأحدث، فاقرأ هنا: https://www.royalroad.com/fiction/186919/wander-west-in-shadow الجزء الأول: عبر غابة مظلمة ١. الدرب المسكون في غسق غابة يلفّها الخريف، توقّف الساحر الشاب ليصغي إلى الريح. كانت تهمس بين الأوراق الآفلة، وتنتزع آخر ما تبقى من حياتها في هتافات ملونة، وتُصدر صريراً في الأغصان العظمية التي تتعلّق بها.

تعبر الشجيرات المكتظة بالأشواك السوداء، وتُثير بقايا شبحية من أوراق الشجر في دوّامات تحوم حول حذائيه المُغبرَّين والمهتراءين من السفر. ارتجف الساحر مع مرورها، إذ شدّت حافة عباءته المكسوة بالفرو الأسود، وضاعفت التفاف وشاحه الأحمر الباهت اتقاءً للبرد المتزايد. لم تكن الريح هي ما يشغله حقاً. لم يمتلك مهارة الإنصات إليها كما يبرع البعض لتوقّع العواصف ومواسم الجفاف.

بل أدرك أن شيئاً سوى الريح لم يكن مسموعاً؛ فلا تغريد طائر ولا صريف صرصور يقطع سكونها. انعدم أي أثر لصوت كحيّ في هذا الجزء من الغابة، عدا أنفاسه هو غير المستقرة. وهذا ما جعله يتيقّن، أكثر من أي شيء آخر، من عثوره على ضالّته. وقف في باحة صغيرة، في ظل صخرة رمادية ضخمة تكسوها الأشنات والكرمات المتسلقة. علت هامته، فبلغت نحو ضعفي طوله، واتسعت بالقدر ذاته. مدّ يده للمسها بقفاز واحد، فأزاح بقايا أشعّة يابسة، مُستغرقاً في التفكير، ناسياً سكون الغابة العجيب لبرهة.

اكتست بشرته بسمرة زيتونية، وتلطّخ وجهه بغبار الترحال، وتشعّث شعره الداكن الطويل وتشبّك. ارتدى لباساً جلدياً داكناً ومُهتراء، وتدلّى سيف عند خاصرته، بينما استقرّ قوس صيد فوق أحد كتفيه العريضين. رغم هدوء ملامحه، لمعت شرارة في عينيه الخضراوين الداكنتين، ولاحت ابتسامة خافتة على شفتيه وهو يتأمّل الصخرة بفضول نهم. تبيّن بوضوح أن بشراً نقشوه يوماً ما. بيد أن من حمل الإزميل قد رحل منذ أمد بعيد؛

إذ غطت الكرمات الجوانب وفتّقت شقوقها، وعاث فيها الزمن فساداً، فلم يترك سوى شبح لما كان عليه سابقاً. بدا هذا الشبح يوماً رأس تمثال هائل. تلاشت تفاصيله فتعذّر معرفة من خُصص لتكريمه، أكان رجلاً أم امرأة أم حتى بشراً. ولم يبقَ سوى إيحاء غامض بعينين وأنف، فيما غار الباقي تحت التراب وابتلعه النسيان. مكث الساحر لبرهة، عاقداً حاجبيه ومُحدّقاً بعينين ضيقتين، كأن إطالة النظر قد ترغم الصخرة على إفشاء أسرارها.

ثم تنهّد متراجعاً. لم يأتِ لأجل أي مجد باهت يمثله هذا التمثال المنسي. التفت حوله ببطء، ملاحظاً بقلق كيف أبت الأشجار الاقتراب من الباحة، فانحنت أغصانها السوداء المعوجّة بعيداً، والتوت بشكل غير طبيعي ومؤلم، خصيصاً كي لا تنبت في محيطها.

همس لنفسه: "حسناً، آن أوان المضيّ".

