رحلة الغرب، في الظل الفصل 3 — المطاردة

اقرأ رحلة الغرب، في الظل الفصل 3 — المطاردة باللغة العربية على مانجا تايم.

3. مطاردة كان هلال القمر النحيل الأصفر يرمق مارتيموس بسخرية وهو يجبر نفسه على المضي قدماً في سكون الليل البهيم، وقد نال منه الإرهاق مبلغاً. أدرك أنه فقد ذلك الكيان الغامض وسط المطاردة، فعاد أدراجه مسرعاً صوب منزل بريت والطريق، من دون أن يضيع وقتاً في استئناف مسيره. لم يكن الشياطين كاذباً. يستحيل عليه المكبث في مكان رصده فيه شخص يقتفي أثره. لكن لماذا؟ لماذا كانوا يطاردونه؟

عجز تماماً عن معرفة هوية ذلك الشخص ذي العباءة القاتمة. لم يلمح من وجهه سوى ومضة باهتة وسط الظلام، وهذا كل ما في الأمر. لكن شيئاً ما ملأ قلبه بالرعب. قبعته ذات الحواف العريضة والمدببة. يرتدي الكثير من المسافرين قبعات ذات حواف عريضة لتقيهم الحر، لكن ذلك الطراز بالذات كان يُعرف به عادة من يمارسون الفن. ليس في كل مكان، حقاً. لم يرتدها مارتيموس قط، ولا من علّموه. لكن كلما اتجهت غرباً، زاد رؤيتك لها.

وكان الأمر منطقياً للغاية. فالشخص المتبحر في الفن يمتلك المعرفة ليواري شخصيته، ويتسلل خفية دونه أن يُرى، ويكون عصياً حتى على رصد فليت. رمق بصرَه كتفه، حيث حطّ مألوفه هناك في سبات متقطع. جادل فليت رافضاً امتطاء كتفه، لكن مارتيموس أدرك أن كبرياء مألوفه سيدفعه للتحليق حتى يسقط ميتاً من الإعياء، طالما أن ذلك يضمن مواكبة سيده. وقد يحتاج إلى الطائر الصغير ليحلق ويستطلع له قريباً.

الأجدر إذن أن يتركه ينام ما استطاع. ولم يشأ أن يقترب فليت كثيراً من مطاردهم أيضاً. فمن يتقن الفن يستطيع تقييده وإسقاطه من كبد السماء فوراً. ومن يتقن الفن يستطيع مفاجأته نائماً، وتجاوز تعاويذه، وذبح رقبته. فلماذا لم يفعلوا؟ لماذا كانوا يقتفونه؟ الحق يقال، حتى لو لم يرَ مطارده، لكان عليه الفرار. لم يكن واثقاً ممّا حلّ ببوكستون بريت، لكنه افترض حتماً وجود رجال نسور آخرين سوى ذلك الهالك الذي رآه.

ربما أفلت المطارد. تمنى لو يصدق ذلك. لكنه ما كان ليقيم هناك ويخامر مخاطرة عودتهم. لم يكن لديه أدنى فكرة عما تكونه تلك المخلوقات، فلم يسمع لها ذكراً قط، ولا حتى في كونغار حيث يقطن البشر على حافة الغابة مباشرة. ولم تحذره الأم بريس منها هي الأخرى، وهي التي تعرف الدولميك. ثمة جن لهم ملامح حيوانية، وكان يعلم ذلك، لكنه لم يظن أن هؤلاء جن. سمع عن بشر يتقمصون صور الوحوش ليغدو أشبه بها تدريجياً، لكن قط ليس بصورة نسر.

لا مبالاة. ربما كانوا شيئاً آخر، شيئاً من الخارج، شق طريقه إلى هذا العالم. لم تكن تلك الأمور مستهجنة هذه الأيام. تذكر معلمه الأخير؛ وما زالت رأيته للعجوز البدين نديب الوجه وهو يهتز على كرسيه وينفث دخان غليونه ماثلة أمامه. العالم واهٍ يا بني. يغدو رقيقاً في كل مكان. يبهت، ويتسلل الخارج عبر الشقوق. سرّ مارتيموس بحذره. بعد فترة وجيزة من فراره، حين جن الليل وبدأ القرّ ينهش، سمع أصداء صرخات في الأفق البعيد.

