4. الساحرة – أهلاً بك أيها الغريب. هكذا قالت. صوت خشن. صوت امرأة. كان ظلها وحده يبدو في عمق العتمة. انصرف ذهن مارتيميوس لسبب ما نحو صوت المطر وهو ينهمر برفق على السقيفة. شعر للحظة كأن أحدهم قبض على قلبه وكأنّه على وشك أن يطفو مبتعداً. اتجهت يده نحو سيفه ببطء. قد يموت في اللحظة التي تلامسه فيها. وربما يموت في الحالين. لم يجب. لم يدْرِ ما يقوله، ولم تقل هي شيئاً بدورها. ساد صمت طويل ومكهرب الجو بينما التوت معدته الماً.
تمكن منتمتمةً وأخيراً: "من أنت؟"
– لا سوى عجوز شوهاء تأمل التدفئة قرب نار مسافر طيب.
هكذا جاء الرد. تحرك الشكل في العتمة مشيراً إلى حلقة الحجارة وإلى الحطب الجاف الذي ركمه مارتيميوس هناك.
– مجرد قليل من الدفء أيها الغريب، إن كنت بهذه الكرم.
حدق فيها مارتيميوس، غير أن الشكل اكتفى بمبادلته النظرات مترقباً. ظن أنه يكاد يلمح وميض عينيها في الظلال. ماذا كانت تفعل؟ من الواضح أنها لا تريد أذاه، ليس الآن على الأقل، ولكن لماذا؟ أكانت تكسب الوقت ريثما تصل شياطينها؟ عليه الفرار. عليه الفرار الآن. لكنه في لحظة فراره تلك، قد تقيده أو تقتله بالفن. استسلم في النهاية لجهله بما يجب فعله، وفعل ما اقترحته. مارس الفن بين الأوراق الجافة والحطب في حلقة الحجارة، مستثراً الجوع الموجود دائماً، في كل مكان، وفي كل شيء.
البداية هي أصعب جزء في إشعال أي نار. بناء هذا الجوع من مجرد همس ضئيل ليصير شيئاً يجعل الأوراق تتوهج يتطلب جهداً أكبر بكثير من بناء الجوع ذاته من أوراق متوهجة إلى نار مضطرمة. تصاعد خيط دخان من الوقود، ثم وميض لهب أصفر، وفجأة انفجر الهواء الساخن لتشتعل نار المخيم بهجة. عندما اشتعلت النار، تبددت الظلال في توهج برتقالي، وتبين مارتيميوس المرأة التي يحدثها للحظات معدودة.
كانت ترتدي طبقات فوق طبقات من الثياب الرثة الملفوفة حولها، وقبعتها منخفضة لدرجة أن كل ما استطاع رؤيته هما وميضا عينيها المنعستان على ضوء النار. غير أن يديها كانتا متيبستين ومعقّدتين بفعل الشيخوخة، ووضعت على إصبع معوجّ خاتماً كبيراً داكناً. مجرد لمحة، ومحة وحيدة، ثم احترقت النار كالمعتاد، وأخفتها ظلالها الراقصة بقدر ما فعلت العتمة الدامسة تقريباً. رغم ذلك، استرخى مارتيميوس بنسبة ضئيلة.
بدا وجود النار بينه وبينها مريحاً. بمقدوره فعل أشياء بالنار إن دعت الحاجة. يمكن توجيه ذلك الجوع نحوها.
– آه.
هكذا قالت العجوز.
– إذن أنت تعلم شيئاً من الفن.
مدت يديها لتدفئتهما على النار. كانت أظافرهما أشبه بالمخالب، سميكة وصفراء. أجاب بوجه جامد: – القليل هنا وهناك. مثلك تماماً.
– متواضع حقاً.
وفطن. بدا صوتها مستمتاً للغاية.
– لكنني لا أعرف كيف أتعامل مع اللهب.
مواهبي تكمن في مكان آخر. رفعت رأسها إليه، ليرقص ضوء النار في عينيها.
– ألن تجلس؟
كاد لا يفعل. كان كل شيء ليأخذ منحى مختلفاً تماماً في تلك اللحظة بالذات. كانت خطة تتبلور في عقله طوال اللحظات السابقة. خطة لاستخدام الفن على اللهب وتوجيهه نحو العجوز لتحريقها إصابة بليغة تفضي إلى موتها إن استطاع، وإن لم تفعل، فستتكفل ضربة سيف خاطفة بالإجهاز عليها. إن حالفه الحظ، فستموت قبل أن تملك القدرة على التفكير في رد الصاع بصنعتها. وحينها يستطيع الفرار قبل وصول شياطينها.
شد عضلاته وتهيأ، مستعداً لغمرها باللهب، واستلال سيفه وغرسه فيها. كاد يفعل هذا فعلاً، ثم لسبب عجز حتى عن تسميته، قرر العدول عن ذلك. ربما لأنه درى أنها حظيت بفرصة لقتله، لا بد أنها حظيت بها، ومع ذلك لم تفعل. وربما لأنه ببساطة لم يستطع حمل نفسه على قتل شخص يعامله بود، حتى وإن عنى ذلك حياته، وحتى وإن أدرك أن ذلك حمق محض. وربما لأن فكرة تعاونها مع الشياطين كانت مجرد تخمين، ولم يرغب في إدانة شخص بالموت بناء على تخمين.
أو ربما لأنه كان أجبن من الإقدام على ذلك، لاعتقاده بأن فرصة فشل خطته تتجاوز النصف. مهما كان السبب، وعوضاً عن مهاجمتها، جلس متربعاً على رقعة مسطحة من الأرض. أصدرت صوتاً استحسانيّاً، وبدت راضية بذلك.