مدّ يده تحت وشاحه، واستلّ سيراً معقوداً يتدلّى حول عنقه، تذبذب في نهايته قفص غريب من حديد باهت ومصدّأ، لا يزيد حجمه على الدائرة التي يصنعها الإبهام والسبابة عند التقائهما. تكتّلت قطعته بكتلة واحدة بلا مفصلات، وشُقّت جوانبه بفتحات مسننة تُبين جوفه: شظية حادة سوداء لدرجة تبدو معها كأنها انتُزعت من كبد السماء ذاتها. أبقى الساحر هذه التميمة العجيبة مسطّحة فوق راحة كفّه المغطاة بالقفاز، مادّاً ذراعه إلى الأمام.

وأطال التفرّس في القفص والشظية الكامنة فيه لحظة طويلة ساكنة، محتفظاً بأقصى درجات الثبات، كاتماً أنفاسه. لم يحدث شيء. أطلق تنهيدة أخيرة، امتزج فيها خيبة الأمل بالارتياح. ولكن ما إن همَّ بسحب ذراعه، حتى انتفضت شظية الظلام الصغيرة بعنف من تلقاء نفسها. تجمّد الرجل، واحبس أنفاسه في حلقه، ومَدّ ذراعه مجدداً. تمايلت الشظية داخل قفصها ذهاباً وإياباً، بخفة بالغة في البداية، خفة توحي بأن الأمر محض صدفة، ثم تسارعت واشتدّت، ترتجّ داخل القفص بغضب وعنف، مسكونة بقوة خفية.

وحينئذ دارت في وثبات متقطعة، حتى استقرت أخيراً، مشيرة بطرفها الدقيق بحزم نحو اتجاه واحد، وثبتت. حدّق الساحر الشاب في القفص الراسي على كفّه لدهشة طالت، لكنه لم يتحرك مجدداً. شعر ببرودة تسري في قلبه، وارتجفت يده وهو يعيد إخفاء القفص الصغير تحت وشاحه.

تمتم لنفسه: "أيها الأحمق، هذا ما أردته".

لم يُجب صوته سوى أنين الريح المنخفض، مذكّراً إياه بمدى وحدته المطلقة هنا. وحقاً، لست وحدي تماماً، أليس كذلك؟ ابتلع مخاوفه ومضى قدماً، مقتفياً الاتجاه الذي دلّته عليه شظية الظلام الصغيرة. تجاوز التمثال الباهت، وعبر بحذر فوق الأشواك السوداء اليابسة المتكاثرة حوله. أخلت الأدغال مكانها لأرض صلبة، كأن الشواك نفسها كرهت النمو هنا، وحين أزاحت حذائياه الأوراق، ظهر طين داكن تنغرس فيه حصيات صغيرة، وقطع عرضية من الصخور المسطحة.

أخذ الساحر يتملّكه الفضول، كما اعتاد حين يشعر بالتوتر. دلّت تلك الصخور غريبة الاستواء على بقايا أرضية، أو ربما ساحة. وإن أحسن المرء النظر، بدت الباحة منتظمة أكثر من أن تكون طبيعية، والأرض أشد استواءً. وتناثرت أحجار أخرى بعد تجاوزه للتمثال؛ أصغر حجماً، مطمورة بأكملها تقريبا تحت الأوراق، لكنها وُضعت بدقة تتجاوز صنع الطبيعة. ربما بقايا أعمدة. أبناء بناء إذاً؟ لابد أنه عتيق للغاية، وخلا هو من معرفة التاريخ ليدرك بانيها.

مع أن العلم قد يعجز عن ذلك أيضاً. فمعظم التاريخ إشاعات وقصص متناقضة. لم تمنح هذه الأفكار العابرة عزاء يُذكر، ولم يمر وقت طويل حتى تلاشت تماماً أي بقايا فضول بشأن ماهية هذا المكان. مع كل خطوة يخطوها على الدرب الذي دلّته عليه الشظية السوداء، بدا الهواء أثقل. واجتاحته موجة اضطراب عقدت معدته. أدرك أن ثمة ما هو كائن هنا، وما كان ينبغي له أن يكون، ثمة خطب ما يرتسم أمامه ويمضي نحوه.