بدت كصرخات النسور المشققة والمصفرة. ورغم أن صوتها جمّد الدم في عروقه، فقد أرغم نفسه على الإصغاء بتمعن. لم يكن خبيراً في تلك الأمور؛ وربما استطاع من خبر الغابات أداء مرامٍ أفضل، لكنه ظن أنه يسمع ثلاثة على الأقل يتنادون. وربما أكثر. دفع نفسه بخطى تكاد تبلغ الجري، محاولةً ترك تلك الصرخات خلفه. والمطارد أيضاً. ربما استطاع المطارد، أياً كان، محادثة رجال النسور وإخبارهم بوجوده.

أمضى وقتاً طويلاً يلتفت وراءه، مرعوباً مما سيراه، بل وكان يمشي خطوات إلى الوراء أحياناً ليتبيّن وميض شعلة تتبعه في البعد. ولم يحصد من ذلك سوى كعبه الذي كاد يعثر به. وبالكاد أتاه ضوء النجوم ليبصر طريقه. لكن لولا الطريق لكان السفر عبثاً. مرت ساعات منذ سمع الصرخات آخر مرة، فتباطأت خطاه. أدرك وجوب التوقف قريباً. اعتاد قطع مسافات طويلة، لكن سديله تخدّر، وتورمت قدماه داخل حذائه.

تيقن أن المشي غداة اليوم سيكون مؤلماً، ولو أمعن في إجهاد نفسه لما استاب له الحراك بعيداً. فارقه الدم المحموم بالذعر منذ تلاشت تلك الصرخات، ولم يعد يدفع إرهاقه بعيداً. أيقظ فليت بلطف، وسأله همساً خافتاً إن كان باستطاعته التحليق مرة أخيرة هذه الليلة، عالياً، ليتلمس أي أثر لمن يتبعه؛ أضواءً في الأفق، أو أي شيء. استشاط مألوفه غضباً لاستيقاظه جراء مساس بكرامته — إذ لم يرغب في النوم وها هو يرفض الاستيقاظ الآن — لكن الطائر انتفض رغم ذلك وانطلق في كبد السماء.

وإذ فعل، ترنح مارتيموس خارج الطريق إلى داخل الأحراج، منقباً، ولم يلبث أن عثر على بغيته؛ فجوة ملائمة في جذع شجرة زان عجوز مجوف، وقد غطت الأرض طبقة كثيفة من الأوراق اليابسة. رصدها من حافة الطريق، وأمل أن تصلح مخبئاً جيداً. فضل التوغل أكثر في الغابات، على الأقل إلى أن يتوارى الطريق تماماً، لكنه استحال عليه قطع دروب وعرة بأمان وعمق الليل هذا. وبالكاد ملك من الضوء ما يكفي لخدش رُموزه في التراب، تلك التعاويذ التي ستنذره إن اقترب أحد منه نائماً.

عاد فليت بلا أنباء عن أضواء أو أمارات ليلية توحي بملاحقته، وحطّ بين أغصان الزان. استقر مارتيموس بين الجذور، مجللًا نفسه بالأوراق الميتة، ثم رقى تعويذة إبهام تحفظه مستتراً. أوتي موهبة في تلك الأمور؛ فقد واتته بالفطرة دوماً، رغم جهالته بها — فلم يعلمها معلمه الأخير سوى القليل، وعلمه عوضاً عن ذلك استخدام الرموز، وصياغة الفن في طلاسم كالصيغة التي استعملها لإرساء تعاويذه، أو الدائرة التي حبس بها الدولميك بعيداً.

لكن الإبهام قد يكون أمراً بسيطاً وخفياً. وسره الأكمن في فاعليته القصوى حين يلاطف ما يترقب الناس رؤيته. حين يبصر الناس كومة ورق، لا يتوقعون قط لمس أجزاء من ساحر تطل من تحتها، بل يتوقعون مجرد أوراق إضافية. وكل ما تفعله التعويذة هو إخبارهم بنعم، إنهم يرون ما يترقبونه. تؤتي أكلها حين تبصر من تحاول خداعه. بيد أن هناك سبيلاً لجعل السحر يجدي لكل من يرمقه. همست للعالم ذاته بأن الوهم حقيقة.