– أيمكنني إثقال كاهلك بالمزيد من الطيبة أيها الغريب؟
ألا تمتلك حصة طعام إضافية تملأ معدة عجوز؟ فحص مارتيميوس حقيبته والأرنب الميت، وكان الاثنان في متناول يده.
– أملك الأرنب الذي نويت طهيه، وبعض الجبن والخبز.
لكنه قاسٍ للغاية. أجابت العجوز: – أسناني ما زالت سليمة أيها الشاب. فتش مارتيميوس مخلاته وقذف إليها ببعض منه. التقطت الخبز ببراعة مدهشة وسرعان ما اختفى في الظلال تحت قبعتها. وبينما كانت تأكل مطلقة أصوات رضا خفيفة، فتش في مخلاته واستخرج غليوناً طويل العنق. لم يجسر على التدخين في الأيام القليلة الماضية، خشية أن يوشي به الضوء والرائحة. فكر بسخرية مريرة: *إن كانت تنوي قتلي فعلاً، فليستمتع بالأمر للمرة الأخيرة*.
انتهت العجوز من الأكل بينما وضع الوعي ووجه فنه نحوه لإشعاله. قالت وهي تنفض الستات عن يديها: – شكراً لك. أنت طيب جداً لشاب. وبماذا أناديك؟ لم يجبها مارتيميوس. حدق بها بصمت، ينفث من غليونه. أخذ شهيقاً طويلاً ونفخ سحابة من الدخان في الهواء، مراقباً تشكيلات رقصاتها وهي تبهت ببطء. سأل بهدوء: – لماذا كنت تتبعيني؟ ضحكت العجوز. ضحكة فقاعية، حيوية ونشطة، كادت تجعلها تبدو كامرأة أصغر سناً.
– باشرت بالأمر مباشرة!
إنه الفضول البسيط أيها الشاب. أنت المسافر الوحيد الآخر الذي رأيته في هذه الغابة. لم يكن هناك مفر من السؤال.
– والشياطين التي أرسلتها لقتلي؟
أكان ذلك فضولاً بسيطاً أيضاً؟ أصدرت النار طقطقة، وصمتت للحظة طويلة وهي تحدق به.
– أرسلتها؟
لقتلي؟ بدت مندهشة بصدق.
– ماذا؟
لا علاقة لي بتلك الكائنات البغيضة. ضحكت مجدداً، وإن بدا صوتها هذه المرة غاضباً ومشككاً، ذو حافة حادة ومضطربة.
– ليس لديك أي فكرة.
أنا من كنت أردها عنك، إن كان ولا بد. مضغ مارتيميوس عنق غليونه، مفكراً في كلامها. بدت صادقة، على أقل تقدير، لكن العالم يعج بالكذابين الماهرين. وبعد الأيام القليلة الفائتة، لن يتخلى ببساطة عن حذره.
– وكيف كنت تردينها عني؟
لوحت الساحرة بيدها، فاهتزت الظلال المتراقصة على جدار السقيفة. تغيرت، متبدلة الاتجاه، تتراقص معاً، وتزداد عتمة وصلابة، قبل أن تتشتت مثل الدخان، تتهاوى وتتداخل، تزهر وتتفارق. كان الأمر جميلاً بشكل غريب مراقبة ذلك؛ وذكّر مارتيميوس بعاصفة ثلجية هادئة، رغم عجزه عن تحديد السبب. قالت له العجوز بصوت هادئ أيضاً، وكأنها تحترم المشهد الذي صنعته: – أملك بعض المهارة في الوهم ونسج الظلال.
تلك المخلوقات المقيتة… الشياطين كما تسميها… بدت مصممة على تعقبك. ولا شك أنها كانت ستعقبني لو رأتني. لكن حين تجمعت، جعلت الظلال تتراقص في الليل ففرت. أكثر من مرة شتت من المرجح أنها كانت فرقة تعقب لتطاردك. تباطأت حركة الظلال غير العادية، متفسخة؛ واصطفت كجنود يتخذون مواقعهم، حتى نسيت رقصتها وسارت مجدداً على إيقاع نار المخيم. شعر مارتيميوس بحزن غريب لنهايتها، لكنه حول ذهنه سريعاً عن الجمال الآفل.
إذن، الشياطين لم تكن تتبع لها، أليس كذلك؟
– كم عددها التي رأيتها؟
– قط لم تكن أكثر من ثلاثة معاً.
وأنت؟
– واحد.
وقد قتلته. كانت قصة ملائمة لها، أليست كذلك؟ بعيداً عن رغبتها في أذاه، فقد كانت بطلته فعلياً. وأية طريقة أفضل لكسب ثقة أحدهم؟
– أتعرفين ما حدث لكوكتون برات؟
حدقت به ببساطة، وقد توارى تعبير وجهها في العتمة.
– كان صياداً.
عاش في… آآه… كاد يقول المنزل الذي طاردتك قربه، لكنه ما إن همّ بالمضي حتى هزت رأسها.
– لم أرى شخصاً آخر منذ زمن ليس بالقصير.
ولم أرهم مع جثة قط. أظن أنه ربما هرب. راقبتهم ليوم أو يومين. بدا عليهم الخوف حقاً من الاقتراب من ذلك المنزل. لقد راقبتهم؟ حتى وهي متسربلة بالظلال، كان مراقبة جماعة من الشياطين عملاً شجاعاً، أو حمقاً. أو أنها بلغت من القوة في الفن حداً جعلها لا تشعر بالخوف جراء فعل كهذا.