نهش الرعب قلبه، وتصاعد الهلع في حلقه، لكنه قاومه وأخمده قبل أن يتبرعم. لم يملك ترف الانهيار والفرار، ليس الآن. لقد وجد ضالته، والهرب في هذه اللحظة يعني حتماً هلاكه. أجبر نفسه على التقدم خطوة بخطوة، بأنفاس متقطعة، إلى أن وقف أخيراً أمام فجوة كهف. ربما كان كهفاً طبيعياً، أو ربما شكّل قديماً مدخلاً لقبو أي مبنى اندثر هنا. استحال الجزم بذلك. فإن شيده البشر، لم يتبقَ من آثرهم شيء.

ولم يعدو كونه حفرة في الأرض، تتسع ليدخلها من دون أن ينحني، وتنحدر سريعاً نحو ظلام بهيم يكاد يبتلع الضوء المسلط عليه. حدّق الرجل مطولاً في ذلك الظلام الدامس. وكأن العالم بأسره تلاشى. الغابة، والريح، والباحة، والتمثال الباهت، كلها توارت. لم يبقَ سواه، يقف عند شفا هذه الحفرة المعتمة، وكلما أمعن النظر فيها، تيقّن من أنها تمتد إلى الأبد. وإن هو هوى فيها، فلن يلقى سوى ذلك الظلام المطلق وذاته، لأبد الآباد.

همس لنفسه: "تحرّك"، بنبرة خفيضة عجزت أذناه عن التقاطها.

لكنه ظل مسمّراً، عاجزاً عن الحراك. شعر كأنه منسلخ عن جسده، يراقبه من الخارج.

هستر بالقول: "تحرك، تحرك"، وأخيراً انتفض شيء في عرُوقه واشتعل.

تراجع متعثراً عن الكهف، ثم هوى على ركبتيه ويديه، وأخذ يزيل الأوراق عن أرض الغابة. وما إن كشف عن رقعة واسعة من التراب الأجرد، حتى اختطف عصا وبدأ يحفر خطوطاً عليها؛ دوائر متحدة المركز، تلتف الواحدة داخل الأخرى. سلّ خنجره من حذائه، ودون تردد، جرح إبهامه، دافعاً بالدم ليسيل في التراب. هزّ إصبعه المجروح وعصره، حتى تكوّن بركة حمراء صغيرة تتشربها الأرض. ومزجها على عجل بالتراب، ثم شرع بتتبع العجين الداكن فوق الخطوط التي رسمها، باقتصاد.

اخترق السكون المخيف عواء خفيض محزون. رفع الساحر رأسه فجأة باتساع عينين. صدر ذلك الصوت من أعماق الكهف. لا شك في مصدره. عاجل في رسم خطوطه الآن، فيما تجمّع العرق على جبينه. استشعر الأمر أيضاً؛ ففي باطن الأرض، تحرّك شيء ما، وفي هذا المكان العتيق المهجور، اتخذ كيان شرير من الحجارة البالية مسكناً. وكأحمق تقصّاه بأمل ورعب، وإن خلا الرعب الكافي، بل قلّ الرعب كثيراً الآن وقد أحسّ به يتلوى نحو فم الكهف، قاصداً إياه، ويا له من خطأ جسيم ارتكبه...

علا العواء تدريجياً. لم يكن صوتاً يصدره أي حيوان. بدا في البداية كصفير خفيض، أو أنين يشبه هبوب الريح. وتحول أحياناً لصراخ رجل، لكنه خلا من أي شعور أو إحساس قد يكنّه قلب إنسان، بل كان عواء مبطناً مسطحاً وغريباً، امتد لفترة تتجاوز طاقة أي نفس بشري. وبدا أشبه بجرّة سخرية طويلة أكثر من كونها عواءً. امتدت الظلال، وخبا ضوء النهار الشحيح أصلاً. أغلق الساحر عينيه ليركّز، محاولاً طرد الصراخ السرمدي من عقده، ومحاولاً تتبع خطوطه في التراب بيدين مرتجفتين بينما اقترب الظلام أكثر فأكثر.