وبلغ مارتيموس أن تلك الأعمال سبيل لبلوغ أسرار الفن الأعمق، لكن ما دراه لم يعدو شائعات بلا يقين جليّ. لست بمرتجى حماية سوى إن استطاع المطارد حقاً تسخير الفن. فحينها يكشفه لا محالة. وحسبه ذلك. بلغ مارتيموس من الإههاق مبلغاً عجز معه ذعر ما يتربص به عن إبقائه يقظاً. وبدت عباءته سوداء الفرو، الملتفة حوله والمدفأة بالفن، أكثر بعثاً للطمأنينة إزاء الصقيع الملسع الذي خاض فيه.

بضع ساعات من النوم، فكر مارتيموس، ثم فطور شهي، ومسير نهار كامل مجدداً، لتبلغ بي أقصى ما أستطيع بعيداً عن رجال النسور... ولم يكمل فكرته قبل أن يهوي في سبات عميق بلا أحلام. ===***=== استيقظ شاخصاً إلى سماء رمادية باهتة. من تلك التي تصفو في ساعة، أو تتلبد بعواصف رعدية. بَدتا ساقاه كقطعة رصاص، ودرى أن دماءً جديدة تحركها الحركة وحدها ستخفف وجعها. أنصت هنيهة إلى صوت مألوفه يغرد ملقياً التحية على ضياء النهار.

وبحكم غلالة النوم التي تغشيه، استغرق وقتاً ليدرك أن فليت لم يكن ليفعل ذلك. بل كان يتلفظ بشيء عبر تغريده. كان يقول إن رجل نسر يقترب عبر الطريق، وسيبلغ المحل قريباً. تجمد مارتيموس. أطلق صفيراً رادّاً لفليت بأنه سمع، وأنهما يجب أن يلزما الصمت. فمن يدري إن كان هذا المخلوق يعلم شيئاً عن لغات الطيور؟ فهو يشبه الطير في النهاية. ببطء، وبالقدر الذي يحفظ سكونه، التقط قوسه النشاب من حيث وضعه جنبه، وألقى سهماً في جوفه.

أمسكه نحو صدره، مرهفاً السمع. وبحكم موقعه، توارى عن الطريق بفضل جذع شجرة الزان الذي استند إليه. انحدرت التضاريس عن الطريق متوغلة سريعاً وسط أدغال كثيفة. وحتى لو انتفى الوهم الحקيقي الحافظ له، فلم يظن أن أحداً سيلحظه من الطريق. هكذا آثر الاعتقاد على الأقل. يستحيل أن يكونوا يقتفوني. يطاردونني. لقد لعنتني الأقدار حقاً إن كانوا يفعلون. أرجوك، دعهم يتجاوزوني. أو الأفضل، استديروا وارجعوا من حيث أتيتم.

ومهما أمعن في الإصغاء، عجز عن سماع خطوات. لم يسمع سوى حفيف الريح في الأوراق، وهديل حمامة بعيدة، ونبض قلبه الذي يقرع في أذنيه. أمﺎ زال قادماً؟ حتماً كان فليت لينبس بحرف لو استدار. وفجأة، تيقن من وجوده هناك. استبدّ به شعور بالخطأ؛ كجرح في فمه عجز عن كفكفة العبث به بلسانه، أو حصاة في حذائه عجز عن نزعها، أو سماع عازف يخطئ نغمة كمانه وسط معزوفة محبوبة. انتابه إحساس بشيء في غير محله، بشيء ما كان له أن يتواجد هنا أصילاً.

اهتز القوس النشاب بين يديه. دعه يمرّ. لكنه لم يفعل. ظل الشعور مخيماً لفترة طويلة ومؤلمة. ثم أمكنه سماعه. ليست خطوات، كلا، بل صوت طقطقة وصك يصدره منقاره فيما يبدو. ارحل أيها المخلوق الملعون البائس، حدث مارتيموس نفسه، كأن أمنياته قادرة على تبديل الحقائق. أيها الابن اللعين بلا أم، ليت الأقدار تقلع قلبك، فقط ارحل. لكنه لم يبرح. ولم يبرحه الشعور، ولا صوت الصك، وانبرى صوت آخر ليلوي قلبه في صدره.