– إن كنت فضولية ولم تبغي أذاي، فلم فررت مني؟
لقد ركضت برشاقة تحسد عليها لعجوز. شخرت الساحرة رداً على ذلك.
– أتراني كنت لتبقي ثابتاً لو هاجمك رجل يضاعف حجمك؟
ظننتك تنوي شطري نصفين. ألن تخبرني باسمك؟ إن كانت خائفة منه إلى هذا الحد، فلماذا هي هنا الآن؟ كانت تتجسس على الشياطين، لكنها بدت معتقدة بأنه يستطيع قهرها بسهولة لو سنحت له الفرصة. ما لم تكن هذه لعبة ما، حيلة من حيلها… هز رأسه. بدأت خيوط تفكيره تتعقد أكثر من اللازم، وغالباً ما كانت تلك علامة على إفراطه في التفكير. ربما كانت صادقة، إلى حد ما. وأدرك، مذهولاً، أن جزءاً منه لم يرغب في أن تكون صادقة.
لأنه إن كانت تقول الحقيقة، فإن ما كاد يفعله بها قبل لحظات فحسب… تمتم، غارقاً في تفكير عما كان ليحدث: – أدعى مارتيميوس. مارتيم، اختصاراً. تنهدت العجوز: – مارتيميوس. وكأنها تستطعم الاسم. سحبت يديها المعقوفتين والمعقّدتين إلى خرقها، حتى لم يبدو منها سوى عينيها البرّاقتين على ضوء النار.
– حسناً يا مارتيميوس.
يمكنك مناداتي إليز. لقد أجبت عن أسئلتك، وعليك الآن الإجابة عن أسئلتي. ما الذي أتى بشاب طيب مثلك إلى غابة مظلمة كهذه؟
– مجرد هائم.
قرع مارتيميوس رماد غليونه على صخرة مسطحة، مستخْرِجاً مكشطة حديدية صغيرة من حذائه لنقش ما تعذر عليه نفضه. على فرض أنها تقول الحقيقة، بل وعلى فرض ذلك، فهي تظل شخصاً تعقبه. حسناً يفعل بتذكر ذلك. ربما لم تكن الشياطين من صنعها، لكن ربما كانت تضمر له مقاصد غريبة. أعادت العجوز قائلة: – مجرد هائم؟ والشك بائن في صوتها.
– همم.
لا يبدو لي أنك هائم. لقد راقبتك، ويبدو لي أنك تتحرك لغاية. توقف مارتيميوس عن الكشط، وشعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري. استأنف عمله ضاحكاً بمرح: – منذ متى وأنت ترقبيني؟
– أوه، منذ أن دخلت الغابة.
الأمر يسير للغاية بمواهب مثلي. ليلاً نهاراً، حين لم تكن تمشي لمسافات ظننت معها أن قدمي ستسقطان إن تابعتهما. وجد عقله يهرول عبر فترته في الغابة. كم مرّة راقبته يا ترى؟ تساءل عما إذا كانت قد تجسست عليه وهو يستحم في جدول لوب. لم يكشف بريق عيني العجوز عن شيء. تمتم: – لست متأكداً من أنني أقدر ذلك، أيتها العجوز.
– إليز.
أملت العجوز رأسها بفضول.
– أنا…
كان المقصود طمأنتك. لو أردت أذاك، لاستللت لقطع حنجرتك وأنت نائم منذ أمد بعيد. كانت تلك أفكاره الخاصة بشأن المسألة في أوقات عدة، لكنها قطعا كانت عبارة غريبة تقولها لشخص تحاول تهدئته. أكانت تهدده؟ أبعد مارتيميوس غليونه، وانحنى إلى الأمام لتدفئة يديه على النار.
– ولماذا أنت في هذه الغابات؟
بخلاف مراقبتي. تخوصرت العجوز في الظلال. لمح ساقاً باهتة، ملساء بشكل مفاجئ، بينما عدلت إليز وضعيتها، قبل أن تختفي مجدداً داخل الظلال.
– لنقل إنني هائمة بنفسي.
ولكن حتى لمن تملك معرفة بالفن… لقد رأيت مدى خطورة هذه الغابات. أردت معرفة ما إذا كنت ستصلح رفيق سفر مناسباً. رمش مارتيميوس. لم يدرِ ما الذي توقعه، لكنه لم يكن ذلك. لم يجبها. عوضاً عن ذلك، تنهد ونظر إلى السماء. أعلن: – أنا جائع. سأقوم بطهي ذلك الأرنب. لم تعترض، ولم تقل شيئاً البتة، بينما استل سكينًا من حذائه وباشر بسلخ فريسته وإعدادها. اقتصرت على المراقبة بصمت. تماماً كما فعلت لا بد عندما كانت ترقبه من الغابات.
لم يكن ما قالته مفاجئاً حقاً. إنه هوس الترحال. شعور أحس به كل من اتخذ دراسة الفن غاية؛ الرغبة الملحة في ترك الوطن والانطلاق في العالم، نداء البراري، الطريق، الدرب، الشراع. يشتد هذا النداء غالباً لدى الشباب، لكنه سمع أنه لا يغادرك حقاً. ليس بغريب إذاً أن تجد عجوزاً يغريها مجدداً. المريب هو سبب رغبتها في مرافقته. ولماذا تعقبته؟ عجز عن منع ذلك الفكر من الاستقرار في ذهنه.