وفجأة، انقطع العواء تماماً. نهض الساحر عن ركبتيه على ساقين كافح لئلا ترتجفا، واقفاً في وسط دوائر خطّها بالوحل والدم. وبدا كل ما يراه وكأنه فم الكهف فقط، هوة في ظلام خفي. وأدرك أن هذا غير صحيح، فالأمر ليس على ما يرام، ولم يكن الظلام بالسوء الذي بدا عليه، ولو أدار رأسه لتمكن من رؤية الحجارة البالية العتيقة والغابة المحيطة به في ضوء المساء. غير أنه استحال عليه ذلك، فاستحالت عليه إزاحة نظره عن مدخل الكهف، فهناك - على حافة الضوء بالكاد - لو أنه فقط أجهد عينيه بما يكفي - ها هوذا، لقد أيقن...

دوى صوت من الظلام: "مارتيموس".

كاد يفرّ هارباً في تلك اللحظة بالذات. بدا الصوت مريباً، ومفعماً بقسوة غريبة. وامتزجت به نبرة سخرية، وشراهة، وشهوة حمراء دوت في عقله بمجرد النطق بالكلمة بصوت عالٍ. وأيقن أن هذا المخلوق سيؤذيه، بطرائق يعجز عقله عن إدراكها، إن استطاع. عجز عن الفرار. لقد فات الأوان، فات الأوان البتة. حدّق في شفا الكهف، الشيء الوحيد في الوجود، محاولاً تهدئة عقله وتنظيم أنفاسه. كل القوى المظلمة كتلك لها حدود.

ولها قوانين ملزمة بالخضوع لها. تشبّث بتلك الكلمات الحكيمة عسى أن تكون درعه. لعق الساحر شفتيه، وشعر بجفاف مطبق فيهما.

صرخ ببحة تحمل شجاعة فاقت ما أحسّه حقاً: "أنا هو، أيها الدمن. كيف عرفت اسمي؟"

تحرك شيء في العتمة، وخدش جدران الكهف. ولبرهة واحدة، ومضة واحدة، لمس مارتيموس طرف شيء رمادي شاحب قبل أن يتواري مجدداً في السواد.

تغنّى الكيان بصوت طربي غريب يشبه الغناء أكثر من الكلام: "كنتُ في انتظارك. علمتُ أنك آتٍ".

حاول مارتيموس تحريك فمه والكلام، فاستحال عليه ذلك. لها حدود. لماذا عرف اسمي؟ احتبس نفسه في حلقه، وبدا أن شيئاً يحترق خلف عينيه، مخترقاً أفكاره. توجب عليه التفوه بشيء، لكنه عجز عن استحضار الكلمات، وافتقر للشجاعة للتلفظ بها. ولم يستطع نزع عينيه عن مدخل الكهف. إنه يكذب. لم يقل أحد إنه سيعرف اسمي. لماذا... طفح صوت مروع من جوف مدخل الكهف. ظن الساحر أنه ضحك، إن صحّ أن شياطين كهذه تضحك.

وترنّم بصوت أخمد هبوب الريح: "أيها الساحر الصغير المسكين. أنت ميت لا محالة".

وكان وعداً قاطعاً. وفي العتمة، شرع شيء بالحركة.

نجح مارتيموس بهمهمة: "انتظر"، غير أن حلقه انقبض فامتنع عن النطق بالمزيد.

تعاظم الصوت قوة، ورافق ذلك شعور الحريق خلف عينيه: "أيعلم أحد؟ من يدري بوجودك؟ عائلتك؟ كلا. لا أحد. أنت وحيد تماماً، أليس كذلك".

وتوقّف الصوت، وما إن عاود الكلام حتى بدا كأنه يهمس في أذنه: "من هذه الفتاة ذهبية الشعر التي أراها خلفك على دربك؟ ربما أجدها. قل لها-"

"اصمت!"

صرخ مارتيموس وقد أطاح الغضب بخوفه أخيراً. ارتجفت يده وهو يقبض على مقبض سيفه، وعجز عن بسط أصابعه، رغم علمه بعدم جدوى السلاح هنا. اعتصر الألم معدته لدى سماع الدمن يأتي على ذكر أهله، لكنه حين ذكرها - أحس بانتهاك عظيم لجرأة هذا المخلوق على معرفة لون شعرها. كيف علم؟ كيف درى بأمرها؟ كاد يطرح السؤال جهاراً، بيد أنه أدرك عبثيته. وبذل قصارى جهده لضبط سورة الغضب في صدره. التهديدات لا تجدي نفعاً هنا، لكنه استطاع اتخاذها مستنداً للشجاعة.