أصوات خطوات تقرمش الأوراق. صرخ فليت بذعر مبهم، وانطلق من غصن الشجرة. غادر المخلوق الطريق مقبلاً نحوه. تجرأ على الحركة حينئذ، متسللاً حول الجذع المعقد ليلقي نظرة أوضح على المسخ. وها هو ذا، واقفاً بقربه تماماً وسط الأدغال المتشابكة والميتة. وكرفيقه، ارتدى الجلود حيثما عري عن الريش الرمادي الباهت. كان ظهره مواجهاً له، ورفَع منقاره عالياً يستنشق الهواء، مترقباً مسار طيران فليت، ويطقطق لنفسه.

هكذا اهتدى إليّ، فكر مارتيموس بجهامة. بمقدوره صناعة وهم يخادع الأعين، لكنه عجز عن صنع واحد يخدع الأنوف. واستغل الفرصة، فرفع قوسه النشاب مسرعاً وسدد. ما أراد سوى لمحة، لكنه استحال أن ينجو دون قتل المخلوق، وها هو ظهره موجه إليه. وحين توقف لضبط أنفاسه وتسديده، انفتح قفا رأس المخلوق وسط الزغب المتساقط، لتحدق به عينة صفراء ساطعة مباشرة. انتفض مارتيموس مذهولاً، وكاد يسقط قوسه، فالتوى المسخ برأسه خاطفاً، ومسمراً إياه بنظراته.

كيف تسنى له ظن أعين أولئك الشياطين بشرية قط؟ ما صح ذلك إلا في الممات. وحين تحيا، يتأجج في محاجرها جنون وجوع برّي متحرق لا يبصل للشر بشر صلة. صرخ، صرخة نسر، لكن يشوبها ما جعلها تبدو أقل كشخير حيوان أبلة وأكثر كعواء غضب. وانقضّ يخترق الأدغال نحوه، وما ملك مارتيموس إلا ومضة زمن ليرفع قوسه النشاب ويطلق. ابتسمت له الأقدار، إذ تشبث الشيطان بحلقه وأطلق غرغرة، فتباطأ عدوه المجنون، غير أن ذلك لم يثنه عن الارتطام به بعيداً بلحظات.

وهنيهة، غدا الكل صراعاً وفوضى. هوى على الأرض — ولم يتذكر حتى لحظة سقوطه — وبات المخلوق فوقه. ومنقاره النازف دماً ينطبق وينفتح بقرب وجهه حتى ظن أنه فاقد أنفه. وبيد واحدة، دفع ذلك الوجه بعيداً — عين واسعة ومجامحة تشتعل جوعاً ترمقه — غرز إبهامه فيها — فصرخ الشيطان عالياً حتى ظن أذنيه ستنفجران — وتخبط باحثاً عن سيفه باليد الأخرى — واجتاح جنبه ألم عارم، مرة واثنتين — ثم اهتز المخلوق، وتلاشى عنه كل بأس.

أدرك مارتيموس إمساكه بسيفه، وشفرته مغروزة في صدر الشيطان. عجز عن تذكر كيفية حدوث ذلك. دفعه عنه، نازعاً نصله بعئيف، ليرقد مرسلاً أنفاسه الأخيرة، وعيناه تخبرانه بمدى كراهيته حتى آخر مِقْشَاطٍ من روحه، إلى أن غرز سيفه في وجهه فارتجّ والتوى ليستقر ساكناً في النهاية.

"كان لزاماً عليك بالطبع"، قال مارتيموس للجثة وهو ينتزع سيفه.

"كان لزاماً أن تمتلك عيناً في قفا رأسك القذر".