حتى وإن أرادت رفيقاً لذراع سيف قوية، فلماذا اختارته هو، في قلب هذه الغابات؟ ألم تكن مستعدة عندما انطلقت لأول مرة؟ ربما كانت كذلك. ربما كان لها رفيق سابق، وحصل… شيء ما لهما. وجد عوداً متينة، وسرعان ما جعل الأرنب مشكوكاً ومشوياً. قرقرت معدته، فعبس ملقياً نظرة عليها. ربما كانت تتوقع منه المشاركة. قالت إليز فجأة، وكأنها قرأت أفكاره: – لست صيادة سيئة. لم أحتج للحم يوماً. وأظن أن عليك أن تأكل أفضل حال أردت مرافقتي لأصطاد لكلينا.
لم يرد مارتيميوس. جلس مجدداً وجذب حقيبته نحوه. على صخرة مسطحة، بدأ بصف الخبز، والجبن، والمخللات لوجبته. سأل أخيراً: – لماذا قد ترغبين بي رفيق سفر؟
– لم لا؟
ضحكت مجدداً. تساءل عما إذا كان ذلك الروح المرحة يرمي لتهدئته.
– اثنان بالفن أفضل من واحد، أليس كذلك؟
أم أنك استمتعت بوقتك وحيداً؟ لولا أنا لكنت واجهت أكثر من شيطان واحد بالتأكيد. أتهديد خفي آخر؟ أم أنها سليقة الطبع فحسب؟
– أنت لا تعلمين حتى إن كنت مسافراً في نفس اتجاهك.
– حسناً إذن.
في أي اتجاه تسافر؟ توقف مارتيميوس، وتفتت الخبز الذي قبضت عليه أصابعه. لم يكن متأكداً من رغبته في إخبار هذه العجوز عن وجهته. لكن إن نجحت في تتبعه حتى هذا الحد، فما أهمية ذلك؟ ستنتهي بمعرفة ما أراد أم لا. وقد تكون هناك كلفة للكذب على ساحرة مثلها. قال: – جنوباً. أملت إليز رأسها مجدداً.
– وما الذي يدفعك جنوباً؟
– سألت دولميك.
تمتمت العجوز بتقدير لنفسها، صامتة لحظة بينما طقطقت النار ورقصت الظلال على جدران السقيفة. وحين تكلمت مجدداً، بدا صوتها معجباً ومستحسناً إلى حد ملائم.
– لا بد أنك تمتلك معرفة لا باس بها بالتعاويذ لتحمي نفسك من دولميك وتفوز برواية.
لم يكن مارتيميوس واثقاً تماماً من أن تعاويذه فعلت شيئاً يذكر ضد الدولميك. صحيح أنها لم تتحرك داخل الدائرة التي رسمها. لكنها اقتربت حتى حافتها تماماً، وكان لديه انطباع جلي بأن المخلوق كان بمقدوره قتله دون عناء الدائرة. ألم يره حقيقة بأن كتاباته لم تحمه من الأذى؟ ما زال يحمل الجرح في جبينه جراء رمي الشيطان بقايا تعويذته عليه. كاد ينسى الأمر مع كل ذلك الهرب والجروح الأكثر إيلاماً في جنبه.
أجاب بحموضة: – هذا ومحبة الحظ.
– همم.
أومأت إليز، وكأنها عبارة حكيمة حقاً.
– وماذا تأمل أن تجد في الجنوب؟
كشر مارتيميوس. لم تكف عن إلحاحها.
– بحيرة نيوست دريم العظيمة، وقرية سيلفرفيش.
صفقت الساحرة بيدها، ففاجأته. استغرق لحظة ليدرك أنها علامة على سرورها.
– نيوست دريم، نعم — أود حقاً السفر إلى هذا المكان.
لقد قرأت عنه في الحكايات والقصص. يسعدني مرافقَتُك إلى هناك. أيها الشاب. حكايات وقصص، أهذا كل ما في الأمر؟ لم يسمع قط عن أية حكايات عظيمة لنيوست دريم نفسه، رغم سماعه شظايا مذكورة في قصص أخرى. حكايات عن وحوش في البحيرة، وإحدى قصص الساحرة الأوريلية فيريلاين فالوار أشارت إلى أنها اتخذت عشيقاً بالقرب من هناك. تذكر وقتاً فكر فيه باتباع أساطير العالم، وبرؤية ما قرأ عنه في القصص.
وظن أنه قد يرغب في ذلك يوماً ما. ومع ذلك، فضل ألا تتبعه عجوز وسااحرة. قد لا تنوي أذاه، ليس فوراً على الأقل، لكنها بدت أغرب من أن تُؤتمن. لم يعتقد أنها أرسلت الشياطين خلفه، لكنه وجد حضورها مقلقاً. المشكلة تكمن في عدم وجود طريقة سهلة لرفض عرضها بلطف، حين تكون مصرة إلى هذا الحد، وقد يكون الأفضل عدم إهانة ساحرة تتبتعته سراً طوال هذه المدة. بإمكانه تحذيرها، مخبراً إياها بأن القرية ملعونة…
لكن ذلك قد يستجر المزيد من الأسئلة التي لم يشعر برغبة في الكشفي عنها لها، مثل سبب توجهه نحو قرية ملعونة أساساً. عليه أن يكون ذكياً في التخلص منها. ربما حين تنام الليلة، يتمكن من الإسراع بالرحيل، ووضع أثر مزيف لتتبعه. تمتم أخيراً، وعقله يضج بأفكار عن كيفية التخلص منها: – أظن أنه إن أردت، يمكننا السفر معاً. حسناً إذن. قالت إليز: – جيد. ثم انحنت مقتربة من الظلال، وكاد مارتيميوس يقفز على قدميه.