ولفظ بصوت مشدود: "أنا... لديّ تقدمة لك".

لم يردّ الدمن، غير أن ما كان في الكهف توقف عن الحركة للحظة، وكأنه ينتظر. استطاع مارتيموس انتزاع أصابعه عن سيفه، وأخرج من جيب سترته تمثالاً صغيراً يكفي لملء كفه. اتخذ هيئة سمكة سلّور طويلة الشوارب، وقد مُلئ فمها المفتوح بحدقة عين محدقة. وبدا وكأنها منحوتة من سواد منتصف الليل، تماماً كالشظية الصغيرة في القفص الذي قاده إلى هنا. مدّها أمامه فوق كفه المبسوطة.

وأنشد بصوت مرتّل: "أقدم لك كل ما هو ملك لك بحق".

وتلك جزئية أدرك وجوب عدم تخطيها. امتنع عن إيحاء بملكيته لهذا الغرض بأي شكل.

"لم أكن السارق، بل العاثر عليه، وأعيده بحسن نوايا".

عمّ الصّمت مجددًا. غير أن التمثال ارتعش على كفه، مرة، وثنتين، ثم انطلق في الهواء بسرعة تفوق إدراك العين، ليختفي في ظلمات الكهف. وانتظر محتبساً أنفاسه، مترقباً لأي إشارة، أو ردّ، أو شيء ما.

هسّ الدمن بصوت كاد يحمل غضباً بشرياً: "ليس هذا كل ما تملكه وهو حق لي. أليس كذلك".

أحس مارتيموس بشيء يجذب عنقه - السير الجلدي الذي يحمل القفص وأسيره المظلم الصغير. وارتفع تحت وشاحه الآن، مرفوعاً في الهواء بقوة خفية، متجهاً نحو الكهف. انطلقت يداه لإزالته، بيد أنه انقطع قبل أن يدركه، وطار بكل ما فيه، قفصاً ومحتوى، نحو الحالك. وبعد لحظة، انطلق شيء من ذاك الظلام ليصطدم بجبهته بعنف أزهر النجوم خلف عينيه ودار العالم من حوله. ولمس دفئ الدم يسيل على وجهه فوراً، حتى قبل أن يلمس قفازه جبهته ويجدها مبللة حمراء.

ناظر قدميه ليرى ما صدمه. إنه القفص الحديدي الصغير الذي احتضن شظية الظلام، وقد تُمزق الآن، تلمع حوافه المسننة بدمه. وأدرك باشمئزاز أنه كاد يفقد عينه. سال الدم على شفتيه ودخل فمه، فبصقه. لم يسِر أي شيء من هذا وفق ما توقّع. كيف عرف الدمن اسمه؟ وكيف درى بالناس الذين يعرفهم؟ ظن أنه بمنأى عن أذاه داخل الدائرة. لعلّي هالكَ حقاً. احتفظ بكل هذه الأفكار لنفسه. واستلّ من جيب سترته منديلاً - شتبهاً بخرقة بالية - وضعه على جبينه لوقف نزف الدم.

وتألم للوجع - فجرحه سطحي لكنه قبيح. غير أن شيئاً من ذلك الألم أزاح بعض الخوف المتراكم في صدره.

صاح: "أيكفي القربان؟"

لقد ساءت الأمور بما يكفي لاستحالة توقعه القبول. تحرّك شيء في العتمة.

وجاء صوت الدمن: "نعم".

وفقد نبرته الساخرة، على الأقل مؤقتاً.

ورغم ذلك احتفظ بتلك النبرة الغريبة المائلة للطرب: "دع العاثر ينال أجرته".