ومقت ذلك الشيء البغيض بالمثل. فحتى مُميتاً، بعث فيه شيئاً من الاشمئزاز فاق ما يتوقعه المرء لمجرد كونه شيطاناً فحسب. ولم يدري لِمَ. عاد فليت محلقاً بfrom منخفض ليحط أرضاً جانب وجه المخلوق المهشم، وصدح بأنشودة ظفر، مغطساً منقاره في الدم. وبدا أنه عدّ مصرع هذا الشيطان أمراً جليلاً حقاً؛ إذ أهين من استهزائه بالهيئة الطيرية. ولطائر صغير، بلغ مألوفه مبلغاً دموياً شديداً.

"ما زلنا في مأزق"، قال له مارتيموس.

"امض واستطلع وأنبئني إن رأيت غيره بالجوار. لا مبيتنا هنا".

ومراقباً فليت يبتعد خفقاناً، انتصب وتأوه إذ تفشى فيه ألم لاسع. غطته الدماء، ولم تكن كلها لرجال النسور. وحمل الشيطان خنجراً طويلاً بيده، متبللاً بدم أحمر، وتحسس مارتيموس دماءً تسيل على جنبه من موضع خدشه به. على الأقل، لم تكن الجراح بعميقة، حسب ظنّه. وتمنى لو أن جلوده تلقت جل الضربة. تمنى، إذ لزم عليه ذلك، وفقاً لما أدركه بجفاف. لم تحتمل جراحه عمقاً مجدداً لعدم استطاعته المكوث.

وما زال متخشب الإرهاق من مسير ليل نهار، وذهنه كليل لقلة النوم، نازفاً ومجروحاً وعجز عن التوقف للراحة مجدداً، مفترضاً حتمية وجود رفاق لهذا المخلوق يقتفونه. لزمه التحرك مجدداً، وعاجلاً. وأدرك، عن بعد، كنه شعور الملاحقة حتى الموت. كم ترتد الأقدار سرعة. فبالأمس فقط استيقظ بقلب يحدوه أمل إيجاد مرقد في منزل بوكستون بريت الليلة. والآن، بدا جلياً تعذر خروجه حياً من غابة الطريق الواحد.

كلا، لا أستطيع الموت هنا. أخبرني الدولميك بوجودي في سيلفِش، وسأكون هناك. عزاء زهيد، وجده مارتيموس طريفاً بعض الشيء. أن تنعش قلبه كلمات شيطان بهذا الخراب. لكنها الحقيقة؛ لم يدرِ مارتيموس الكثير عن النبوءة، لكنه درى تمتع الدولميك بقوة جمة في تلك الموهبة. أيعني ذلك ترجح صدق أقواله؟ وإلى أي مدى يبلغ ذلك؟ أيمكنه طرح كل حذر، متيقناً من ضمان سيلفِش؟ لم يشأ مارتيموس اختبار تلك النظرية حالياً.

جرى دمه حاراً وسريعاً جراء العراك، وإذ أحرق بما يكفي لإخماد إعهاقه نوى استغلال الأمر. جمع قوسه النشاب ومخلاته بسرعة، ومسح سيفه من الدم بعباءة سوداء الفرو قبل غمده. ولم ينتظر إياب فليت بتقرير؛ فمألوفه كفيل باجتذابه. وفك قطعتي خبز سفر جاف وقالب جبن صلب، وابتلعهما جشعاً أثناء مسيره، تاركاً فتاتاً منثوراً على جثة الشيطان. ===***=== ومهما بدا نشيطاً عند البدء، بدم حار معركةً، فلم يدم طويلاً.

خانه جسده. تضخمت أوجاع العضلات المجهدة وجروح جنبه مع مسيره، وتوارى ذعره بابتعاده وذهاب صرخات رجال النسور عن الأفق. ووجب شعوره بالخوف، حسب درايته. فالعثور عليه يعني تحديدهم لطلبه خصيصاً وملاحقته؛ وعدم سماعه لصرخات مطاردين لا ينفي تتبعهم له — فلعلهم سمعوا صرخات مصرع رفاقهم وصمتوا كي لا يفشوا أماكنهم. واتسعت مداركه لألف مبرر يوجب شعوره بالذعر ومنحه أجنحة للأقدام، لكنه عجز عن بث الخوف في جسده دون رادع ملموس.