ما كشف عنه ضوء النار لدى اقترابها لم يكن عجوزاً شوهاء بالية، بل شفت امرأة شابة بشرة باهتة وبيضاء، وشعر أسود طويل وثخين، ملتف ومعقود بأوراق، ينزل حتى خصرها تقريباً. بيد أن إحدى يديها ما زالت ترتدى الخاتم الداكن الكبير الذي رآه على يد العجوز. غمزت له بعينين زرقاويين داكنتين بشكل مذهل، ورمته بابتسامة ماكرة وراضية جداً عن نفسها.
– والآن، أستشارك ذلك الأرنب؟
حين حدق بها مارتيميوس صامتاً بحيرة، ضحكت.
– لقد كان وهماً!
ألم تسمع بهذا الفن؟ رد مارتيميوس بحدة نوعاً ما، بعد أن استعاد وعيه: – أنا أعرفه. أدار الأرنب على السيخ؛ وبدأت رائحته تسيل لعابه، لكنه لم ينضج بعد.
– بما يكفي لأخفي نفسي، نوعاً ما، وربما أقوم ببعض الحيل الأصغر حين أركز.
لكني لا أظنني قادراً على التنكر بهذا الشكل المقنع. يتطلب ذلك مهارة عظيمة. لكن لم تفعلين هذا؟ تألقت إليز تحت المديح، واتسعت ابتسامتها أكثر.
– أوه، ليس بالأمر الصعـْب.
قالت محاولة إبداء اللامبالاة وفشلت بترك انطباع مقنع.
– البقاء مختبئاً في الظلال يقوم بمعظم العمل.
أشك في أنني استطعت خداعك في الضوء الجيد. أما عن السبب، إذن… توقف، واضعة إصبعها على شفتيها بتفكير.
– أردت معرفة نوع الرجل الذي أنت عليه.
أردت التأكد من أنك لست متبجحاً. وأنك طيب بما يكفي لتقديم العون لعجوز محتاجة. و… هنا، ألقت بشعرها بدراماتيكية وتكلمت بسخرية: – أردت التأكد من أنك لن تصحبني لمجرد جمالي الفاتن. حدق بها مارتيميوس مجدداً وعضّ على لسانه. كان ذلك مقتطفاً من قصة لفيريلاين فالوار التي كان يعرفها. وفقاً للقصة، استأجرها لقط إقطاعي محلي لردع اللصوص الذين عاثوا فساداً في إقطاعيته، لكنها عندما تحدثت إلى أهله وجدت الكثيرين منهم يعطفون على اللصوص أكثر من اللورد الذي يفرض ضرائب تفوق ما يجنيه اللصوص بكثير.
وللحكم على أخلاقهم، تنكرت فيريلاين في زي عجوز تجوب الطرقات ليلاً. وحين وجدها اللصوص وعاملوها بلطف، كشفت عن هويتها وتحالفت معهم.
«فأيّ كان قد يستميله جمالي ورشاقي لفعل معروف معي، وحدَه من يعامل عجوزاً حسناً يملك روح الإحسان الصادقة».
ثم اتخذت فيريلاين رئيس اللصوص عشيقاً لها. يحدث ذلك كثيراً في قصصها. أن إليز لم تكن عجوزاً قط — لم تبدُ أكبر منه سناً، وربما كانت أصغر من ذلك — جعل بعض قصتها يبدو منطقياً. لا بد أنها لم تكن متبحرة في الفن إلى هذا الحد في هذا العمر؛ لقد كانت صادقة بالتأكيد في عدم إرسالها الشياطين وراءه. ورغبتها في السفر معاً أصبحت أوسع منطقية الآن، مع العلم أنها لم تكن ساحرة عجوزاً في ذروة قوتها.
وكانت في السن، مثله، الذي يستبد فيه هوس الترحال بالقلب بشراسة، وربما لم يكن غريباً ألا تبدو ذات وجهة محددة وأن ترغب فقط في السفر بأمان. أخبرها جافاً: – الفتانة مبالغ فيها بعض الشيء، أليس كذلك؟ كيف لي أن أعلم أنك لا ترينني وجهاً زائفا؟ ربما ما ترينني إياه الآن وهم، وما رأيته سابقاً كان الحقيقة. تحركت إليز أقرب إلى النار، ثم رفعت كمّاً ومدّت ذراعها إليه. بريق الخاتم الداكن على يدها تلألأ في ضوء النار.
– امنحها قرصة.
من الأعباء خداع حاسين لا حاسة واحدة. قد يكاد اللمس مستحيل الخداع. سمع مارتيميوس أن الأمر كذلك. عبس، ثم خلع قفازيه ليتلمس ذراعها. ظن أنها لا تشبه ذراع عجوز؛ كانت ذراعها ملساء وصلبة. اعترف: – لقد كان مثيراً للإعجاب إذن. حتى ضوء النار بدا كـ… رفع نظره إليها وتجمد. كانت إليز تحدق في يديه على ذراعها بعينين واسعتين، وكأنها تحدت نفسها للوضع أطرافها في فكين ذئب وتتساءل إن كانت ستفقدها.
تركها فوراً.
– لم أكن أقصد إخافتك.
– إخافتي؟
بدت إليز مهانة، لكنه لاحظ ارتعاش ذراعها قليلاً. وعندما ضحكت، بدا الأمر وكأنما من باب الارتياح لسلامتها الخاصة.
– لم أكن خائفة.