برز ذراع طويل نحيل من لحم رمادي شاحب من الظلام، وكاد مارتيموس يطبق بيديه على فمه لكبح صرخة فزع. انحدر العرق على جبينه وهو يرمق ذلك الذراع المريض ممسكاً بحافة الكهف - ثم ثانٍ - ثم ثالث، منطلقاً من الظلام، خادشاً الأرض، حافراً أثلاماً غليظة في الطين. وبدت وكأنها بشرية، بيد أنها تضم أصابع كثيرة - عجز مارتيموس عن عدّها، واقتصر علمه على تجاوزها للخمسة، وربما ستة أو سبعة - بأظافر شديدة السواد.

وتشنّلت بعضلات مشدودة كالسياط بينما رفع الدمن نفسه. تغطى جسده بأسمال طويلة ملطخة، طبقات فوق طبقات، أخفت جلده بمعظمه. وارتفع شامخاً، أعلى من معظم الرجال، رغم تقوّس ظهره وانحنائه. وكان الجزء الوحيد المكشوف من جسده غير تلك الأسمال، إضافة لذراعيه، هو رأسه - رأس ثعلب يكسوه فرو أحمر فخم، لكنه يفوق أبعاد أي ثعلب. وحلّت محل عينيه حجارة سوداء متألقة، حجارة منتصف الليل، شأن أسنانه المكشوفة في ابتسامة شرسة.

ومع نهوضه، بدا العالم وكأنه يضيق مجدداً، ليزداد الضوء خفوتاً. وامتصت تلك العيون، العيون السوداء القاتمة، العالم بأسره حتى لم يعد مارتيموس يرى سواه. وكان مشوهاً. وبصرف النظر عن مظهره، شابه شيء مريب لم يقم على صواب، شيء بعث القشعريرة في عظامه، كمن يشاهد ما لا ينبغي رؤيته. وبدت حركة اقترابه منه غير طبيعية، وكأنه على وشك الانهيار في أي لحظة. وعلى سرعته في التقدم، بلا تردد، ودون حرمان عينيه السوداوين من التواصل مع عينيه، جزم مارتيموس لبرهة أنه هالك لا محالة، وأنه سيجتاح دائرته وكأنها لم تكن، وكل هذا مجرد مزحة مريضة، وسيموت صارخاً...

توقف الدمن عند حافة الدائرة التي رسمها مباشرة. ورغم علو قامته عنه، إلا أنه انحنى وتقوّس حتى استقر رأس الثعلب الغريب بمحاذاة هامته. وكأن رأس الثعلب ذاك هو المرئي الوحيد في الوجود. خفق رأسه، وغرق بصره في ظلام دامس، ولو استطاع النطق فحسب، لكن أنفاسه بدت أعجل وأكثر اضطرابا من أن تخرج بكلمة.

تلفظ الدمن باسمه وكأنه يتذوقه: "مارتيموس".

ولم يتحرك رأس الثعلب إطلاقاً أثناء النطق. ومهما تكن الأداة التي يتكلم بها، فلم تكن ذلك الفم.

"أيها الساحر الصغير. أعلم ما تبتغيه".

وأدرك مارتيموس بوهن عجزه عن تمييز مصدر الصوت إن صدر حقاً عن الكائن أمامه. بدا كأنه يتردد في رأسه، كأن جمجمته جرس يخنق أفكاره الخاصة.

"لقد فقدت طريدتك. وتطلب رؤيا ترشدك لدربك".

أنطق بصعوبة بالغة متجاوزاً لساناً بدا سميكاً: "نعم".

والحق يقال، إنه كاد ينسى أمر ذلك تماماً. كاد. وأجبر نفسه على ملاقات نظرات الدمن، محاولاً تجميع شتات أفكاره. قوانين ملزم بطاعتها. الدمن مدين له.

وكرر صوته المتصاعد قوة: "نعم، نعم. هذا ما أبتغيه".

كان صمتاً طويلاً ثقيلاً هو الرد الوحيد. وأدرك اقتراب الدمن بمسافة تجعله يشعر بأنفاسه لو تنفّس. لكنه خلا من الأنفاس؛ بل بدا ساكناً، لدرجة مثالية ومستحيلة، حتى تناهى إلى ظن مارتيموس المتهور توقّف الزمن. فما من كائن، أو شيء حي طبيعي، يظل بهذه السكونية المطلقة. ستعلق هنا، مجمّداً هنا، للأبدية برفقة هذا الدمن.