كلا، بدا أن جسده لا يعي سوى الإعهق. آه، لو انقض الموت صراحة، لظن بقاء وميض مخزون لديه. غير أنه أدرك تماماً أن انعدام الراحة قريباً سيعدمه حتى ذلك. ترنح في مسيره، مجبراً ساقيه على الحركة رغم تيبس واهن ومؤلم مع كل خطوة، باحتكاك جلوده وملابسه الداخلية بجروحه وانتزاعها ألماً حاداً مع كل وطأة لحذائه بالأرض. وشعره البرّي، المعقود بأوراق نومه، تبلل عرقاً رغم صقيع الخريف.

أبلغه فليت بعجز رصد أي متتبع، وأي سلوان يجده في ذلك؟ فما زال مطارده ومقتفيه مصدر قلق. وربما تعاملوا مع الشياطين؛ ولو امتهنوا الفن، فلعله سبب استدعاء الشياطين لخدمتهم. وإن استتروا بالفن، فحتمية إخفاء خدمهم باستراب أكبر بعد رصده إياهم آنفاً. وافترض الأسوأ، حذراً لازماً عند محك الحياة. وهكذا أمضى يومين يمشي على هذا النحو، دافعاً نفسه لشفير تحمله، ملازماً الطريق حتى الغسوب وبلا جرأة إيقاد نار ليلاً، نائماً بخفة متلفعاً بالوهن ومحاطاً بالتعاويذ، وسيفه وقوسه النشاب جواره.

وبذل وسعه لتنظيف جروح جنبه، التي لم تبد عميقة، لكنها أعمق من مراده لتكسر التئامها بحركته الدائمة وإعادة فتحها. وأبقى فليت في مؤخرة الحراسة، مترقباً المطاردين، ولم يعثر هو ومألوفه على أي أثر لهما طوال يومين. ورغم بقاء السماء رمادية، خف المطر عن مجرد رذاذ، وحمد سيّده لذلك. وأخيراً، فجر اليوم الثالث، مستيقظاً من نوم متقطع تحت غطاء أغصان شجرة عجوز منهارة، استسلم. وسمح لنفسه بالأمل.

فربما سبق مطارديه، شياطينه ومطارده الفريد معاً. ولو واكبوا خطاه، لاجتاحوه حتماً الآن. ألم يفعلوا؟ وظن معرفته بما جرى. فلابد أن طائفة استحوذت على غابة الطريق الواحد، أو شطراً منه على الأقل. سمع حكايات كهذه، والقصص طبعاً. وكل من امتهن الفن عُزل عن العامة، إن لم يخَف. لكن ثمة سحرة ونساك هجروا بني جنسهم، وضاعوا وتواروا في البراري لممارسة السحر الأسود، وتحضير الأرواح، ومعاشرة الشياطين والغرباء.

وتذكر الأم بريس — فقد بدت بشرية بنصفها حقاً. ولعل تلك الطفة امتلكتها والدتها. لكن أهذا منطقي؟ فقد بدت ودودة مع بوكستون، ولحقه الحارس قتلاً على يد الطائفة يقيناً. هز مارتيموس رأسه. فربما جمعت الطائفة وببوكستون معرفة تقوضت مؤخراً، أو حدث غير ذلك. ورجح جهله بذلك أبداً. لكن بوجوده في حوزة طائفة، باركته الأقدار لنجاته. إن نجا حقاً. لقد نجا. ولا بد. وتوقه الجارف للراحة. ثرثرة كثيرة بلا طائل.

ومن يدري لو وجدت الطائفة أساساً؟ وذلك اليوم، أثناء انطلاقه، أبقى فليت للاستطلاع بالمؤخرة، بلا مبالغة في إجهاد نفسه. وعند الظهيرة وسلامته وخلو أثره، سمح لنفسه باستراحة صيد، مصيداً أرنباً وافراً بقوسه النشاب. وارتفعت معنوياته؛ وبه يأكل وليمة مساء، أو ما يسع المرء تدبيره بالدرب. خبز قاسي، جبن مالح، مخللات وأرنب مشوي وجبة طيبة تماماً. ومساءً، توقف قبيل انطفاء ضوء النهار.