تغاضى عن الأمر. في الحالين، لم يظن أن ذلك مجرد خدعة إضافية من جانبها. كانت ساحرة شابة، واستطاع التأكد من ذلك بقدر معقول. وفي حين كان من الحمق الاعتقاد بأنها ليست خطيرة على الإطلاق، إلا أنه شعر ببعض الارتياح حيال ذلك. لكن تبدد خوفه لم يخلف سوى مساحة لنمو غضبه؛ أكان كل هذا ضرورياً حقاً؟ تفهم ربما رغبتها في اختبار مقدرته أولاً، لكنها أفزعته كاد عقله يطير. الساعات الطوال التي قضاها هارباً متسائلاً عن هوية من يتعقبه!
قال: – أتعلم، إن الخداع والمكر طريقة بائسة حقاً للتقرب أول مرة ممن ترغب في السفر معه. عضّت الساحرة شفتيها، مجعدة أنفها في وجهه، ومضت عيناها وميضاً، وظن للوهلة الأولى أنها أخذت الأمر إهانة أخرى. لكن بعد تفكير لحظة، لان وجهها. تمتمت ناظرة إليه: – نقطة عادلة. هاك — هبة، لأبرهن عن نواياي الحسنة. مدت يدها نحو وجهه بأيدٍ ترتجف قليلاً. تراجع مارتيميوس للوراء، لكنها اكتفت بالضحك.
– اثبت لحظة أيها الرجل!
أنت مصاب، أليس كذلك؟ أعرف شيئاً عن الشفاء، وبإمكاني تهدئة جروحك. تأثر مارتيميوس بهذا أكثر. طالما أخبره معلمه الأخير أن الشفاء أحد أصعب أعمال الفن. معرفتها بذلك في سن صغيرة أمر غير معتداول. وكانت نعمة مباركة من الحظ إتيانها بذلك، لكون مداواة جروحه أمراً جيداً للغاية، ورغم ذلك… عبست في وجهه حين تراجع عن لمستها مجدداً. قالت منزعجة وصوتها يحمل ألم غريب: – ما الأمر؟ أتريد لذلك الجرح على جبينك أن يخلف ندبة قبيحة؟
لا أستطيع محوه كلياً، لكن بإمكاني مساعدة شفائه. لك قسمي بأنني أدري ما أفعل ولن ألحق بك أذى. وضعت يدها على قلبها وأقسمت بوقار: – ليأخذ الغريب المظلم روحي في نومي إن كنت أكذب. تنهد حين مدت يدها إليه مجدداً. كانت يداها دافئتين بشكل مباغت على جانبي وجهه، بالنظر إلى برودة الخريف؛ دافئتين للغاية في الواقع، والخاتم الذي ترتديه شديد البرودة. شعر بإحساس غريب بالوخز يتمدد من لمستها، كالإبر والدبابيس في لحمه، لكنه غير مزعج.
أغمضت عينيها، ولاحق تعبير وجهها وهي تكلف نفسها بالتفكير أمامه. تمتمت: – أنت مصاب في جنبك أيضاً. لماذا لا تريد الشفاء؟ وأيضاً… شهقت فجأة، مفتوحة العينين على وسعهما، وانتزعت يديها من وجهه وكأنها لمست قدراً تُرك طويلاً على موقد الطهي. انتظر السؤال الحتمي، لكنه لم يأتِ قط. بدلاً من ذلك، بعد لحظات قليلة، وضعت يديها على وجهه مجدداً بشيء من الرهبة، ثم سحبتهما بعد لحظات أخرى برفق أكبر هذه المرة.
قالت بهدوء، كأنها في همس: – فعلت ما أستطيع لجبينك وجروح جنبك. والقطع في إبهامك. تفقد مارتيميوس نفسه. بدا الإبهام الذي قطعه لاستخلاص الدم لدرء الدولميك وكأن قطعه لم يكن قط. وشعر بأن جبينه ما زال متقرحاً، لكن ما تبقى من الجرح لا يعدو شفاء يوم أو يومين. واللحم حول جروح طعنات رجل النسر بدا أقل إيلاماً. قال بامتنان لا يقل عما لم تسأله عنه عن الشفاء نفسه: – أنا… شكراً لك.
رأى الفضول يصارع الحذر في تعبير وجهها، لكنها لم تضغط في الأمر. قالت وعادت الثقة ببطء لصوتها: – أترى؟ لا داعي للشح في ثقتك. أخذت نفساً عميقاً مستقرة، ثم رمقته بنظرة حادة.
– كانت تلك الجروح في جنبك على وشك التقيح، أتعلم.
كان من المستحيل عدم سماع كلمة «أيها الأحمق»
الضمنية.
– من الأفضل دائماً الوقاية من هذه الأمور بدلاً من علاجها.
بضعة أيام أخرى وما كان لشفائي أن يصنع شيئاً، إلا لو استغرق مني أسابيع لإتمامه. أتمنى ألا تكون أحمق لدرجة فعل هذا النوع من الأمور كثيراً. ألا ترى أننا نكون أفضل حالاً بالسفر معاً؟ تأملها وسط التوهج البرتقالي لنار المخيم. حاولت تبني نظرة صارمة، لكن الدخان انحرف ليضرب وجهها فكعلت وسعلت مبتعدة متمتمة لنفسها. الواقع أنه كان يميل لهذا التفكير. شعر حتى قبل تعقبه بأن الغابة موحشة.