تردد صوت الدمن في عقله حين ظن فقده للأمر: "دمك. أنا بحاجة لدمك لأجل هذا".

ومدّ يداً رمادية منمشة، بأظافر سوداء حادة كالمخالب، دون أن تعبر الدائرة. تساءل مارتيموس لو كان تهديداً، غير أن الدمن انتظر صابراً لردّه. دمي؟ تذكّر على عجل المنديل الموضوع على جرح جبينه. فسحبه ليجده غارقاً، أحمر ومتبلاً، وسال قطران جديد على وجهه، وإن قلّ عما قبل. وحرصاً على عدم تجاوز الدائرة بنفسه، أسقط المنديل نصف إلقاء في قبضتي الدمن المنتظرة. بسرعة السوط، قرب الدمن ذلك المنديل إلى وجه ثعلبه المشوه، وتنفس بعمق؛

ومرّر لسانه فوقه، متذوقاً إياه، متذوقاً دمه. ورفع خطمه نحو الهواء، واستنشق كمن يتعقب أثراً في الريح.

وحين تكلم، بدا هادئاً، مستكيناً بشكل ما: "أرى دروبك، أيها الساحر الصغير. تتراقص معاً. نعم".

ولاحظ أن خطمه تلطخ بدمه. ومكث هنيهة نافخاً أنفه، كمن يستمتع بطعمه.

"أقل من عشرة أيام من السفر. جنوباً. عند شواطئ البحيرة الكبرى لنست دريم، ستجد قرية سيلفرفيش المللوعة. وهناك ستعثر على الأثر مجدداً".

انتظر مارتيموس إضافات أخرى.

ولما تبيّن عدم حدوث ذلك، ابتلع ريقاً يشبه الغبار، وسأل بصوت أجش مبحوح: "أي نوع من اللعنات؟"

غير أن الكائن لم يجبه. فاكتفى بخفض خطمه المتلطخ بالدماء، بابتسامة رأس الثعلب الشاردة، وابتسامة ماكرة، بعينين سوداوين مسطحتين. أدرك مارتيموس وجوب تقبل الأمر؛ والأخذ بما أوتي من حكمة والانصراف. وتاق جزء منه لرحيل الدمن. وما زال مسيطراً على بصره، مشوشاً لأفكاره ومموهاً لرؤيته، مخفتاً للضوء، جائراً بعينيه نحوه كلما حاول إبعاد نظره. ولعله يعتبر اعتبار النقصان في الإرشاد إهانة.

ورغم ذلك سأل ما اشتاق لسانه لنطقه: "ألست قادراً على إخباري بشيء آخر؟"

بد وكأن خطمه المبتسم يضحك، كاشفاً عن مزيد من الأنياب السوداء، ولسان رمادي مترهل. ومهما بلغ إشراق فرو رأس الثعلب، إلا أنه بدا ميتاً من الداخل.

أحرق صوت الدمن أفكاره: "أحد ما يقتفي أثرك، مارتيموس. أحد ما يمشي في ظلك".

ثم، قبل طرح السؤال، توارى الدمن. وكاد مارتيموس يتعثر لتمايل العالم حوله. وتلاشت فجأة ثقالة وجود الدمن في جمجمته، ومعها شعور الاشمئزاز، والإحساس بملامسة شيء قذر. وبدا العالم أقل ظلمة - أو، بأقل مما ينبغي، وقد شارك ضوء النهار على الانتهاء. واستشعر هبوب الريح ثانية، وفقد الكهف جاذبيته التنويمية. وأصبح محض حفرة في الأرض. مع ذلك، عجز مارتيموس عن دفع القلق. لقد اختفى الدمن ببساطة، حاضراً في لحظة، غائباً في التالية.