وأيقن قلة مسيره حتى عن نصف يوم أمس، لكن أذنيه الحادتين التقطت خرير جدول قريب، ورأى حسنه معسكراً لملء قرب مائه والاغتسال. وخيار سليم، إذ انحدرت التضاريس هنا بعيداً عن الطريق حادة، وظفر بفجوة صغرى أسفل بروز صخري كرف، دافعاً جذوع الأشجار المتدلية. وسيتوارى جيداً هنا، عن الطريق، حتى لو أوقد ناراً. وأقام حلقة صخور وجمع حطباً لنار مخيمه، رامقاً السماء بحثاً عن فليت. غاب مألوفه طويلاً، لكن بلا قلق بالغ — فغياب الكاردينال ساعات طويلة غير مستهجن، ريثما يلمح ما يرى لزوم رؤية مارتيموس له.

وعلم إرهاق وتيرة مسيره لفليت غالباً، وقسوتها عليه أيضاً، رغم كبرياء الطائر الرافض للإقرار. وربما ظفر ببعض التوت له. تاركاً الأرنب ومخلاته، انطلق مارتيموس إثر خرير المياه. وبدا أبعد من مظنته بالصوت، وأوسع، جدولاً عريضاً ضحلاً بطيء الجريان ينساب بسلاسة فوق طمي ناعم وصخر مسطح، وتتمايل خيوط أعشاب مائية طويلة بكسل في تياره العابر. وانحنت صفصافات ذهبية الأوراق لتلامس التيار بأغصانها المتهدلة، وكان هدير الماء الخافت مسحاً مرحباً بقلب عصف به الذعر أياما خلت.

ملأ مارتيموس قرب مائه، ثم تجرد للاغتسال، مسرياً رعدة بجسده طالما وطئ الماء. بلغ الجدول برودة قارسة، جليدية. لكنه بعث طمأنينة، وغطى جلده وسخ ودماء مجففة. وغسل ملابسه أولاً، قدر الوسع؛ إذ دنست ويبست بدماء الشياطين ودمه. وبدت مياه عصرها بنية قذرة. وهمس لها بالففن، كالهمس لجعله دافئاً ليلاً لتدفئها سريعاً. ومثل ذلك السر أعظم مواهبه بالفن الملموس، والتقى حسّاداً له. وما استهجن تحكم ساحر بالنار، بل عسر ضبطها بدقة.

وبدت النار — حين يسوسها مارتيموس — كوحش مفترس، جوع يعظم بزيادة القوت. وتطلب الأمر مراناً لإيجاد التوازن الدقيق لتدفئة عباءته، لا أكثر. وأثناء غسله، تكرمض لمرور يديه بجروح جنبه. وعجز عن جزم عمقها المفرط، لكنها نزفت لانفتاق التئامها، وحار لحمها المحيط ووجع. وانعدمت معرفته بعلم الأعشاب أو الشفاء، راجياً عدم تقيحها. وهطل مطر لطيف. وبدا نقر قطراته على جلده مهدئاً. وترامت تموجات فوق سطح الجدول، مخيمة بسكينة وسلام.

وامتلكت الغابات تلك اللحظات الوديعة. ومؤسف خطورتها البالغة الآن. ولم تكن كذلك، فالطريق شاهد. وثمة ذكريات واهية فحسب، الآن، لعصر لم تكن البراري فيه مظلمة ورهيبة. وحتى بأفضل الأوقات، سافر التجار بحراسة مشددة. وما كانت تلك أفضل الأوقات. ومستغرقاً بالتفكير، وجد مارتيموس ناظريه عبر الجدول للضفة المقابلة. وهناك، أفسحت الغابة المجال للقبض، بأوراق حمراء وافرة ومذهلة، وجذوع تبدو كأنها سوداء مقارنةً.

وفرشت أرض الغابة، ببريق فاقع، حية حتى في الممات. وكلما أمعن النظر، غدت تلك الغابة بالضفة المقابلة أغرب، واستبان لمسها بشيء مألوف. وبدت جذوع القيقب السوداء كأعمدة، مشكلة مسارات.

"من أذن لك بالاغتسال في جدول لوب، أيها الغلام؟"

قفز مارتيموس، وكاد يتردى. والتفت حاداً، ذهاباً وإياباً، مبحثاً عن مصدر الصوت الأجش، بلا طائل.