وسيكون من الجيد تبادل المعرفة معها — فهو مهتم جداً بمهارتها في الوهم والشفاء، وما يمكنه تعلمه منها. لقد أظهرت نواياها الحسنة، أليس كذلك؟ توجب عليه تذكيرها بأنها ما زالت تتعقبه عبر الغابات وطرحت فكرة حز حنجرته بعفوية. عبس دارساً وجهه، متسائلاً عما إذا كان يتصرف بتهور لكونها جميلة. كان شاباً بما يكفي ليأسره الجمال، لكنه كبر بما يكفي ليدرك ذلك. انحنى إلى الأمام لرفع الأرنب عن النار، وأسند سيخه ضد صخرة ليبرد.
قال ببطء، مراقباً البخار المتصاعد من جلده: – ربما تكونين محقة. انتقلت عيونا إليز نحوه بحماس سافر أيضاً. ولم يستطع منع تذكره لكيفية ارتعاشها حين لمس ذراعها. بحث عن الكلمات المناسبة.
– بإمكاني مرافقَتُك خارج الغابة، والخروج من دائرة الخطر، وضمان سلامتك.
لكن إلى جانب ذلك، أستتشعرين… الراحة، في السفر وحدك مع رجل؟ شبكت إليز ذراعيها ورمقته بنظرة فضولية.
– ولم لا؟
أوه، لقد سمعت الكثير عن مدى خطورة الرجال، لكنك تبدو آمناً تماماً بالنسبة لي. وما الرجل إلا امرأة بقطعة مضحكة بين ساقيه؟ ضحكت حين تأوه دهشة لكلامها غير اللائق. لكنها احمرت خجلاً أمام نظرته الصريحة.
– لست طفلة.
وأنا أعلم ما يفعله الرجال والنساء معاً. لا تبدو كمن ينوي استغلالي. وإن حاولت، فسأحولك إلى فراشة. رفع مارتيميوس حاجب تشكك، لكنه عجز عن كبح الحماس في صوتها.
– أتعرفين حقاً كيف تفعلين ذلك؟
اعترفت: – آه… لا. عبست لكونه كشف كذبتها.
– أسنأكل ذلك الأرنب أم لا؟
خمن أنه برد بما يكفي الآن. لم يرى أي مخلاة معها — ربما تركتها في مكان آخر — فعرض عليها بعض خبزه وجبنه ومخللاته لتأكلها مع حصتها من اللحم. كان يملك مؤونة تكفي وتزيد. ومما أثار دهشته بعض الشيء، طلبت فخذاً واحداً فحسب. أقر لنفسه، حين وقفت لالتقاطه، بأن شهيتها المحدودة تبدو منطقية. وحين وقفا معاً، استطاع إدراك أنها كانت قصيرة القامة نسبياً. صحيح أنه كان طويلاً، لكنها لم تصل سوى إلى صدره، وكان عليها إمالة رقبتها للنظر إليه.
غير أن قبعتها المدببة علت بما يكفي لتتجاوز رأسه. رغم طلبها القليل، فقد أكلت بنهم طائش لدرجة عجز معها عن عدم التحديق. لم يكن مارتيميوس متكلفاً في طريقة أكله، لكنها التهمت اللحم وقضمت بنهم عصارة العظم، حتى تيقن أنها كانت تتضور جوعاً. وارتبك حين عرض عليها المزيد فرفضته، رابتة على بطنها مدعية الشبع حتى التخمة. وفي لحظة انتهائهما من الأكل وقذف العظام في النار — نظف مارتيميوس حصته حتى النهاية، فقد ألهب الأيام الأخيرة شهيته حقاً — انضخت ومضة حمراء داخل السقيفة.
وما هي إلا لحظة حتى كان فليت يرفرف ذهاباً وإياباً حول رأس إليز، ناقراً قبعتها، بينما تخمش مخالبه الصغيرة شعرها بلا جدوى. زقزق بغضب محموم، وصدحت الجدران بطلباته لمعرفة هويتها وما تفعله. أما إليز، فبدت مستغربة في الغالب، وربما ما كانت لتكون كذلك لو أدركت ما يقوله فليت عما سيفعله بمقلتيها إن وصل إليها. قالت متمنية تفادي غوص فليت: – كنت أتساءل أين مرافقك. لقد رأيتك تبحث عني مرات عديدة أيها الصغير، لكنك لم ترني قط.
وبسماعه ذلك التحدي، ازدادت تهديدات الحسون دموية. نادى مارتيميوس على فليت بلغة الطيور، قاطعاً ثرثرته الدموية، وشرع في شرح وجود إليز لمرافقه بينما استقر الطائر الأحمر الصغير فوق إصبعه. كان فليت ساخطاً، من واقع الحرج ظن مارتيميوس، لعدم رصده إياها. وحين سأله مرافقه عما سينجز معها، توقف، ثم تحدث بلسان البشر لأجلها. قال ناظراً إليها: – أظن أنها سترافقنا، لوقت على الأقل.
انتفخ فليت وارتفعت عرفته، بينما ابتسامة إليز وأومأت. لقد اتخذ الخيار الوحيد الممكن حقاً. كانت غريبة، وما زال لا يحب تعقبها له، لكن الحقيقة هي عجز كليكما عن رفض عرض مساعدة صادقة. ورغم غرابتها، اعتقد حقاً بصدق الساحرة. وحتى لو لم يحتج المساعدة أو لم يردها، لما استساغ تركها وحدها بعد قدومها لطلب العون. رغم امتلاكه أسباباً أخرى. قال محاولاً استرضاء فليت ببعض فتات الخبز السخي: – إن كنا سنتافر معاً لبعض الوقت، فأود تعلم ما تعرفينه عن الفن.