وأدرك، ناظراً لشفير الكهف، تلاشي آثار مروره. فقد حفر الكائن أثلاماً طويلة في الأرض أثناء خروجه من الكهف، غير أنها بدت الآن مستوية، كأن شيئاً لم يمسها. وساوره شكّ جامح حول حقيقة وجود الدمن هناك أصلاً. وضع يده على جبينه وتألم. لمس لحماً طرياً، وبداية تكون القشور. كان ذلك حقيقياً، على الأقل. وشّم رائحة احتراق، فخفض بصره وتسارع نبض قلبه. تلك الدائرة التي رسمها على أرض الغابة بمعجون التراب ودمه، احترقت في الأرض الآن، كأنها اشتعلت بالنيران حوله.

حدّق مارتيموس في هذا لبرهة، ثم دلك الدائرة بحذائه. غاب عنه وقت للتأمل. حلّ الظلام، وتعين عليه الإسراع في المشي لبلوغ معسكره قبل تمامه. وبنظرة أخيرة للكهف - ظلام هناك، لا غير - انطلق، تاركاً خلفه الباحة والتمثال البالي المنسي، مخترقاً بساقيه الطويلتين الأدغال الشائكة بمهارة، أهدأ من الريح. تفكير صارم: مضيعة للوقت، ومميتة أيضاً. لم يفعل سوى حثه على مواصلة الدرب الذي يسلكه أصلاً.

وبصرف النظر عن الدمن، لربما بلغ نست دريم وسيلفرفيش مطافه عاجلاً أم آجلاً. بصق، معدلاً وضع عباءته، ثم تنهّد. ولم تكن عديمة الجدوى تماماً، كما علم. بات يعرف التوجه المباشر هناك، والتلعثم في سيلفرفيش بغية بلوغ بغيته. وتعلم، فكر، بأن أحدهم يقتفي أثره. تذكّر آخر ما تفوه به الدمن وتوقف. اقترب الغسق جداً، وبوسع ظلال الغابة العميقة إخفاء أي شيء. لم قد يلاحقه أحد؟ ومهما كانت دواعيهم، فلن تكون حميدة.

وبثبات يفوق ما أحسّه، خلع قوسه عن ظهره. ساحباً الذراع المدمجة لتعشيقها، انزلق السهم في الأخدود. كانت صغيرة وضعيفة، لكنها أدت الغرض في الصيد. وبإمكانها قتل رجل، من مسافة قريبة. تقدم متسللاً، وإصبعه على الزناد، مستعداً لإطلاق النار على أي متحرك، مجهداً عينيه في كل ظل، ووجيب قلبه يتسارع مع كل صريف غصن. ورغم البرد، أحس أنه عرق داخل ملابسه طوال عودته للمعسكره. على حاله.

وما هو إلا حلقة حجارة رصفها حول رماد نار، وتدلى جرابه الجلدي من أغصان شجرة واطئة. متنهداً، أزال السهم، وترك التوتر يغادر الوتر. وتوقع في قرارة نفسه انتظار أحدهم لعودته. إن كان أحد يلاحقه، فلم يرصد أي أثر له، ولم يكن مهملاً. علم بخطورة هذه الغابات، وتحديداً منفرداً. وإن لاحقوه، فمنذ متى؟ توافرت لهم فرص وفيرة للسرقة طوال غيابه، ومع ذلك استقر جرابه حيث تركه. وتأكّد منه لليقين، فبدَا سليماً تماماً دون فقدان أي شيء.

أيمكن أن يكون الدمن قد كذب عليه؟ لمتعة الخداع البحتة؟ لم يستبعد الأمر عن الكائن، غير أنه دخل في إطار رؤياه، ولن يكذب بشأن ذلك. قوانين وجب الخضوع لها. أو لربما لم يكن جزءاً من الرؤيا. بل سؤال إضافي طرحه في الختام، بعد كل شيء. جهل مارتيموس الأمر، غير أنه رجح كونه مخدوعاً. مع ذلك، أحجم عن إيقاد النار تلك الليلة، ونام مسنداً ظهره لجزع شجرة ساقطة متروكة، لافاً عباءته بإحكام وهمس لها بكلمات تحافظ على جفافه ودفئه ضد البرد.

ورغم الحمايات التي نصبها للإنذار باقتراب أي كان، وجد نفسه مرهف الأذن لأي صوت في عتمة تلك الليلة القمراء. واستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يغرقه النعاس أخيراً.