"من هناك؟"

نادى، متراجعاً صوب الضفة حيث سيفه وقوسه.

"لا تجرين الآن. أجب عن السؤال."

وأخيراً، رصد مارتيموس المتحدث. وعلى الضفة المقابلة، متموضعاً فوق صخرة، صبي ضئيل. ولم يكد يربو عن طفل صغير، لكن ملامحه التوت، معقدة كجذور شجرة. وارتدى عباءة ذات قلنسوة بحمرة أوراق القيقب بالجدول، وعينان دقيقتان تتأججان فوق أنف مع عقدة ولحية بيضاء كالثلج. كفّ مارتيموس عن الحراك، مزناً كلماته.

"أنا... لم أعلم أن الجدول للوب. عذراً. أتنقل عذري لهما؟"

انتفض العجوز الصغير، مكشراً عن أسنان صفراء ومعقوجة.

"لوب هو أنا، أيها الأحمق الثرثار! وليتك تعتذر حقاً. رآك لوب تفسد جدوله الجميل بكل قذارتك. أيها الغلام الوسخ!"

واصطك أسنانه وضرب بقدمه، لتتسلل ابتسامة ماكرة على وجهه.

"لعل لوب يعلّم الغلام الوسخ شيئاً من الاحترام."

انحنى مارتيموس بانحناءة رسمية بقدر استطاعته عارياً.

"معذرة منك، أيها اللوب الطيب"، قال، بصوت يقطر عسلاً.

"أنا مارتيموس الساحر. لم أقصد إهانة. وقطعت سفراً شاقاً لأيام، وما أردت سوى الاغتسال بجدولك، بجهالة بملكيتك. ولو دريت، لاستأذنت."

وتحولت ابتسامة لوب الكريهة سريعاً إلى تكشيرة ألم.

"ساحر، ساحر"، تمتم القزم لنفسه، ممسكاً بملحيته.

"ساحر. تبّاً! لتمتلك بعض الأخلاق على الأقل. لوب يسامحك."

وبدا تلفظه بالأخيرة كمنتزع تحته تحت التعذيب. وتراجع مارتيموس لصوب ضفته، شارعاً بارتداء ثيابه. وبقيت ملابسه رطبة قليلاً، لكن بتشغيل الفن عليها، ستجف عاجلاً.

"وأستأذن مألوفي للاغتسال، والشرب من جدولك أيضاً؟ إنه كاردينال، ويدعى فليت."

زمجر لوب، قابضاً بسط قبضتيه.

"لوب يسمح بذلك!"

صرخ.

"طالما بقيت بتلك الكفة! هذه الكفة للوب."

وقفز الصغير كضفدع، ولم يرَه مارتيموس يحطّ أبداً. لقد توارى ببساطة. بلا صوته.

صيحة أخيرة، "ابق بعيداً!"، ثم صمت.

وأطلق زفرة ارتياح مطولة. وما عدَّ ذلك مستهجناً تماماً. فقد سمع ارتياد الجن لغابة الطريق الواحد. ورغم قلة دلالة ذلك وحده؛ فللجن أشكال شتى، بعضها بشري الهيئة تماماً، وكلهم ماكرون. بيد أن لوب خشي الفن، كغالب الجن، ولم يظن القزم خطيراً ما لم يتعمد إغضابه والالتزام بقواعده. ومع ذلك، تفكر بنقل معسكره. وفضل المبيت الليلة بلا قلق قرب قزم مزعج. لكنه استبعد الأمر نهائياً بالخاتمة.

ولم يرد عناء البحث عن بقعة جديدة؛ فقد هدأ الاغتسال عظامه، وأصدر بطنه غرغرة. وأراد طهي وجبة طيبة، والتدفئة بنار، ونوم هانئ لمرة منذ أيام. وسيتركه لوب وشأنه، طالما لم يعبر الجدول. وظل مستغرقاً في تلسك تأملاته عودة لمعسكره، ولم يتفطن للشخص، بقلبعة عسلاء واسعة الحواف، في عمق الظلال، مبتسماً له، إلا حين دفع جذوع الأشجار وخطا تحت البروز.