اهتم بالوهم تحديداً؛ لطالما شعر بالاختناق لضياع موهبته الطبيعية فيه مع معلم لم يكن يعرف الكثير عن الصنعة ولا يهتم بها.
– بالطبع.
أود تعلم ما تعرفه عن الفن أيضاً، والمزيد غير ذلك. لم أكن أعلم أنك تتحدث لغة الطيور. طال النهار، وبين الدفء المهدئ لنار المخيم، وراحة علاج جروحه، والوجبة المشبعة، أدركه الإפיاه الذي تراكم في مارتيميوس طوال أيام الهرب الماضية. بالطبع، رغم إبلاغ فليت بعدم رؤية أحد على الطريق، ومضي يومين منذ رؤية أو سماع الشياطين بنفسه، لم يستطع التساهل بعد. لذا، تناول عوداً وباشر برسم التعاويذ حول المخيم للتحذير من اقتراب أحد.
تبعته إليز ويداهما مغلولتان خلف ظهرها، مترقبة باهتمام ما ينقشه في التراب متسائلة. معلمه الأخير هو من درّبه على التعاويذ، وكانت رائعة بطريقتها، رغم أن دراستها شاقة ومحبطة. أخبره معلمه أن جزءاً من الفن لغة خفية، لغة حقيقية تصف كل ما هو في أنقى صوره. في هذه اللغة، النطق بشيء أو قوله يعني حدوثه فحسب، ولو ألمّ المرء بها كاملة لملك السيطرة على كل شيء. لكنها ضاعت، وتكسرت معرفتها في ملاحم قديمة أُهملت ولم يبق سوى شظايا، منطوقة ومكتوبة، وكل ما عُرف من التعاويذ تمثل في تلك الشظايا.
لم يكن مارتيميوس متأكداً من تصديقه لذلك بالضرورة. إن كانت لغة معينة أساسية للفن إلى هذا الحد، فلماذا يتسنى فعل الكثير دون التلفظ بها أو كتابتها أصلاً؟
حين يخاطب اللهب، يستعمل لغته الخاصة، أو ينقر أحياناً بأصابعه — واكتشافه تسبب اندلاع تلك الأصوات لإشعاله رغم جهله بالسبب — وأحياناً لا يتكلم قط، لكنه لم يستعمل تلك اللغة "الحقيقية"
المزعومة أبداً. اكتفى معلمه بالابتسام، مبيناً أن أي لغة تقترب بالشكل الكافي يمكنها قيادة الفن، لكنه سيغدو أقوى بكثير لو عرف الكلمة الحقيقية للّهب. ومهما تكن الحقيقة، فلا يمكن إنكار أن بعض التعاويذ امتلكت قوة واضحة، وأمكن إنجاز أمور بها لم يدرِ سبيلاً لفعلها سواها. وبعد تكرار إليز المحاولات قليلاً دون نجاح لتقليد تعويذته — تطلب الأمر ممارسة ودقة متناهية، ليس في الرمز الأخير فحسب بل في طريقة رسمه — حل الظلام بالفعل، وبات يعاني صعوبة في إبقاء عينيه مفتوحتين.
وحين استلقى مهيئاً لإلقاء التراب على نار المخيم — استطاع إطفاءها بالفن، لكن التراب كان أسهل لنار بهذا الحجم — توقف. طالما اعتياده قدرته على سحر ملابسه لتدفئته لدرجة نسى معها صعوبات ما يفعله بدونها. سيبقيه فنه مريحاً طوال الليل في برد الخريف، لكن إليز لم تملك ذلك. ولم تبدُ مرتدية ما يناسب التدفئة أساساً. كان زيها أسود ونصف رداء ونصف ثوب، متعدد الطبقات، لكن العديد من تلك الطبقات بدا رقيقاً من مادة لم يتعرف عليها.
وبدا التنورة مطوية، أو حتى مقصوصة في تلك الطبقات الطويلة، مما قد يكون مفيداً للحركة لكنه ربما كان بارداً. لعرض استخدام فنه لتدفئة ثيابها، لولا كونه توازناً دقيقاً وجب تحقيقه دون ضمانة قدرته على إيجاده دون ممارسة بمواد مغايرة لما ألف العمل بها. ومع ذلك، فحين همّ بإخماد النار، لم تظهر أي علامات برد أو تعترض. لا بد أنها رأته يطيل النظر إليها فلوحت بيديها بكسل، بينما تصنع لنفسها فراشاً من الأوراق الجافة لتستلقي عليه.
أخبرته: – لا تقلق بشأني، فهذا القر الشتوي بالكاد يمسني. تعجب من ذلك، بينما انطفأت النار واستقرت عتمة حقيقية. سمع عن شماليين اعتادوا برد الشتاء القاتل لدرجة كادت لا تشعرهم ببرودة الخريف الأقل، وربما كانت كذلك. أو ربما امتلكت سراً آخر من أسرار الفن أبقاها دافئة. ورغم إرهاقه، استلقى مستيقظاً في الظلام لوقت طويل، وراسه على مخلاته، مدركاً حضورها بوضوح. مر وقت طويل منذ لم يستمع سوى صمت الليل قبل نومه.
صوت تنفسها، وحفيف فراش الأوراق الجافة، أزعجاه. وكذلك دودة الريبة في أعماق قلبه. *ماذا لو كنت مخطئاً؟* همست له. *ماذا لو كانت تنوي الانتظار حتى تنام، ثم تحز حنجرتك؟* لو كان أقل إرهاقاً، لربما منعته تلك الأفكار من النوم طوال الليل. وكما كان، دفنها الإرهاق وسرعان ما غرق في نوم عميق.